منطقة الخليج العربي مكمن للطاقة
منطقة الخليج العربي من المناطق التي حباها الله سبحانه وتعالى بجميع الثروات المعروف منها وغير المعروف ، الناضب والمتجدد . يرقد تحت أرضها جميع مصادر الطاقة من بترول وغاز بالإضافة إلى جميع المعادن المختلفة . فعندما اكتشف البترول وبكميات كبيرة في المنطقة ، استخدمت دول مجلس التعاون ثرواتها البترولية في تحقيق إنجازاتها التنموية في مجال الزراعة والصناعة والخدمات العامة وكذلك في تنمية الإنسان باعتباره الأداة الرئيسية في عملية التنمية . ومع بداية أفول البترول ، والتي لابد منها نظراً إلى أن البترول من المصادر الناضبة ، أصبحت المنطقة تختزن كميات هائلة من الغاز الذي يتوقع له أن يصبح المصدر البديل بعد البترول . ومع أن الغاز كذلك من المصادر الناضبة والتي لابد لها من نهاية ، إلا أن أهم مصادر الطاقة المتجددة (غير الناضب) بل وأصل معظم مصادر الطاقة تستقبلها أراضيها ، ألا وهي الطاقة الشمسية . حيث تستقبل المنطقة كميات كبيرة من الطاقة التي تصدر عن أشعة الشمس . وتحتوي أراضي دول مجلس التعاون الخليجي على إمكانيات تمنحها ميزة نسبية في إنتاج الطاقة الشمسية نظراً لتوافر الأراضي الصحراوية والمساحات الشاسعة التي تتطلبها الطاقة الشمسية . ومثال ذلك قيام المملكة العربية السعودية ببناء مدينة تعمل بالطاقة الشمسية في غرب مدينة الرياض تحت إشراف مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية . حيث بدأ العمل في هذا المجمع العملاق (والذي يعتبر أكبر مجمع لتوليد الطاقة الشمسية في العالم) في سبتمبر من عام 1980م . إن تميز منطقة الخليج بهذه الميزات التي لا تتوفر في منطقة أخرى جعلها محط أنظار كثير من الدول الاستعمارية قديماً وحديثاً ، ولن تتوقف تلم الأطماع ما دامت تمتلك المنطقة تلك المصادر الاستراتيجية.
(7) المقالة السابعة:
مشاكل تعرقل تحقيق التكامل بين دول المجلس
لا شك أن الإنجازات التي تحققت على المستوى الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي هي إنجازات كبيرة بكل المقاييس في فترة زمنية قصيرة . ومع هذا ما زال هناك الكثير من المهام الواجب إنجازها لتحقيق التكامل الخليجي والذي سيؤدي إلى تهيئة المناخ لمراحل متقدمة من التكامل المشترك . وحيث أن التأخير في عدم تحقيق الأهداف المشتركة المطروحة سوف يؤدي إلى البدء في تكريس الاستقلالية الإنمائية للدول الأعضاء على حساب التكامل فيما بين الدول الأعضاء . وعلى الرغم من التفاؤل السائد في الساحة الاقتصادية الخليجية لتحقيق ما تبقى من الأهداف الاقتصادية إلا أن هناك بعض المشاكل التي تعترض تنفيذ عدد كبير من أحكام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وذلك في المجالين التنظيمي والتطبيقي . وحول هذه المعوقات قامت الغرفة التجارية الصناعية بالرياض بإعداد ورقة عمل حول المشاكل التي تواجه العمل المشترك ، قدمت للقاء السنوي السابع لجمعية الاقتصاد السعودية المنعقد في الفترة من 8 إلى 10 من شهر يونيو الماضي 1993م في جامعة الملك سعود بالرياض ، نستعرض هنا أهم ملامح تلك المعوقات :
أولاً : في المجال التنظيمي :
1 – تأخر الاتفاق على التعرفة الجمركية الموحدة : حدد في عام 1983م مدى للتعرفة الجمركية التزمت به دول مجلس التعاون وتراوح هذا المدى ما بين 4 % كحد أدنى و20 % كحد أقصى كما حددت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة مدة خمس سنوات للاتفاق على تعريفة موحدة وتنفيذها ، إلا أن هذه المدة قد جددت ثلاث مرات دون الوصول إلى اتفاق على تعرفة موحدة مما أفسح المجال أمام تباين أثر المبادلات التجارية مع العالم الخارجي على الاقتصاديات الخليجية وأعطى الفرصة للدول الخليجية التي تطبق تعريفة جمركية أقل لزيادة ارتباطها مع السوق العالمية على حساب تكاملها مع الدول الخليجية التي تطبق تعريفة جمركية أعلى .
