[DocLib3/Issue.htm]

 
إلى متى تزهق الأرواح هدراً؟

مع ابتداء فترة الأعياد وكل عام وأنتم بخير، جلنا في ربوع البلاد وكان لا بد من أن يفرز ذلك عدداً من المواضيع إن كنت شخصاً لا تقبل بأن تُستفز فتُغمض، فما بالك باستفزاز الطرق السريعة في بلادنا والتي لا تكاد تحسب بضعةً من أميالها إلا وتجد هناك من يسابق الريح ويخرق جدار الصوت والصورة ويترك بقية خلق الله في سياراتهم يحوقلون ويهددون ويتوعدون دون جدوى ولا حياة لمن تنادي. يأتونهم عن اليمين وعن الشمال دونما اكتراث بحياتهم ولا حياة من سواهم وكأن الدماء التي تسيل يومياً هدراً على إسفلت الطرق ليست واعظاً كافياً ولا كذلك عشرات آلاف المقعدين من جراء هذه الحوادث بهادية ولا أنظمة المرور برادعة.. إذاً ما الحل؟
معلومة عامة: بلغ عدد حوادث السيارات عام 1418هـ 153.727 حادثة، مات فيها 3474 شخصا، وأصيب بين مجروح ومقعد، 28.144 ألف شخص. ثم ارتفعت الإحصائية الواردة عن كتاب الإحصاءات السنوي وإدارة المرور أنه في عام 1419هـ بلغ عدد الحوادث 246.326 حادثة، مات فيها 4290 شخصا وأصيب 31.059 شخصا. وفي خلال عشر سنوات (1409-1419هـ) بلغ عدد القتلى 35.035 شخصا، وعدد المصابين 284.869 شخصا، بمعدل 3503.5 قتلى سنوياً و28486.9 مصابا سنوياً. هل هي أرقام بسيطة؟ تذكر إحصائيات وزارة الصحة عام 2000م أن 81% من وفياتها ناجمة عن حوادث السيارات وأن 20% من سررها يستخدمها مصابو حوادث الطرق ممن تبقوا ولم يقتلوا. وبلغ عدد المرضى الذين أدخلوا المستشفى العسكري للمعالجة من إصابات العمود الفقري بسبب حوادث السيارات 97.2% من المرضى (أنظر Public Health 2000, Jan., 114(1): 37-9). باختصار هناك قتيل وثماني جرحى كل ساعتين على طرق المملكة والرقم في طريقه للزيادة والأعداد الواردة فلكية بالمقاييس الدولية ليس فقط العربية.
وعند مقارنة هذه الأرقام بحوادث الطائرات (مثال: أعلى نسبة حوادث طيران في العالم كانت عام 1972م وبلغت 2572 وأقلها عام 1990م وبلغت 611 بينما وصلت عام 1999م إلى 740 قتيلاً)، أو القطارات أو الزلازل أو الحروب أو من يجاهد في سبيل الله في فلسطين أو أفغانستان أو غيرها من بلاد المسلمين يجد أن ما يحدث على أرضنا وإسفلتنا لا يجوز ويتجاوز كل الأرقام المعقولة، فهو هدر لدماء المسلمين والبشر نحن عنه مسؤولون بلا شك إن لم نقف أمامه ونوقفه عند حده.
فالمسؤولية تقع بداية على الفرد: بتأمين سلامة سيارته، الحفاظ على سلامة ركابها بالتأكد من ربط أحزمة الأمان وجلوس الأطفال في مقاعدهم، وقبل كل شيء بالتزامه بقواعد المرور. والتي أولى قواعدها تتناول بإسهاب قواعد التجاوز. فللتجاوز أصول يبدو أن غالبية سائقي المركبات في المملكة لم يردوا عليها في اختبارات رخص القيادة، والتي تنص على ضرورة التأكد من سلامة الطريق أمامك وخلفك وأن السائق الذي تقوم بتجاوزه منتبه إليك وأنك لم تتجاوز من مكان ممنوع وعلى رأس ذلك "كتف الطريق". فيبدو أن التجاوز على كتف الطريق من خصوصيات السياقة السعودية، مثلها مثل السقوط على السائقين من أقصى المسار الأيمن إلى أقصى الأيسر ساعة يشاء للانعطاف أو الدوران. كما أن هناك قاعدة أساسية نادراً ما تراها أمامك، ألا وهي الإشارة لليمين أو الشمال عند التحرك بين المسارات أو الالتفاف يمنة أو يسرة، أو الخروج من الخطوط. والإشارة الوحيدة التي تعترف بها القيادة السعودية هي "التكبيس" بالمصابيح المجهرة. فن رفيع. وعند الغضب تلمع الإشارات في كل اتجاه.
