Mailbox:
Main
Message:
47 of 86
Logoff
Menu
Compose
Summary
Search Mail
From: "webmaster" http://mail.alwatan.com.sa:8383/Xd6ca93c89d9a9b9d9a9d7e2085a7/newmsg.cgi?mbx=Main&to=webmaster@alwatan.com.sa

Reply-To: http://mail.alwatan.com.sa:8383/Xd6ca93c89d9a9b9d9a9d7e2085a7/newmsg.cgi?mbx=Main&to=webmaster@alwatan.com.sa
To: http://mail.alwatan.com.sa:8383/Xd6ca93c89d9a9b9d9a9d7e2085a7/newmsg.cgi?mbx=Main&to=hatoonalfassi@alwatan.com.sa
Subject: =?windows-1256?B?2uHt5SDH4eHa5MkhLi4=?=
Date: Wed, 19 Dec 2001 13:25:10 +0300

عليه اللعنة!..

هتون أجواد الفاسي

لم أستطع التخلص من تشبث فصل كنت أحرره منذ فترة قريبة لأكتب في موضوع آخر سواه.. وإن كان موضوعا سيصيب القارئ بخيبة الأمل إلا أنه من أمتع القضايا التي أناقشها في دراستي، على الأقل من وجهة نظري، وهي.. اللعنات. عفوا إن كنت صدمتكم ولكني سوف أفسر كيف هو ممتع فقط أعطوني الفرصة لألملم أنفاسي، وأعطوا أنفسكم إياها أيضا فأنتم سوف تحتاجون إلى ذلك خاصة إذا علمتم أن اللعنات التي أقصدها إنما هي لعنات المقابر. أدري أن هذا ليس بذلك الموضوع الشاعري أو القابل للمجاذبة ولكنه ما أسهر الليل في محاولة حل مغاليقه.. وللناس فيما يعشقون مذاهب.. أتناول المقبرة من هذا الجانب وذاك.. شكلها، لونها، طولها، عرضها، ما قالوه عنها وما قاله أصحابها، إنها مقابر من نوع خاص كثيرا ما تثير الجدل العقلي حول غايتها ومآربها. وإن كنت أتمعن مليا في مقابر "مدائن صالح" إلا أن الموضوع يتعلق بالمقابر في منطقة غرب آسيا بشكل عام. الإنسان منذ خلقه الله وأنزله الأرض جعله يعرف الموت الأول.. ومنذ موت هابيل وهو يحاول العثور على مخرج.. على طريق تعيده إلى الجنة. تعيده إلى الحياة مرة أخرى.. تخلده. فتارة يهتدي ويتبع أحد الرسل الذين أرسلهم الله إلى البشرية على مر العصور، وتارة أخرى ينسى وينحرف ويتبع تفسيرات وأديان يختلقها.. أمام الموت وقف الإنسان موقف العاجز.. موقف الضعيف مهما تطاول في القوة والبنيان.. لا مفر ولا مهرب (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) .. وإن استسلم الإنسان القديم، وليس أمامه من طريق آخر، إلا أنه عامل الموت معاملة خاصة جدا .. عامله بقدسية ورهبة، وخلق له اعتقادات وطقوسا لا أول لها ولا آخر، مغلفة بالأساطير التي تردد صدى الإيمان الأول .. تحاول أن تجد لمعضلة الموت مخرجا وحلا.. وبمرور الزمن وتعقد المجتمعات تكونت اعتقادات خاصة بالحياة الأخرى، ذلك أن غالبية الحضارات القديمة اعتقدت بالحياة بعد الموت بشكل أو بآخر، وكونت لها تفسيرات تتفاوت في بساطتها وتعقيدها ببساطة أو تركيبية هذا المجتمع أو ذاك.. وتميزت مراكز الحضارات الكبرى في بلاد الرافدين، مصر، سوريا، الهند، الصين وإن أمكن الجزيرة العربية أيضا، بأنها نظرت إلى الموت نظرة مقدسة، وإلى الميت على أنه اكتسب بتحوله إلى عالم آخر قوة أخرى تحيط به، قوى فوق الطبيعة.. ومن أكثر المعتقدات شيوعا الاعتقاد بحاجة الميت إلى مقبرة حتى ترتاح روحه في عالمه الجديد .. ناظرين إلى المقبرة نظرة خاصة تمثل بيت الآخرة حتى إنها تدعى بـ "البيت" أو "بت علما" أي بيت الأبدية .. البيت الذي تنزل فيه الروح وتعود إلى الحياة في شكل آخر وعالم آخر. وفي ذلك العالم هي بحاجة إلى أغراضها الخاصة الدنيوية، وهي ما تدعى بالأثاث الجنائزي الذي كان مرتبطا بالموتى في حياتهم، فيدفنونه معها أو معه. بل أحيانا يدفن معهم الخدم والحشم كما في بلاد سومر والصين. وهذا الاعتقاد هو الذي سبب ظاهرة السطو على المقابر عبر التاريخ، وبالمقابل أخذ أصحاب المقابر يتخذون