2 – تأخر البدء في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصدار عملة خليجية موحدة : لم تحدد أسعار الصرف بين عملات دول مجلس التعاون بما يعكس أوزانها النسبية في العملة الخليجية الموحدة على الرغم مما أظهرت أزمة الخليج من أهمية البدء في اتخاذ هذه الإجراءات حماية للقيمة التبادلية للعملات الخليجية .
3 – عدم الاتفاق على تعريف محدد للقيمة المضافة المحلية لإكساب المنتج الصناعي صفة المنشأ الوطني عند إعفاء المنتجات ذات المنشأ الوطني من الرسوم الجمركية ، حصر إصدار شهادات المنشأ بالجهات الرسمية وترك لها تعريف القيمة المضافة الداخلة في حساب الـ 40 % المطلوب توافرها لحصول السلعة على الإعفاء ، إلا أنه تمت مراجعة هذا الأسلوب في وقت لاحق واتفق على تعريف محدد للقيمة المضافة يتم بموجبه حساب المكونات الأجنبية الداخلة بالإنتاج وتخصم من مجموع قيمة السلعة .
4 – تضارب بعض التشريعات والنظم المتعلقة بالنشاط الاقتصادي بدول المجلس مع بعض بنود الاتفاقية . وهذا يحتاج إلى إصدار تشريع داخلي لكل دولة تتبنى بموجبه القرارات الجديدة ، ولكن تبدأ المشكلة عندما تتأخر بعض الدول في إصدار التشريع الداخلي لاعتبارات تقدرها الدولة أو لمعضلات دستورية تتعلق بالدولة نفسها .
5 – عدم إلزامية القوانين التي تصدر عن المجلس في المجالات الاقتصادية : يتم إقرار بعض القوانين بصفة استرشادية ، ويؤدي وجود هذه الصفة إلى ضياع الجهد والوقت دون تحقيق النتيجة المطلوبة طالما لم تثمر عملاً ملزماً ، فمشروع القانون يمر عبر مراحل كثيرة ومجهدة يتعرض خلالها للتنقيح والتعديل وقد تستغرق هذه المراحل عدة سنوات ولا يصبح بعد ذلك ملزماً .
6 – محدودية عدد المواصفات القياسية الخليجية : حيث انه بالرغم من إنشاء الهيئة الخليجية للمواصفات والمقاييس منذ فترة طويلة إلا أنها لم تعتمد سوى 107 مواصفة فقط حتى عام 1992م مما يحد من تدفق وانسياب البضائع الخليجية للخارج ، كما يحد من انطلاقة الإنتاج المحلي في سد الاحتياجات الخليجية .
7 – اختلاف السياسات الخاصة بالحوافز والمميزات التي تعطي للقطاع الخاص على المستوى الخليجي . وهذا من شأنه خلق جو من المنافسة غير العادلة بين المستثمرين الخليجيين خاصة وأن هناك تفاوتاً كبيراً في بعض المزايا وأن بعض الدول الأعضاء لا تساوي حتى الآن بين مواطني دول المجلس في التمتع بالمزايا التي تمنحها لمواطنيها .
ثانياً : في المجال التطبيقي :
1 – تعنت بعض موظفي المعبر أو استسهالهم عملية منع السلع من الدخول فلعل عدم الاتفاق على تعريف مقبول لعناصر القيمة المضافة تركت للمسؤولين عن المعابر والحدود سلطة تقديرية مطلقة في إعفاء أو عدم إعفاء المنتجات ذات المنشأ الوطني من الرسوم الجمركية .
