العدد (489) السنة الثانية ـ الخميس 17 ذو القعدة 1422هـ الموافق 31 يناير 2002م

 

قلعة أجياد.. أثر زال (2/2)

تحدثنا في المقال السابق عن موقف المملكة من الآثار وما سنته من قوانين لحمايتها، وبينا كيف تطورت قضية قلعة أجياد وإزالتها والتي انتهت بالإزالة على الرغم من المراسيم الملكية التي تتعارض مع هذا القرار. واليوم سوف نستكمل الحديث حول أهمية هذه القلعة تاريخياً مركزين الحديث عن الكيفية التي يمكن بها أن نتحاشى تكرار هذا الخطأ وكيف يمكن حماية ما تبقى من آثارنا.
كانت قلعة أجياد تطل على الحرم المكي من الجهة الجنوبية - الغربية وقد بناها الشريف سرور بن مساعد عام 1196هـ شريف مكة بين عامي 1186 - 1202هـ، على جبل بلبل الذي يرتفع 150 متراً عن سطح الأرض لحماية مكة المكرمة والحرم من هذه الجهة لتساند القلاع الأخرى، هندي على جبل هندي، غرب الحرم (أزيلت) وقلعة لعلع، شمال الحرم (وقد تحولت إلى بناء مدني وهي مهجورة الآن) نظراً لتعرض مكة لكثير من الأخطار والاعتداءات عليها في عهده، خاصة من قبل قبائل الطائف تحت قيادة أبناء عمومته. وكانت القلعة تتكون من أربعة أبراج ضخمة، أزيل أحدها في الجهة الغربية في أحد الترميمات. وحظيت بشهرة وأهمية نظراً لدورها الأساسي في حماية مكة المكرمة والدفاع عن سكانها منذ مئتين وستة وعشرين عاماً فضلاً عن تصميمها المعماري الحصين الذي استخدم مواد بناء محلية بنيت بأيدي أهل المنطقة وما جاورها في عمل اعتبره كثير من العمال كعمل يحتسبون به وجه الله ما دام أنه لحماية بيت الله (انظر الوثيقة التي نشرتها "الوطن" منذ أسبوعين). وتبلغ مساحة القلعة 800 متر مربع وتضم القلعة غرف عساكر المدفعية، مستودعات للذخيرة، مصاطب مدفعية وإسطبلات. رممت أكثر من مرة عبر تاريخها وقد كان قد بنى عليها الشريف غالب بن مساعد منزلاً لسكناه وعائلته ثم أزيل قبل دخول الملك عبدالعزيز مكة في عام 1343هـ. ووفقاً للوثائق التي بين يدي أحفاد الشريف غالب بن مساعد فإن القلعة كانت موقوفة على ذرية الشريف غالب ونسله (انظر المقابلة مع الشريف نواف بن عبد المطلب بن محسن آل غالب في "الوطن" 16 يناير 2002) وذكرها الكثير من الرحالة والمجاورين والحجاج ممن زاروا مكة منذ ذلك الزمان وأشهرها ما تركه عالم الاجتماع الهولندي سنوك هرونخيه في القرن التاسع عشر من صور ووصف لها وقد أمضى في مكة المكرمة ما يقارب الستة أشهر.
إن مكة المكرمة بآثارها التي أزيلت وما بقي منها لا تعني أهلها أو مالكي العقار فحسب وإنما تعني وتخص العالم الإسلامي أجمع ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وما نحن إلا مؤتمنون على هذه الأمانة. إن التصرف في ذاكرة المسلمين الجمعية ليست من حقنا فهي حق مشاع للأمة أجمع وحق التصرف في هوية مكة حق محدود ومقيد بعدم الإضرار بها أو بأهلها وبمن سوف يأتون بعدهم وحتى تقوم الساعة.
ومن المؤسف حقاً أن نستهين بتاريخ بلادنا ونتصارع على إزالة معالمه واستبدالها بأبراج أسمنتية بالية ورخامية صماء لترضي فئة العقاريين والمقاولين ممن لا يعترفون للثقافة أو التاريخ بقيمة. فالهدم كما تقول المعمارية العراقية ميسون الدملوجي يقدر عليه أي كان حتى الأرَضة ولكن البناء والمحافظة على التراث والآثار هما ما يحتاجان إلى حلول ذكية، فما هذه الحلول؟.
