Skip to main content
User Image

حسن بن جابر المدري الفيفي Hasan J. Alfaify

Assistant Professor

أستاذ في الأدب والنقد، ورئيس وحدة التطوير بكلية الآداب Assistant Professor of Classical Arabic Literature

College of Humanities and Social Sciences
1ب 48
blog

السجين الذي ربّي السجّان ولقّنه درسا لا يُنسى! (مهارات القراءة).

من كتاب المستجاد من فعلات الأجواد للتنوخي

--------------------------------------------



السجين الذي ربّي السجّان ولقّنه درسا لا يُنسى!

 

روى عبيد الله بن سليمان وهب قال: كنت بحضرة أبى في ديوان الخراج بسُرَّ من رأى (سامِرّاء)، وهو يتولاه، إذ دخل عليه أحمد بن خالد الصرفيني الكاتب، فقام إليه أبى قائما من مجلسه، وأقعده في صدره، وتشاغل به، ولم ينظر في عمل حتى نهض، ثم قام معه وأمر غلمانه بالخروج بين يديه. فاستعظمت أنا وكل من في المجلس هذا، لأن رسم أصحاب الدواوين صغارِهم وكبارِهم لا يقومون في الديوان لأحد ممن خلق الله تعالى ممن يدخل إليهم. فتبين أبى ذلك في وجهي فقال لي يا بنى: إذا خلونا فاسألني عن السبب فيما عملته مع هذا الرجل. قال: وكان أبى يأكل في الديوان وينام فيه ويعمل عشيا فلما جلسنا نأكل لم أُذَكّره إلى أن رأيتُ الطعام كاد ينقضى، فقال لي هو: يا بنى شغلك الطعام عما قلتُ لك أن تذكرني به، فقلت: لا، ولكن أردت أن يكون ذلك على خلوة. فقال يا بنى: هذه خلوة. ألستَ أنكرتَ أنت والحاضرون قيامي لأحمد بن خالد عند دخوله وخروجه وما عاملته به؟ قلت: نعم.

 

فقال: كان هذا يتقلد مصرَ، فصُرف عنها، وقد كانت مدته فيها طالت، فوطِئتُ آثار رجل لم أر أجمل آثارا منه، ولا أعفَّ عن أموال السلطان والرعية، ولا رأيتُ رعية لعامل أشكرَ من رعيته له، وكان الحسين -المعروف بعرق الموت - الخادم؛ صاحبِ البريد بمصر، أصدقَ الناس لنفع هذا، وهو من أبغض الناس إليَّ، وأشدهم اضطراب أخلاق، فلم أتعلق عليه بحُجة. ووجدته قد أخَّر رفع الحساب لسنة متقدمة لسنته التي هو فيها، ولم يُنْفذه إلى الديوان، فسألته أن يحُطّ من الدخل، ويزيدَ في النفقات والأرزاق، ويكثرَ من البقايا في كل سنة مائة ألف دينار، لآخذها لنفسي، فامتنع من ذلك، فأغلظتُ له، وتوعدته، ونزلتُ معه إلى مائة ألف واحدة في السنتين، وحلفتُ بإيمان مؤكدة أنى لا أقنع منه بأقل من هذا.

 

فأقام على امتناعه، وقال أنا لا أخون لنفسي، فكيف أخون لغيري، وأزيل ما قام به جاهي من العفاف؟! فحبسته، وقيدته، فلم يجب. وأقام مقيدا في الحبس شهورا. وكتبَ عرقُ الموت؛ صاحبُ البريد الخبر إلى المتوكل، وحلف له أن أموال مصر لا تفي بنفقتي ومؤنتي، ويصفُ أحمدَ بنَ خالد ويذكر ميلَ الرعية إليه، وعِفّته.

 

فأنا ذات يوم على المائدة آكل إذ وردت إليّ رقعةُ أحمدَ بنِ خالد يسألني استدعاءه لمهمٍّ يلقِيه إليّ، فلم أشكَّ أنه قد ضاق بالحبس والقيد، وقد عزم على الاستجابة لمرادي، فلما غسلت يديّ، دعوتُه فاستخلاني فأخليته، فقال: أما آن لك يا سيدي أن ترق لي مما أنا فيه من غير ذنب إليك، ولا جرم، ولا قديمِ دَخَل، ولا عداوة؟ فقلت: أنت اخترتَ لنفسك هذا، وقد سمعتَ يميني، وليس منها مخرج. فاستجب لما أمرتُ به واخرُج. فأخذ يستعطفني ويخدِمُني ويخدَعني. فقال لي يا سيدي: فليس الآن عندك غير هذا؟ فقلت: لا.