2 – زيادة التعقيدات والإجراءات الروتينية في مجال حرية الانتقال وأبسط مثل على ذلك الإجراءات التي يتعرض لها العابرون على جسر الملك فهد من المملكة إلى البحرين والعكس ، حيث يستوجب على سائق المركبة أن يتوقف عند خمس نقاط على الأقل في كل دولة .
3 – عدم وجود جهاز للمتابعة والرقابة على تنفيذ بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة : حيث أن تفسير كل دولة لبنود الاتفاقية كما يتراءى لها يؤدي إلى وجود بعض المشاكل والقضايا المعلقة بين الدول الأعضاء بسبب اختلاف التفسيرات .
4 – صعوبة الالتزام ببعض القيود التي وردت في قواعد تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية ، كشرط الإقامة لممارسة بعض المهن أو الأنشطة الاقتصادية الذي أدى إلى إحجام بعض الخليجيين عن طلب الترخيص لهم بممارسة تلك المهن أو الأنشطة .
5 – اشتراط مساهمة مواطني الدولة المضيفة في بعض الأنشطة التي تكون على أساس شركة تمثل عائقاً آخر يحد من إقبال الخليجيين على التوسع في تكوين الشركات .
6 – أدى وجود مناطق حرة في بعض دول المجلس إلى تداخل أعمال هذه المناطق مع الأعمال التي يفترض أنها في نطاق الاقتصاد الداخلي للدولة مما يوجد إرباكاً عند تحديد ما هو ذو منشأ وطني وما هو غير ذلك .
7 – أحياناً ترسل بعض دول المجلس مندوبين غير مختصين لمناقشة موضوعات حيوية مما يسبب إعاقة النقاش وتعطيله .
8 – عدم واقعية الإجراءات المتعلقة بممارسة النشاط الاقتصادي في مجال تجارتي التجزئة والجملة بما في ذلك الوكالات التجارية ، وكمثال على ذلك قيام بلدية دبي بتحصيل رسوم عوائد البلدية من مواطني دول مجلس التعاون المرخص لهم بالعمل في دبي في تجارة التجزئة في حين أن مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة معفون من هذه العوائد.
(8) المقالة الثامنة:
السوق الخليجية المشتركة: الواقع و الطموحات
في ندوة " مجلس التعاون الخليجي بلا حواجز " التي عقدت في أبوظبي في شهر يونيو الماضي والتي نظمتها كل من : الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي ، والأمانة العامة لاتحاد غرف دول المجلس واتحاد غرف التجارة والصناعة بدولة الإمارات العربية المتحدة ، وغرفة تجارة وصناعة أبو ظبي . قُدم مجموعة من أوراق العمل حول السوق الخليجية المشتركة من خلال الواقع والطموحات وحرية إنتقال الأفراد (مواطنين ومقيمين) بين دول المجلس ، وتوحيد السياسات المالية والنقدية بدول المجلس والسياسات والإجراءات الجمركية وأثرها على التجارة الخارجية والبينية لدول المجلس ، ونظم حماية وتشجيع المنتجات الوطنية والخليجية ودور قطاع النقل في تحقيق أهداف الاتفاقية الاقتصادية . وسوف نستعرض من خلال هذه الصفحة وعلى حلقات بعض أوراق العمل التي قدمت للندوة ونبدأها باستعراض ورقة الأمين العام المساعد للشئون الاقتصادية ، الدكتور عبد الله القويز " السوق الخليجية المشتركة " الواقع والطموحات .
