العدد (678) السنة الثانية ـ الخميس  29 جمادى الأولى 1423هـ الموافق 8 أغسطس 2002م

 

تأملات في كتب الماضي

تنقلني مكتبتي التي انتصبت دعائمها أخيراً، وكتبي التي عادت إلى الرفوف أخيراً، بعد أن أمضت أعواما عدة متنقلة بين بريطانيا والوطن بين عدة مساكن وعشرات الصناديق أعواما أخرى في انتظار لحظة استقرار. أعادتني إلى الحياة... إلى ذاكرتي... إلى طفولتي... مراهقتي... شبابي... الجامعة وما بعد الجامعة... إلى كل صف مدرسي بدفاتره... إلى كل فصل دراسي بكراسات محاضراته... إلى كل بحث كُتب... إلى الكتب المعلّمة والمؤشرة... والكتب التي تنتظر متى يحين دورها. مقالات... دوريات... مجلدات... مصورات... صحف... قديمة وجديدة... قصاصات... ملاحظات... تسجيلات... كل دورة... كل حلقة... كل محاضرة... كل معرض... كل ندوة... كل بلد... كل متحف... كل مؤتمر... أحاول نفض الغبار عنها متسلحة بكمامات توازن بين الماضي والحاضر... ذكريات تحمل ألفةً لا تنقضي لا تفتأ تجتذبني إلى أعماقها في كل اتجاه وأنا ألهث حتى أدركها... تنتابني الرغبة في إعادتها... في قراءتها من جديد... في دراستها من جديد... في إجراء هذه البحوث من جديد... في السفر إلى كل هذه البلدان من جديد...

لقد ولدت الشعور باسترجاع الذات... الذاكرة... والأجمل اليوم هو إمكانية المشاركة في هذه الذاكرة والاستمتاع بها.

وأخذت أتساءل ماذا لو أعدنا قراءة كتبنا وقصصنا وكتاباتنا... هل سيكفينا الزمان؟ وماذا سوف يتبقى منه بعد ذلك لقراءة ما تبقى من كل ما نرغب في قراءته... ما نريد أن نكتبه... أن نخترعه... أن نكتشفه...؟

لا شك أن في إعادة القراءة تجربة أخرى ترتبط بنضج التجربة والمعرفة... وأن إعادة القراءة بمعنى إعادة التفكير في تجارب الحياة حتى اللحظة تقدم صورة جديدة إن لم تكن مختلفة لما سبق وظننا أننا نعرفه. بل إنه منهج نقدي وعلمي حديث له أسسه ومبادئه يقوم على فتح الباب للتفسير المتعدد للظواهر الاجتماعية والتاريخية من غير احتكار للحقيقة أو اعتقاد بأن إنساناً ما يستطيع امتلاكها والتفرد بتفسيرها وفق رأي فريد أحادي يلغي كل ما سواه، ويقوم على رفض التسليم للعلوم التقليدية بعصمتها وتميزها من غير نقاش أو نقد. فتتحرر أفكارنا من النقل والتقليد إلى الإبداع وإعمال التفكير ما وسِعنا، متبعين الدعوة الإلهية التي لا تنفك تدعونا إلى التفكر في خلق الله وفي أنفسنا وفي الكون، مكررة أن نكون ممن يعقل ويفكر بنفسه ونفسها، لا ممن يقلد ويحاكي ما وجد عليه الآباء والأجداد.

ففي تناولي لأحد الكتب المقررة جامعياً لتاريخ الجزيرة العربية القديم أجده صورة مصغرة من الموسوعة الكلاسيكية للتاريخ العربي القديم التي ألفها جواد علي في الستينات في عشرة أجزاء، ولا تفتأ الطبعات المختلفة تخرج ومزيد من الكتب تؤلف في هذا الموضوع العام عن طريق النقل والانتقاء من هذا الكتاب مع بعض الإشارات الجانبية الجديدة. وتبتعد هذه الكتب حتى عن التحديث والرجوع إلى المكتشفات الحديثة في علوم الآثار، فضلاً عن عدم التزامها بذلك في تكرار طبعاتها التي غالباً ما تفتقد إلى ذكر عام الطبع. وعدد آخر يستغني عن ذكر مراجعه، وآخرون تعود مراجعهم إلى الفترة التي حصلوا فيها على شهاداتهم للماجستير أو الدكتوراة سواء كانت فترة الستينات أو السبعينات، هذا فضلاً عن تصدي متخصصين في مناطق أخرى من العالم العربي كتاريخ مصر القديم أو اليونان والرومان لكتابة تاريخ الجزيرة العربية القديم. هذا مما يجعلني أنظر إلى معظم هذه المراجع نظرة المراجعة المتشككة في كونها تؤدي الغرض منها وما إن كانت تقدم التاريخ القديم إلى الدارسة والدارس بشكل موضوعي معاصر، وما إذا كنا لا نساهم في قولبة التاريخ وتجميده عند لحظة الكتابة وحبسه وراء قضبانها ووفق تفسير سريع أفضل ما يمكن أن يقال عنه إنه تفسير تجاري ومعلّب.

ولدى استعراضي للدراسات التي قدمت حول علم التاريخ يفاجأ المرء والمرأة بمقدار النقل الذي نجده بين الكتب المختلفة المتعرضة لهذا الموضوع والتي لا تختلف كثيراً عن ملزمة المادة التي تشترى مصورة من سوق الطالبات. على الرغم من أن هذا الموضوع أساسي وحيوي بالنسبة للتاريخ نظراً لأنه يعالج فكرة التاريخ وفلسفة الكتابة التاريخية ومفهوم الحقيقة والموضوعية، لكنه لا يحمل هذه المواضيع، وتغرق الطالبة والطالب في موضوعات مختلطة بين مفهوم التاريخ وفلسفته وبين كتابة البحث التاريخي. هذا فضلاً عن تكرار نفس المشكلات السابقة من الاعتماد على مراجع قديمة، مراجع ثانوية، النقل دون تحليل أو تعليق. أما منهج البحث التاريخي فمن العجيب أن الكتاب المرجع في هذا الموضوع كتبه الدكتور حسن عثمان عام 1943 وما زالت طبعاته تتوالى حتى اليوم دون أي إضافة. والطبعة التي وجدتني درست إليها في الثمانينات كانت الطبعة الخامسة المنشورة عام 1964.

وهذه مجرد أمثلة للمشكلات التي تعاني منها الدراسات الإنسانية، والتي ترسخ فصلنا عن الحياة المعاصرة وتثبّت المقولات التي تتهم هذه العلوم بالجمود وانتهاء الصلاحية على الرغم من أنها من أكثر الموضوعات إثارة للجدل والمراجعة وقدرة على تفتيق العقل وتدريبه على التفكير والتفكر، اليوم والبارحة وغداً، ولكن ذلك في أقطار العالم المتقدمة.

وقد تكون هذه دعوة للنفس ونقدا للذات قبل الآخرين... وهي كذلك.


هتون أجواد الفاسي
hatoonalfassi@alwatan.com.sa

 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.