لقد صدر مرسوم ملكي بإيقاف هذا الموقع لخدمة الحرم وحجيج بيت الله، وبذلك تحولت القلعة إلى ملكية عامة تخص جميع المسلمين. وفي هذه الظروف عندما توقف الأبنية التاريخية يتطلب الأمر تكوين لجنة مشتركة مختلطة تمثل كل الأطراف التي يتوجه إليها هذا الوقف تكون مهمتها معاينة الأوقاف وتقديم أفضل الحلول للحفاظ على الموقع إن كان تاريخياً وكيفية الاستفادة منه لصالح الموقوف عليهم من خلال إجراء الدراسات وتقديم المحاضرات والندوات التي توسع دائرة الرأي والمشاركة وكذلك المسؤولية. ويفضل أن تكون هذه اللجنة ذات استقلالية إدارية، لا حكومية ولا ربحية، لكنها تنسق مع وزارة الأوقاف وتقتدي بقراراتها.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإننا بحاجة إلى تفعيل أكبر لدور الوكالة العامة للآثار والمتاحف، ربما جعلها ذات استقلالية إدارية عن وزارة المعارف وتوسيع سلطاتها حتى يمكنها من القيام بدورها الحقيقي القائم على رصد ومسح كل آثار المملكة الثابتة والمنقولة والتنقيب عنها والمحافظة عليها لا سيما ما كان منها ضمن ملكية خاصة، وتطبيق نظام الآثار. وقد كان للوكالة دور إيجابي وقوي للوقوف أمام هدم القلعة وقدمت اقتراحات مختلفة لتحافظ على الصرح مع تطوير المنطقة المحيطة بها، ولكن نظراً لضعف صوتها وسلطتها لم تتمكن من الصمود طويلاً وهو ما لا نريده أن يتكرر في المستقبل.
إن المملكة تقف موقفاً صعباً لاسيما على المستوى الدولي من ناحية المحافظة على سمعتها، واليوم يعرضها هدم قلعة أجياد التاريخية للنقد الدولي الذي نحن في غنى عنه والذي جعل دولة مثل تركيا توجه إلينا انتقاداتها، وإن كانت ليست مشروعة في خضم سورتها القومية، ولكنها تدل على وجود تضارب في الأقوال والوعود لا يمكن إنكاره والتي لا تجدر بأن تصدر عن بلادنا، خاصة وأن بلادنا قد عملت منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة على إصدار نظام الآثار الذي يقنن المحافظة على الآثار ويضع عقوباته على من يخالفه بالمرسوم الملكي رقم م/ 26 وبتاريخ 23/6/1392، ومن جهة أخرى حرصت بعد ذلك بست سنوات على مشاركة العالم في حرصه على التراث والآثار وقامت في 7 أغسطس 1978م بالتوقيع على اتفاقية المحافظة على التراث العالمي دون أي تحفظ، وانضمت بذلك إلى 167 دولة وقعت معها على هذه الاتفاقية التي ترعاها اليونسكو.
وآخراً.. للإجابة على أسئلة مثل ما قيمة الأثر وما قيمة التاريخ أسأل بدوري: ما قيمة البناء إذا لم يبنه أبناء الوطن بأيديهم وبأحجارهم ورملهم؟ ما قيمة الحرفة إذا لم تربّ بين ظهرانينا؟ وهل نفضل أن نكون شعوباً فاقدي الذاكرة، نبني بعقول وذاكرة الآخرين حضارة لا نعرف منها سوى بريق زجاجها؟

هتون أجواد الفاسي
http://www.alwatan.com.sa/daily/2002-01-31/writers/hatoonalfassi@alwatan.com.sa

 
 
 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.