• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل يومين

مع الزمن

«عالمات» أندونيسيا

د. هتون أجواد الفاسي

    من أكبر دولة إسلامية أكتب إليكم بعض تأملاتي حيث أمضي بضعة أيام مكثفة العمل في مشروع نسوي إسلامي يجمع ست عشرة دولة. هل لنا أن نتخيل أن غالبية المسلمين هم في الواقع خارج جزيرة العرب، بل وخارج البلاد العربية أجمع، وأكثر، أن مسلمي هذه الدولة أكثر من مجموع سكان العالم العربي الذي يبلغ مائتي مليون في حين أن مسلمي أندونيسيا يبلغون 217.5 مليوناً ، ويمثلون 87% من عدد السكان؟

استغرق الوصول إلى أندونيسيا عشر ساعات تقريباً، وأخذت أتفكر، كيف أمكن لهذا المكان القصيّ أن يصبح أكبر مكان لتجمع المسلمين في العالم، بل كيف وصله الإسلام وكيف قطعوا كل هذه المسافة التي لا شك كانت تستغرق شهوراً وربما سنوات باختلاف الوسيلة؟ ولكنهم وصلوا ثم حدث أن جذب دين هؤلاء التجار السكان المحليين واستحسنوه واعتنقوه بكل إصرار. إنني أراه أمراً معجزاً، على مستوى الوصول والتأثير والاستمرارية، وعلى مستوى السلاسة التي جرى بها هذا التحول لاسيما بالمقارنة بما يجري في الوقت الحاضر من الإكراه في الدين.

بلاد جميلة ممتدة على مد البصر تأسرك من الطائرة بجزرها المتكومة على رؤوس جبال تغطيها مياه البحر متدرجة في ألوانها من القمة التركوازية إلى العمق الداكن كلما ابتعدنا عن مركز الدائرة. ثم تمتد البيوت على مد النظر بقرميدها الأحمر المدبب ليتحمل الأمطار التي لا تتوقف عن مدنها غالبية أيام السنة من دور واحد في الغالب، جعلتني أتساءل كيف يمكن لهذه الجزر أن تستوعب هذه الملايين وبيوتهم ما زالت على دور واحد؟ ويبدو أن عجلة التحديث والأبراج المتعالية بدأت تأخذ طريقها إلى قلب المدينة جاكرتا ولكني لم أشاهدها لإكمالي السفر جنوب شرق إلى يوغياكارتا. وهذه الأخيرة هي المركز الثقافي لجزيرة جاوة التي يتجمع بها عدد من الجامعات الحكومية وعشرات من الخاصة ويصل عدد سكانها عشرة ملايين. وقد أدى هذا إلى أن تحمل المدينة شعار التعددية الثقافية والعرقية لاستقبالها الأندونيسيين من كل الأطراف. وعندما نتحدث عن التعددية فهو أمر من الصعوبة تصوّره ونحن نعيش في دولة من لغة واحدة، بينما هنا نتحدث عن 740 لغة وعشرات الأديان ستة منها فقط تُعد رسمية. والدولة أصبحت ديمقراطية في العقدين الأخيرين لكن يحكم هذه المدينة سلطان كمكافأة لهذه السلطنة التي كان لها تاريخ مشرف في التصدي للاستعمار الهولندي. وهي السلطنة الوحيدة الباقية من العهد الملكي لكنها مندمجة في النظام السياسي للدولة. وقد كانت لنا فرصة الدعوة على حفل عشاء خاص بالعالمات وضيفاتهن من قبل السلطان وزوجته تكلل بعرض فني تقليدي على تخت موسيقي ضخم على امتداد القاعة المفتوحة والعازفين جلوس على أرض ذات مستوى مرتفع كمسرح باتساع الحديقة التي جرى فيها الحفل.

والملفت للنظر بالإضافة لجمال الطبيعة والتي مازلت لم أشاهد منها الكثير بعد، أنك تجد الثراء في الصناعات المحلية والفنون الجميلة مثل فن الباتيك والحفر على الخشب الذي يتطور بشكل كبير بحيث تجد الباتيك في كل صغيرة وكبيرة من المستخدمات اليومية. وهناك فنون أخرى تجدها منعكسة في المطبخ الأندونيسي الذي أرى أن ما نعرفه عنه في السعودية هو مجرد الفتات. ونظراً لأنني لا أخشى تجربة الجديد فكل يوم أخوض تجربة ممتعة في اكتشاف أطعمة ذات مذاقات غريبة لكنها جذابة.