 

فقال إذا كان ليس غير هذا، فاقرأ يا سيدي. وأخرج إليَّ كتابا لطيفا مختوما في ربع قرطاس. ففضضتُه، فإذا هو بخط أميرِ المؤمنين المتوكلِ، الذي أعرفه، وهو إليَّ يأمرني فيه بالانصراف، وتسليم ما أتولاه إلى أحمد بن خالد، والخروج إليه مما يلزمني، ورَفْعِ الحساب. فورَدَ عليَّ أقبحَ موردٍ لقرب عهد الرجل بشتمي له وإساءتي إليه، فأمسكتُ مبهوتا. ولم ألبث أن دخل أميرُ البلد في أصحابه وغلمانه فوَكَّل بداري وبجميع ما أملكه وبأصحابي وغلماني وجهابذي وكتّابي، وجعلت أزحَفُ من صدر المحل حتى صرت بين يدي أحمد بن خالد، ودعا أميرُ البلد بحداد، فحَلَّ قيده فوثب قائما.

 

ثم توجّهَ إليَّ وقال لي: يا أبا أيوب أنت قريب عهد بعمالة هذا البلد، ولا منزل لك فيه ولا صديق، ومعك حرَمٌ وحاشيةٌ كثيرة، وليست تسعك إلا هذه الدار، وكانت دارَ العمالة، وأنا أجدُ عدَّة مواضعَ غيرِها، وليس لي كثير حاشية، ومن نكبةٍ خرجتُ، فأقِمْ بمكانك. ثم خرجَ، وصرف المتوكِّلَ بالدار، وأخذ كاتبي وأسبابي إليه، فلما انصرف قلت لغلماني: هذا الذي نراه في النوم! انظروا من وكَّل بنا؟ فقالوا: ما وكَّل بنا أحدا. فعجبت من ذلك عجبا عظيما! وما صليت العصر حتى عاد إليّ من كان حمله معه من المتصرفين والكتاب والجهابذة مطلَقين، وقالوا: أخذَ خطوطنا برفع الحساب، وأمرنا بالملازمة، وأطلقنا. قال: فازداد عجبي!

 

فلما كان من غدٍ باكرني مسلِّما، ورحتُ إليه في عشية ذلك اليوم، وأقمت ثلاثين يوما، إن سبقني إلى المجيء وإلا رحتُ إليه، وإن راح إليّ وإلا باكرتُه، وفى كل يوم تجيئني هداياه وألطافه من الثلج والفاكهة والحيوان والحلوى. فلما كان بعد الثلاثين يوما جاءني، وقال: قد عشقتَ مصر يا أبا أيوب، ووالله ما هي طيبة الهواء، ولا عذبة الماء، وإنما تطيب بالولاية والإكساب. ولو قد دخلت إلى سُرّ من رأى، لما أقمتَ بها إلا شهرا واحدا حتى تتقلدَ أحد الأعمال. فقلت: والله ما أنا إلا متوقع لأمرك في الخروج. فقال: أعطني خطَّ كاتبك بأن عليه القيام بالحساب واخرج في حفظ الله. فأحضرتُ كاتبي، وأخذت خطه كما أراد، وسلمته إليه، وقال لي اخرج أيَّ يوم شئت.

 

