التعليم والسلة الواحدة

حرصا على صحة أعضاء المنظومة التعليمية والأهالي في ظل أزمة كورونا، استقبل الفصل الدراسي الحالي وسابقه طلابه وطالباته في كافة المراحل التعليمية بطريقة استثنائية، غير معهودة منذ تأسيس النظام التعليمي في المملكة العربية السعودية. فبدلا من التوجه لفصول الدرس التقليدية في المدارس والجامعات للتعلم، اتجه الطلبة والطالبات للفصول الافتراضية عبر الفضاء الالكتروني من خلال المنصات التعليمية عن بعد. وبالرغم من وجود خبرة حديثة في التعليم عن بعد لدى أغلب المستفيدين من النظام التعليمي في مملكتنا الغالية، شكلتها الجهود التوعوية لوزارة التعليم، تزامنا مع مرحلة التحول المفاجئ للتعليم عن بعد في منتصف الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي1441-1442 هـ بسبب انتشار فيروس كورونا حول العالم، إلا أن هناك العديد من الأسئلة حول جودة وفاعلية العملية التعليمية عن بعد قد يكون من المهم بحثها من أجل توجيه العملية التعليمية حتى في مرحلة ما بعد الجائحة.

 

أحد هذه الأسئلة يدور حول إمكانية اختبار أساليب أخرى للتعليم عن بعد بدلا من حصر تجربتنا في أسلوب التعليم عن بعد المتزامن الذي يتضمن الاتصال المباشر بالطالب، إما عن طريق المحادثة عبر الإنترنت أو الفيديو، والذي تم استخدامه أسلوبا للعملية التعليمية في ظل الجائحة. فمثلا، يمكن استخدام أسلوب التعلم عن بعد غير المتزامن، الذي لا يتطلب تفاعلا مباشرا في وقت محدد بين الطالب والمعلم، حيث بدلا من ذلك، يتم توفير المحتوى التعليمي عبر الإنترنت للطلاب للوصول إليه في الوقت الذي يناسب جداولهم، ويطلب منهم إكمال مهام أدائية في أوقات محددة. من خلال الاطلاع على الأدبيات العلمية في هذا المجال، تجد أن نتائج عدد من الدراسات التي تقيم ما إذا كان هناك فروق بين هذه الأساليب التعليمية عن بعد (متزامن مقابل غير متزامن) على مستوى التحصيل الدراسي، تشير إلى نتائج مختلطة حول جودة أحد الأساليب مقارنة بالآخر على التحصيل الدراسي على الرغم من تباين هذه الأساليب، إلا أنه من المهم أخذ عوامل أخرى في الاعتبار عند قراءة نتائج مثل هذه الدراسات من أجل الاستفادة منها في بحث سبل توجيه العملية التعليمية في مستويات تعليمية مختلفة أو حتى في بيئات ثقافية مغايرة. من هذه العوامل: العمر والمرحلة الدراسية ومحدودية مجتمع الدراسة.

 

يلعب العمر دورا مهما في العملية التعليمية، كما أنه من العوامل التي تراعى عادة ليس فقط لتحديد المحتوى التعليمي، بل حتى عند اختيار الأساليب والاستراتيجيات التعليمية. وبالرغم من ذلك، تجد أن البحوث التي تستهدف اختبار العلاقة بين الأسلوب التعليمي (التقليدي في الفصول مقابل الافتراضي عبر الإنترنت) وجودة وفاعلية التعليم المنعكس على التحصيل الأكاديمي في مراحل تعليمية مختلفة (مراحل أولية ابتدائية إلى مراحل عليا جامعية)؛ منصبة بشكل رئيس على المراحل العليا الجامعية وفي مقررات محدودة. قد يعود سبب هذا الشح إلى طبيعة المرحلة الماضية (مرحلة ما قبل كورونا)، التي كانت فيها طريقة التعليم (عن بعد) اختيارية، حيث يمثل المنتسبون إليها نسبة قليلة مقارنة بنظرائهم في الطريقة التقليدية. فعلى سبيل المثال، مثلت نسبة الطلاب/الطالبات الذين يتلقون تعليمهم الجامعي كليا بنظام التعليم عن بعد 15% من نسبة المسجلين في الكليات والجامعات الأمريكية في خريف 2017م، حسب البيانات المتاحة من وزارة التعليم الأمريكية. وعلى الرغم من هذا الشح في الدراسات التي تختبر فاعلية الأساليب التعليمية (تقليدي مقابل افتراضي، متزامن مقابل غير متزامن) على التحصيل الدراسي لمراحل تعليمية مختلفة، إلا أن هناك مجموعة من الدراسات تقول بأهمية المرحلة التعليمية في مدى فاعلية الأساليب التعليمية المنعكسة على التحصيل الدراسي.

 

لذا قد يحسن بالقائمين على التعليم بمراحله المختلفة في بلادنا الغالية اختبار مدى فعالية أساليب أخرى للتعليم عن بعد، كالتعليم غير المتزامن، والتعليم عن بعد الهجين، إضافة إلى أسلوب التعليم عن بعد المستخدم حاليا، مراعين بذلك العوامل التي قد تكون مؤثرة في جودة العملية التعليمية، كالعمر والمقرر الدراسي والمرحلة التعليمية في ضوء التجربة الاستثنائية للتعليم عن بعد بسبب ظروف الجائحة، حيث تسهم هذه الخطوة في بناء خطة على أسس علمية في توجيه مستقبل التعليم بشقيه العام والعالي في مرحلة ما بعد كورونا.

 

* مقال منشور في صحيفة مكة بتاريخ ٢٣ يناير ٢٠٢١م.

المرفقات
المرفق الحجم
ltlym_wlsl_lwhd_1.pdf 0 بايت