متخيل الطعوم: المبهجات والمفرحات

مقال فى مجلة
السويلم, أريج . 2018
نوع عمل المنشور
مقال
رابط النشر على الانترنت
وسوم
متخيل، نثر، تراث، أنثربولوجيا، سحر
مجلة/صحيفة
المجلة العربية
رقم الانشاء
503
رقم المجلد
503
الصفحات
11 - 13
تاريخ المؤتمر
ملخص المنشورات

مقال منشور في الملحق الثقافي للمجلة العربية متخيل الطعوم متخيل الطعوم : المبهجات والمفرحات
أريج السويلم
 
يعد الطعام ممارسة تندرج في سياق اليومي، وخصيصة إنسانية ينفرد الإنسان بها اختيارًا وقصدًا؛ ففعل الطعام عند الإنسان ليس وسيلة للإشباع ومسبب البقاء على قيد الحياة فحسب كما هو الحال عند الحيوان، بل يولد قسطًا هامًا من الأوصاف الدالة على الأحوال الإنسانية؛ إذ يوقع الإمتاع في النفس، ويضحي عند بعضهم وسيلة لردم ثغرات الجوع العاطفي أو النفسي، كما يحدث في نوبات الشراهة النفسية على سبيل المثال، ويغدو كذلك لازمًا من لوازم المشاركة الوجدانية كما يحدث في مراسم الزواج والإعذار (احتفالات الختان)  والعقيقة واحتفالات الأعياد ومراسم العزاء وما شابهها؛ فلا يمكن  تصور  احتفال دون طعام، ومن ثمّ فقد اكتسب الطعام أبعادًا نفسية واجتماعية وجضارية تتجاوز وظيفته الظاهرية المقرونة بالجوع فحسب. وهذه الحمولات لفعل الطعام أفرزت - بلا ريب-  جملة من المعتقدات والرموز، دفعت بعضهم إلى الاعتقاد بوجود طاقات سحرية كامنة في الطعام قادرة على استجلاب السرور ودفع الشرور عن النفس، وهي فكرة كونية نجدها في الثقافات القديمة أو في المجتمعات البدائية على اختلاف قيمها ومعتقداتها، غير أننا سنقتصر في هذا المقال على ما تردد ذكره في مدونات التراث العربي، فمهما تباعد الزمن وتباينت المراتب وتسيد العقل فإن الذهنية البشرية لا تنفك عن إسار ذلك المتخيل بوصفه المعطى المتشكل تاريخياً في الذاكرة الاجتماعية القابل للاستثارة في المواقف الحياتية المختلفة الذي يتضمن في طياته - بطبيعة الحال - خصوصيات تعكس ثقافات الشعوب، فالطعام على حد تعبير كارول كونيهان -صاحبة كتاب أنثربولوجيا الطعام والجسد- كالمنشور الزجاجي الذي يمتص الضوء ويحلله ذلك أنه يمتص مجموعة من الظروف الثقافية ويعكسها.
 
وقد قادنا  النظر في نصوص منوعة من المنجز التراثي إلى القول بأن التصورات في الطعوم الجالبة للفرح تتشكل عبر كيفيتين : أولاهما تقنية الإبدال المعجمي لبعض الطعوم من قبيل أخلاط معينة أو أطباق وثانيهما طعوم محضة تحدث انفعالًا لآكليها أو شاربيها كالفرح أو القوة أو التأثير في الناس، أما ما يتعلق بالإبدال المعجمي فيتجلى في اتخاذ اشتقاقات المادة المعجمية (فرح) أو مايشابهها وسمًا لبعض الطعوم، وهو ما يجعل المتلقي يستحضر دلالة الفرح بمجرد تلقي الكلمة، ومن ذلك شراب ( المفرح) وهو شراب يتكرر ذكره في كتب التراث، ومن بين ما يوصف به أنه يفرح القلب تفريحًا مفرطًا، وتختلف مكوناته فمنهم من يصفه بأنه مزيج من الزعفران والسكر الأبيض والقرفة، ومنهم من يجعله على أنواع تختلف مكوناتها تبعًا للطبقة الاجتماعية التي يصنف بها المرء -كما ذكر الغزولي صاحب كتاب مطالع السرور - فمفرح الملوك والخلفاء يختلف عن مفرح المتوسطين من الناس أو الفقراء إذ يمتاز بكثرة مكوناته ونفساتها، وثمة أنواع من المفرح باردة وأخرى حارة ! الأمر الذي يبرهن على أن شراب المفرح قد استقر في المتخيل العربي بوصفه شرابًا ذا قدرة على استجلاب الفرح وتوليده في النفس، وكان من رسوخ حضوره في الذهنية العربية أنه تصنف وتنوع حسب مكوناته ومقامات شاربيه، ومن طريف ما يذكر في هذا السياق أن طبقًا من الباذنجان كان يطلق عليه في العصر العباسي اسم (المغمومة)، غير أن ابن المهدي شقيق هارون الرشيد أطلق عليه لقب (الفرحانة) و مما قال فيها:
فهذه عندكم مغمومة حَزَنتْ         لكنها ما رأت يوماً من الحَزَنِ.
 
