العدد (531) السنة الثانية ـ الخميس 30 ذي الحجة 1422هـ الموافق 14 مارس 2002م

 

بلغ السيل الزبى ولا بد من محاكمة الدفاع المدني والرئاسة العامة لتعليم البنات

كيف لي أن أبدأ الحديث عن فلذاتنا اللاتي احترقن واختنقن ودُهسن.. أي لغة يمكنها أن تعرب ولا تلغو في هذه القصة.. ولأجل ماذا؟ أن ننعى.. أن نعزي.. أن نغضب.. أن نثور.. أن نحوقل أم أن نسأل.. لماذا وكيف؟
بعد أن دق جرس الحصة الأولى في المدرسة الـ31 المتوسطة في الهنداوية في مكة المكرمة يوم الاثنين 27 ذي الحجة 1422هـ، وبعد أن توزعت طالبات المدرسة الثمانمائة على فصولهن الأربعة والأربعين، وبعد أن استقررن في مقاعدهن وبدأن يومهن الجديد وموادهن المختلفة مع معلماتهن الأربعين. وبعد أن انتظم الجمع وتأجلت الضحكات والكلمات إلى وقت الفسحة وبدأ الجد بحزم المعلمة وما تسطره على السبورة.. إذ برائحة دخان غريب تزكم أنوف طالبات الدور الثاني وتجعلهن يتململن.. ثم يتحركن.. فيتسابقن إلى السلم الوحيد، الذي يصل أقصى اتساعه إلى متر وعشرة سنتمترات، والذي يقودهن إلى أسفل وإلى باب الخروج المغلق عليهن والذي يفتح عندما يُفتح على زقاق بعرض خمسة أمتار. فإذ بالماس الكهربائي يصعق أول فتاة تمسك بحافة السلم لتنزل وتسقط تحت الأقدام وتتدافع وراءها أخريات غير مدركات لما تدوس عليه أقدامهن الصغيرة من زميلات أو أخوات وسط صرخات الذعر والخوف من مواجهة مجهولة مع الموت حرقاً أو خنقاً، لكنه كان لكثير منهن بالمرصاد، والدخان يلاحقهن دونما رحمة ورائحة الأجساد المصعوقة بالتيار الكهربائي لن تنساها ذاكرة شمهن مدى العمر.. وتتدافع الأيدي والرؤوس والأجسام في محاولة للنفاذ من ضيق مخرج الحياة الوحيد.. ويرد الصوت زميلاتهن في الأدوار الأولى والأرضية فينطلقن بدورهن إلى الجزء الملاصق لهن من الدرج الذي غدا مقبرة ومسيلاً للدماء بدلاً من أن يكون مخرج نجاة.
وبين محاولات مستميتة من قبل بعض المعلمات الصامدات لتنظيم نزول وخروج الطالبات، واتصال المديرة بدائرة التعليم حتى تتصل تلك الدائرة بدورها بالدفاع المدني، كانت هناك معركة أخرى في الخارج.. ما بين حارس مدرسة أقفل بابها على سكانها الثمانمائة والخمسين وغاب تاركاً إياهن سجينات أسوار عمارة تحولت إلى مدرسة منذ عهد ويواجه الآن تحقيقاً ومساءلة (كما ذكرت أكثر من صحيفة وإن كان ينفي في صحف اليوم "أمس" الأربعاء أن يكون غائباً عن موقعه) من جانب، وبين أولياء أمور وأصحاب النجدة والنخوة من أبناء المنطقة الذين أسرعوا على صوت صياح الفتيات بطفايات الحريق لينقذوا ما يمكن إنقاذه من جانب آخر، ومن جانب ثالث شجارهم مع رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين منعوهم من الدخول إلا بإثبات أنه ولي أمر لطالبة ما داخل المدرسة (ذكرت هذه الحادثة أكثر من صحيفة: الوطن، الندوة، عكاظ، 28-12-1422هـ) وإن لم يملك هذا الدليل فعليه أن يتفرج على فتيات الإحدى عشرة والأربع عشرة سنة وهن يقذفن بأنفسهن من الشبابيك. ربما كان ذلك خوفاً من دخول من تسول له نفسه النظر إلى بنات المتوسطة وهن من غير عباءاتهن يتدافعن من فزع الموت والألم، بل إن عدداً من هؤلاء الرجال ممن تنكر هيئة الأمر انتماءهم إليها، سدوا الطريق على محاولات الإنقاذ الأولى بعناد وكانوا يتولون إجبار الطالبات الهاربات فزعاً إلى المدرسة ثانية من باب فرعي لأنهن من غير عباءات (الاقتصادية 29-12-1422هـ) مما ضاعف من حالة الهلع التي كن فيها. كل هذا أعاق وصول النجدة إلى صغيرات مكة المكرمة بل إن رجال الدفاع المدني أنفسهم وجدوا أنفسهم في مشادة كلامية مع الهيئة حتى تسمح لهم بدخول المدرسة. وتستمر صلاحيات الهيئة في تعطيل إسعاف البنات حتى بعدما نقلن إلى خارج المدرسة وأخذن يمددن في الشارع على التراب وترمى فوقهن العباءات مغطية وجوههن (الوطن، 28-12-1422)، بينما من لم تقض كانت في حالة اختناق تحتاج إلى إسعافات أولية تساعد على تسهيل عملية التنفس على أقل تقدير حتى مجيء رجال الإسعاف. ولم تذكر لنا أي تغطية صحفية أن رجال الهيئة كانوا من المتطوعين في عملية الإنقاذ أو أنهم ساهموا بأي شكل في تسهيل هذه العملية.
وكانت المحصلة قبل النهائية، أربع عشرة شهيدة وخمسين جريحة، عدد منهن في حالة خطرة، وذلك وفق بيان الدفاع المدني. ويستمر بيان الدفاع في تصريح لسعادة اللواء سعد بن عبدالله التويجري، مدير عام الدفاع المدني الذي يقول إن "الوفيات والإصابات حدثت بسبب التدافع وليس بسبب الحريق أو الاختناق"، مشدداً على "أن فرق الدفاع المدني باشرت الحادث فور تلقيها بلاغاً بذلك". وأضاف بأن الدفاع المدني نفذ خطط الإخلاء في مدارس البنات لتدريب أعداد كبيرة من المعلمات في جميع المدارس بمختلف المناطق بالاتفاق مع الرئاسة العامة لتعليم البنات لتنظيم محاضرات وخطط لمواجهة الحوادث" (انظر عكاظ 28-12-1422هـ)، ثم يختم حديثه بقوله "إن جميع مدارس البنين والبنات تتوفر فيها وسائل السلامة ومخارج الطوارئ.
لا بد أن يقودنا هذا التصريح إلى مساءلة الدفاع المدني حول هذه الكارثة التي وإن اشتركت معه فيها الرئاسة العامة لتعليم البنات، وأصحاب المباني المستأجرة، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن المسؤولية القيادية هنا هي للدفاع المدني. ففضلاً عن أن كل تصريحات سعادة اللواء التويجري تخالف واقع المدرسة المتوسطة الـ31. فالمدرسة لا يتوفر فيها أي شرط من شروط السلامة، فليس بها طفاية حريق واحدة، وليس بها كاشف الدخان أو الحرائق، ولا مخارج للطوارئ تتناسب مع عدد الطالبات الموجودات في المبنى والتي ينبغي أن تتعدى الأربعة مخارج، يكون عرض كل مخرج مترين وتؤدي إلى خارج المدرسة مباشرة ولا يحسب المدخل الرئيسي كمخرج للطوارئ (انظر حديث الدكتور عدنان عدس، مستشار أمين العاصمة المقدسة، عكاظ)، هذا على اعتبار أن طاقة المبنى تتحمل هذا العدد من الطالبات والمعلمات والمشرفات. وإذا علمنا أن مساحة المدرسة هي 400 متر مربع فمن السهل أن ندرك حجم الجريمة التي اقترفت في السماح لمدرسة كهذه بأن تقام وتستمر لمدة سبعة عشر عاماً تحت أعين الدفاع المدني والرئاسة العامة لتعليم البنات.