تبدأ الدراسة ببعض المقارنات بين الاقتصاد العالمي والاقتصاد الخليجي فتؤكد الدراسة أن هناك عدداً من المؤشرات الإيجابية التي يشهدها الواقع الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي . من هذه المؤشرات أنه في الوقت الذي يتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.2 % هذا العام ليرتفع إلى 3.4 % في العام القادم وفقاً للتقديرات الأخيرة لصندوق النقد الدولي فإن دول المجلس ستشهد نمواً أكثر من ضعف هذا المعدل أو ما يقرب من 5 % ليزداد بنسبة أكبر في العام القادم نتيجة للتحسن في الاقتصاد العالمي وما قد يصحب ذلك من زيادة في الطلب على البترول . كذلك من تلك المؤشرات أن مستويات التضخم في الأسواق المحلية لدول المجلس عادة ما تكون مستوردة من الخارج نتيجة للانفتاح الاقتصادي ، إلا أن الكساد العالمي يدفع المنتجين والمصدرين الأجانب إلى البيع بأي ثمن لضمان استمرار مصانعهم في الإنتاج . لذا بقيت معدلات التضخم بدول المجلس منخفضة ، بل إن التنافس العالمي على أسواق دول المجلس تعدى المنتجات الصناعية إلى المنتجات الغذائية والزراعية ، حيث تباع هذه المنتجات في أسواق دول المجلس بأسعار تقل عن تكلفتها . ومن هذه المؤشرات كذلك أنه ورغم انخفاض أسعار صرف الدولار الأمر الذي أضر بدول المجلس حيث انخفضت عائداتها البترولية وزادت تكاليف وارداتها المقومة بالعملات الأخرى ، إلا أن ذلك أعطى الصناعة المحلية ميزة سعرية مكنتها من الحلول محل عدد من السلع المستوردة وشجعها على التصدير .
ثم يؤكد الدكتور عبد الله القويز في ورقته بان الهدف من إنشاء السوق الخليجية هو إذابة الفروقات والاختلاف في السياسات الاقتصادية الوطنية لتوحيد ودمج قوى العرض والطلب في الدول الأعضاء عن طريق التحرير الكامل للتجارة بالسلع والخدمات وعناصر الإنتاج . ومن هذا المنطلق تعتبر السوق المشتركة مرحلة متقدمة من مراحل التكامل الاقتصادي إذ تتطلب من الناحية النظرية ثلاث خطوات أساسية هي :
1 – إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات ذات المنشأ الوطني للدول الأعضاء أي إنشاء ما يسمى بمنطقة التجارة الحرة للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير في الإنتاج والتي لا تتوفر لكل دولة على حده .
2 – توحيد الرسوم الجمركية على السلع الأجنبية أو الوصول إلى مرحلة الاتحاد الجمركي .
3 – حرية حركة عناصر الإنتاج من عمل ورأسمال واستثمار .
في بداية هذا العام كلف مجلس التعاون الخليجي إحدى الشركات الاستشارية العالمية بدراسة تجربة مجلس التعاون في تطبيق منطقة التجارة الحرة حيث أكدت خلاصة تلك الدراسة أن دول المجلس اتخذت خطوات متدرجة منذ مارس 1983م أوصلتها إلى منطقة التجارة الحرة بأسرع مما تحقق في التجمعات الاقتصادية الأخرى .
ومع انه صاحب تنفيذ مرحلة التجارة الحرة عدد من العوامل السلبية في المجال الاقتصادي منها على سبيل المثال : الحرب العراقية الإيرانية ، التغيرات السلبية التي شهدتها السوق البترولية الدولية ، انتهاء فترة الطفرة الاقتصادية التي كان يقودها بناء الهياكل الأساسية ، وأخيراً انخفاض أسعار صرف الدولار الأمريكي الذي كانت تسعر به المادة الرئيسية التي تصدرها دول المجلس . إلا أن مقارنة أرقام التجارة البينية قبل الوصول على منطقة التجارة الحرة وبعدها تبين مدى أهمية هذه الخطوة ، فقد كان مجموع الواردات البينية في عام 1979م (2 بليون دولار) بينما أصبح في عام 1989م ( 3.1 بليون دولار ) .
كما تذهب هذه الدراسة إلى أن جميع الحواجز من حيث الرسوم قد أزيلت وأنه يمكن اعتبار الحواجز الأخرى غير الرسوم غير ذات أهمية بالنسبة للحجم الكلي للتبادل التجاري بين دول المجلس .ومع هذا فإنه لا ينبغي إغفال بعض العوائق الأخرى التي لا تزال قائمة بدرجات متفاوتة ، ومنها :
1 – عوائق طبيعية : تتمثل في المسافات الطويلة التي تفصل التجمعات السكانية المتباعدة .
