faculty image استاذ علم النفس المساعد كلية المعلمين جامعة الملك سعود- استشارى العلاج النفسى
Sign In
 

الإدراك الحسي  Perception

مقدمة:

 يشير الإدراك الحسي مصطلحاً إلى العملية العقلية التي تتم بها معرفتنا للعالم الخارجي،وذلك عن طريق الوعي بالمنبهات الحسية،فهو نوع من الاستجابة للإشكال والأشياء الخارجية،لا من حيث هي أشياء وأشكال حسية بل كرموز ومعاني.

 وتهدف الاستجابة إلى القيام بنوع معين من السلوك،وهذا بطبيعته يتوقف على طبيعة المثير (المنبه الخارجي)،وعلى طبيعة الحالة الشعورية والوجدانية للفرد وعلى اتجاهه الفكري،وخبراته السابقة للمثيرات المتقاربة أو ذات التشابه.

  ويسير الإدراك في خطوات وهى:

1-إن الإنسان يدرك من خلال النظرة الكلية أو الإجمالية للشيء المدرك.

2-بعد ذلك يقوم الإنسان من خلال النظرة التحليلية والكشف عن العلاقات بين الأجزاء للشيء المدرك.

3- ثم بعد ذلك ومن خلال المرحلة التوليفية يعيد الإنسان التأليف بين الأجزاء والعودة إلى النظرة الكلية،وهذه المراحل الثلاثة لا تتم إلا من خلال خبرات الفرد وطبيعة استعداداته الشخصية.

 ومن ثم فأن الإدراك الحسي يشتمل على عملية تأويل الاحساسات بحيث يزودنا بمعلومات عما في عالمنا الخارجي من أشياء،بمعنى آخر فهو العملية التي تتم بها معرفتنا لما حولنا من أشياء.

   ولكن ترى هل هناك شروط معينة لحدوث عملية الإدراك.

الشروط التي تعتمد عليها عملية الإدراك.

 ليس من شك أن هناك فرق بين الإحساس والإدراك وهو فرق جوهرى،ومع هذا يحدث الخلط بينهما لدى الإنسان العادي والمتخصص،فمن المعلوم أن يتم الإدراك بغير وجود الاحساسات المختلفة بدايةً،أما الإحساس فإنه مستوى فسيولوجي والإدراك مستوى عقلي،وحتى يتم الإدراك كعملية عقلية لابد وأن تسير في خطوات معينة وهى:

1-لابد من وجود المثيرات (الاحساسات) والتي يتكون منه عالم المدركات،وهذه المثيرات مستقلة عن ذات الإنسان.

2-إن وسائل الإنسان (الكائن الحي) في إدراك هذه المثيرات هي الحواس التي يملكها الإنسان.

3-وجود الجهاز العصبي المركزي الدماغى الشوكي(المخ Brian)،والذي بدوره ينقل المحسوس إلى مدرك ذات معنى.

4- وجود سجل الخبرات المتراكمة لدى الإنسان(الكائن الحي) والتي تسمح للجهاز العصبي بأن ينقل المحسوسات ويصنفها بناءاً على هذه الخبرات إلى مدركات،وبدون هذا السجل من الخبرات لا يستطيع الجهاز العصبي إضفاء المعنى للمحسوسات لأن تصبح مدركات. 

 ولكن دعنا نتساءل عن كيفية إدراكنا للأشياء (أي الكيفية والطريقة التي يتم بها إدراك الكائن الحي،ولذلك سوف نبدأ بالوسائل التي يستطيع بها الكائن الحي (الإنسان) إن يدرك.

الوسائل المستخدمة في عملية الإدراك:

 يعتمد الإنسان على ما يملك من أجهزة  ووسائل حسية مختلفة ،وسلامة إدراكه يتوقف على سلامة حواسه،على سبيل المثال (الأصم )لا يستطيع إدراك المثيرات السمعية مهما وصلت شدتها أو قوتها،والإنسان الكفيف (الأعمى) لا يستطيع إدراك المثيرات البصرية مهما اشتدت قوة نصوعها،والإنسان ضعيف الرؤيا لا يستطيع إدراك الصور البعيدة عنه والتي يستطيع الإنسان قوى البصر أن يدركها،وآخرين لا يستطيعون التمييز للروائح المختلفة لضعف حاسة الشم،وآخرين لا يستطيعون تمييز الحلو من المر من الأطعمة نظراً لضعف حاسة التذوق لديهم .

