King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


  جغرافية العمران

)وكم أهلكنا من قرية بَطِرَتْ معَيشَتَها فَتِلك مَسكِنُهُم لم تُسْكَن نت بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين( (سورة القصص، آية 58)

      ”جغرافية العمران أو السكن Geography of Settlement  فرع من فروع الجغرافيا الاجتماعية. وتدرس جغرافية السكن موضوعين: أ: السكن الريفي. ب: السكن الحضري أو المدني. ولم يحظ السكن الريفي باهتمام الجغرافيين إلا منذ انعقاد المؤتمر الجغرافي الدولي عام 1925م بالقاهرة. فقد قدم ديمانجون إلى المؤتمر أول بحث في مفهوم ومنهج جغرافية السكن الريفي، وقد عكفت لجنة منبثقة عن المؤتمر على دراسة الموضوع وأصدرت تقريرها في مجلدات ثلاث ظهرت على التوالي في سنوات 1928، 1930، 1931م تحت عنوان: International Geographical Union, Report of the Commission on Types of Rural Settlemrnt"  لقد أثار هذا التقرير الرغبة عند الجغرافيين في معالجة السكن الريفي والكتابة فيه، ففي السنين الأخيرة وبعد فترة شابها شيء من الجمود أحرزت الدراسات الريفية ومنها جغرافية السكن الريفي تقدماً كبيراً في ألمانيا وفرنسا والأراضي الواطئة وإنجلترا، تقدماً ليس فقط في سبيل فهم أفضل للبيئات الريفية المعاصرة ومشاكلها وإنما نحو معرفة أعمق بالظروف التاريخية التي نمت في ظلها الأنماط السكنية... .

      وتهتم جغرافية السكن الريفي بدراسة النقاط الآتية:

أ: نشأة سكن الإنسان، ب: السكن غير الدائم والدائم، ج: العوامل الطبيعية والبشرية التي تؤثر في توزيع السكن، د: أنماط القرى، هـ: توزيعات إقليمية للقرى، و: المنزل الريفي(صفاته وأنماطه)، ز: توزيعات إقليمية للمنزل الريفي، ح:سكان الريف(مشاكلهم وصلاتهم بالمدينة).

     ... وجغرافية المدنGeography of Towns    حديثة العهد أيضاً، وإن كان الاهتمام بها جاء سابقاً للاهتمام بجغرافية السكن الريفي. فترجع نشأتها إلى أواخر القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين. في تلك الفترة ظهرت مقدماتها الأولى في ألمانيا على شكل مقالاات قصيرة وكتب صغيرة تدرس من بين ما تدرس الموقع والموضع، كما فعل راتزل سنة 1906م، وكما فعل هاسرت في جغرافيته العامة للمدن سنة 1907م. ... وقبيل الحرب العالمية ألولى ازداد الاهتمام بدراسة المدينة من نواح أخرى غير جغرافية هندسية ومعمارية وإدارية وسياسية فاستفاد الجغرافيون وبدأت دراساتهم المدنية تتجه نحو التفصيل والتحليل.

     بعد هذه المرحلة جاء وضع القواعد، وقد حدث ذلك بين الحربين العالميتين فقد بدأت الدراسات التفصيلية لكثير من المدن في أوربا والشرق الأقصى تكثر وتتعدد ثم تلتها دراسات تسعى لوضع أصول العلم. فوضع جيفرسون الأمريكي كتاباً عالج فيه تطور المدن الأمريكية ونمو مدن بريطانيا وامبراطوريتها... وحاول كريستالر وضع قوانين تحكم حجم المدن وتباعدها ومواقعها.

     ويبدو أن الجغرافيين في هذه القترة استفادوا كثيراً من دراسات علم اجتماع المدن الذي قام وازدهر في الولايات المتحدة الأمريكية. ... ثم ما لبثت جغرافية المدن أن أعادت النظر فيما نقلته من العلوم الأخرى وأدخلت فكرة إقليم المدينة... . وكان من مظاهر هذا النضج انقسامها إلى تخصصات فأصبح هناك جغرافية الموانئ، وقد برز فيها مورجان، وإقليم المدينة وبرز فيه سميلز وديكنسون، وتخطيط المدينة ونشأتها وتفوق فيه ممفورد ودكنسون.

