العدد (930) السنة الثالثة ـ الخميس 15 صفر  1424هـ الموافق 17 أبريل 2003م

وآثار العراق... ألا تحتاج من يذكرها؟

هتون أجواد الفاسي*
لا عزاء للحضارة المنهوبة ولا عزاء للمتقاعسين من أمثالنا المحسوبين على التاريخ والآثار في القيام بأي دور لإعلاء صوت رافض، مستنكر، مندد بالاعتداء على مهد الحضارات والتمهيد لسلبها والتفرج على متاحفها وهي تنهب، وآثارها وهي تدمر، ومكتباتها وهي تحرق. عود يا بغداد إلى عصر هولاكو وإلى تسويد دجلتك برماد يراع مفكريك وكتابك وكأن التاريخ يأبى إلا وأن يكرر معك نفسه. شيء منها كثير بيد مغول وتتار العصر الحديث و شيء آخر بيد أدعياء أبنائك ممن لم يحفلوا بعظمتك وعبق تاريخك.

الأرض التي انطلقت منها الثقافة والكتابة، التي علمتنا كيف نخط بالقلم وكيف نسجل حرفنا ونوثق صوتنا على الألواح والرقم السومرية التي تشهد على بدايات الاتصال الإنساني. أرض جلجامش وصراعه مع الخلود، وعجيبة الدنيا، حدائق بابل المعلقة، أرض الوركاء أول مدينة في العالم، أرض أور موطن سيدنا إبراهيم، أرض بابل ونينوى والحضر، أرض الكوفة والبصرة وبغداد عواصم ومدن التاريخ الإسلامي التليد، بعد إصابتها بـ 740 صاروخ توما هوك و8000 قنبلة ذكية، والله أعلم كم قنبلة غبية، وفق تعبير الغارديان، لا ندري ماذا أبقت لنا الحضارة البربرية الأمريكية لنحتفل به.