2 – عوائق اقتصادية : حيث أن دول المجلس بسبب طبيعة صادراتها وتفضيل المستهلك ، لديها علاقات اقتصادية قوية مع الدول الصناعية الرئيسية ، أما علاقاتها فيما بينها فإنها محدودة نتيجة لتماثل منتجاتها وصغر قاعدتها الإنتاجية .
3 – عوائق مالية : وتتمثل في اختلاف الرسوم الجمركية على السلع الأجنبية والمستويات المختلفة للحوافز واختلاف رسوم الموانئ .
4 – عوائق فنية : مثل المواصفات والمقاييس والتي أمكن التغلب على معظمها نتيجة إنشاء هيئة المواصفات والمقاييس لدول المجلس .
5 – عوائق إجرائية وإدارية : وتتضمن عدم الدقة في إصدار شهادات المنشأ وما يخلقه ذلك من مشاكل حول الإعفاء الجمركي ، وحصر الوكالات التجارية بالمواطنين ، وحماية الوكيل ، وأنظمة الشراء الحكومي ، وفحص البضائع على الحدود ، وتأجير الفسح الجمركي ، والمتطلبات الأمنية . وتعتبر هذه العوائق بعد إلغاء الرسوم الجمركية من أهم الأسباب التي تحد من زيادة التبادل بين دول المجلس وتطيل من انتظار البائع على الحدود مما يزيد من تفاقم العوائق الطبيعية.
كما تبين هذه الدراسة أن لمنطقة التجارة الحرة سمتين رئيسيتين : الأولى : هي أن الدول الأعضاء تحتفظ بسلطتها في وضع تعرفاتها الجمركية على السلع الأجنبية ، حيث أن اختلاف مستويات التعرفة على السلع الأجنبية يؤدي إلى تأثير سلبي على توظيف الموارد داخل المجموعة . غير أن المستويات المنخفضة للتعرفة الجمركية في جميع دول المجلس ومحدودية القاعدة الإنتاجية وإعفاء المواد الأولية ومتطلبات الصناعة من الرسوم الجمركية في جميع دول المجلس قلل إلى حد كبير من هذا التأثير. السمة الثانية لمنطقة التجارة الحرة هي أن الدول الأعضاء يجب أن تتفق على ضوابط محددة لقواعد المنشأ أي وضع تعريف دقيق للقيمة المضافة والتي تنص الاتفاقية الاقتصادية الموحدة على ألا تقل عن 40 % . ومن الناحية النظرية فإن مفهوم القيمة المضافة بسيط ووضاح ، فهو يمثل إجمالي ما يضاف في العملية الإنتاجية إلى ما يستخدم من سلع وخدمات من منشآت أخرى لإنتاج سلعة صناعية معينة ، أي أن القيمة المضافة هي ببساطة عوائد عوامل الإنتاج من عمالة وأرض ورأسمال وإدارة . أما من الناحية العملية فقد واجه ذلك عقبتان . الأولى : أن معظم العمليات الصناعية في دول المجلس كثيفة الاستخدام للمواد الخام المستوردة . والثانية : أنه نظراً لحداثة الصناعة تاريخياً في دول المجلس فإن قيمة المنتج النهائي في بعض الأحيان تفوق نطيرها خارج دول المجلس نتيجة انخفاض مستوى الأداء الإداري والتكنولوجي في بداية مراحل الإنتاج والاعتماد القوي على المواد الأجنبية وخاصة الوسيطة والنصف مصنعة .