     واليوم تسعى جغرافية المدن إلى تحديد الأقاليم المدنية بعد دراسة تحليلية لنشأة المدن وشكلها ومحتوياتها ووظائفها وسكانها". (وهيبة، عبد الفتاح محمد، 1980م، في جغرافية العمران، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص ص 9: 12)  وهكذا تبدو جغرافية العمران أعم وأشمل في مضمونها من، مثلاً، الجغرافيا الحضرية وذلك لأنها تشمل العمران أو الاستيطان في جميع المراكز العمرانية(الهجر،القرى، البلدات، المدن). ولهذا قد تتشابه الموضاعات التي تتناولها جغرافية العمران مع الجغرافية الحضرية، ولكن من الواضح أن جغرافية العمران لا تقتصر على نوع واحد من المراكز العمرانية، كما أنها تركز على جانب الاستيطان أو عمارة الأرض بما فيها أنماط العمران والسكن داخلياً وخارجياً.

جغرافية الحضر

      إذا ما نظرنا إلى جغرافية العمران من الوجهة الموضوعية أو التميز المنظومي فإنها تعد فرعاً فتياً من التخصص. فهي لم تدرس مثل التخصصات الأخرى مثل الجيومورفولوجيا أو المناخ، أو حتى الجغرافيا السياسية في الأقسام الجامعية قبل الحرب العالمية الثانية. ولعل هذا مقبولاً، إذ لا يمكن الإدعاء بأن لجغرافية الحضر منهجياً منظومياً  Systematicيهتم بالعمليات التي تدخل في المضمون الثقافي وتعمل لخلق أنماط مكانية. إن دراسة هذه العمليات التي تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تؤدي إلى خلق موضوع منظومي داخل الجغرافية البشرية. وعلى العكس من ذلك فإن الجغرافية الحضرية تأخذ كل هذه العمليات من خلال علاقتها بظاهرة المدينة. فهي بهذا لم تكن تركز على العمليات ولكن على النتائج.

      لقد اهتم الجغرافيون بالمدن منذ فترات مبكرة مثل اهتمام المهتمين بالجغرافية الإقليمية. فمثلاً نجد استرابو كان مدركاً جداً لأهمية الموقع، والمميزات الطبيعية للمكان. ولكن على الرغم من هذا الاهتمام فقد كانت هذه الدراسات المبكرة وصفية كثل كتابة استرابو نفسه عن ليون. وقد أفرزت هذه المرحلة مطالب لتوسعة المفهوم وربطه بمجالات أخرى. وقد ظهر هذا المطلب في الدورية المسماة "الجغرافيا" التي تضمنت في عام 1901م بحوثاً حول "وضع المدن"، و "حجم بناء المدن" والتي تناول فيها المؤلفون حجم السكان والتجارة والذين اعتبرا الأسباب الرئيسية لأهمية المدينة، مع المطالبة بنظرة شاملة ومكثفة حول التوزيع والآثارالمنطقية للموقع الطبيعي.

     لقد وضعت عمليات استبدال تفسير الموقع للوصف السابق القواعد الأولى للجغرافية الحضرية. وقد ظهرت دراستان مهمتان في هذا الاتجاه عام 1911م لكارل هاسرت وراؤول بلانشارد. وتبعتهما دراسات كثيرة. ولعل أول مراجعة لمضمون الجغرافية الحضرية ظهرت في مؤلف أواسو في سنة 1924م والتي وجد فيها أن دراسة المدينة تضم مواضيع كثيرة في الجغرافيا البشرية تبعدها عن أن تكون متخصصة حقا. ولهذا ظهرت الدعوة إلى العمل على إبراز جغرافية حضرية في إطار "دراسة منهجية منظومية". ولذلك نجده يقترح الاهتمام بجوانب معينة مثل توزيع المدن، ودعم الدراسات الإقليمية بالدراسات الوظيفية للأخذ ف الاعتبار الأساليب السابقة، إضافة إلى المشاكل الحالية والمستقبلية التي تواجه المراكز الحضرية والبعد عن التأكيد فقط على المنهج القديم المتكرر في دراسة الموضع والموقع، الأمر الذي يبسط بل ويسطح الواقع المعقد في هذه المراكز.