إن هذه التحركات غير المسؤولة وعند السياقة في سرعة تتجاوز الـ 120 كم/س على الخطوط السريعة تجعل عدم وقوع حوادث من المعجزات.
والمسؤولية بعد ذلك تنال وزارة المواصلات والبلدية التي تتولى بناء الطرق وصيانتها وتحفيرها لمد وتوصيل ما شاءت في باطن الأرض. فعليها تقع مسؤولية أن يكون الطريق آمناً وسليماً ومصاناً من الحفر، من الرمال، من الحيوانات، من الإشارات المضللة أو من عدم الإشارات. وفي بلدان العالم المتقدمة تُحاكَم هذه الجهات عندما تكون هي المتسببة في وقوع أي حادث طريق كأن يكون الطريق محفّراً دون إشارات تحذيرية أو إشارات مرور معطلة لم توضع عندها الإشارات المناسبة، أو منحنيات خطيرة لم يُحذر منها وتحدد السرعة فيها، وهكذا. فالطريق لا بد أن تكون قابلة للقراءة ليتمكن السائق عند قراءتها من عبورها بسلام.. لكن هذا يحدث في الدول المتقدمة فقط، كما سبق وذكرت.
والمسؤولية بعد ذلك تقع على رجال المرور. فما هي مهمتهم؟ نتساءل بعض الأحيان وكثيراً منها. كيف للسيارات أن تقوم بالمخالفات الشنيعة وتعطيل السير في انحدار متعمد من أقصى المسار الأيمن للدوران يساراً وسبق بقية السيارات المتقدمة، وبينما أبواق السيارات المتضررة ترتفع صادحة، تقف سيارات المرور المدججة بالرجال والعتاد أمام هذا المنظر دون أن يحركوا ساكناً، (مثال: تقاطع العليا مع موسى بن نصير، الرياض).
إن تطبيق قواعد المرور هو أسهل طريقة للمحافظة على حياة وسلامة مجتمعنا برجاله ونسائه، شيوخه وأطفاله. وتطبيق هذه القواعد هو المحك المحتار.
والاقتراح المحدد لإيجاد حل، لاسيما وأنه بُدئ بحملة ربط الأحزمة في رمضان الماضي، أن تجهز حملة أخرى شبيهة في جديتها، لمخالفة المتجاوزين على كتف الطريق ممن يمكن ضبطهم وتمييزهم بكل سهولة، ويشمل ذلك المتعدين على بقية السائقين من المسارات القصوى يمنة ويسرة، والمتنقلين بين المسارات والمخارج دون استخدام المؤشر.
وهناك تقليد يستخدم في بعض الدول الغربية لا بأس في اقتباسه طالما أننا نستورد طرقهم وسياراتهم، هو أن يضعوا لوحات بعدد القتلى في مكان وقوع الحوادث على طول الطرقات، خاصة السريعة منها، ويضاف إلى هذه اللوحة ما زاد من وفيات تكريماً لهم وتحذيراً لسواهم وتأكداً من أنهم لم يقتلوا بلا معنى. وهذا يجعلنا ندعو حملة "حتى لا تروح الروح" كي يتبنوا مشروع إقامة مثل هذه اللوحات وغيرها من اللوحات الإرشادية والمنبهة بقواعد القيادة الرئيسة على طول الطرقات داخل وخارج المدن بدلاً من اللوحات الصامتة أو الدعائية أو غير المفيدة على جوانب الطريق. فمن المؤسف أن تزهق الأرواح في حوادث مؤلمة وشنيعة ثم تنسى وتذهب الدماء هدراً.
إن للطرق قواعد وقوانين وخطورة ومهالك إن لم نتق منها بوعينا قُضي علينا في أضيع الميتات.
وسلّمكم وسّلمنا الله من شرها وأعطانا خيرها وعافانا ورحم موتانا وشفى جرحانا، آمين.

هتون أجواد الفاسي

 
 
 
 
 
 
 

قائمة المراسلات

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

Send mail to mailto:webmaster@alwatan.com.sa?subject=Questions or Comments with questions or comments about this web site.
Copyright © 2001 Alwatan newspaper. All rights reserved.