العدد (174) السنة الأولى - الخميس 27 ذو الحجة 1421هـ الموافق 22 مارس 2001م.
:::Coming Soon::::
 


 
 
 
 

هل يمكن القضاء على التمييز ضد المرأة؟

أعذب الكلام ما قيل في المرأة وأكثر ما يعذّبها ما قيل ويقال عنها، ويبقى ما تريد هي أن تقول عن نفسها دون وصاية أو توصية. سوف تجدونها تريد أن تقول كفاكم افتراضاً لجهلها وعجزها واحتياجها للغير، فمن منا يولد وهو متعلمٌ مقتدرٌ معتمدٌ على ذاته؟.
مع انطلاق أعمال اللجنة الدولية لحقوق الإنسان يوم الاثنين الماضي في جنيف والتي تعنى بوضع التقارير عن وضع حقوق الإنسان في العالم ومراجعة مدى تطبيق الدول لبنود اتفاقيات حقوق الإنسان عامة، يكون قد مضى ما يقارب ستة أشهر على توقيع المملكة العربية السعودية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (7 سبتمبر 2000) وتحضر فيها المملكة اليوم ولأول مرة كعضو فاعل لتدلي برأيها وتشارك بمشورتها.
كان إقدام المملكة على توقيع هذه الاتفاقية دليلاً على إدراك القائمين على الأمر فيها للمتغيرات الاجتماعية والدولية التي تعيشها البلاد اليوم وعلى رغبتهم في أن تستفيد ويفيد المجتمع من كل الفرص التي يمكن أن يقدمها العالم الخارجي. فتضيف إلى معين المنتج المحلي دون أن تخل بأصوله ومرتكزاته مؤكدةً على ألا تتعارض هذه الوثيقة مع الشريعة الإسلامية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهي أو هو أولى بها. والاتصال بالمجتمع الدولي من خلال هيئاته الدولية يعزز حضارية المملكة وثقتها في نفسها وأبنائها وبناتها، وهو موقف تاريخي لا بد أن يثمن ويحظى بالثناء والتقدير.
ولكننا بعد مرور نصف عام بحاجة إلى وقفة متئدة لنقيّم ما يمكن القيام به بعد ذلك لتحقيق أعلى درجة استفادة من الانخراط في بوتقة النظام الحقوقي الإنساني. لاسيما وأن غالبية ما يرد في نصوص هذه المعاهدات سبق وأن نبهت إليه وأمرت به شريعتنا الغراء. والمجتمع الإسلامي مجتمع حريص على مشاركة المرأة شقيقة الرجل في بناء المجتمع الصالح، إلا أنه كما لا يخفى على أحد أن التطبيق لم يأت دائماً على مستوى التشريعات والأوامر والنواهي. فمفهوم المشاركة مع المرأة مفهوم حضاري رفيع الدرجة غالباً ما نجده يقبع في سطور، في كتب، على أرفف، في مكتبات أو أدراج، مقفلة، مرتجة، مهملة أو مجهولة فحسب. فلعله خير أن تشجعنا اتفاقيات كهذه لإطلاق السطور وكلماتها من قيود التفسيرات الأحادية حتى يعبر مجتمعنا بكل فئاته عن آماله وهو راض عن نفسه.

