Skip to main content
User Image

جواهر الصغير

Associate Professor

قسم المختبرات الإكلينيكية٫ كلية العلوم الطبية التطبيقية

Applied Medical Sciences
مبنى ١١، الدور الثالث، مكتب 130
blog

أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ



 

منذ اكتشاف تقنية الهايبردوما Hybridoma عام 1975 لإنتاج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (monoclonal antibodies) وصناعتها لا تزال مستمرةً حتى يومنا هذا وفي تطوّر مستمر. نشرت مجلةTrends in Biotechnology  دراسةً لتحليل سوق صناعة الأجسام المضادة بين العامين 2012-12017، وأشارت إلى أن الأرباح السنوية لهذه الصناعة تقدر بـ 98 بليون دولار أمريكي مع تقدير ارتفاع نمو المبيعات بمعدل 7-18% سنوياً. ولأن مجال التقنية الحيوية لا يزال نشطاً فإن مراكز الأبحاث والشركات تتسابق لتطوير الأجسام المضادة لإنتاجها بشكل أكثر فعالية.

 وقد فُتحت آفاق جديدة للبحث والتطوير بعد نشر دراسة تفصيلية عن خصائص الأجسام المضادة المستخلصة من فصيلة الجمال عام  21993. تتميز الأجسام المضادة لفصيلة الجمال (وبعض أسماك القرش) بأنها  مكونة من سلسلة ثقيلة فقط (بينما في الإنسان هي مكونة من سلسلتين ثقيلة وخفيفة (صورة -1)). وتوجد هذه الجسيمات جنباً إلى جنب مع الأجسام المضادة التقليدية في الجمال. ولغياب السلسلة الخفيفة، فهي تعدّ أصغر حجماً  (90 kDa) من تلك التقليدية (150 kDa). وقد لوحظ أنه بالرغم من صغر حجم هذه الجسيمات المضادة، إلا أنها تقوم ببعض مهام الأجسام المضادة التقليدية وبشكل مكافئ. على سبيل المثال، فإنها تستطيع التعرف والارتباط بالمستضد (antigen) بأُلفة (affinity) تقارب تلك المسجلة للجسم المضاد التقليدي3. وقد استفاد العلماء من هذه الخاصيّة حيث تم إثبات أنه يمكن استهداف antigen بالوحدة المتغيرة فقط من الجسم المضاد (variable domain, ~12 kDa) دون الحاجة إلى باقي الجزيئات المكونة للجسم المضاد وبذلك يمكن اختزال الوظيفة في عُشر حجم الجسم المضاد التقليدي (صورة-1). إضافة إلى ذلك، فإن الوحدة المتغيرة من السلسلة الثقيلة تمتلك عدداً من المزايا التي لا تتوفر لدى نظيرتها عند الإنسان. فتركيبته الجزئية لدى الجمال تكون فيها سلسلة الأحماض الأمينية المكونة لـCDR1  ملتفةَ بشكل نتوء بارز ليساهم أكثر في التعرف على الـantigen ولتثبيت الارتباط به. كما أن سلسلة الأحماض الأمينية المكونة لـ CDR3  تعتبر أطول من تلك الموجودة لدى الإنسان مما يؤدي إلى احتوائها لعدد أكبر من المتغيرات المعروفة بـ hot spot residues أثناء عملية الـ somatic hypermutation4. 

 

