التعليم بين عالمين

تجاوبا مع إجراءات الوقاية و السلامة من فايروس كورونا، إنتقلت العملية التعليمية في مؤسسات التعليم في بلادنا الغالية من الفصول التقليدية إلى الفصول الإفتراضية، حيث يتم تقديم المادة العلمية عن بعد عبر المنصات و التطبيقات الإلكترونية بدلا من تقديمها وجها لوجه في فصول الدراسة. 

 

و بالرغم من وجود بنية تحتية متينة للتعليم عن بعد في مؤسساتنا التعليمية، إلا أن الانتقال السريع و المفاجئ للعملية التعليمية من العالم التقليدي إلى الافتراضي لا يمكن النظر إليه على أنه تغير فقط في الظرف المكاني التي تجري فيه العملية التعليمية ( فصول تقليدية مقابل فصول افتراضية عبر منصات إلكترونية). هذه النظرة قد تسهم في خلق توقع غير دقيق عن جودة المنتج التعليمي خلال فترة التعليم عن بعد المؤقتة -بعون الله- مماثلة لما يتم عبر الفصول التقليدية. 

 

و على افتراض قدرة المعلم و المتعلم على إستخدام التقنية بما يكفل إنجاح العلمية التعليمية عن بعد، لا يزال الإختلاف بين التعليم التقليدي و التعليم عن بعد أكبر من أن يتم حصره في الجانب المكاني و تقنيات التعليم المتاحة، كما أنه قد يكون من الصعب تصور أن المعلم و المتعلم و المادة التعليمية لن يتأثروا أو يختلفوا بناء على الطريقة المستخدمة، سواءً أكانت حضوريا أو عبر الشاشات.

 

فمثلا، حسب نتائج دراسة أجرتها الدكتورة آنا يا ني- أستاذ الإدراة العامة المشارك بجامعة ولاية كاليفورنيا في سان برناردينو- لمقارنة فعالية الفصول الدراسية والتعلم عبر الإنترنت في تدريس مناهج البحث أن الفصول التقليدية تميل إلى سيطرة المعلم و قلة التفاعل بين المتعلمين داخل الفصول التقليدية مقارنة بالفصول الافتراضية. في مقابل ذلم، يميل التواصل بين أعضاء العلمية التعليمية إلى الإستمرارية في الفصول الافتراضية. و في دراسة أخرى قامت بها نيناغ كمب -عالمة النفس في جامعة تسمانيا الإسترالية- وجدت أنه بالرغم أن أداء المشاركين في الدراسة ( طلاب و طالبات بكالوريوس علم النفس في مادة علم النفس النمو) في التمارين الكتابية والمناقشة الصفية والإختبار الكتابي لم  يختلف بدرجة ملحوظة بين الطريقة التقليدية و الافتراضية، إلا أن غالبية المشاركين فضلوا الطريقة التقليدية على طريقة التعليم عن بعد. كما تشير العديد من الأدبيات العلمية إلى الدور الحيوي التي قد تلعبه السمات الشخصية و العوامل النفسية في تحديد مناسبة و مدى الإستفادة من العلمية التعليمية بالطريقة التقليدية أو الافتراضية.

 

و إذا كانت هناك فروق بين الطريقة التقليدية في التعليم و طريقة التعليم عن بعد في الظروف العادية و التي تتيح للمتعلم مساحة أكبر في إختيار طريقة التعليم التي تنسابه، فكيف بها عندما تكون مساحة الإختيار بين الطريقتين منخفضة أو منعدمة بسبب ظرف ما مثل الإنتقال الكلي للعملية التعليمية من الوضع التقليدي إلى الإفتراضي بسبب جائحة كورونا.   

 

و عليه، فإنه يجدر بالمختصين  تقصي الأثر الناتج من الإنتقال السريع و المفاجئ للعملية التعليمية من الفصول التقليدية إلى الافتراضية على المعلم و المتعلم و المادة العلمية. كما أنه من المناسب أيضا دراسة جوانب القوة و الضعف في العلمية التعليمية عن بعد في كافة مراحل التعليم حيث أنها قد تسهم في خلق تصور واضح عن إمكانية نجاح التعليم عن بعد في كافة المراحل موازيا للتعليم التقليدي.

و كما يقول رام ايمانويل - كبير موظفي البيت الأبيض الأميركي سابقا-:  ”لا يجب أن تدع الأزمة الخطيرة أن تذهب سدى، حيث أنها فرصة لأن تقوم بشيء لا يمكنك القيام به من قبل“.

* مقال منشور في صحيفة مكة بتاريخ ٠٤ أبريل ٢٠٢٠م.
 

المرفقات
المرفق الحجم
ltlym_byn_lmyn_shyf_mk.pdf 0 بايت