العدد (496) السنة الثانية ـ الخميس 24 ذو القعدة 1422هـ الموافق 7 فبراير 2002م

 
الجنادرية 17... خطوات إيجابية على الطريق

كان الإحساس الذي حفزه استقبال جماهير النساء الحاشدة والمتحمسة في الجنادرية فريدا من نوعه في تجربتي، أخذ يعيد الثقة إلى إيماني بأن المعاملة الحضارية للإنسان تنتج رد فعل حضاري على نفس المستوى نفسه وأن احترام الإنسان يقود إلى احترام الإنسان لنفسه، وإحساسه بالالتزام الذي يمليه عليه لاشعورياً ثقة الآخر في احترامه لنفسه.
فكانت النسوة والشابات والأطفال ممن تلمح بوادر المشاغبة في عيونهن تجدها تتحول إلى اعتداد بالنفس وحرج من القيام بما يخلّ بجدارة الاحترام فيلتزمن بما يُدعون إليه من نظام ولم يخب الظن بهن. وجدت أن لا شيء كاحترام إنسانية الإنسان يجعله مواطناً صالحاً، ربما كانت هذه نتيجة مبالغاً فيها من تجربة قصيرة، ولكنها من وجهة نظري تحمل دلالات عميقة للفاقد في الحوار بين الناس.
كان لإحساس آخر وقع جميل جداً.. لم تكن الأعداد الألفية من النساء والأطفال زائري الجنادرية عشوائية، يتساءل المرء كيف تتكون هذه الجماهير في هذا النشاط النسائي المحدود في أيامه الثلاثة؟ كيف تتمدد وتثرى وترحب في جنبات قرية الجنادرية.. لا شك أن هناك إصرارا على أن يكون لهن نصيب من هذا الجمع والحفل التراثي الوطني من جهة، ومن جهة أخرى هناك حاجة ماسة وتوق إلى متنفس يروحن فيه عن حاجات لا شك ضائقة في ظل محدودية النشاطات النسائية العامة التي تجمع كل فئات المجتمع وتمارس فيها المرأة أدواراً متعددة من الإشراف والتنظيم والعرض والبيع والشراء وسواه.
وفي ظل تحديات التغريب وما جلبته الطفرة على التراث والفنون القديمة من إهمال نجد أن الجنادرية على الرغم من أنها مهرجان مستحدث توسع في مضمونه ونشاطاته حتى اكتسب ما تكتسبه الأسواق العريقة في القدم، فهذا المهرجان غدا ملتقى تراثياً وفنياً فيه شيء من العلم والثقافة والأدب ولكن التركيز الأول هو على استرجاع صناعة الأجداد والتفكر في حياتهم السابقة من جهة والتقريب بين أفراد الشعب من مناطق المملكة المختلفة عن طريق تقديم ثقافة كل منطقة بهذا الزخم والتركيز الذي يقوم به بيت كل منطقة كالمدينة المنورة أو المنطقة الشرقية أو عسير أو القصيم أو الباحة أو نجران أو جازان أو حائل، وهي آخر البيوت المنضمة إلى عقد القرية وسوف تلحق بهم قريباً منطقة مكة المكرمة وتتبقى الجوف التي لم تنشئ مقراً دائماً لها بعد. فكل من هذه المناطق تقدم في بيوتها نماذج المعمار التراثي بها وما تتميز به من فنون وتراث وعادات تقدمها وتعرضها حية في كثير من الأحيان في عروض شيقة تربط أطفال اليوم بتراث الآباء قبل الأجداد فضلاً عن أنها تقدم للمقيم والزائر والسائح صورة جامعة معبرة عما يقبع خلف ثوب الرجل وعباءة المرأة من ثراء فكري وتراثي.
كان لارتقاء سلالم بيت عسير المزين بالخطوط والمثلثات والمربعات الملونة والتي تمتد إلى ظهر السلم متعة بالغة ونحن نصعد ولا نعلم أين نسلط أنظارنا، تحت أرجلنا أم فوق رؤوسنا. ثم تقابلنا كل مجموعة من الغرف بأثاثها وبسطها ونوافذها المربعة الصغيرة المطلية بألوان حمراء وصفراء وزرقاء والمزخرفة مع الجدران برسوم هندسية تجعل الحياة والحرارة تتدفق على المكان في حميمية خاصة. وتناول حبات اليغمش والمنتو في صُفَّة بيت المدينة الذي تنفتح ساحته الداخلية على شبابيك الرواشين التي تطل علينا في اعتزاز وشموخ وعلى البئر الذي يتوسط الدار كان يحملنا إلى أجواء طيبة المرضية.
وفي جنبات أخرى يقدم الأطفال نصيباً ذا شأن في المشاركة في هذه الاحتفالية، فهؤلاء أطفال جمعية الأيتام يعبرون عن مشاركتهم المجتمع وبقية الأطفال من خلال الألعاب الشعبية التي تعرضها خيمتهم، وأطفال آخرون يحاولون التعبير من خلال اللون والخط عن مشاعر كامنة على جدارية مرسم الجنادرية التي فاقت الثلاثين متراً، محاولة كانت تبعث على السعادة بنجاح هذه التجربة الجديدة والاستعداد الذي أبداه الأطفال للمشاركة والتعبير عن حب وعن غضب وعن أمل وعن ألم.. سواء كانوا مدارس أو مؤسسات أو جمعيات أو أفراداً. أبدع أطفال مؤسسة الأطفال المشلولين وجمعية الأطفال المعوقين في التعبير عن مشاعرهم في الاعتماد على النفس، بينما كرر أطفال آخرون مواضيع مهداة إلى أطفال فلسطين من رسم محمد الدرة أو أطفال يرمون الحجارة على الدبابات الإسرائيلية أو بالطائرات الأمريكية التي تسقط في البحر أو من خلال الكلمات والرسائل التي كانوا يوجهونها إليهم، فهذه الطفلة شهد السليماني (10 سنوات) تكتب: "من أطفال السعودية إلى أطفال الحجارة، قلوبنا معكم" وأضواء الثنيان (12 سنة) تكتب: "سنكون معك يا أمتنا العربية مهما صار أو حصل"، ومشعل القحطاني (11 سنة) يكتب: نحن نشاركك يا فلسطين أحزانك"، وصالح الحقباني (11 سنة) يكتب: "أرسل من أطفال المملكة العربية السعودية إلى أطفال فلسطين المحتلة وأشاركهم شعورهم في أن تتحرر القدس".

