العدد (216) السنة الأولى - الخميس 9 صفر 1422هـ الموافق 3 مايو 2001م
:::Coming Soon::::
 


 
 
 
 

والرحلة العمانية تمضي

كنت قد اقتطفت انطباعاً برقياً الأسبوع الماضي عن الرحلة العمانية أُنجزت قبل دقائق من الجلسة المسائية الأولى للملتقى الثالث لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون الخليجية، حيث جُدولت ورقتي. فكنت على توجس أني لم أعطِ المقال العماني حقه ولا الورقة حق تحضير اختصارها في عشر دقائق كما علمنا في يوم المؤتمر. لأجل هذا كان لا بد من عودةٍ أكثر تأنياً للتأمل في هذا البلد الفريد.. عُمان.
تدهشك عمان منذ أن تطأ أرضها بحضور "القلعة" في المكان والزمان والمفردات والذكريات.. وهي تحمل أكبر عدد من القلاع والحصون والأبراج في الجزيرة العربية وأضخمها وأجملها، وإن لم أكن قد شاهدت أكثر من قلاع نزوى ومطرح إلا أنه كان لي حظ الإشراف على الحصون الحديثة، كحصن السيد أسعد بن طارق "البشائر" في أدم وحصن السلطان قابوس "الشموخ" في نزوى. وما تبقى أكثر مما شوهد والعروض تتوالى بالدعوة لشهود قلاع بهلة وصلالة وصور وصحار ومسندم وغيرها ما لا بد لها من زيارات تترى.
ترتبط عمان في الذاكرة بعدد من الصور، من صداقات شخصية إلى إدراك تاريخي بالدور الذي لعبته في صد العدوان البرتغالي عن الجزيرة العربية وملاحقتهم حتى الهند أو في امتدادها الإمبراطوري إلى شرق إفريقيا وزنجبار أو إلى المحيط الهندي. وتتوالى أسماء أعلام ارتبط تاريخهم بهذه البقعة مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، واضع علم المعاجم وموسيقى الشعر، وابن دريد واضع كتاب الاشتقاق في اللغة والشاعر الأموي كعب بن معدان، فارس عمان. وأحمد بن ماجد الجغرافي الفلكي خبير البحار والمحيطات الذي لجأ قباطنة البرتغال إلى كتبه وخرائطه لتقودهم في مجاهل المحيط الهندي وبحر العرب حتى استطاعوا الوصول إلى حلمهم الأكبر: الهند.
ومما يرتبط بالذاكرة كذلك ارتباط عمان بسير الأنبياء والصالحين في تراثهم التقليدي، يقول السيد هلال بن بدر البوسعيدي في ملحمته النزوية:
ثم طف باحثاً هنالك وانظر أثر الصالحين والأولياء
لا سيما مقاطعة ظفار التي تضم وفق المعتقد الشائع رفات الأنبياء هود وصالح وأيوب وهارون. ويلاحظ أن النبي صالح في التراث يعتبر ابناً للنبي هود. أما النبي هارون فإن مقامه يتميز بطوله المبالغ فيه وكأن جثمانه يبلغ طول عشرة رجال مما يتفق مع الاعتقاد الشائع حول طول الأقوام القديمة الذي يبلغ الجبال، وهي الأساطير التي نفاها علم الآثار ودراسة الهياكل العظمية الذي لم يجد أن هنالك فرقا كبيرا في أحجام الأمم البائدة وحجم الإنسان المعاصر إلا في الحدود المألوفة. هذا وتكثر مقامات الأولياء كثرة مبالغ فيها تذكرني بسيناء التي يبلغ عدد مقامات أوليائها حوالي أربعة وأربعين وتدور حولهم روايات عن نزوحهم من شبه الجزيرة العربية في وقت عصيب وعن صلاحهم وكراماتهم. وإن كان يبدو لي أن كثيراً من هذه المقامات، لاسيما ما ينسب منها إلى أنبياء تتكرر أسماؤهم في كل مكان، إنما هي مقامات لمراكز عبادة قديمة أُسلمت وأُعطيت شخصية إسلامية واستمرت تقوم بدورها الطقوسي القديم.