وبعد ذلك، نهبت متاحف بغداد والموصل الخميس والجمعة الماضيين، وما لم ينهب دمر بهمجية، وما استدرك مديرو المتحف ونقلوه إلى المخازن لحفظه، سُرق بصندوقه. وكأنها مؤامرة على الحضارة الإنسانية وما يمثلها، بينما "حماة الديار" الأمريكيون يتفرجون.
إن المسؤولية القانونية وفق الشرائع الدولية التي وضعت في جنيف عام 1949 عقب نهاية الحرب العالمية الثانية تقرر أن أي دولة أو قوة محتلة تحتل بلداً آخر عليها التزامات إنسانية وقانونية تجاه الشعب الذي تحتله وعلى رأسها المسؤولية تجاه حفظ الأمن والأرواح والأموال والممتلكات العامة والخاصة وتراثها. لكننا نجد أنه منذ "تحرير" العراق المذكور لم تقم القوات المحتلة بأي إجراء لحفظ الأمن أو للسيطرة على التسيب الأمني والنهب والسلب والقتل الذي غدا يهدد بحرب أهلية في ظل رهانات عرقية ودينية عززت الفرقة والتربص. صحيح أنه ليس لأمريكا وحلفائها إلا المحاكم الدولية، لكن حتى هذه عملت أمريكا حسابها ملياً على ألا تلتزم بها بل وانسحبت من عضويتها قبل قيامها في يوليو الماضي.
إن هذين هما المتحفان الرئيسان من بين 13 متحفاً إقليمياً يضمها العراق، والتي سبق أن نهبت جميعها في حرب الخليج الثانية ما عدا متحف بغداد حيث كانت السلطة محكمة قبضتها على المدينة آنذاك. ذلك أن صدام كان صارماً في التعامل مع سارقي الآثار وكانت تصل العقوبات لمن يعبث بها حد الموت. وقد أغلق متحف بغداد لمدة عشر سنوات بعد حرب الخليج الثانية للحفاظ على محتوياته ولم يعد فتحه إلا في أبريل من عام 2000، ليعاد نهبه بعد العدوان الأمريكي. وعادة ما تأخذ الآثار المسروقة طريقها إلى خارج العراق إلى العدو الصهيوني إسرائيل كوسيط، ثم لندن لتقييمها ثم إلى سويسرا للمزادات ومنها إلى جامعي التحف من الأثرياء الإسرائيليين أو الأمريكان أو اليابانيين.
ويحوي متحف بغداد الواقع في منطقة الكرخ 28 صالة عرض تتوزع أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية تعد من الكنوز الإنسانية العالمية، مشكلاً أكبر متحف في الشرق الأوسط. وتعود الآثار المحفوظة في هذا المتحف إلى فترة زمنية تغطي مئة ألف عام تشمل العصور الحجرية، السومرية، البابلية، الآشورية، الإغريقية، الفارسية، الإسلامية وغيرها. من أهمها هيكل عظمي لإنسان نياندرثال وبقايا المقبرة الملكية بأور، وأقدم تقويم شهري يعود تاريخه إلى عشرة آلاف سنة مضت. وقام اللصوص الخميس الماضي بسرقة مكنوزاته المعروضة والمحفوظة في الغرف الخلفية وما لم يتمكنوا من حمله حطموه قطعاً صغيرة في عمل تخريبي غير معقول.
أما الموصل فتمثل قلب المنطقة المسيحية الآشورية وتضم أقدم كنائس العالم، ومتحفها أحد أهم متاحف العراق والذي يضم بين جنباته آثار مدينة نينوى الآشورية ومدينة الحضر العربية المتجاورتين وغيرهما. وقد فقد المتحف في خلال ساعات من "تحرير" المدينة يوم الجمعة على يد أمريكا جل مكنوزاته وعلى رأسها، تمثال الثور المجنح الآشوري العملاق برأس إنسان والذي له شبيه في المتحف البريطاني سرقه من مئة عام عالم آثار إنجليزي، وتمثال الملك سنطروق الثاني بالحجم الطبيعي الذي حكم مملكة الحضر العربية منذ ألفي عام، وآلاف الرقم المسمارية التي لم تُقرأ بعد.
منذ بدأت الحرب ونحن نسمع أصوات علماء الآثار الأمريكيين والأوروبيين والمصريين وهم يحذرون أمريكا من التعرض وضرب آثار العراق الثقافية وذاكرة الإنسانية جمعاء، بل إن الآثاريين الأمريكيين والأوروبيين حددوا لأمريكا عشرة آلاف موقع أثري على رأسها بابل ونينوى ونمرود وأور والحضر، عليها أن تحرص على عدم تعرضها للقصف، كما حذرتها من عمليات النهب ما بعد الحرب.
الرئيس العام لليونسكو أصدر بياناً يصف فيه العراق بأنه مهد الحضارات وأنه يحوي كنوزا من الآثار والمواقع التي لا تقدر بثمن والتي تعتبر تراثاً إنسانياً شاملاً، وأكد على ضرورة عمل كل ما في الوسع للمحافظة على تراث العراق. ويرى أن من واجب اليونسكو أن يساعد العراقيين على المحافظة على ماضيهم وعلى بناء مستقبلهم. وكان لديه أمل كبير في القوات والسلطات الأمريكية بأنها سوف تقوم بالحماية والمحافظة على هذه الآثار. وقد أعلنت اليونسكو أنها سوف ترسل وفداً لفحص الأوضاع في هذه المتاحف على الأرض خلال أسبوعين.
واليوم وقّع 230 عالما من 25 دولة متخصصين في التاريخ الرافدي على عريضة لرفعها إلى الأمم المتحدة بدأها باحثون في جامعتي ييل وأوكسفورد وهم يدعون بشدة القواد العسكريين الذين سوف يديرون عراق ما بعد الحرب أن يحافظوا على التراث الثقافي من أجل مستقبل شعب العراق ولأجل العالم أجمع.
لكننا ونحن الأقرب جغرافية وتاريخاً وانتماء، والذين يمثل تراث العراق تراثاً وتاريخاً وذاكرة لنا أيضاً، لم نقم بفعل شيء في بلادنا وكأن العراق لا تعني شيئاً لآثاريي الخليج وعلمائه وعالماته. فلم يصدر أي بيان من إدارات الآثار الرسمية ولم يصدر شيء من جمعيات الآثار والتاريخ المختلفة الموجودة في دول الخليج، والتي أنتسب إلى عدد منها، في سلبية غير مقبولة وغير مبررة ولا ينبغي أن نتركه لحجة أن هذه ليست أولوية في الوقت الحاضر، فكل من موقعه يقوم بما يعرفه وما يقدر عليه.
ربما آن أن يكون لنا دور ما، بعد انتهاء الحرب على الأقل، بتسجيل موقفنا وإعلانه واتخاذ بعض الخطوات العملية المفيدة. آمل ذلك.
* مؤرخة وكاتبة سعودية

 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.