العدد (797) السنة الثالثة ـ الخميس  الموافق 5 ديسمبر 2002م

 

حملة تضامن لحجاب المرأة الأسترالية المسلمة

هتون أجواد الفاسي
انطلقت في 29 نوفمبر 2002م حملة تضامن مع المرأة المسلمة المحجبة والتي تتعرض للتمييز العنصري في أستراليا. قامت كل النساء المتضامنات من المسلمات وغيرهن، وممن يرتدين عادة الحجاب ومن غيرهن بوضع غطاء رأس يوم الجمعة عند خروجهن إلى أماكن عملهن ومعاهدهن، وقام الرجال المتضامنون بارتداء رمز إسلامي ظاهر يمكن أن يميزهم، ككوفية أو طاقية أو سواها.
قامت هذه الحملة على إثر تعرض عدد من النساء المسلمات المحجبات إلى مضايقات وملاحقات وتهديدات وقذف بالشتائم، وتتبنى الحملة جمعيات ومنظمات إسلامية ويهودية وحقوقية ونسوية وسلمية وعربية أسترالية، ويتضامن معها من مسؤولي الحكومة رئيسة حزب الخضر السناتور كيري نيتل. أما عن الداعية لهذه الفكرة والمتحمسة لحق المرأة المسلمة والحريصة على مشاركتها في حرية تمسكها بمعتقدها الديني فهي امرأة يهودية، وإسرائيلية سابقة، وأسترالية حاليا تدعى أفيجيل أباربانل Avigail Abarbanel .
إن قصة هذه المرأة اليهودية لهي جديرة بأن تروى ولا سيما في مرحلة الصراع العربي الإسرائيلي الحالي الذي يتطلب أن نعرف عدونا من صديقنا أو صديقنا من عدونا وما يجري في دواخلهم. فهي امرأة يهودية من أصل روماني. ترعرعت في عائلة علمانية على القومية اليهودية. رضعتها في فلسطين المحتلة وعاشتها وتغنت بها وأدت خدمتها العسكرية لأجل الدفاع عنها. لم تستطع بعد أن بلغت السابعة والعشرين من العمر الاستمرار في العيش هناك متجاهلة ما يجري حولها، أو تنجح في التغاضي عن اغتصاب الحقوق والظلم والإهانة للكرامة والإنسانية التي تراها تهدر أمامها كل يوم حتى لم تعد التبريرات العائلية أو الرسمية بالدفاع عن النفس والثأر لمن راحوا في هجمات فدائية قادرة على أن تجعلها تستريح وتستمر في حياتها في فلسطين. مع تقدمها في التجربة والعمر ولا سيما تجربة التجنيد لم تعد تقبل بأساطير الصهيونية التي تتغنى بالوطن الذي بلا شعب والذي سُخرت أرضه وحفظت للشعب الذي من غير وطن. أخذت مواقف زملائها الجنود الإسرائيليين تصفعها وهي تستهين بالشيخ العربي وتختاره من بين جمع لتسأله عن هويته حتى تستعيد صورا غرست في ذاكرتها الجمعية عن النازية وما فعلته في أهلها من انتقاء للانتقام لم يختلف في استعراض القوة عن عنجهية هؤلاء الجنود الذين ترتدي هي زيهم نفسه.
حولها التجنيد إلى"باسيفيست" تؤمن بالسلام السلبي، وقررت التخلي عن كل ماضيها وبدء حاضر يرضى ضميرها عنه، تصنعه بنفسها وبإمكانها أن تدافع بصدق عنه. فهاجرت إلى أستراليا عام 1991م وهناك تخصصت في العلاج والإرشاد النفسي مبتدئة بنفسها حتى تتصالح معها.
الشيء الذي لم تستطع أن تنجح في تحقيقه وهي في فلسطين المحتلة كان أن تنتمي إلى المجتمع الإسرائيلي. فقد كان ثمن الانتماء إليه والاندماج في وسطه باهظ الثمن وعلى حساب ما تؤمن به، فكان أن تركته، ولكنها بالمقابل كانت بحاجة إلى أن تقوم بصنع شيء ما وهي بعيدة، إذ إن شعورها بالمسؤولية والألم كان ساكنا معها وهي تستمع إلى الأخبار في كل يوم يلاحقها أينما ذهبت شعورها بالمسؤولية تجاه الشعب الذي يقتل باسم القومية الصهيونية على يد أهلها وقومها. وبعد أن كانت تبكي للشعب الإسرائيلي طول عمرها تعلن الآن أن إسرائيل لم تعد الضحية التي يُبكى عليها فهي دولة عظمى في الشرق الأوسط وقوة احتلال غاشمة، ولم تعد تخجل أو تتردد من الإعلان بأنها تبكي للشعب الفلسطيني وتدعو العالم ليأخذ حذره من عملية إبادة يقف عليها متفرجاً.