وتشير الدراسة إلى أن إنشاء تجمع للتجارة الحرة هو إجراء مؤقت أو خطوة أولى للوصول إلى الاتحاد الجمركي . لذا فإن التعجيل بتوحيد التعرفة الجمركية على السلع الأجنبية وتوحيد الحماية يجعل قواعد المنشأ غير ضرورية حيث ينتهي الحافز للسلع الأجنبية لكي تتسلل من خلف الجدار الجمركي . فبمجرد توحيد التعرفة الجمركية على السلع الأجنبية واستيفاء الرسوم الموحدة عليها من أية نقطة جمارك في دول التجمع فإن هذه البضائع الأجنبية تحرك داخل التجمع بصرف النظر عن مصدرها . وتنتفي الحاجة لحساب القيمة المضافة إلا في الحالات التالية :
1 – عندما تكون هناك اتفاقية اقتصادية بين دول الاتحاد الجمركي ودولة أخرى أو مجموعة من الدول غير الأعضاء في التجمع كما لو تم اتفاق تجاري بين دول المجلس والجماعة الأوروبية .
2 – عندما يعطي النظام معاملة تفضيلية في الشراء الحكومي لمنتجات التجمع كما هو معمول به حالياً بدول المجلس .
3 – للأغراض الإحصائية أو تسجيل المحتويات على غلاف السلعة .
من الاستعراض السابق نستنتج أن الخطوة التالية من مراحل التكامل الاقتصادي في المجال التجاري على الأقل كما يؤكد الأمين العام المساعد للشئون الاقتصادية هي الانتقال إلى الاتحاد الجمركي ، بمعنى آخر توحيد الرسوم الجمركية على السلع الأجنبية ، وهذه الخطوة ضرورية لكي يستمر المجلس في اندفاعه ويحافظ على منجزاته ويتخلص من كثير من المشكلات التي نتجت عن منطقة التجارة الحرة والتي قد تقضي عليها إذا لم ينتقل المجلس إلى الخطوة التالية.
(9) المقالة التاسعة:
دور القطاع الخاص في التنمية
إن من أهم المناهج الحديثة لتصنيف الدول طبقاً لتطورها الاقتصادي وتقدمها التكنولوجي هو المنهج الذي يرتكز في تصنيفه على مدى ما تمتلك الدول من البنى الأساسية الصناعية . ونظراً لأن المنشآت الصناعية الوطنية ، صغيرة كانت أم كبيرة ، هي عنوان رقي الأمم وتطورها ، بل هي المقياس الذي يقاس به تقدم أي شعب سياسياً واقتصادياً وعلمياً بل وحضارياً ، فبقدر ما تحتضن الدول من مصانع ومنشآت صناعية في هذا العصر بالذات ، بقدر ما يقاس تطورها التكنولوجي والحضاري .
والصناعة الوطنية – وبالذات في الدول النامية – هي إحدى قنوات نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة صناعياً إلى الدول النامية ، وهذا في واقع الأمر اعترافاً بأهمية دور التكنولوجيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، لذلك نشاهد جهود الدول في تحسين مستواها التطوري ومن ثم مستواها التنموي من خلال تشجيع ودعم وحماية صناعتها الوطنية . وحيث أن الحالة هذه تختلف من الدول المتقدمة صناعياً والدول النامية والمتخلفة صناعياً ، ففي الأولى تقوم ركائز الصناعة الوطنية على استثمارات القطاع الخاص في الصناعة الوطنية ، بينما الوضع في الدول النامية يختلف في أن القطاع العام يعتبر الممول الرئيسي لتلك المنشآت الصناعية ، أما القطاع الخاص في تلك الدول يكاد ينعدم دوره في عملية التنمية الوطنية ، اللهم من بعض المساهمات الاستثمارية البسيطة .