يمكن إنتاج الجسيمات المضادة المشتقة من الجمال بطرق متعددة لا يتسع المجال لذكرها هنا. أحد هذه الطرق يكون بتطعيم الجمال بالـantigen  المراد إنتاج أجسام مضادة له. وبعد عدة أيام أو جرعات من التطعيم المتكرر تمر الأجسام المضادة  بمرحلة  affinity maturation في الأنسجة اللمفاوية الثانوية والتي من شأنها أن تمنح الأجسام المضادة ميزة الارتباط بشكل أقوى بالـ antigen المستهدف. بعد ذلك يتم استخلاص الخلايا اللمفاوية B cells من الجمال وعزل الـ DNA  الخاص بالوحدات المتغيرة للجسم المضاد لإنتاجها بشكل اقتصادي وبكميات كبيرة عن طريق تقنية الـ phage-display libraries. لأن الغلاف البروتيني لأنواع محددة من الفيروسات المعروفة بالـ bacteriophage (مثل M13 or Fdtet) تحتوي على بروتين (PIII) (صورة-2). وبالتالي فإن دمج الـ DNA  الخاص بالوحدة المتغيرة من الجسم المضاد مع ذلك الخاص بالغلاف البروتيني PIII يؤدي إلى إنتاج هذه الوحدات على هيئة بروتينات عالقة على سطح الفيروسات. ويمكن إنتاج كميات كبيرة من الوحدات المتغيرة بهذه الطريقة عن طريق زراعة الفيروسات في وسيط مناسب كخلايا البكتريا أو النبات أو الحيوان. ولأن الوحدات المتغيرة مشتقة من خلايا B cells  مختلفة، فإن كل فايرس يحتوي على وحدات متغيرة تكون مختلفة عن تلك الموجودة على سطح فايرس آخر بسبب طبيعة رد الفعل المناعي وعملية الـ somatic hypermutation. ويمكن إنتاج أكثر من 1012 وحدة متغيرة تختلف في تركيبها البروتيني عن بعضها البعض، وتسمى هذه المجموعات الكبيرة من الوحدات المتغيرة الموجودة على سطح الـ bacteriophage بالـ phage display library. ويمكن عزل الوحدات المتغيرة الخاصة بالـ antigen عن طريق عملية المسح الحيوي (biopanning). ولا يتسع المجال هنا لشرح كيفية المسح بالتفصيل ولكن يمكن الرجوع إلى بعض الدراسات المنشورة سابقاً في هذا المجال5,6.

للوحدات المتغيرة المستخلصة من الجمال مزايا عديدة. إن إنتاجها المبدئي في الجهاز المناعي لدى الجمال يتضمن فاعليّة هذه الوحدات من حيث الارتباط بالـ antigen  وذلك بسبب إنتاجها في بيئة طبيعية. إضافةَ إلى ذلك فإن بنيتها التركيبية تتميز بخاصيّة مقاومة للترسب أثناء الإنتاج الصناعي بكميات وتراكيز عالية. كما أن لها خاصية القدرة على إعادة الالتفاف (refolding) إلى شكلها ثلاثي الأبعاد حتى بعد تعرضها لظروف فيزيائية صعبة كدرجات الحرارة المرتفعة أو مواد شديدة القاعدية7. كما أن صغر حجمها يسهل عملية إنتاجها بكميات كبيرة وبتكاليف منخفضة نسبياً. إضافة إلى ذلك، يمكن إعادة هندسة بنيتها الأساسية عن طريق استبدال بعض الأحماض الأمينية بحسب ما تقتضي الحاجة. مثلاً عندما تكون خاصية اختراق الأنسجة مرغوبة (كاستهداف أنسجة ورم خبيث للتصوير الإشعاعي دون إلحاق الضرر بالأنسجة الأخرى) تكون الجسيمات المضادة خياراً ممتازاً بسبب قصر عمرها أثناء تلقيها عن طريق الوريد وسرعة طرحها في الكلى ليتم التخلص منها. وبذلك تقلل من احتمالية حدوث تسمم أوضرر بالأنسجة السليمة. وعندما تستدعي الحاجة، فإنه من الممكن إطالة عمر الجسيمات المضادة وذلك بدمجها مع بروتينات تُعرف بطول بقاءها في الدورة الدموية مثل بروتين الألبيومين8. إضافة إلى ذلك، فإنه من الممكن تقليل تحسس جسم الإنسان من هذه الجسيمات (بحكم أنها مشتقة من فصيلة أخرى وهي الجمال) وذلك باستبدال الأحماض الأمينية الخاصة بالجمال بما يقابلها لدى الإنسان9.