فرحانة تفرح الجوعان إن بدَرَتْ،     في صحفة كمِثال البدر في الدَجَنِ
وروي في لسان العرب أن الكمأة البيضاء يطلق عليها فرحانة، كما تكرر وصف حلوى القطائف في الأخبار بلذائذ النعيم وطعام الصابرين .
 وأما ما يتعلق بالصنف الآخر الخاص بالطعوم المحضة التي تكسب آكليها طاقة سحري فمنها الزنجبيل الذي يوصف بمفرح القلب ومقويه،  وكذلك الزعفران الذي يروى بأن له خاصية شديدة عظيمة في تقوية القلب وجوهر الروح وفيه بسط وتفريح، والترنجان الريحان المفرح للقلوب كما ذكر ابن سينا،  ومما يلفت الانتباه أيضًا هو توهم عمل طاقته حتى بمجرد ملامسته فقد ذهب بعضهم إلى أن حمل أوراقه المجففة في الجيب تجعل من حاملها محبوبًا مقبولًا وكل من يراه مسروراً. وفي سياق الطعوم التي تكسب آكليها هالة سحرية تورث المحبة، الوصفة التي نعثر عليها في كتاب مطالع البدور في منازل السرور والمنسوبة لابن زهر المكونة من ورق النعنع وورق النمام ومن حب القرع لتوليد روحانية المحبة. ومن تلك الطعوم فاكهة التفاح النافعة للروح كما قال ابن سينا، وينسج لها السيوطي مقامة كاملة نذكر منها " له خاصية عظيمة في تفريج القلب وتقويته، ذو عطرية تعد من أغذية الروح وأدويته من أنفع الأشياء للموسوسين و المذبولين أكلًا وشمًا(...)ومن خاصيته فيما ذكره الأطباء توليد النسيان (...)وهو يسر النفس ويحسن الخلق شمًا ومأكلًا" ولعل اللافت للنظر أن طاقتها السحرية مشعشعة تتجاوز السرور إلى توليد النسيان أيضًا .
 