ونظراً لأن هذه الحالة كما ذكرنا هي من خصائص الدول النامية ، ودول الخليج ليست استثناءاً من ذلك ، إلا أننا بدأنا نلحظ أنه وفي السنوات القليلة الماضية بدأ القطاع الخاص بتكريس الحضور والمساهمة في البناء الصناعي والتكنولوجي ، ومع مرور الأيام إزدادت نسبة مساهمة القطاع الخاص في إنشاء المشاريع والمصانع الإنتاجية . إيماناً منه بأهمية تحقيق الاستقلال التكنولوجي وتجاوز التبعية التكنولوجية للدول المتقدمة صناعياً . وكذلك المساهمة في تطوير اقتصاد دول الخليج العربي وتنويع قاعدته على المدى البعيد . وذلك من خلال اعتماد برامج مختلفة للتصنيع والتي بدورها توفر جانباً مهماً من الاحتياجات الاستهلاكية لدول الخليج العربية ، ومن ثم القدرة على المنافسة الداخلية والخارجية ، نظراً لما تتميز به برامج التصنيع في دول الخليج لم تتوفر لغيرها من المؤسسات الصناعية مثل الحوافز التي تقدمها الحكومات من حماية ودعم مادي ومعنوي من خلال مؤسسات التمويل المختلفة والانخفاض في سعر الطاقة وتوفر المواد الأولية اللازمة للصناعة وبأسعار معقولة .
عليه فإن هذه الزاوية من هذه الصفحة ستقوم أسبوعياً باستعراض نشاط أحد المصانع أو المؤسسات الإنتاجية في دول مجلس التعاون الخليجي . وتوضيح من خلال ذلك الاستعراض مكانة المؤسسة أو المصنع في النشاط الاقتصادي ، ونوعية الإنتاج وأهميته للمستهلك الخليجي ومدى نجاحه وبرامجه المستقبلية ومدى مساهمته في برامج التنمية للدول الخليجية ، بمعنى آخر ، سوف تركز هذه الزاوية على تقييم شامل لمؤسسات الصناعية في دول الخليج وأهمية استمراريتها من عدمه.
لذلك فإننا نتوقع تعاون الغرف الصناعية والتجارية لي دول مجلس التعاون الخليجي وكذلك المنشآت الصناعية في إعطاء معلومات كاملة عن تلك المؤسسات الصناعية والخطط الصناعية التكاملية للدول الأعضاء وكذلك تقييم تلك الخطط من خلال ما تحقق من خط نمو اقتصادي اجتماعي مستقل للدول الأعضاء ، ومدى نجاح خطط عملية التصنيع الإحلالي (إحلال الإنتاج الوطني محل المستورد).
(10) المقالة العشرة:
توفير الحوافز و تهيئة المناخ الملائم أفضل الوسائل لجذب الاستثمارات الأجنبية
في ظل النظام الاقتصادي المعاصر أصبح النشاط الاستثماري أحد الظواهر الدولية ، ففي الوقت الحالي قلما تخلو دولة من دول العالم من مساهمة استثمارية أجنبية في نشاطاتها الاقتصادية . غير أن النشاطات الاستثمارية الأجنبية في أي دولة من دول العالم وكذلك توجهات المستثمرين لا تتم عادة بشكل عشوائي بل هي تخضع لعوامل موضوعية متعددة . أي أن إتخاذ القرار الاستثماري والتدفق الرأسمالي يتم وفقاً توفر الظروف الملائمة ، مثل توفر المناخ الاستثماري الملائم اقتصادياً وسياسياً ، وسهولة ةووضح الأنظمة والقوانين التي تنظم عمليات الاستثمار ، وتوفر التسهيلات الاستثمارية من خدمات أساسية وثانوية ، واخيراً توفير المؤسسات المساندة مثل مؤسسات التمويل والتأمين وغيرها . هذه هي أهم العوامل التي يجب توفرها لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية كما تحدد ذلك ورقة العمل المقدمة من وزارة الصناعة والكهرباء في المملكة العربية السعودية لندوة " ترويج الاستثمار وتسويق المشاريع " والتي عقدت في دبي ، والتي نقتطف منها بعض العوامل التي ساعدت على جذب الاستثمارات المشتركة .