التجربة الممتعة الأخرى كانت في التعرف والالتقاء بمفكرات أندونيسيات وناشطات في العمل النسوي والاجتماعي. وخبرتي تتصل بمنظمة "عالمات" وهي تحالف من أربعين منظمة نسائية، قامت بتنظيم اللقاء بالتعاون مع حركة "مساواة" الدولية المستقرة في ماليزيا، والتي استطاعت أن تقدم لنا الوجه المشرق والمشرف لنساء أندونيسيا، فجلّهن ما بين أستاذات جامعيات مختصات في الدراسات الإسلامية أو القرآنية أو الاجتماعية أو محاميات أو ناشطات اجتماعيات وغير ذلك.

كنت أتأمل وأنا أسير في طرقات يوغجا كما يحبون أن يطلقوا عليها، الحياة المشتعلة في كل مكان رجالاً ونساء، السيارات والدبابات، والرشكا (عربة يقودها سائق على دراجة) والحناطير، المشاة، الطلبة، الشباب، كل الصور والأشكال والفئات تبني هذه الدولة الضخمة، بينما نحن مسجونون في قالب واحد عن أندونيسيا، "العمالة المنزلية".

من الصعب تخيل الشعب الأندونيسي المفكر والعالم والنساء الطبيبات والمهندسات والمحاميات وأستاذات الجامعة والفقيهات. ومن الصعب تخيل عائلات العاملات المنزليات وهن في بيئتهن الطبيعية يقمن بأدوارهن الطبيعية بكل حرية وثقة في إطار لغتهن وثقافتهن التي نُتأتئ بها بدورنا ونحن نتهجى حروفها ليفهم علينا سائق التاكسي إلى أين نذهب.

أتذكر التذمر من صعوبة التعامل مع العاملات لعدم إتقانهن لغتنا وأقول سبحان الله على الكِبر الذي يصيب بعضنا أحياناً وأدعوه أن يغفر لنا ويصفح وينور بصرنا وبصيرتنا.

ورمضان مبارك على الجميع.


حفظ طباعة استماع تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق
عدد التعليقات : 24
  • 1

    شكرا للمعلومات الجديده والمثيرة للإعجاب
    وياليت مجتمعنا ينعتق من تركيز النظر على
    سحر الشغاله وشعوذة الشغاله و و
    فقد زاد الأمر لدرجة أني أشك أن هناك من يخترعون قصصا لمجرد التخلص من وضع معين
    وبالمحصله تكلم شخص ونحن في النقل الجماعي على أرض وأشتار لشخص ناهز السبعين مع أحفاده في مقدوم الباص
    فقال ترى ذلك الشيبه قلت نعم فقال يكتب ورقه وتحطها في سارتك توصل جده بدون تفتيش وأي مكان معاه جن لكن مسلمين ويعالج
    قلت هو واللي معه تحت... قال يا مجنون يسمعونك وما سمعوني لحد الآن

    UP -2 DOWN

    06:31 صباحاً 2010/08/08

  • 2

    تحية.
    مكة تحتضن الثقافة الأندونيسية بشتى أشكالها وهناك أسر تعود بأصولها إلى تلك البلاد اختلطت دماؤهم فأثروا في ثقافة وملامح من حولهم من عرب وغيرهم.يعرف عنهم تمسكهم بتراثهم ولغتهم وقد تقلد كثير منهم مناصب مهمة.حري بأهل العلم أن ينفضوا عنهم الكبر ويبادروا بصدق بلملمة تراثنا المهدر هنا لا هناك.

    سارا (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:14 صباحاً 2010/08/08

  • 3

    العبرة بالكيف وليس بالكم..
    .
    ف (غالب) الإندنوسيين لديهم انحرافات عقدية خطيرة..
    .
    مثلاً بعضهم يعتقد ان الروح والعبادة لله وحدة.. أما الجسد فهي للشخص نفسة وبالتالي يجوز الزنا والتمتع لأن الدين في القلب كما يعتقدون !!
    .
    صدق الرسول عليه السلام عندما وصفنا آخر الزمان بأننا (غثاء كغثاء السيل) !!

    مبتعث (زائر)

    UP 7 DOWN

    07:50 صباحاً 2010/08/08

  • 4

    اللهم أرزقنا الحلم
    وحسن معاملة الضعفاء
    والاحسان في مكفولينا
    يكفيهم هم الغربه
    تقبل الله صالح الاعمال.

    Fahdalm

    UP 1 DOWN

    07:58 صباحاً 2010/08/08

  • 5

    نعم اختى...كلامك حقيقه واقعيه كثير من نساء و رجال
    هولاء الدوله... يكتبون و يقراء القران و يصلون ليل نهار.
    وبهذه اكبر وسيله لنتشار الاسلام بها...

    ابو طارق (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:58 صباحاً 2010/08/08

  • 6

    تحية إليك د. هتون وإلى شعب إندونيسيا العريق. آمل أن تثري هذه المقالات علاقتنا بإخوتنا المسلمين في كل مكان وتوسع أفقنا إلى حقيقة أننا في السعودية مجرد أقلية وبحاجة لإعادة النظر في بعض مشاعرنا الفوقية. ما تقوم به نساء منظمة عالمات جديد في طرحه ربما يمكنك تفصيل ذلك في مقالات أخرى.

    مواطنة (زائر)

    UP -2 DOWN

    08:11 صباحاً 2010/08/08

  • 7

    انصحك كملي اجازتك وعيدي هناك وشوفي الفرق بين العيدين !
    بل الفرق بين صلاة العيد هناك وصلاة العيد هنا
    وشوفي مساجدهم كيف تزغرد فرحة صباح العيد !
    العيد الماضي واخر يومين من رمضان المشرّف كنت هناك
    في احضان العمة اندونيسيا بجاكرتاها الجميلة وشابتها الفاتنة بونشاك !
    الله على ذيك الايام!
    رمضان مبارك

    ذات دل بختريه (زائر)

    UP -3 DOWN

    08:19 صباحاً 2010/08/08

  • 8

    مقال رائع وشدني اسلوبك كثير
    عزيزتي دخلتي اندونيسيا زيارة عمل عدة ايام واحترمتي شعبها واحترمتي عاداتهم وتقاليدهم ,,
    لكن للاسف العامله المنزليه الاندونيسيه بالذات اذا دخلت السعوديه لاتتذكر انها في بلاد الحرمين الشريفين ولا تهتم في عاداتنا او تقاليدنا ,,, مشكوره

  • 9

    ليتك تطرقت الى دور الحضارم في ادخال الاسلام الى هذه البلاد البعيدة التي تحوي اليوم اكثر من ربع عدد المسلمين في العالم.

    حسين (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:28 صباحاً 2010/08/08

  • 10

    أحب أن ألفت نظر كاتبتنا إلى وجود معهد إسلامي كبير في جاكرتا تابع لجامعة الامام، المعهد العربي الاسلامي في جاكرتا
    وفيه يدرس طلاب وطالبات العلوم الاسلامية والعربية
    وهو من المعاهد المتميزة
    لعل الكاتبة توفق بزيارته أو الكتابة عنه بحكم وجودك هناك

  • 11

    جميلة هي أندونيسيا، والأجمل الركشا. " تصحيح فقط " وشكراً للمقال الحلو.

    علي (زائر)

    UP 1 DOWN

    09:03 صباحاً 2010/08/08

  • 12

    شكراً للكاتبة القديرة على هذا المقال الرائع الذي نقلنا إلى أجواء أكبر دولة إسلامية!

    prodigal son

    UP -1 DOWN

    09:05 صباحاً 2010/08/08

  • 13

    التسامح في أندونيسيا، بالإضافة إلى كونه انعكاساً لطبيعة الشعودب الإندونيسية، ناتج أيضاَ عن كونها أقرب إلى الإسلام الحقيقي الذي انتشر فيها بالسلم والإقناع والمحبة، ولا ننس أن التسامح مبدأ ابتكره المسلمون الأوائل، ولكننها نسيناه واحتفظت به دول مثل إندونيسيا.

    prodigal son

    UP -3 DOWN

    09:08 صباحاً 2010/08/08

  • 14

    السفير الاسترالي في السعوديه يقوم باهانة فتاه سعوديه تعمل كمترجمه في السفاره بسبب انها لم تصافحه رغم ان هذه الفتاه متحرره وتعمل في بيئه مختلطه لم نرى من صحفيات السعوديه اللبراليات
    دفاعا عنها
    الصحافه السعوديه
    اما آن لها ان تنتقد هذا السفير وتصرفه المشين
    الذي يتنافى مع ثوابت وعادات المجتمع السعودي

    حسن اسعد الفيفي (زائر)

    UP 4 DOWN

    09:37 صباحاً 2010/08/08

  • 15

    حسن فيفي
    اما آن لك ان تعلق ع الموضوع بحد ذاته ولا تدخل شعبان في رمضان!
    احسك بوادي والناس بوادي!!
    تذكر الموضوع عن اندونيسيا وليس استراليا!
    بس الرابط كلها فيها حرف السين ^_*
    وتدري موضوع المترجمة وشو من الاساس والا بس فورة ابريق وهذا هي طلبت تعويض بملايين ف استريح
    بارك الله فيك وكل عام وانت بخير