وللحديث بموضوعية أكثر، فإنه لابد من التطرق إلى بعض سلبياتها. فبالرغم من أن صغر حجمها منحها العديد من المزايا، إلا أنه يقلل من عدد وأماكن الأحماض الأمينية التي من الممكن تعديلها بحسب ما تقتضيه المواصفات المراد تصنيعها. مثلاً، عند تحويل الأحماض الأمينية المميزة للجمال بتلك التي تميز الإنسان، فإن هذا التعديل غالباً ما يؤثرعلى مدى قوة الارتباط للجسيم المضاد مع الـ antigen  الخاص به، أو يقلل من كمية الإنتاج، أو يسبب بإنتاج جسيمات مضادة بكميات كبيرة ولكن على شكل ترسبات بروتينية غير قابلة للذوبان.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الكثير من مراكز الأبحاث تتنافس لإنتاج وحدات متغيرة لتكون أحد الخيارات التشخيصية أو العلاجية. ففي أوروبا توجد هناك العديد من الشركات المتخصصة لإنتاجها. أحد هذه الشركات هي Domantis المُنشأة في مدينة كيمبردج البريطانية والتي تم ضمّها مع شركة الأدوية المعروفة عالمياًGlaxoSmithKline (gsk)  بعقد يقدر بـ 230 مليون جنيه استرليني للتركيز على صناعة هذه الوحدات المشتقة من الجمال. إضافة إلى ذلك توجد عشرات الشركات في أمريكا وكندا التي تسعى لتطوير جسيمات مضادة ذات خواص أكثر دقة. أحد هذه الشركات هي شركة أوسيانكس Ossianix  والتي ترعاها شركتي BioAdvance and Lundbeck والمهتمة بتطوير وحدات متغيرة تمتاز بقدرتها على اختراق أغشية السحايا المغلفة للجهاز العصبي (blood brain barrier)، والتي تمثل عائقاً أمام وصول بعض الأدوية إلى الجهاز العصبي بشكل فعّال. وهناك أيضاَ شركتي creative Biolabs وشركة SYSY في ألمانيا، وشركة ProteoGenix في فرنسا. في المقابل، تقوم مُنشأة أوسوالدو كروز في البرازيل (Fiocruz) بالتركيز على إنتاج مشتقات وحدات متغيرة من الجمال تهدف إلى تشخيص وعلاج الأمراض السائدة في تلك المنطقة مثل فيروس زيكا و الحمّى الصفراء10. الجدير بالذكر أن تطوير هذه الصناعة في البرازيل يواجه تحدياً أكبر بسبب ضعف التمويل الاقتصادي لتلك المراكز.

ختاماً، وبعد مضيّ أكثر من ثلاثين عاماً على اكتشاف مزايا الأجسام المضادة لدى فصيلة الجمال لا يزال المجال مفتوحاً ونشطاً للاختبار البحثي والاستثمار الحيوي. إضافة إلى ذلك، تعتبر مزايا الأجسام المضادة لدى الجمال حجر أساس في مجال صناعة الأدوية المستقبلية في تقديم بدائل علاجية أخرى. وعلى الرغم من بعض الصعوبات من ناحية تقنين الجرعات والاستخدام التقني والإكلينيكي، إلّا أن الحاجة الملحة لبدائل علاجية أكثر فعالية وذات إنتاج اقتصادي تدفع وتحثّ عجلة التطور البحثي للمضي قدماً في هذا المجال، مع أمل أن يتم اعتماد هذه الجسيمات كخيار أكثر ملاءمة في التطبيقات الحيوية المختلفة.

 

  1. Antonio Grilo and A. Mantalaris (2018): The Increasingly Human and Profitable Monoclonal Antibody Market.Trends in Biotechnology June-2018.
  2. Hamers-Casterman et al. (1993). Naturally occurring antibodies devoid of light chains. Nature, 363(6428), 446-448.
  3. Desmyter A, et al (2001). Antigen specificity and high affinity binding provided by one single loop of a camel single-domain antibody. J Biol Chem 276:26285–90.
  4. Muyldermans (2001): Single domain camel antibodies: current status. Journal of Biotechnology 74(4):277-302
  5. Gong et al (2017): Specific determination of influenza H7N2 virus based on biotinylated single-domain antibody from a phage-displayed library. Front. Microbiol.
  6. De Coninck (2017): Fungal Glycosylceramide-specific Camelid Single Domain Antibodies are Characterized by Broad Spectrum Antifungal Activity. Front. Microbiol. 14;8:1059.
  7. Arbabi-Ghahroudi (2017): Camelid Single-domain antibodies: historical perspective and future outlook. Front. Immunology volume 8, article 1589
  8. Holt LJ, et al (2003): Domain antibodies: proteins for therapy. Trends Biotechnol 21:484–90.
  9. Vincke C, et al. (2009) General strategy to humanize a camelid single-domain antibody and identification of a universal humanized nanobody scaffold. J Biol Chem 284:3273–84.
  10. Fernandes et al (2017) Camelid Single-Domain Antibodies as an Alternative to Overcome Challenges Related to the Prevention, Detection, and Control of Neglected Tropical Diseases. Front. Immunoloty 8:653