تعتبر المملكة العربية السعودية إحدى أبرز دول المنطقة حديثة النمو التي قطعت شوطاً في استقبال واستيعاب موجات متتالية ومتنوعة من الاستثمارات العربية والأجنبية ، سواء في القطاعات الإنتاجية أو القطاعات الخدمية . وقد استطاعت المملكة توفير المرونة اللازمة والاستمرارية لتدفق هذه الاستثمارات في كلا المرحلتين الاقتصاديتين اللتين عاشتهما البلاد : مرحلة الشح الاقتصادي والنمو البطيء (ما قبل التدفق النفطي) ومرحلة الانطلاق الاقتصادي الكبير والتنمية المتصاعدة (المداخيل النفطية الكبيرة .وقد ساعد على تحقيق ذلك الجذب الاستثماري عدد من المزايا أهمها :
1 – استقرار النظامين السياسي والاقتصادي عبر العقود الماضية .
2 – الرصانة التي اتسمت بها المملكة في علاقاتها العربية والدولية ، ودرجة الثقة العالية التي تحظى بها لدى المستثمرين عموماً .
3 – إكتمال تجهيزات البنية الأساسية بمستويات راقية .
4 – توفر شبكة متكاملة من الأجهزة والمؤسسات المساندة مثل المصارف وشركات النقل والصيانة والإنشاء ومكاتب المحاسبة والمحاماة والاستشارات وشركات التأمين .
5 – وجود الهيئات الحكومية ذات الصلة بالاستثمار مثل صناديق الأقراض ومراكز الأبحاث والغرف الصناعية وهيئة المواصفات والمقاييس وشركة الصادرات ومركز تنمية الصادرات والمعارض الدولية وغيرها .
6 – إتساع السوق المحلية في العقدين الماضيين ورسوخ الاتجاهات الاستهلاكية وارتفاع القوة الشرائية بصورة متصاعدة ، إضافة إلى ربط أسواق بعض الدول المجاورة بأسواق المملكة .
7 – التواكب في النمو بين مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية ، مما يتيح استفادة هذه القطاعات من بعضها وانعدام الفجوات التي تعيق التكامل .
وقد تم حتى نهاية 1991م تحقيق عدد من الإنجازات الاستثمارية المتنوعة حيث بلغت المشاريع الصناعية المشتركة المنتجة حوالي 400 مشروع ، تصل استثماراتها الإجمالية إلى حوالي 70 بليون ريال . وتتمتع جميع المشاريع الصناعية المشتركة وكثير من المشاريع المشتركة الأخرى بحق الحصول على قروض حكومية ميسرة إضافة إلى سهولة الحصول على القروض التجارية المحلية . ولقد رافق النهضة الاقتصادية الكبرى في المملكة منتصف السبعينات توسع في النشاطات الاستثمارية بصورة عامة ، كما شهدت البلاد إقبالاً متزايداً من قبل أعداد كبيرة من المستثمرين العرب والأجانب للاستثمار في المملكة والدخول في مشاريع مشتركة . وكان لابد من تنظيم هذه النشاطات والمحافظة على حقوق المستثمرين وكذلك تحديد مجالات الاستثمار التي تخدم أهداف التنمية . فقد تم إصدار نظام استثمار رأس المال الأجنبي عام 1979م ، كما أنشأت الدولة أمانة لجنة استثمار رأس المال الأجنبي والتي أجرت عدداً من الدراسات عن إعادة تقويم نظام استثمار رأس المال الأجنبي المعمول به حالياً ومحاولة تطوير الإجراءات المتبعة واختصار خطواتها . ويحظى الاستثمار المشترك في الحقل الصناعي بصورة خاصة بالعديد من المزايا والحوافز التي يتشكر في كثير منها مع الصناعات الوطنية وينفرد في بعضها ويعود ذلك إلى حداثة التجربة الصناعية وارتفاع مخاطرها وأهميتها المستقبلية . ومن أهم العوامل التي تجذب الاستثمارات المشتركة ملاءمة المناخ الاستثماري وجاذبيته ، إضافة إلى الحوافز والأنظمة التي توفرها الجهات الرسمية . ويعتبر المناخ الاستثماري للمملكة جيداً مقارنة بالعديد من الدول النامية . ولقد شارك عدد كبير من الهيئات والأجهزة الحكومية وشبه الحكومية والخاصة في الجهود المبذولة لتشجيع النشاط الاستثماري وترويج المشاريع المشتركة.