 فالإنسان عادة كائن حي مولود وهو مزود بإمكانات محدودة إدراك جزء وليس كل المثيرات الموجدة في عالمه المحيط به،بحيث لا يستطيع أن يدرك أو يسمع إلا أصوات الذبذبات التي تدخل في إطار إدراكنا،وعلى هذا الأساس فالإنسان لا يستطيع إدراك المثيرات الأعلى أو المثيرات التي تدنو عتبته الحسية،وعلى ذلك ظهرت الأجهزة التعويضية لزيادة مدارك الإنسان الحسية مثل سماعات الأذن،والنظارات الطبية،والتكنولوجيا الحديثة من مكبرات صوت،والراديو والستالايت والتليسكوب وشاشات التلفزيون..الخ.

 الكيفية التي تتم بها عملية الإدراك.

مما سبق يمكننا القول بأن إدراك الإنسان محدود بإمكانيات أجهزة استقباله الحسية من حيث قوتها أو ضعفها،بالإضافة إلى أن تركيبة الإنسان البيولوجية والمحكومة بعملية الوراثة تتدخل في كيفية إدراكه لما هو موجود حوله من مثيرات متنوعة،كذلك فإن الجانب السيكولوجي(النفسي) لدى الإنسان هو أيضاً مسؤول عن سلامة إدراكه.

 فالإنسان الطبيعي (السوي)يدرك من البيئة المحيطة حوله ما لا يدركه الإنسان ذو الاضطراب النفسي أو الإنسان ذو الاضطراب العقلي والعكس صحيح أي ما يدركه الإنسان المضطرب نفسياً أو عقليا لا يدركه الإنسان السوي،على سبيل المثال فالمريض الفصامي (أو ذو الاضطراب العقلي يشمون روائح لاوجود لها ويسمعون أصوات لاوجود لها (هلاوس سمعية وبصرية)وكذلك يشاهدون مثيرات بصرية ليست موجودة بالفعل(هلاوس بصرية).

 من ذلك نستنتج أن الصحة النفسية في عملية الإدراك يشترط وجودها في العقل ووجوده،وهى بذلك عملية معقدة تتدخل فيها عوامل تؤثر في إدراكنا للمثيرات الحسية ومن هذه العوامل منها ما هو موضوعي وأخرى غير ذلك تنبع من ذات الإنسان وسوف نعرضها كما يلي:

العوامل المؤثرة في عملية الإدراك. 

 تتأثر عملية الإدراك الحسي بعدد من العوامل تقسم إلى محورين وهما:

أولاُ: العوامل الموضوعية المؤثرة في الإدراك الحسي:

 من الواضح أن هناك عوامل دفينة كامنة في طبيعة المدرك ذاته تساعد الإنسان على إدراكها بالكيفية التي عليها،ولقد أسهم كل من علماء النفس الألمان الثلاثة(كوفكا) (وكهلر) و(فرتهيمر) وهم أصحاب نظرية الجشطالت Gestaltفي علم النفس،وقد وضعوا قانون البراجنانزPragnanze

 ليحددوا به طبيعة العوامل التي تحكم الإدراك وهو كالتالي:

(أ) القوانين الأساسية للإدراك:

1- كلية الإدراك Gestalt.

  ومؤدى هذا القانون إن إدراك الإنسان في جوهره ليس موجهاً لإدراك جزئيات متناثرة(من المثيرات السمعية أو البصرية أو الشمية..الخ) وإنما إدراك الإنسان في أصله إدراكاً لصيغ كلية،ويعنى هذا القانون أن إدراك الكل أسبق على إدراك الجزئيات المكونة له:

مثال على ذلك:  شاهد الشكل التالي وقرر ماذا تشاهد؟

 

               # # #                                    # # #

                # # #             (ب1)                # # #              # # # 

        #         # # #         # # #                 # # #              # # #

                  (أ )            # # #                   # # #                 (ج)

                          # # #                            ( ب2)

                            (ب)

 

                             شكل يوضح كلية الإدراك (القانون الأول

  في العادة سوف تدرك الوحدات التسع في مجموعة (أ) وحدة واحدة والوحدات (18) في (ب) على أنهم وحدتين كليتين (ب1)،(ب2) كل منه (9)وحدات،ثم الوحدات (10)في(ج) تدرك على أنهما وحدتين كليتين تسعة في وحدة،وواحدة في وحدة أخرى.

 وإذا قمنا بحذف الرموز (أ)،(ب)،(ج) من المربع سوف تدرك أولاً مجموعة من النقاط(#) إدراكاً كلياً ثم بعدها تأتى مرحلة التفاصيل.