احتياطاتهم الأمنية المعقدة حتى يضمنون حياتهم الآخرة وعدم المساس بجثثهم أو إزعاج ميتتهم التي يمكن أن تعطل مسيرة تخليص الروح وسلامها في العالم الآخر. فكانت اللعنات أحد هذه الأساليب. واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ومن الخير عموما. وتتكرر اللعنة في القرآن 41 مرة في أشكال مختلفة تجتمع في كونها عقابا ينزل من الله على الظالمين والكافرين والمنافقين والمشركين، وكثيرا من الأمم العاصية كبني إسرائيل وعاد وثمود وغيرهم ، والذين يرمون المحصنات الغافلات، والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، والذين يؤذون الله ورسوله، والذين يكذبون على ربهم.. واللعنة تكون من الله وتكون من الملائكة ومن الأنبياء ومن البشر لبعضهم البعض. وبشكل عام هي تعني الطرد والإبعاد من الرحمة والقبول. وفي حال أن اللعنة من الله فهي طرد وإبعاد من رحمته تعالى، وفي حال أنها من البشر فهي إبعاد وطرد من النسيج الاجتماعي. وقد تفنن العامة والخاصة في منطقتنا (غرب آسيا أو منطقة من النيل إلى جيحون) في اللعنات التي ينزلونها بالمتعدين على المقبرة أو جثة صاحب أو صاحبة المقبرة.. وتفاوتت اللعنات في مواضيعها وطرق إنزالها بالآخرين وباسم من تنزل مما يدلنا على كثير من الاعتقادات والمفاهيم الاجتماعية التي تعرفنا على المجتمع العربي القديم .. والتي تدفعنا بدورها إلى التفكر والتأمل في مفاهيم مجتمعاتنا اليوم التي يظهر لنا بعد تجذرها البعيد. فمن أبلغ وأقسى وأكثر اللعنات شيوعا هي الدعوة بقطع النسل وانقراض الذرية من على وجه الأرض، أو أي بقعة تشرق عليها الشمس.. إلى الأبد. وهي دعوة تحمل كثيرا من الدلالات الاجتماعية التي لا زالت سائدة حتى اليوم.. حتى إن أفضل دعوة يتبادلها العرب هي الدعوة بطول العمر. لقد توصل الإنسان في تأقلمه وتعايشه مع الموت الذي حرمه من الخلود، إلى تعويض ذلك بتخليد "الاسم".. الجزء نيابة عن الكل.. ودلالة الاسم في وعينا ولاوعينا عميقة جدا .. وتخليد الاسم يمكن أن يكون بتسجيله على لوح، على حجر، على شاهد قبر، على جدار في حارة لمدرسة أو بيت، على شجرة، على باب الجيران "ذكريات أبو الشباب". تخليد الاسم يكون كذلك بالربط بين الذرية وسلسلة التناسل التي تحمل اسمه، الذكر خاصة، وتتكرس بالحرص على إنجاب الأبناء الذكور، خاصة في المجتمعات الأبوية، الذين سوف يحملون اسمه إلى ما شاء الله.. ومن المثير أن يرى أحد علماء الإنسان أن الشعوب التي تعتقد بأهمية الذرية إنما هي شعوب لديها ضعف في الثقة بالمستقبل.. "ذلك أن الإنسان عندما لا يثق بما ينتظره بعد الموت، أو يعتقد أنه سوف يموت حقيقة بانقطاع ذكره بعد موته، إنما هو يشك في الحياة الأخرى .. وما تعلق الإنسان بالحياة إلا محاولة للهروب من هذه المواجهة". وهذا الشك وإن كان غير وارد في العقيدة الإسلامية نظرا لمعرفتنا بمآل الإنسان بعد الموت وخلود روحه، إلا أن هذه المعرفة لا تنعكس على التطبيق، وهذا يدخل بنا في إشكالية الفجوة بين العقيدة والتطبيق في كثير من المجتمعات الإسلامية وهو ما لن أخوض فيه الآن. إذا أليس الشك في خلود الروح ضعفا في الإيمان؟.. أليس الاعتقاد بارتباط الخلود ببقاء الاسم في الذرية على الأرض يعد شكا في خلود الروح الأخروي؟.. وأليس الاعتقاد بأهمية خلود الاسم الذكوري على اسم التناسل الأنثوي دلالة أخرى على خلل اجتماعي ما؟.. وبالتالي إلى أي درجة يمكن لمجتمعنا أن يقبل بألا يخلد اسمه الذكوري بطفل ذكر؟.. هل لي بإجابة طال عمركم؟ * مؤرخة وكاتبة سعودية نافذة: "اللعنة تكون من الله وتكون من الملائكة ومن الأنبياء ومن البشر لبعضهم بعضا"



Logoff Menu Compose Summary  Top