العدد (167 ) السنة الأولى - الخميس 20 ذو الحجة 1421هـ الموافق 15 مارس 2001م
:::Coming Soon::::
 


 
 
 

إشكالية تاريخ المرأة القديم

تعد الجزيرة العربية من المناطق المهمّشة في دراسة تاريخ العالم القديم، ذلك أن التركيز عادة ما يكون من نصيب أودية الأنهار الكبرى وما بينها. وما دراسة التاريخ القديم للجزيرة العربية إلا علم حديث نسبياً في الغرب حيث بدأ منذ نهاية القرن الماضي، وأحدث من ذلك في جزيرتنا العربية التي لم يأخذ فيها علم التاريخ القديم معالمه حتى تأسيس قسمي التاريخ والآثار بتخصصاتهما في قديم الجزيرة، في جامعة الملك سعود في نهاية الثمانينيات الهجرية وأوائل التسعينيات. والمقصود بالتاريخ القديم هو الذي يسبق الفترة الجاهلية، أي المئةَ وخمسين عام التي تسبق الهجرة، وهي الفترة التي نتعرف عليها بمعاونة علوم حديثة كالآثار والكتابات القديمة والنميّات والفخار وغيرها.
وإن كان هذا وضع تاريخ الجزيرة بشكل عام فمن باب أولى أن يكون نصيب المرأة في ذلك أقل من مثيلاتها في الحضارات المجاورة. وتاريخ المرأة في العصور القديمة أمر يشغل بال كثير من الدارسات والدارسين في العصر الحديث وتدخل دراسته اليوم ضمن اتجاه رفع الحدود الفاصلة بين مواضيع التخصص، وتناول الماضي كوحدة تتضافر لأجل سبر غورها وفهمها علوم الاجتماع والقانون والاقتصاد والنفس والفلسفة والهندسة والسياسة والزراعة والفلك واللغة والمسكوكات والفيزياء والأحياء والنسويات وغيرها، فضلاً عن علم الاستشراق. والاستعانة بمدارس النقد الأدبي، لا سيما ما يرفع راية ما بعد الاستعمار وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة إلخ من اتجاهات باتت تفتح المجال واسعاً لكافة الشعوب حتى تكون حاضرةً في الفعل التاريخي للحضارة الإنسانية.
والهاجس الذي يلح على الدارسين والدارسات بشكل خاص في تاريخ المرأة، هو كيف تشكلت العلاقة غير المتكافئة بين الجنسين؟ أو بتعبير آخر، كيف أصبح التاريخ الإنساني عبارة عن سرد لبطولات الرجل وإنجازاته دونما ذكر للمرأة إلا في حالات استثنائية، أو في مواضيع نمطية جاهزة تحصرها في أدوار هامشية؟
ونما وفرّع هذا الهاجس، الذي يبحث عن هوية.. عن مكانة.. عن قيمة، مع الاكتشافات التي ظهرت منذ بداية هذا القرن، من خلال التنقيب عن الآثار أو الدراسات الأنثروبولوجية للشعوب المعزولة في العالم. وقد أدت هذه المعرفات إلى أن العلاقة بين الجنسين في العصور القديمة التي تعود إلى العصر الحجري القديم مثلاً، لم تكن كما هي في العصور التالية كالحجري الحديث وعصور الكتابة. فقد كانت المرأة آنذاك، وفق بعض النظريات، تحتل مكانةً أكثر محورية في حياة المجتمعات، وأن هذه العلاقة تخلخلت بعد ذلك عندما استقرت المجتمعات وبدأت تتنافس على السيطرة، أو عندما غزتها قبائل أخرى. وفي مرحلة القوة والتسلط برزت أهمية الرجل في حمايته أسرته وقبيلته. وتتفاوت التحقيبات التاريخية لهذه المرحلة من مجتمع إلى آخر كما تختلف التفسيرات بناء على الدراسات الحديثة في هذا المجال.
إن الأمر المستغرب له في خضم دراسات تاريخ المرأة القديم، التي تميل يمنة ويسرة وتحاول أن تبحث حول الأصل الغائب والحقيقة القديمة، هو أن التاريخ لا يجلو كيف تم هذا التحول في كل أنحاء العالم تقريباً، لصالح الرجل دون مقاومة من المرأة. ومع أن آثار هذه المقاومة هي ما يُرجَى تتبعه، لكن ما يحدث هو تتبع "بقايا" هذه المرحلة. فعلى سبيل المثال، من الدارسات من ترى بأن اتخاذ النسب الأمومي في بعض المجتمعات إنما هو بقايا هذه الفترة. وآخرون يرون بأن ترؤس المعبودات مجمع الآلهة القديم أحد هذه الآثار، بينما ترى مجموعة ثالثة أن وصول المرأة إلى مراكز الحكم واتباع قومها لها هي العلامة الفاصلة لتلك الفترة.