اهتمت أفيجيل أباربانل وتهتم بموضوعين أساسيين، بالعلاج النفسي وبالقضية الفلسطينية أو بالشرق الأوسط، حتى قامت بدراسة الصلة بين التحليل النفسي والسياسة أو دور السياسة في التأثير النفسي. وهي حريصة على ألا تتحول الدولة التي اتخذتها بديلا للوطن الحلم إلى مسخ هي أيضا من التمييز العنصري والديني. واهتمامها بالفلسطينيين وقضايا المنطقة العربية جعلها تهتم بالإسلام والمسلمين. فلم ترض بأن تمتد آثار 11 سبتمبر إلى أستراليا وإلى فتياتها المسلمات من المهاجرات مثلها ويتعرضن للتمييز والتعريض لمحافظتهن على هويتهن الدينية وهن يمارسن أعمالهن. فكان أن طرحت فكرة "يوم الحجاب" ، لينطلق يوم 29 نوفمبر وتدعى له كل النساء والرجال تضامنا مع أولئك اللاتي واجهن التمييز ضدهن لمجرد أن دالتهن الدينية تجعلهن ظاهرات بوضوح، وذلك حتى يشعرن بالانتماء وبالقوة وبروح التضامن معهن وأنهن لا يواجهن التمييز بمفردهن ولكن كل شخص عليه أن يقوم بذلك لأنه إن لم يفعل فسوف يأتيه الدور وعند ذاك لن يجد من يدافع عنه، في معنى قصيدة باستور نيمولر الشهيرة بعنوان"إنهم جاؤوا أولاً بحثاً عن اليهود".
وفي الحين الذي تتبنى فيه امرأة يهودية قضية حق المرأة المسلمة في خيارها بارتداء الحجاب وتمتعها بمواطنتها في أمان نجد الرئيس التركي(المسلم) أحمد نجدت سيزر يحذر من أي محاولة لإجراء إصلاحات دستورية من أجل السماح بارتداء النساء للحجاب في الدوائر الحكومية والأماكن العامة في رد على ما يشاع من عزم رئيس حزب التنمية والعدالة رجب طيب أردغان - بعد فوز حزبه الساحق في انتخابات البرلمان التركي - طرحه لهذا الإصلاح كحق للمرأة التركية، في إشارة إلى أنه ينوي أن يقتدي بأمريكا في هذا السياق التي تسمح لبناته اللاتي يدرسن في مدارسها أن يتعلمن وهن مرتديات الحجاب بينما لا يمكنهن ذلك في وطنهن تركيا.
وموقف تركيا من الحجاب بحجة الحفاظ على الحرية الدينية والشخصية وتأسيس المساواة بعدم التميز بأي رمز ديني مردود عليها. فالمحافظة على الحرية الشخصية تعني إعطاء الخيار بارتداء الحجاب أو بعدمه، ولا يعد فرض نزع الحجاب حفاظا على الحرية الشخصية بل هو تعد صارخ عليها. فيبدو أن العلمانية التركية الحديثة اختلط عليها الأمر فلم تعد تميز الطريقة التي تجعلها صديقة في عين الغرب، الذين هم أنفسهم يستنكرون التصرف التركي، باستثناء فرنسا، بل تجد النساء المسلمات الحرية في خيار الحجاب في هذه البلدان أكثر من هذا البلد المسلم أو زميله في القومية"تونس". وعل أردغان أن يتمكن من دعم المرأة التركية لتأخذ مكانتها اللائقة بها باختيارها الشخصي.
وبين تركيا وأستراليا تستمر النساء المسلمات ومن يقف في صفهن في المقاومة السلمية للمحافظة على الهوية الدينية وحقهن في حرية الاختيار.

* كاتبة ومؤرخة سعودية

 


 
 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.