فخرجت من غد، فخرجَ هو وأميرُ البلد وقاضيه وأهلُه فشيعوني إلى ظاهر البلد، وقال لي تقيم في أول منزل على خمسة فراسخ إلى أن أزيح علة قائد يصحبك برجاله إلى الرملة فإن الطريق فاسد، فاستوحشت لذلك، وقلت هذا إنما غرني حتى أُخرجَ كلَّ ما أملكه، فيتمكنَ منه في ظاهر البلد، فيقبضه، ثم يردَّني إلى الحبس والتوكيل والمطالبة، ويحتجَّ عليَّ بكتابٍ ثان يذكرُ أنه ورد من المتوكل، فخرجت، فأقمت بالمرحلة التي أمر بها مستسلما متوقعا للشر، إلى أن رأيتُ أوائل عسكر مقبل من مصر، فقلت لعله القائد الذي يريد أن يُصحِبني إياه، أو لعله الذي يريد أن يقبض عليَّ به، فأمرتُ غلماني بمعرفة الخبر، فقالوا: العامل أحمدُ بن خالد قد جاء، فلم أشكَّ في أنه قد ورد البلاءُ بوروده، فخرجت من مَضْرِبي، فلقيته وسلمت عليه، فلما جلس وسلم، قال: أخلونا، فلم أشك أنه للقبض عليّ، وطار عقلي، فقام من كان عندي، فلما لم يبقَ أحد، قال:

 

أنا أعلم أن أيامك لم تطل في مصر، ولا حظيتَ بكثير فائدة، وذلك البابُ الذي سألتنيه في ولايتك فلم أجب إليه إنما أخرتُ الإذنَ لك في الانصراف منذ أول الأمر إلى الآن لأني تشاغلتُ بالفراغ لك منه، وقد حططتُ من الارتفاع وزدت في النفقات كل سنة خمسة عشر ألف دينار تكون في السنتين ثلاثين ألف دينار وهو يقرُب ولا يظهَر، ويكون أيسرَ مما أردتَه منى في ذلك الوقت، وقد تشاغلت به حتى جمعتُه لك، وهذا المال على البغال. فقدِّم إليّ من يستلمه، فتقدمت لقبضه، وقبَّلت يده، وقلت: قد والله يا سيدي فعلتَ ما لم تفعل البرامكة! فأنكر ذلك مني، وتقبَّض منه، وقبَّل يدي ورِجْلي.

 

ثم قال: ها هنا شيء آخر أريد أن تقبَله منى، فقلت: ما هو؟ قال خمسةُ آلاف دينار قد استحقَقْتها من رزقي، فامتنعت، وقلتُ: فيما قد تفضلت به كفاية. فحلف أنى أقبلها منه، فقبلتها. فقال: وهذه ألطافٌ من هدايا مصر أحببتُ أن أصحبَك إياها فإنك ستصير إلى كتّاب الدواوين، ورؤساء الحضرة، ويقولون لك: وليتَ مصرَ فأين نصيبُنا من هداياها؟ ولم تَطُل أيامُك فتُعِدَّ ذلك لهم، وقد جمعتُ لك منه ما يشتمل عليه هذا الثبت، وأخرجَ دُرْجا فيه ثبت جامع لكل شيء في الدنيا حسنٍ ظريفٍ جليلِ القدر من ثياب ديبقي وقصبٍ وخدم وبغال ودواب وحمير وفُرُش وطيب كثير، وما يكون فيه الجميعُ مالٌ كثير، فأمَرْتُ بتسَلُّمه، وزدتُ في شكره.

 

 ثم قال لي: يا سيدي أنا مغرًى بحب الفُرُش، وقد عَمِلتُ لي بيتا أرمَنيا بأرمينية، وهو عشرُ مَصْلِيات بمخادِّها ومساندها ومطارحها وبساطها، وهو مُذَهَّب بطرز مذهبة، قد قام عليَّ بخمسة آلاف دينار على شدة احتياطي، فان أهديتَه إلى الوزير عَبَدَك، وإن أهديتَه إلى الخليفة ملَكْتَه به، وإن أبقيتَه لنفسك وتجمَّلتَ به كان أحبَّ إليّ. وحَمَلَه إليَّ فما رأيتُ مثله قط! ولم تسمح نفسي بإهدائه إلى أحد ولا استعمالِه، فما ابتذلتُ منه شيئا إلا يومَ إعذارك، فإني اتخذت منه الصدرَ ومساندَه ومخادَّه.

 

فهل تلومني يا بُنيَّ بعد ذلك على أن أقوم لهذا الرجل؟ قال: فقلت: لا والله يا أبى ولا على ما هو أكثر من القيام لو كان مستطاعا. قال: فكان أبى بعد ذلك إذا صرف رجلا عاملَه بكل جميل يقدر عليه، ويقول: علَّمنا أحمد بنُ خالد حُسْنَ التصرف.