العدد (407) السنة الثانية - السبت 25 شعبان 1422هـ الموافق 10 نوفمبر 2001م

 

انطباعات صينية

د. هتون أجواد الفاسي
يقول ابن بطوطة في رحلته عن الصين في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) إنه "إقليم متسع, كثير الخيرات والفواكه والزرع والذهب والفضة لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض، ويخترقه النهر المعروف بآب حيا.. ومنبعه من جبال بقرب مدينة خان بالق (بيجنج الحالية) .. ويمر في وسط الصين مسيرة ستة اشهر إلى أن ينتهي إلى صين الصين (جواندونج أو كانتون سابقاً) وتكتنفه القرى والمزارع والبساتين والأسواق كنيل مصر، إلا أن هذا أكثر عمارة وعليه النواعير الكثيرة" (ج 2: ص 734).

وما أقوله في رحلتي إلى الصين كثير وقد يختلف عما أوصله ابن بطوطة إلينا ولكنه يتصل به ولا شك. فهو مزيج من انفعال بتراث طويل حول أقصى بلاد المعمورة التي تشع بالعلم والمعرفة ويقضي الجغرافيون المسلمون في الحديث عن عجائبها صفحات وصفحات، بطريق الحرير الذي تلتف بخيوطه قصص وأساطير لا تقل عن أساطير طريق البخور، بسور الصين العظيم الذي يحجز هذا البلد عن العالم أو يدفع ببقية العالم عنه، بيأجوج ومأجوج وما يدور حول تعريفاتهم وربطهم بهذه الأمة، بحاضرها الذي لا تعرف كيف تفسر تناقضه ما بين الديكتاتورية الشيوعية وبين طفرة القوة الاقتصادية التي تكاد أو تبشر بابتلاع العالم، بحجم سكانها الذي يشكل أرضاً ثانية أو يحتاج إلى كرة أرضية أخرى وقد جاوز المليار وربع المليار نسمة على الرغم من نظامه السكاني المحدد للنسل.

أصل إلى هذه البلاد لا أدري من أين أبدؤها، هل سوف أجد الجنود ينتشرون في كل مكان يرتابون في أي غريب أم سوف أجد فقراً مدقعاً مقابل غنى فاحش، أم سوف أجد تخوفاً من هؤلاء القادمين من الدولة التي ارتبطت بها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أم سوف أجد توجساً من علامات المسلمين الفارقة وأحكام مسبقة بمن يذكرهم بشينكيانغ وحركتها الانفصالية المسلمة.

لم أجد شيئاً من هذا. كانت معرفتهم بالعرب والسعودية ضئيلة جداً وأقل منها الإسلام، أو على الأقل حتى عرفنا بعد الاستعانة بالقاموس أن العرب يدعون "ألابو" والإسلام "يسيلانجاو"، وبقيت السعودية وعلامات المسلمين بعيدة عن إدراكهم، لا سيما بين عامة الناس.

أما عن مسلميها فقد كانوا عجباً. لم يكن التوقع، وفي البال النموذج السوفيتي للدولة الشيوعية التي لا تعترف بالأديان أن نجد في الصين الشعبية حضوراً مسلماً، لكن الواقع كان مختلفاً بكل المعايير. فقد كان هناك حضور مسلم قوي تدعمه الدولة من خلال قانون يحمي الأقليات العرقية والدينية ويضمن لها نصيبها في المواقع الوظيفية وخصوصية طعامها وصلاتها في كل مؤسسة تعليمية وحكومية. فتاريخ اضطهاد مسلمي الصين مرتبط بفترة الدولة القومية التي نشأت على إثر الثورة الشعبية عام 1911 حتى قيام جمهورية الصين الشعبية الحديثة عام 1949. وهذه الأخيرة كان لديها موقف معاد للبوذية كدين شعبي ذي تاريخ مقاوم، ولديها موقف سياسي من مسلمي شينجانج الأويغور لمقاومتهم للسلطة الصينية كسلطة سياسية، لكن لا يبدو أن للدين لديهم اعتبارا مستقلا بدليل أن غالبية المدن الصينية الرئيسة بها جاليات صينية مسلمة ولهم أحياؤهم واعتبارهم.

وهناك في الصين 56 عرقية مختلفة منها عشر عرقيات ينتمي إليها المسلمون وهي: الخويزو، الأويغور، القازاق، التتر، القرغيز، الطاجك، الأوزبك، الدونجشيانج، السالار والبونان وفي غالبيتهم يختلفون عن العرقية الصينية الرئيسية وهي الهان، في ملامحهم أو عاداتهم أو ملبسهم. ويبلغ عددهم سبعة عشر مليوناً تقريباً وقد تضاعف عددهم من عام 1949 بعد استثناء المسلمين والأقليات العرقية الأخرى من قانون الطفل الواحد لكل أسرة والتي بدأت عام 1978. وينتشرون في قرى كاملة في مقاطعات نينجشيا، شينجانغ، تشينجهاي وجانسو، أو في أحياء في مدن مقاطعات يونان، خوبي، أنخوي، غواندونغ (كانتون سابقاً)، هينان، شاندونج، لياونينج وبيجينج العاصمة، والتي تمتد إلى كل مناطق الصين من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق مع التركيز على غرب الصين.

وفي بيجينج يظهر مسجدها التاريخي "ليباي" أو حسب الاسم الأكثر شهرة "نيوجي، الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن العاشر الميلادي، على كل خرائط المدينة السياحية وترد في كتبها السياحية تعريف بالحي الإسلامي في المدينة وبالمطاعم المهمة والتي تشمل مطاعم إسلامية في كل حي قديم على وجه الخصوص. وبالإضافة إلى ما نجده في الكتب الرسمية فالزائر العربي لا يمكنه أن يغفل اللوحات التي تقفز منها الحروف العربية التي يمكن تمييزها بسهولة في خضم محيط الخط الصيني التصويري المبهم على غير العالم بهذه اللغة. فتصبح اللغة العربية وإن مالت بالتأثير الصيني لتتناسق مع التفاف رسومها فيمكن تمييزها وهي تنطق بالبسملة أو بالتكبير أو بكلمة "المطعم الإسلامي" التي تجدها مطبوعة على عشرات المطاعم في شوارع المدينة الرئيسية أو أزقتها القديمة المعروفة بالهوتونج أو على عرباتها المتنقلة حيث يقدمون اللحم الحلال المشوي غالباً من لحم الغنم أو الماعز.

وليس هذا المسجد إلا واحداً من 62 مسجدا في بيجينج وحدها وواحداً من 30.000 مسجد في الصين الشعبية ككل. ويتفاوت قِدم كل مسجد عن الآخر ولكن غالبية المدن الكبيرة تضم مساجد تاريخية ما زالت تقام فيها الصلوات والجمع والأعياد وتقوم بالعديد من الأدوار الدينية والاجتماعية الأخرى. ويقوم عليها أئمة درسوا في معاهد صينية إسلامية يشرف عليها الاتحاد الإسلامي الصيني الذي أنشئ عام 1953 ليوحد كلمة مسلمي الصين ويقوم على رعايتهم والنهوض بمستواهم الثقافي والاجتماعي ويربطهم بدينهم وتاريخهم مع الحفاظ على قوميتهم الصينية والتمسك بخدمة وطنهم.

وهو المسجد الرئيسي الذي تقام فيه صلاة العيد ويتسع لمئات المصلين والمصليات الذين في غالبيتهم من الصينيين الخويزو. ويعد تصميمه المعماري تحفة صينية تمزج بين الفن الصيني التقليدي لعصر مملكة سونج (960-1279م) بالفن الإسلامي العربي خاصة داخل المسجد وفي كتاباته العربية الكوفية على أطرافه. ويضم هذا المسجد عدداً من المقتنيات التاريخية الثمينة والتي منها نسخة للقرآن الكريم كتبت في عهد ملوك يوان المغوليين في القرن الرابع عشر، ومجمرة للبخور تعود إلى أسرة مينغ التي حكمت بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، وغيرها من المقتنيات التي لا يعرضها إمام المسجد ومساعده للجمهور إلا بموعد.

لكن هذا ليس إلا طرفاً من الصورة التي تقابل السائحة أو السائح المسلم لدى زيارتهما للصين، وهناك صور أخرى سواء للإسلام أو للصين بحاجة لمزيد من الصفحات التي أتركها للأسبوع القادم بإذن الله.


كاتبة ومؤرخة سعودية

 

 
 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.