ولكن هذه الأدلة لم تكفِ وإن ظلت مقبولةً فترة طويلة من الزمن، ذلك أنه وُجد بأن كل واحدة من هذه العلامات منفصلة لا تعني أن المرأة كانت تحتل مكانة متميزة عن الرجل أو أنه كانت لها الصدارة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.
ففي بعض المجتمعات الإفريقية التي تمارس حتى اليوم النظام الأمومي نجد أن الدور القيادي والإنفاقي في الأسرة يقوم به الخال بدلاً من الزوج، فكل رجل يكون مسؤولاً عن بيت أخواته، بينما تكون زوجته وأبناؤه مسؤولين من صهره وهكذا. أي إن دلالة النسب لم تعنِ أنه حدث اختلاف كبير لوضع المرأة الاجتماعي. وكذلك في المجتمعات القديمة التي كانت تتصدر مجمع آلهتها معبودة أنثى، لم تثبت الدراسات الأثرية والتاريخية أن الوضع المتميز لهذه المعبودات كان له مثيل على مستوى حياة البشر، وقد لوحظ هذا خاصة في المجتمعات اليونانية القديمة. أما عن وصول المرأة إلى الحكم، فلم يعد يمثل دليلاً كافياً على تميز وضع المرأة في مجتمع ما، وذلك لانفصال الدور السياسي عن حياة العامة للتشابه الواقع بين دور الملكة والمعبودة الرئيسة والكاهنة من جانب، ولارتباط هذا الدور من جانب آخر، بحالات استثنائية تكون فيه الملكة في الغالب، في مركز وصاية على ابنها القاصر كما كان الأمر مع الملكة كليوباترا.
وعلى الرغم من محاولات نفي العلاقة بين هذه العلامات ودور المرأة في المجتمعات القديمة أو حتى الحديثة، فلا يمكن نفي دلالة اجتماع عدد من العلامات في مجتمع واحد نفياً كلياً. ولا يمكن نفي أن النسب الأمومي ارتبط في مجتمعات أخرى بتولي المرأة مسؤولية أسرتها اجتماعياً واقتصادياً، كما في المجتمع النبطي بمدائن صالح (الحجر). ولا يمكن استبعاد الأثر الذي كان يتركه تولي المرأة لمناصب الكهانة العليا في انقياد المجتمع إلى نصحها ومشورتها مثل ما يعرف عن كاهنات ما قبل الإسلام. ولا يمكن اعتبار وصول المرأة إلى الحكم في ذلك العصر أنه مجرد خلو مكان بقصور الابن أو خلافه، ذلك أن قوة شخصية الملكة يعد عاملاً فاصلاً في وصولها إلى الحكم واستمرارها فيه من جانب، وأن استجابة الشعوب إلى هذه القيادة تشير من جانب آخر إلى أن جنس الحاكم لم يعنِ الشعب قدر ما عناه منها أنها تقوده إلى النصر وتحقيق الرفاهية، كما كان من أمر سمير أميس البابلية، وزنوبيا التدمرية، وماوية ملكة السراكين (عرب جنوب فلسطين). ولا يمكن بالمقابل إغفال الحالات التي وصلت فيها المرأة للحكم في الجزيرة العربية دون وساطة الرجل، كملكة سبأ وملكات دومة الجندل (أدوماتو).
إن اجتماع عدد من العلامات المتميزة في مجتمع ما يمكنه في النهاية أن يكون مؤشراً إلى حالة اجتماعية بعينها، كما في حال المرأة في المجتمع العربي القديم، وإن كان يجب عدم إغفال استمرارية تداخل عوامل مختلفة في التأثير على المجتمعات، وأن تبسيط العلاقات وتسطيحها على أمل الوصول إلى الحقيقة لا يوصل إليها وإنما قد يُضل الطريق.

د.هتون أجواد الفاسي

 


 
 

 

 

 

 

 

 

 

 


Copyright © 2000 AL WATAN NEWSPAPER. All rights reserved.