     والموقف الثاني المهم في تطور التخصص برز من طبيعة نمو المدينة نفسها، إذ فرض توسع المناطق الحضرية تحت تأثير وسائل النقل الحديثة إلى جلب العديد من المشاكل التي يصعب تفسيرها بمنهج الموضع والموقع. وقد صاغ جيديس في عام 1915م مصطلحاً جديداً لهذا التوسع معبراً عن هذه المدن المتوسعة "المدن الضخمةConurbation". وفي العشرينات من القرن الماضي أخذت مدرسة شيكاغو في الإيكولوجيا البشرية في الاعتبار العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى الفصل في استخدام الأرض الحضرية. وقد أدى ذلك بالجغرافيين إلى الاهتمام بتعقيدات المظهر الحضاري العام بعيداً عن البساطة الظاهرة في النمو والخطة العامة.

      وبنهاية الحرب العالمية الثانية بدا أن التطور في الجغرافية الحضرية لا مفر منه بعد وضع القواعد الأساسية وظهور العديد من الأفكار الأساسية، وإن كانت متناثرة. وعموماً فإن أساس توسع الجغرافية الحضرية يعود إلى الأفكار التي بزغت في الثلاثينيات من القرن العشرين. ولعل من أول الدراسات المهمة في هذا المجال تلك التي كتبها ديكنسون في عام 1947م، والتي ركز فيها على جوانب من البعد المكاني والتركيب الجغرافي للمجتمع والتي يجب أن يقوم عليها التخطيط، مؤكداً على أهمية أهمية أن تسبق معرفة المجتمع عمليات معالجة المشاكل. وقد أدى توظيف الكثير من الجغرافيين في تخطيط المدن والتفاعل بين الجغرافيا الحضرية الأكاديمية والمجالات العملية والتطبيقية في التخطيط إلى خلق الكثير من الحوافز النشطة في التنمية. ولهذا أدرك المهتمون بالشأن التجاري أهمية التحليل المتعمق قبل تنمية مشروعاتهم، وهكذا نشطت دراسات تحليل الموقع ومسح السوق معتمدة على أساليب البحث في الجغرافيا الحضرية.

      وأخيراً كانت هناك تغيرات داخل حقل الجغرافيا الحضرية نفسه، والتي جعلت الدراسات المنظومية أكثر قبولاً، مما دى إلى ضعف الحتمية الطبيعية التي كانت سائدة في السابق وأعطت مقادير مناسبة للتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية. وتقاطر بعد ذلك فيضان بناء النماذج التي تأخذ كل هذه المؤثرات في الحسبان. وبالتالي أصبحت المناطق الحضرية أجزاء مهمة من المظهر الحضاري العام في الدول الغربية مما أوقف تماماً الجغرافيا الوصفية. ومن ثم ظهرت في الخمسينيات من القرن العشرين دراسات تؤكد على الأساس المنظومي المترابط في هذا الحقل من التخصص المعتمد على أسس البحث الجغرافي. وكما ذكر هارتشورن فإن اهتمامنا ينصب على تقديم وصف دقيق ومنظم ومنطقي مع تفسير المتغيرات التي تميز سطح الأرض. وبعبارة أخرى فإن الجغرافي أصبح يهتم بتحليل المتغيرات التي تميز سطح الأرض. فعلى هذا السطح نجد السكان والمباني الذين يتجمعان مع بعضهما البعض مشكلين المدن التي تعد المكون الأساس في الاهتمام الخاص عند المختص في الجغرافيا الحضرية.