إن المواد المتضمنة في الاتفاقية تحمل تثبيتاً للعديد من القضايا الشائكة التي تتعلق بالمرأة عامة والمرأة السعودية خاصة. والمعني من التوقيع، كما يبدو، أن هناك استعدادا للمناقشة والحوار ونحن نهتبل الفرصة حتى نفعل ذلك لاسيما وأن هناك الكثير مما يجدر التوقف عنده للمناقشة ومنها:
أولاً: تحديد ما يحمله مجتمعنا من اتجاهات تمييز ضد المرأة والبعد عن التجمّل والقول بالكمال غير الواقعي أو الحقيقي.
ثانياً: توضيح حد السقف الذي سوف تسعى الجهات المسؤولة أن تصل إليه والمساحة التي سوف توسعها للمرأة سواء في مجالات العمل، التعليم، المشاركة في الحياة العامة أو في اتخاذ القرار.
ثالثاً: تبيان المقصود من النص: "عدم الالتزام بما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية".
فلأبدأ بالنقطة الثالثة على الرغم من حساسيتها، وقد يُفضل تجنبها حتى لا أتعثر بما يمكن أن يُساء تفسيره، إلا أنني أرى ضرورة تجاوز هذا التردد وتوسم حسن الظن وبعد النظر في القارئ وقدرته على تمحيص ما يُكتب. إن شائكية موضوع "أحكام الشريعة الإسلامية" متأتية، كما لا يخفى على أحد، من إلحاقنا القدسية بكل لفظة تتصل بالإسلام مهما ضاقت أو اتسعت ومهما شملت وامتدت. إن ما أعنيه هو أننا بحاجة إلى تمييز ما أحكام الشريعة الإسلامية، فاللفظ والمفهوم فضفاض وبحاجة بالتالي إلى تحديد واضح للمقصود بـ"الشريعة" وبماهية "الأحكام" المقصودة.
كما نعلم أن الشريعة تعنى بنصوص ثابتة قاطعة تتصل بأصول العقائد وببعض كليات تنظيم الحياة البشرية، وبها جانب آخر يتصل بتفاصيل الحياة البشرية ومتغيراتها مما يعرف بالفقه الإسلامي وهو ما يجتهد العلماء برأيهم فيه وحكمهم، فمنها ما أُجمِع عليه أو قيس عليه وفق مدارس مختلفة امتدت بين مشرق الأرض ومغربها حيثما امتد الإسلام، مما أثرى من المحصول الفقهي المعالج لقضايا المجتمع الإسلامي واختلافاته. وبالتالي فإن الشريعة ليست مفهوما ًواحداً مدرَكاً من كل مسلم ومسلمة، بل هي لوائح مستطردة من التفاصيل والعموميات التي بحاجة لأن تُعرف من العام والخاص كي تزول أية شبهة.
والمجتمع السعودي ليس مجتمعاً مستنسخاً من فرد واحد بل يحمل الكثير من المشتركات الاجتماعية كما التميزات الثقافية المرتبطة بتاريخ الجزيرة العربية الطويل وحضارتها. وهذه التعددية الثقافية تنصهر في بوتقة متناغمة من التفسير والاجتهاد مما ينعكس بالتالي على ما نعنيه بأحكام الشريعة الإسلامية. وهنا نعود إلى التساؤل المبدئي حول الآلية التي سوف يتم بها تفسير المقصود بأحكام الشريعة الإسلامية، وما إن كان سوف يؤخذ في عين الاعتبار "إسلام بلا مذاهب" تذوب فيه كل الاختلافات ويؤخذ منه بالتفسيرات والأحكام التي ترجح المصلحة العامة؟.
ولأكون أكثر وضوحاً سأعرّج على قضية عمل المرأة السعودية وتعليمها اللذين ما زالا قضية جزئية الحل تدور في إطار هذه الأحكام، بينما هي بحاجة إلى توضيح وتناول بجدية وجرأة أكبر. ومن ذلك مناقشة، على سبيل المثال، أسباب تعثر التوافق بين تعليم الفتاة السعودية وحاجات سوق العمل، والتي تتصل بما تتعلمه الفتاة دون الفتى أو ما تعمله ولا يعمله؟ هذا مما يوصلنا إلى النقطة الثانية في موضوعنا حول المدى الذي سوف توافره الجهات المسؤولة للمرأة حتى تتوافق مع مفردات الاتفاقية الطموحة من جهة وطموحات مجتمعنا بجنسيه من جهة أخرى.
إن تقدير درجة وعي الشعوب ونضجها، من وجهة نظري، مرتبط بمقدار ما يشارك به الفرد في بناء مجتمعه، متناسباً في ذلك الوعي والنضج مع درجة المشاركة طردياً. وبناء على ذلك إذا قسنا مدى مشاركة المرأة السعودية في بناء مجتمعها على الصعيد العلمي، الفني، الاقتصادي أو السياسي نجد أن هذه المشاركة ضئيلة جداً إن لم تكن في كثير من النواحي معدومة. ماذا يعني ذلك، وهل هو ما نسعى إليه؟ وهل هذا ما نهدف إليه بالتنمية والبناء؟ أشك في ذلك كثيراً، وأعتقد أن الآمال كما هي دائماً عريضة، لكن الأهداف ليست واضحة أو محددة. هل نريد بالفعل أن ننمي المجتمع بمساعدة كل عناصره أم إننا نريد لنصفه أن يكون عالة على النصف الآخر، غير قادر على أن يتخذ أبسط القرارات بمفرده، وحتى عندما يريد، يجد أن كل الأنظمة المحيطة به تتكفل بتعويق هذه المحاولة؟ أشك في أن يكون هذا هو هدف التنمية وإن كنت لا أشك في أنه الناتج الفعلي لتطبيقات التنمية. وتعريجاً مرة أخرى على تساؤلنا حول المساحة التي سوف تُعطى للمرأة بناء على هذه الاتفاقية، فإننا نرى أن هناك الكثير من القضايا الملحة التي يبدو أن وقت هزها قد حان حتى تثمر بما يفيد مجتمعنا.
وأخيراً نحن بحاجة ماسة لمواجهة النفس والاعتراف بأن مجتمعنا يكرس في صورة قدسية العرف كثيراً من عاداته وتقاليده التي منها ما يعود في قدمه إلى ما قبل الإسلام إن لم يكن إلى ما قبل التاريخ. هذه الأعراف والتقاليد، كما لا يخفى على أي مسلمة أو مسلم، كثير منها كان يستهدف المرأة ويعمل على تحييد دورها وإبقائه هامشياً في حين أن ذلك بعينه ما سعى الإسلام إلى إنقاذها وتحريرها منه، فكيف نختار؟

هتون أجواد الفاسي

 


 
 

 

 

 

 

 

 

 

 


Copyright © 2000 AL WATAN NEWSPAPER. All rights reserved.