إن عمل الدفاع المدني هو أن يتولى أمن وسلامة وصلاحية كل مدرسة وبيت ومنشأة عامة وخاصة بأن يفرض مقاييس وشروطاً يُفرض على كل الجهات الحكومية والخاصة التقيد بها تحت طائلة القانون. وتتم محاكمة من يخالف هذه القوانين بتعمد الإضرار أو حتى القتل. وفضلاً عن وضع المقاييس فهناك التفتيش الدوري، السنوي ونصف السنوي وما فوق ذلك مما يعتمد على حجم المنشأة. والتفتيش الدوري يعني التأكد من توافق حجم المنشأة مع عدد السكان، التأكد من صلاحية أجهزة الكشف عن الدخان والنار، من صلاحية صفارة الإنذار، طفايات الحريق، سلاسة مخارج الحريق وعدم وجود ما يعوق الطريق فيها، التأكد من وضوح الإشارات الإرشادية التي تدل على بوابة مخرج الطوارئ، على سلامة التمديدات الكهربائية والغازية، سلامة الأبنية، قيام الجهات العامة بتنظيم تجارب إخلاء وحريق وهمي بحيث يعرف كل فرد، امرأة كانت أو رجلا، صغيرة أو كبيرة، ماذا يفعل في حالات الطوارئ من حريق أو سواه، ويعرف الطريق الذي يجب أن يسلكه والوقت الذي يستغرقه في ذلك دون تعديه، واعتماد عريف وعريفة لتولي مسؤولية قيادة الإخلاء في كل منشأة من موظفيها.
إن الدفاع المدني مسؤول عن صلاحية معداته التي يحملها معه إلى أرض الطارئ بالتفتيش الدوري على هذه المعدات، وبالتأكد من سلامة وصحة وكفاءة رجاله من الناحية الجسدية والنفسية. وهو مطالب بمحاسبة الجهات التي لا تطبق قوانين السلامة لاسيما تلك التي تتعامل مع أعداد كبيرة من العامة كالمدارس والمعاهد والجامعات.
إن الحاجة ماسة لمجتمعنا أن توجد خطة واضحة وعلى مستوى المسؤولية لإسعاف النساء لاسيما في مراكز التجمع النسائية عندما يصيبها طارئ حتى لا تتكرر مأساة التدخل الذي شهدته صغيرات المتوسطة بحيث تكون سلطة رجال الدفاع المدني قد تحددت وتقدمت على أي جهة أخرى يمكن أن تعيق تحركها فتكون الأولوية هي إنقاذ الحياة مهما كان الثمن وتوقع أشد العقوبات على من يعيق أي عملية إنقاذ سواء من سجن أو جلد أو تحمل الديات أو كلها مجتمعة.
فنحن إن لم نحرص على حياة بناتنا وأبنائنا فسوف يتساهلون مع حياتنا، وتدريجياً لن يعود لحياتنا قيمة مهما قلنا أو فعلنا، فتقدير الحياة هو تقدير لإنساننا وإنسانيتنا.
رحمكن الله يا بناتنا وعسى الله أن يلهم أمهاتكن وآباءكن الصبر والسلوان وأن يغفر لنا تقصيرنا في الحفاظ على حياتكن وتقديرها ويشفي منكن من ترقد على الأسرة البيضاء ويصبركن على فقدان صديقاتكن ويقدركن على مواصلة الحياة بعد ذلك.

هتون الفاسي
hatoonalfassi@alwatan.com.sa

 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.