 وبالنظر في سلسلة من الأحاديث الموضوعة- وهي ليست بالتأكيد ذات قيمة في مرجعيتنا الشرعية – إلا أنه لا يمكن إهمالها في هذا السياق؛ إذ إن واضعيها نسجوها تحت سطوة متخيل يضرب بطبيعته في أعماق اللاوعي الجمعي، وهو متخيل رأى في تلك الطعوم قوة خارقة من قبيل "من أكل الهِندِباءَ ثم نام عليها لم يحلّ فيه سمٌّ ولا سحرٌ"  ونلمح أثرًا لهذه الطروس عند السيوطي الذي يزعم بأن من الأطباء من يسميها البقلة المباركة لأن قطرات الجنة تبلل أوراقها.
ولا يكتفي المتخيل بشحن الطعوم بدلالات الفرح أو المحبة أو تحصين النفس، بل إن من الطعوم ما يُتوهم أنها تعين على التأمل والحكمة في نفوس آكليها، ويتجلى ذلك في طيات المؤلفات الفلسفية، فهذا ابن رشد على سبيل المثال يذهب إلى أنّ العنب والتين أحسن الفواكه لتوليدهما الحرارة والرطوبة في البدن ولقربهما من مزاج الدم، ولعل الاحتفاء بهما عائد إلى الحيز الذي يشغله التين عند الفلاسفة كسقراط  وأفلاطون الذي كان يكثر من أكله فاقترن بالحكمة والذكاء وسمي بصديق الفلاسفة، كما تعج بعض كتب التفسير بالإسرائيليات التي تقول بأن الورقة التي طفق آدم عليه السلام وزوجه حواء يخصفانها على عورتيهما  في الجنة ماكانت إلا ورقة تين. وبذلك نتلمس خيطًا للاحتفاء به في المتخيل الإنساني دون سائر الطعوم، وتتأكد خصوصيته في كينونتنا الثقافية عندما أقسم به الله تعالى في محكم كتابه "والتّين والزيتون" ولا يقسم سبحانه إلا بعظيم.
 ولا يقف اشتغال متخيل الطعوم عند حدود المعيش اليومي بل يتسرب إلى ممارساتنا اللاواعية إن لم يكن الحيز الأمثل لتجليه؛ فالنظر في كتب تفسير الأحلام قديمًا يدفعنا إلى القول بأن تأويل كثير من رموز الطعوم يمتح من المتخيل الإسلامي، فنعثر عند ابن سيرين على نصيب وافر مما يدعم هذا القول، فمن تأويلات التين على سبيل المثال مال وخصب ورجل غني كثير المال ومن رأى أنه يكثر منه يكثر نسله، والتفاح لمن يراه همته التي تهمه، فإن رآه ملك فهو ملكه وإن رآه تاجر فهي تجارته وإن رآه حراث فالتفاح يحرثه، وعضه نيل خير وربح ، وقد حكي أن هشام بن عبد الملك رأى قبل الخلافة كأنه أصاب تسع عشرة تفاحة ونصفًا ففسر ذلك بأنه سيملك تسع عشرة سنة ونصفًا فولي الخلافة المذكورة، والشعير مال مع صحة جسم لمن ملكه أو أكله، والزيتون دال على المال والمتاع ومن عصره نال خيرًا وبركة . وإن أمعنا النظر فإن هذه الرموز تستقطب دلالات السرور والنفع كما هي في المتخيل الإسلامي والمنجز التراثي أيضًا، فالتين والزيتون مما أقسم به الله تعالى في محكم كتابه كما بينا، والشعير من الطعوم التي تذهب الحزن كما ثبت في الصحيحين قول الرسول صلى الله عليه وسلم "التلبينةُ مُجمةٌ لفؤادِ المريضِ، تذهب ببعضِ الحزنِ"  والشعير هو المكون الأساس للتلبينة التي تكاد أن تتحول إلى وصفة شفائية معمول بها حتى وقتنا الحاضر، أما التفاح فقد أشرنا إلى أنه يحظى بحفاوة في كتب التراث،  كما يحيل إلى شبكة ضخمة من المرجعيات الدينية والأسطورية والشعبية يُتخذ فيها التفاح رمزًا للغواية إذ إن أكلها كان سببًا لخروج سيدنا آدم عليه السلام من الجنة كما تذهب بعض الأخبار وبالنظر في تأويلاته في سياق تفسير المنامات فإنه لا يخرج كثيًرا عن حيز الدنيوي والمادي .
وعليه، فإنّ علاقة الإنسان بالطعام لم تكن حكرًا على الدافع الغريزي فحسب والمتمثل في إشباع الجوع والرغبة في البقاء على قيد الحياة، بل سعى ومازال إلى شحن الطعام بطاقات سحرية وتصورات قيمية يكتسبها منه بفعل الأكل/ الإدماج، وهي تصورات تنهل من رصيد المتخيل البشري والديني أيضًا، وبذلك ندرك الدافع التعويضي من متخيل الطعوم المبهجة أو المقوية للقلب أو المحصنة للنفس المتمثل في تكييف الذات مع إكراهات الواقع ومخاوفه، فعبر فعل الطعام يمكن للمرء أن يبتهج ويحتفل ويمارس التأمل، وأن يتخلص من همومه ويكسب محبة الآخرين وإقبالهم بالطعوم ذات طاقة الجذب السحرية !