كانت الجنادرية مجالاً لأن تزدهر فيها فرص المواهب والطاقات وإبداع النسوة والفتيات من شاعرات مبتدئات وأخريات متمكنات أو فنانات ازدانت صالة الفنون التشكيلية بأعمالهن، أو صحفيات يجدن في ثراء تجربة الجنادرية النسائية مادة لا تنضب لمواضيع متميزة، أو خريجات جامعات وكليات وجدن في التنظيم فرصة جديدة لتجربة المسؤولية، أو طالبات مدرسة (مدارس الثقافة الأهلية) استطعن أن يُشركننا في مشاعرهن تجاه أطفال فلسطين من خلال لوحات قدمت لفلسطين ومشاعرهن الوطنية في فترة العشرينية من خلال لوحة المملكة، أو ربات بيوت يصنعن في بيوتهن كل ما يمكن صنعه واستخدامه في المنزل ويبعنه في بسطاتهن التي تنتشر على جوانب طرق القرية في كثافة ليس لها مثيل في أي مكان آخر، تتفنن كل امرأة في عرض ما لديها من منتجات ومصنوعات منزلية ومحلية ومستوردة.
وكلمة شكر أخيرة نوجهها إلى إدارة الحرس الوطني في أيام المهرجان على تجاوبهم السريع مع كل مستجدات الترتيب والتنظيم التي ابتعدت هذا العام عن المركزية المعطلة للعمل والإنتاج.
وتبقى أمام الجنادرية تحديات وصعوبات نحتاج تجاوزها وسوف نتناولها في الأسبوع المقبل، والأمل في أن يغدو هذا الاحتفال الألـيَـق بشعبنا.

هتون أجواد الفاسي

 
 
 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.