العدد (258) السنة الأولى - الخميس 22 ربيع أول 1422هـ الموافق 14 يونيو 2001م.
:::Coming Soon::::
 


 
 
 
 

شهيدات العلم

تحرص الرئاسة العامة لتعليم البنات على التفاخر في كل مناسبة بعدد المعلمات اللاتي يعملن في جهازها وإلى أي حد وصلت السعودة فيها... ففي آخر تعداد أعلن عنه الدكتور علي المرشد، الرئيس العام لتعليم البنات، في الندوة التي عقدتها الرئاسة لتناقش أمر دماء المعلمات المهدرة على الطرقات، والتي غطتها الوطن ونشرتها في عددها 249 (13/3/1422هـ)، بلغ عدد المعلمات 199.740 معلمة. وهو حجم يُحسب لبنات هذا الوطن، ولكن هذا التفاخر يُغمض الثمن الذي تدفعه الفتاة السعودية كي ترفع من عدد المعلمات التي تتفاخر الرئاسة بتعيينهن وضمهن إلى صفوفها، ألا وهي حياتها...
سوف تعتبر الرئاسة أن كتابة هذا المقال من باب التشهير بها والتجني عليها نظراً لأن الكاتب أو الكاتبة "بعيدة عن الواقع وظروفه". وإن قبلت هذا الاعتبار فإني سوف آخذ فقط بما نقل على لسان الرئيس العام في هذه الندوة ونشر في صحيفة الوطن ولم ينشر أي تعقيب يعترض عليه...
من الأولى بداية أن نحدد القضية؛ فهي من جهة تُعنى بمشكلة أمن المعلمات وسلامتهن، ومن جهة أخرى، ببند التعيين الشهير "105"...
المشكلة الأولى أخذت أبعاداً واسعة في المجتمع السعودي الذي فُجع ويُفجع في بناته يوماً بعد يوم وهن يُحصدن على الطرقات في طريقهن إلى مدارسهن... تجاوب مع الحدث العامة والخاصة بعد أن لم تعد مسألة عمل المرأة، وخاصة في مجال التدريس، مسألة رفاهية أو رغبة في تمضية وقت، وإنما أصبحت تشبع ضرورة اقتصادية وعى لها المجتمع وأدرك أهميتها بكل مستوياته وفئاته... هذا فضلاً عن المكتسب الذي لم تعد المرأة السعودية نسبياً، تقبل بالتخلي أو التنازل عنه، ألا وهو استقلالها المادي والمعنوي...
لكن ما صُدم المجتمع السعودي أكثر من صدمته في بناته هو الموقف التنصلي الذي أخذت تقفه بعض الجهات المعنية ابتداء من الرئاسة العامة لتعليم البنات إلى وزارة المواصلات أو الصحة أو أمن الطرق أو الخدمة المدنية. فيكفي أن نقتبس تعليق الرئيس العام لتعليم البنات الذي يقول "إن الحوادث تقع لجميع سالكي الطرق وليس للمعلمات وحدهن"، وشبيهاً من ذلك يقول وكيل وزارة المواصلات لشؤون النقل، الدكتور عبدالعزيز العوهلي "إن مشكلة الحوادث عامة وليست قاصرة على المعلمات". أما مدير الأمن العام الفريق أسعد الفريح فإنه يرى بأن "حوادث المعلمات لم تصل إلى الظاهرة"...
لا يمكنني أن أقرأ هذه العبارات إلا وتحمى دماء الحمية في عروقي، ليس لأن الضحيات نساء، وإنما لأن هؤلاء الرجال هم القائمون على تربيتنا وسلامتنا. لأن هؤلاء من موقع أمانتهم وجدوا أن أسهل طريقة لحل المشكلة هي التنصل من المسؤولية وتمييعها. فحتى تصبح حوادث المعلمات "ظاهرة" علينا أن ننتظر، ونكمل مسيرة الحياة بضمير مطمئن...
لا أعتقد أن رد الفعل المرفوض هذا خاص بأشخاص بقدر ما أرى أنه مختص بإدارة عامة وبنظرة قاصرة يتميز بها عدد كبير من مرافقنا وأجهزتنا الحكومية التي تحرص أن تلمّع واجهتها الرخامية على أن تعترف بالخلل في إدارتها وخططها وتحاول معالجته. الاعتراف بالمسؤولية يعد في بلادنا رابع الغول والعنقاء والخل الوفي. لكني أقول بأنه ليس لهؤلاء من بد من الاعتراف بذلك، لأننا لن نقبل بأن تبقى دماء شهيداتنا مهدرة دونما مطالبات أو مطالبين...
فبخلاف استهجاننا الطريقة التي تنظر بها الرئاسة أو وزارة المواصلات أو الأمن العام إلى القضية، فإن المسؤولية تقع على كل من هو طرف في: تعيين هذه المعلمة في ذلك المكان القصي، بدون مراعاة لظروف "خصوصية المرأة السعودية"، أو استغلال حاجتها للعمل حتى تعيّن على بند عمل مجحف وتركها عليه السنة تلو الأخرى في ظروف قانونية مخلة، أو في عدم مراعاة تطبيق نصوص بنود العمل والعمال الذي يؤمن سلامتها، أو في ترك أمر شراء المركبات غير المؤهلة، المفتقدة لأحزمة الأمان لمن لا خبرة له في الأمر، أو في تعيين سائقين غير مدربين، أو متعبين، أو الإغماض عن مقاولي الطرق الذين سلموا وزارة المواصلات طرقاً غير صالحة للاستخدام الإنساني، أو إهمال وضع الإشارات المرورية وغيرها من وسائل الأمن، أو في عدم تنظيم وحدات للإسعاف ووسائل اتصال ونقل سريعة على الطرق الطويلة يمكنها أن تسعف المصابين في أقصر وقت...
عوضاً عن التنصل من المسؤولية، يمكن للرئاسة التعاون مع الجهات ذات الطرف في هذا الموضوع وتضع خطة عملية وسريعة في فترة الإجازة الصيفية الممتدة لشهور ثلاثة طويلة، تعدّ فيها لإنقاذ حياة المعلمات الأحياء وضمان سلامتهن ووصولهن إلى مواقع عملهن في ظروف إنسانية. والخطة المعنية لا تحتمل أي تهاون أو تأجيل أو تسويف أو تعلل أو تعذر أو تسليم بأن هذا قدرهن الذي عليهن مواجهته ما دام أنهن قبلوا العمل في الرئاسة...
وهنا نحن ننسى أن المعلم والمعلمة هما عماد تربية أمهات المستقبل، مربيات النساء والرجال، يعتمد إدراكهن القيم والأخلاق على ما تعكسه لهن حال معلماتهن، وما يمكن أن يقدمنه لهن في هذا المحيط غير الآمن وغير المكترث بحالهن أو ظروفهن أو مصيرهن. لن تستطيع المعلمات من تقديم أكثر من عِلم متعب وقدوة مرهقة...
أما القضية الثانية فسوف أتركها للأسبوع المقبل...

هتون أجواد الفاسي

 


 
 

 

 

 

 

 

 

 

 


Copyright © 2000-2001 AL WATAN NEWSPAPER. All rights reserved.