      وغالباً ما يكون للمدينة، كوحدة في مظهر سطح الأرض، جانبين مرتبطين ببعضهما: الأول الموقع والثاني التركيب الداخلي(دراسة المدينة كنظام). ويبرز ببساطة طابع هذين الجانبين بشكل واضح حينما نأخذ في الاعتبار فروق المقاييس. فعلى الخرائط تمثل المدن برموز. ويبدو المضمون الجغرافي لها في الموقع أو بالمدينة كصفة توزيعية لظاهرة جغرافية، بمعنى دراسة التوزيع المكاني للمدن والعلاقات بينها(دراسة النظام الحضري).

     ومن البديهي أن فهم الموقع لا يتم إلا من خلال فهم الوظيفة؛ ما ذا تفعل المدينة، وما ذا فعلت في الماضي؟، ومحددات موقعها وضوابط نموها. ويمكن أن نتبين مفهومين مترابطين عند اعتبار الوظيفة وهما:

1/ طبيعة الوظيفة الحضرية: وهنا يلزم الإجابة على أسئلة: ما هي أنواع النشاطات التي تسود في كامل الطيف الحضري؟، خاصة إلى أي مدى تمارس الوظيفة المتخصصة وما هي؟.

2/ وضع الخدمات الحضرية: فيما عدا الوظائف المتخصصة، فعلينا الإجابة عن مدى انخراط المدينة في نشاطات المكان المركزي؟.

     ولعل من الخطأ الخلط بين هذين الأمرين، فهما محددان ويحتاجان إلى الفصل في دراسة المصادر الموجهة للوظائف وتلك الموجهة للنشاطات المتعلقة بالموقع ونظرية المكان المركزي،  وليس فرض الواحدة على الأخرى وإنما تأكيد ارتباطهما بصلات الاتصال ووظيفة النقل والحركة.

     إن دراسة التركيب الحضري أو التركيب الداخلي للمدن ترتبط بثلاث متغيرات وهي الخطة، واستخدام الأرض أو وظائف المباني، والنمط المعماري للمباني. ولهذا فإن الجغرافية الحضرية ينبغي أن تُدْرَسَ كوحدة مترابطة: الوظيفة والشكل(المدينة في منطقة والمدينة كمنطقة). ولهذا فإن الإطار المفاهيمي للجغرافيا الحضرية ينبغي أن يهتم بالتحضرUrbanization وليس بالجغرافيا بشكل عام.

     ولعل من المحاولات الجيدة لهذا الاهتمام نموذج فولي الذي حاول إظهار علاقة اهتمام التخطيط بالحضرية أو على الأقل بتركيب المدن الضخمة. وفي النموذج تظهر ثلاثة أقسام: يتعلق الأول منها بقيم المجموعات الاجتماعية (ثقافي)؛ ويتعلق الثاني بالوظائف ومهن الناس والمؤسسات داخل المجموعة الاجتماعية(وظيفي)؛ ويتعلق الثالث بالمرئيات الطبيعية في المدينة بما فيها المباني والناس. وفي تنظيم النموذج يحتل التنظيم الوظيفي الموضع الأول كعامل وسيط بين معايير وفيم السكان، المقتبسة ثقافياً من أعلى النموذج، وبين الحقيقة الطبيعية للمدينة في القاعدة على سطح الأرض.

       وفي الخلاصة يمكن القول بأن جغرافية التحضر لها ظاهرة معينة تهتم بدراستها، وليست بعملية محددة لا تحيد عنها. ولعل هذا المفهوم يفتح للمتخصص في الجغرافيا الحضرية ليس فقط إمكانات واسعة للدراسة، ولكن أيضاً مدى واسعاً من الدراسات والأدبيات المرجعية:

Carter,H.,1972, The Study of Urban Geography, Edward Arnold, London, pp.1-16; Paccione,M.,2001, Urban Geography: A Global Perspective, Routledge, Lndon, p20

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx