العدد (811) السنة الثالثة ـ الخميس 15 شوال  1423هـ الموافق 19 ديسمبر 2002م

 

انطباعات صينية 2

هتون أجواد الفاسي
بلاد الأرز والشاي والحرير والبورسلين، بلاد الحكمة من كونفوشيوس إلى لاوتسي، بلاد التنين والعنقاء، بلاد الألعاب النارية والعملة الورقية، بلاد السور العظيم الذي بني على مسافة ستة آلاف كيلومتر على أجساد العلماء والمفكرين. اليوم بالإضافة إلى ماضيها العريق، الصين بلاد الصناعة المحاكية لأي صناعة متقدمة في أي مكان في العالم، وبلاد الصناعة الناشئة للإلكترونيات التي قفزت إلى المركز الثاني على المستوى العالمي هذا العام بعد عام واحد من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، وهي كذلك بلاد القمع الفكري والسياسي وبطلة قصة ميدان تيانآمن صاحبة المليون متظاهر الذي قتل فيه آلاف الشباب الجامعيين عام 1989، والملف العريض لانتهاكات حقوق الإنسان.
بلد الشوارع النظيفة على الرغم من كثافة السكان العالية (بليون وربع المليون نسمة)، إلا أنك في العاصمة ترى في كل زاوية امرأة أو رجلا بسطل القمامة المعدني المعلق على الكتف وباليد الأخرى الملقاط الطويل الذي يطال أي بقايا في أي مكان فتستقر على الفور في هذا الصندوق. بكل أمانة تجدهم لا يتركون قشة ولا عقب سيجارة ولا أوراق شجر عالقة في الشبك الحديدي المحيط بالأشجار في وسط الشوارع، بالماء والصابون في زمهرير البرد تجدهم يغسلون حاويات القمامة المنتشرة في كل مكان حتى على سور الصين العظيم. ولنا في ذلك عبرة.
بلد مكتفٍ بذاته، بسكانه، بأرضه، بثرواته الزراعية والصناعية، بصناعته، بل بسيّاحه، فتشعر أنك زيادة على احتياجهم، فأسواقهم موجهة إلى المواطن الصيني بحاجاتها ولغتها، فنادقهم تفتقد لمن يتحدث بلغة غير صينية، مطاعمهم نادراً ما تجد فيها قائمة بلغة إنجليزية، مراعاتهم بعض الشيء تجدها في لوحات أسماء الشوارع الرئيسية التي تجدها بالخط اللاتيني، وهنا لا يزال السائح بحاجة لمعرفة طريقة قراءة خط "البنيوين" pinyin وهو الخط المزود بالصائتات والحركات الذي أدخلته الصين إلى خطوطها حتى تكتب به لغتها الصينية لغير الناطقين بالصينية والذي لا يتقنه إلا مثقفو الصين ويخدم الأجانب. فيحفل بالحركات التي ترمز لدرجات الإمالة والرفع والخفض المختلفة لإيقاع الكلمة والتي بدونها لا يمكن فهم الكلمة، فضلا ًعن قراءة الحرفين مما ترد سوياً كالزد والهاء واللذين ينطقان "ضْج" أو الإكس التي تلفظ بين السين والشين، أو الهاء التي تليها صوائت معينة فتلفظ خاءً، وهكذا.
بلد تجد كل فرد فيه يعمل ويعمل دون كلل أو ملل، ذكر أو أنثى، كبير أو صغير. يعملون في كل شيء مما قد نستهين به، ونادراً ما تجد أحداً عاطلاً عن العمل على الرغم من مليوني خريج جامعي كل عام ، من التاسعة إلى التاسعة كل أيام الأسبوع. ولنا في ذلك عبرة.
بلد المليون فنان، وللفن لديهم رسماً وتلويناً مكانة عالية خاصة المعروف بالحبر الصيني مما يرسم على ورق الأرز ويؤطر بالحرير. وكانت أرفع العلوم التي يمكن أن يكتسبها الإنسان الصيني أربعة: الرسم، الشعر، الموسيقى والخط. وهي العلوم التي يجب أن يتعلمها أباطرة الصين ونبلاؤها. ويمكن مشاهدة اللوحات التي خطها ثاني أباطرة أسرة مينج الشهير يونج لي (القرن الرابع عشر)، والمحفوظة في قصر الصيام في مجمع معبد السماء "تيان تان" ببيجينج، فقد وقعها بخط اسمه. وفن الخط أو الكاليجرافي فن رفيع تجد الفنان لا يبلغه إلا بعد ثلاثين سنة من الدراسة لعلوم الفن والأدب والحكم الصينية القديمة حتى تخرج خطوطه منتظمة ومسافات حروفه مدروسة ودرجة اللون متقنة والحكمة المرادة بليغة.
بلد الدراجات وأشكالها وأنواعها وأعداد عجلاتها المختلفة. عناية الصين بالدراجات وراكبيها ملفتة للنظر وجديرة بالاحترام والتقدير فلهم مساراتهم وأحياناً طرقهم المخصصة في كل الشوارع الكبيرة والصغيرة، وإشارات المرور الموجهة إليهم. ويتكيف المجتمع الصيني مع قيادة الدراجات بكل الأعمار ولكل الأغراض وللأعداد المطلوبة من شخص واحد إلى عدة أشخاص، ولأجل ذلك يعدل شكل الدراجة ومقاعدها ليتلاءمان مع الحاجة. ويتبع الدراجات وطرقها تقدير المشاة وطرقهم سواء في المسارات أو في أرصفة المشاة العريضة أو في أنفاق التقاطعات في الشوارع الكبيرة، التي تجدها كل خمسمئة متر تقريباً مجهزة للمشاة وراكبي الدراجات وذوي الاحتياجات الخاصة من راكبي العربات. تجدها آمنة ونظيفة بشكل لا يمكن أن يقارن بطرق أو أنفاق بريطانيا أو فرنسا. ولنا في ذلك عبرة.
جنودها ينتشرون في كل مكان، من أنفاق المشاة إلى سور الصين العظيم. يحافظون على الأمن ويخدمون الناس. ومن خصوصية تجربة الجيش الصيني الاستفادة منه في الصناعة. فنظراً لأن البلاد ليست في حالة حرب، وعندما وجدت الدولة الصينية أن خيارها للمنافسة العالمية وللخروج من أزمتها الاقتصادية التي كانت مستفحلة في السبعينيات أن تدخل تجربة الصناعة بعد عقود من التركيز على الزراعة وتحول سبعين في المئة من الشعب الصيني إلى الفلاحة، ولم تكن اليد العاملة متوفرة لديها، فكان القرار الجريء بإدخال الجيش إلى سوق العمل. فدخل المنافسة ونجحت التجربة ورفعت مهارة أفراد الجيش وتحول قطاع الجيش الباطل عن العمل من كونه عالة على المجتمع إلى الإنتاج والعمل. ولنا في ذلك عبرة.
بلد لا يوفر سكانه كل ما يدب على الأرض إلا الإنسان أو يطير في السماء إلا الطائرة أو يسبح في البحر إلا السفينة إلا وتناوله طعاماً. فليس من المستغرب أن تشاهد في عربات الأطعمة الخفيفة المتنقلة أسياخ مشوي العقارب أو الثعابين أو الصراصير، والباقي متروك لخيال أوسع. هذا ليس للاعتبار.
لكن العبر كثيرة والحديث ما زال طويلاً.
* كاتبة ومؤرخة سعودية


 
 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.