آثار عمان وجمال طبيعتها موضوع لا ينتهي، وأعجب ما في قصصها توقيتها الخاص بها، فصيفها خريف وخريفها مزار. منذ أن حطيت في عمان وأنا أسمع عن صلالة التي على زائرها أن يختار لوقتها الصيف، وهو ما يدعى بالخريف في عاصمة ظفار هذه. ولهذا التوقيت علي أن أقدم للحجز قبل شهور لضمان مكان في هذه المنطقة التي تكتظ بالسياح الذين يعرفون بسر الجمال في هذا الزمان. وآثار ظفار لا تنفذ فمن هانون حيث كان اللبان تجمع، إلى ميناء سمهرم (خور روري) حيث تصدر، إلى شـصر التي يعتقد أنها مدينة وبار الأسطورية التاريخية، أو كهوف جبالها التي لسكانها لهجتهم الخاصة بهم.
وهنا تستحضرني الدراسات الشتى التي قام بها مستشرقون هولنديون ليدرسوا هذه اللهجة ويحاولوا أن يثبتوا بعدها التام عن العربية ومحاولتهم المحافظة عليها من "زحف وتهديد" اللغة العربية لها. فقاموا لأجل ذلك بكتابة اللهجة بحروف لاتينية تحمل علامات معقدة لتعبر عن الأصوات والحركات التي لا توجد في اللاتينية. وكانت الحجة هي الحفاظ على هذه اللهجة وإن كان سؤالي دائم الطرح، من أجل من تحافظون على هذه اللهجة وتراثها؟ أمن أجل الجباليين-الشحريين أم من أجل الأوروبيين؟ إن كان من أجل أهل المنطقة فكان الأولى كتابتها بالحرف العربي الأقرب إلى ثقافة أهلها والتي يتقنها غالبية السكان. أما إن كان من أجل الأوروبيين، وهو الواضح، فإني أجد أنهم يقومون بذلك حتى يسهل عليهم احتكار تراث أمة وربطها بثقافة ليس لها بها أي رابط. وكانت محاولة الدفاع عن النفس هو الرد المعتاد أو التحير في إيجاد إجابة منطقية تبين حسن النية وإدراك المصلحة.

البحر والقلعة واللبان هي كلمات عمان السرية، مفتاحها ومدخل شخصيتها ومسرد تاريخها. واليوم تنهض عمان بكل قوة لتنقل هذه الدولة إلى مصاف الدول العصرية المتحضرة حيث تتوازى مشاريع البناء والعمران والاقتصاد والصناعة مع بناء الإنسان والمعاهد والكليات، وفي كل مكان يتعانق الماضي بالحاضر بكل حميمية واعتزاز. وتنهض مؤسسات الدولة المدنية الحديثة يداً بيد مع تقاليد الشعب العماني العريقة وما زالت تشق الطريق بعزم. فهذا مجلس الشورى الذي لا يبلغ من العمر بضعة أعوام الذي وإن لم تكن له سلطة تنفيذية أو قوة إلزامية بعد فقد خطا خطوات جريئة نحو تكوينه بالانتخاب، فهو المجلس النيابي العماني، تترشح فيه المرأة وتنتخب وتصوت دون أن يتنافى ذلك مع التقاليد العمانية، متقدمة بذلك على كل دول الخليج العربية. هذا وينحصر دوره في إطار تقديم المقترحات والآراء والتوصيات ومراجعة مشروعات القوانين، كما يتلقى تقارير الوزارات السنوية ويقدم رأيه فيها، فضلاً عن التفاعل مع اهتمامات المواطنين ومناقشة قضاياهم في خطوة نحو تطوير وترسيخ المشاركة الوطنية في بناء عمان. وتقليد الشورى والانتخاب قديم في عمان يمتد إلى التقليد الأباضي في انتخاب الإمام الأصلح وفي اكتساب شرعية حكمه بالمبايعة الراضية ابتداء من نزوى إلى بقية الداخلة والظاهرة.
وماذا بعد ذلك عن اللبان الشحري الظفاري الذي تقاتلت عليه قوى العالم القديم محاولةً الوصول إلى حقوله والقفز فوق أساطير ثعابينه المجنحة. لظفار قصة ولللبان أخرى، في سوق مطرح، الميناء القديم لمسقط، أستنشق عبق اللبان وخيوط دخانه تتصاعد متلفلفة غير عابئة بالتاريخ المنطرح خلفها من صراعات قوى بين شرق وغرب لم تنته حتى اليوم وإن أخذت أشكالا أخرى واستبدلت خيوط دخان اللبان بألسنة الغاز والزيت المحترقة.ولخريف صلالة عودة..

د.هتون أجواد الفاسي

 


 
 

 

 

 

 

 

 

 

 


Copyright © 2000-2001 AL WATAN NEWSPAPER. All rights reserved.