    ذات دل بختريه (زائر)

    UP -4 DOWN

    10:23 صباحاً 2010/08/08

  • 16

    في المدينه التي انت بها (د.فارسي) يوجد جامعة كبيره جدا، وهي من اهم معالم المدينه كما يوجد متحف كبير بني في قصر السلطان،والجوله فيه تغطي جوانب هامه في التاريخ الاندونيسي الممتد، وليس بعيد عنه يوجد متحف التاريخ الرائع، وبالقرب من هذه المدينه يوجد معلم هام يسمى بوربادور، وهو من اهم معالم التراث الانساني في الامم المتحده..المه انه على الرغم من المنطقه فيها تنوع عرقي ومذهبي كبير الا انها تنعم بالحياه الهادئه والقبول للاجانب بشكل مميز..مقال مميز تشكرين عليه.

  • 17

    ماليزيا نموذج متطورللمراة المسلمة فهي في العمل جنبا الى اللرجل وبالمناسبة المراة هنك تقود السيارة والطيارة دون الحاجة الى اتخاذ قرار سياسي المجتمع الاندنوسي تخلص من الكثير من تركات الماضي واصبحت اطلالا ومسلمي اندنوسيا مثقفين واطباء وطبيبات وقائدات مجتمع عكس العرب اعطلو نصف المجتمع+عطل العقلية

    نور العالم (زائر)

    UP -2 DOWN

    10:54 صباحاً 2010/08/08

  • 18

    تصحيح: اسم المعهد التابع لجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية في اندونيسيا
    معهد العلوم الإسلامية والعربية في اندونيسيا ...

  • 19

    و الله فرحة العيد في السودان لا تقارن

    انا زول (زائر)

    UP -1 DOWN

    11:13 صباحاً 2010/08/08

  • 20

    بلادنا فيها تنوع ثقافي لكن ما تشوفون الا اللي عند الناس !!! ماراح تمدحوها الا اذا صار فيها اختلاط عقول مريضة

    عقول مريضة (زائر)

    UP 1 DOWN

    01:30 مساءً 2010/08/08

  • 21

    الله يحفظ بلادنا التي جمعت جميع الأجناس
    وجعلت منهم ذو شأن ومكانة..والله بلادي الصحراوية
    هي أجمل بلد في العالم الله يديم عزها ويلبسها لباس التقوى والإيمان ويرد شعبها ومتجنسيها إلى الدين القويم.

    الحوراء (زائر)

    UP 2 DOWN

    04:49 مساءً 2010/08/08

  • 22

    الأخ (عقول مريضة)
    كل مكان في الدنيا فيه تنوع ثقافي.
    المشكلة هي في أن التنوع عندنا غير مسموح
    الكل يجب أن يلتزم ثقافة فئة فرضت معتقداتها.
    يبدو لي إنك من الفرقة الناجية وعددهم خمسين أو ستين
    شخص يدخلون الجنة وباقي بلايين البشر يدخلون النار
    محمد أبها

    محمد (زائر)

    UP -1 DOWN

    04:51 مساءً 2010/08/08

  • 23

    ( تحالف من أربعين منظمة نسائية، قامت بتنظيم اللقاء بالتعاون مع حركة "مساواة")
    هل حركة مساواة لها علاقة بالحركة الانثوية Feminism التي تدعو الى استرجال المرأة وتمردها على اسرتها وتحريرها من القيم ومنافستها للرجل على ادواره الذكورية..وادت الى تدمير المرأة والاسرة والاخلاق في المجتمعات الغربية..

    سعوديات وشرعنا كتاب الله (زائر)

    UP 1 DOWN

    05:59 مساءً 2010/08/08

  • 24

    عزيزتي د. هتون مقالك جميل خصوصا وصفك لأندونسيا
    أسمتتعت جدا بقرأة ما كتبتي بأنتظار المزيد
    ووفق كل حمله و جمعية مناصره للمراءة... بالي يرضي الله و رسوله... و بالي يطلع المراءة في مجتمعات ذكوريه من قوقعاتعها... و أعطائها حقوقها...

    غادة فهد

    UP 0 DOWN

    11:54 مساءً 2010/08/08




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات




مع الزمن

هتون الفاسي

الخيارات

عرض الأرشيف
RSS هتون الفاسي
البحث في الأرشيف
للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (268) ثم الرسالة

إعلانات خيرية