د. هتون أجواد الفاسي

الحمل والصوم .. كيف نحفظ الحياة؟

إمدادات هذا الكاتب  د. هتون أجواد الفاسي 03 أكتوبر 2006

مع دخولنا شهر الصوم بدأ يلح عليّ عدد من المواضيع ذات الصلة, ولا سيما ما يتعلق بالمرأة الحامل والصوم. فقد شهدت حولي مناقشات حامية وتساؤلات غير دقيقة حول جواز إفطار المرأة الحامل خلال هذا الشهر من عدمه، وتفاوتت الردود بين من سمعت أو تعرف أن من الأفضل للمرأة الصيام إن استطاعت ولم تكن مريضة، وهذا ما نجده يتردد في صفحات الجرائد وبرامج الإذاعة إما من بعض المشايخ وإما من بعض الأطباء. ونظراً لأن خبرتي في هذا المجال مختلفة ومرجعيتي أيضاً مختلفة، فقد راجعت عددا من كتب الفقه على المذاهب الأربعة وعدداً من كتب الطب والحمل فضلاً عن استشارة أطباء وطبيبات النساء والولادة ممن لديهم نظرة أكثر شمولية حول هذا الموضوع، فقد كانت النتيجة مختلفة. فهي تصل إلى أن هناك ضرورة ماسة للمرأة الحامل لأن تفطر، وتتبقى مسألة القضاء والفدية. فلماذا يجب على المرأة الحامل أن تفطر شرعاً وطباً؟
عندما نزلت آيات الصيام كانت هناك رخص واضحة لمن كان مريضاً أو على سفر. “أياماً معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون 184. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاَ أو على سفر فعدةٌ من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون”، 185 البقرة. هاتان آيتان رئيسيتان حول مسألة الرخصة في الصيام. وقد أدرج علماء الفقه عبر العصور المرأة الحامل ضمن من كان مريضاً، وإن كانوا خصصوها بتلك التي تخاف على نفسها أو على جنينها فلها أن تفطر. ثم كان الخلاف على أي من الآيتين تنطبق عليها، الأولى التي تدفع فيها بفدية إطعام مسكين عن كل يوم أو الثانية التي لا يذكر فيها الفدية والتي يؤكد سبحانه وتعالى فيها على إرادة اليسر بالإنسان لا العسر. وقد دخل بعض الفقهاء في مسألة نسخ الآيات مما لا يجعلنا نصل إلى نتيجة محددة ولاسيما أن ليس كل الفقهاء يتفقون على صحة الناسخ والمنسوخ. وخارج هذه الاختلافات يمكن للمرأة أن تتبع وجهة النظر الفقهية التي ترضيها.
فيذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية “من كان مريضاً” فيقول: “ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ففيهما خلاف كثير بين العلماء فمنهم من قال يفطران ويفديان ويقضيان وقيل يفديان فقط ولا قضاء, وقيل يجب القضاء بلا فدية وقيل يفطران ولا فدية ولا قضاء”. وعن مالك بن أنس في موطئه قال: وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر سُئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام قال: “تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم”. قال مالك: وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله عز وجل “فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر”، ويرون ذلك مرضاً من الأمراض مع الخوف على ولدها. وعن البخاري في صحيحه، “قال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان”. وهكذا تتكرر التفسيرات. ونحن نرى أنه وفق نظرة فقهاء العصور الماضية حيث لم يكن الطب قد وصل مقدار ما وصله اليوم ولم يُعرف عما يجري داخل رحم المرأة ما نعرفه اليوم من تفاصيل، وعلى الرغم من ذلك فقد أفتوا بأن في الصيام خوفا على الولد وأن ذلك يمكن أن يوضع ضمن خانة الأمراض. فما بالنا وبالعلم الحديث حيث نعرف اليوم ما لم نعرف من قبل مما يوضح تأثير تناول الطعام أو الشراب وعدمه في الجنين.
فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن كلما كانت تغذية المرأة الحامل صحية كان المتوقع أن تلد طفلاً صحيحاً. أما تناول طعام قليل أو أقل مما يتطلبه جسد الحامل فهذا يضاعف من مخاطر ولادة طفل قبل موعده أو أصغر من حجمه، كما يضاعف من إمكانيات ولادته بعيب خَلقي، أو مشكلة في جهاز التنفس أو في كيميائية الدم. إن التغذية الضعيفة في فترة الحمل تزيد من مخاطر المشكلات التي تتراوح ما بين ولادة جنين ميت إلى تطور حالة من عدم اكتمال النمو، هذا فضلاً عن المخاطر التي يمكن أن تصاب بها الأم كفقر الدم أو تسممه، ومشكلات من الممكن أن تقود إلى الولادة بعملية قيصرية. وكذلك فإن عدم التغذية الصحيحة للأم الحامل يجعلها أكثر إمكانية لأن تلد طفلاً خديجاً (قبل وقته) أو أقل من وزنه الطبيعي الذي يتراوح ما بين الثلاثة والثلاثة والنصف كيلو، وإلى إطالة فترة المخاض، وصعوبة استعادة المرأة صحتها بسهولة بعد الولادة.
إن الجنين بحاجة إلى طاقة تبني خلاياه لينمو, وهذا لن يتأتى من غير غذاء، وأي تقصير في الغذاء الذي يصل الجنين يمكن أن يكون له تأثير فيه بعد الولادة أيضاً. ولذلك فالأم بحاجة إلى أن تتناول وجبات متعددة صغيرة في أوقات متقاربة طوال النهار، بالإضافة إلى تناول كمية كبيرة من الماء طوال النهار والليل لتعويض الزيادة في حجم دمها الذي يزيد بنسبة 40 في المائة ليغذي سائل المشيمة (السائل الأميني) وليحافظ على سلامة أجهزة الأم خلال فترة الحمل بشكل عام. إن بعض الأمهات يتساهلن في أمر ولادتهن المبكرة ولا يأخذنها بعين الاعتبار ولاسيما إذا عبرن الشهر السابع، في حين أن الجنين لا يكتمل تكون رئتيه، على سبيل المثال، حتى الشهر التاسع، ولذلك فكثيراً من الأطفال المبكرين يولدون بمشكلات في الجهاز التنفسي يطول تعويضها. ويتعرض الأطفال الخدّج إلى الكثير من المشكلات الصحية التي تجعل من الضروري وضعهم في حضّانات عددا من الأسابيع تعوض ما فاتهم تكونه في رحم الأم، ما يتطلب إجراءات صحية عالية تكون فيها نسب النجاح ليست مضمونة مائة في المائة إلا من رحم ربي.
وينصح الأطباء بضرورة الأكل والشرب في أوقات متقاربة حتى وإن لم تكن لدى الأم شهية فهذا لا يعني أن الجنين لا شهية لديه إذ إنه ينتظر. إن الجنين ليس لديه مصدر آخر للغذاء إلا أمه وهو تحت رحمة ما تأكله وما تشربه ومتى تأكل ومتى تشرب. فإن تأخرت عليه جاع وليس من مصلحة الجنين أن يصل إلى هذه الدرجة من الفقد والحاجة إلى الغذاء للتأثير الذي يصيب تكوين خلاياه التي ترتبط بأوقات معينة وأيام معينة خلال فترة الأشهر التسعة فلا يمكن تعويض تكوين ونمو بعض الخلايا في وقت لاحق، بل يفقدها الجنين في تلك اللحظة. باختصار، فإن المرأة الحامل عندما تجوع أو تعطش فهذا يعني أنها تجوّع جنينها وتعطشه أيضاً.
Starve yourself, starve your baby.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما تؤخذ عزائمه”. وأطفالنا أمانة في أعناقنا، وليس لذلك شأن بقدرتنا الشخصية على التحمل، فالجنين خارج هذه الحسبة ولن يتحمل انقطاع الماء والغذاء عنه مدة الصيام. فلنرفق بهم.

::. د. هتون أجواد الفاسي
::. كاتبة ومؤرخة سعودية



تقييم القراء :

يمكنك التقييم مرة واحدة



أكتب تعليقاً


(6)