 فإذا نظر الإنسان إلى صورة أو منظر ما مصور فسوف يدركه إدراكاً كلياً على أنها لوحة طبيعية،وبعد الفحص والتمعن(التدقيق) يتكشف أن بها مثلاً أودية ونباتات،فهذا تفصيل والآخر تفصيل..،وهكذا كلما أمضى في التمعن فسوف يكتشف تفصيلات متعددة،لكن إدراكه الأول كان كلياً على أنها لوحة طبيعية.

2- الكل أكبر من مجموع الأجزاء المكونة له.


 وينص هذا القانون أن الأجزاء المكونة(كلاً) إنما تحتوى في الأصل على خصائص ناتجة من الكل الذي تنتمي إليه من ناحية لكنها نثرية من الناحية الثانية،بحيث يصبح الكل أكبر من مجموع الأجزاء المكونة له بما يضفيه من دلالة ومعنى.

 

   شكل يوضح مجموعة من الخطوط الكاريكاتيرية المتناسقة في كل متكامل يدركه الإنسان على أنه صورة للإنسان يفكر(تفصيل 1)،يدخن(تفصيل 2)،يرقص(تفصيل 3).

 

  ومن خلال الشكل السابق أنظر ماذا تشاهد؟

 ليس من الصعب عليك أن تشاهد في الشكل مجموعة من الخطوط الكاريكاتيرية وهى الأجزاء التي يتكون منها الشكل ،وهو أمر يصعب كثيراً في إدراكه،وعلى ذلك سوف تدرك شكلاً كلياً لشخص يخن سيجارة(وهذا إدراك كلى).


  والحقيقة أن هذا الشكل الكلى أكبر من مجموعة أجزاء بل هو أكبر منها والشكل التالي يوضح نفس الأجزاء التي يتكون منها الشكل السابق أنظرها الآن  وقرر ماذا ترى؟.

                          شكل يوضح مجموعة من الأجزاء ليست ذي معنى

 معنى ذلك أن تجمع هذه الأجزاء هو الذي سوف يصبغ عليها المعنى، وأن تجمعها في كل هو الذي أعطى لها قيمة أكبر مما هي عليه في الواقع.

3- تكرار الجزء في عدد من الأكلال يعطيه خاصية الكل:

 ومؤدى هذا القانون أنه إذا تكرر جزء من أجزاء الشكل الكلى في عدد من الإكلال(جمع كل) اكتسب هذا الجزء خاصية الكل وبرز على أرضية تلك الإكلال ككل منفصل له خواصه.

 ففي اللوحة التالية أنظر جيداً للكلمات المكونة من حروف الهجاء وقرر ماذا تدرك.

                   جدول يوضح تحول الأجزاء إلى كل

 

م

  جنينه

  جاثمين

  كهرباء

    نهاية

1

 سهام

   سهى

  مريم

    نهر

2

  ريم

   فاكهة

   بهلول

  بهلوان

3

مهيوب

   ماجي

   مهدى

   مهرة

4

 مريم

  مهراجا

   مهتدى

  مهرجان

5

 فهلوي

   فكيهة 

   فتلوى

  نجوى

 

  فلو نظرت جيداً إلى قوائم الأسماء السابقة لتجد أن كل أسم كل يحتوى على عدد من أحرف الهجاء (أجزاء) وقد تكرر كل حرف في الأسماء العشرين السابقة على النحو التالي:

1- أحرف تكررت مرتين (ج،ف،س). 2- أحرف تكررت ثلاثة مرات(ة).

3- حرف تكرر ستة مرات (ن).      4- حرف تكرر سبعة مرات (ى).

5- حرف تكرر ثمانية مرات(م).      6- حرف تكرر إحدى عشرة مرة(أ).

7-حرف تكرر أكثر من عشرة مرات(هـ).

  وعلى هذا الأساس يكتب الحرف(هـ) صفة الكلية ويدرك بسهولة على أنه خالص لتكرار وقوعه،وبالمثل الحرف(م) يمكن أن يكتسب نفس الخاصية الكلية.

4-بروز الشكل على الأرضية:


 ومؤدى هذا القانون أن هناك علاقة تضاد بين الشكل المدرك وبين الأرضية التي تدركها عليه،ويفترض مقدماً أن إدراكنا لشكل ما على أرضية ،ثم نقرر أن اختلاف الأرضية التي يوجد عليها الشكل تقوى أو تضعف إدراكنا له.

شكل يوضح تضاد الشكل والأرضية

 فلا يوجد أدنى شك من إن الفرد بداية سوف يدرك الشكل المظلل على هيئة مروحة على الأرضية البيضاء(المساحة غير المظللة)،والمرة الأخرى سوف يشاهد الفرد المساحة البيضاء شكلاً على الأرضية المظللة،ولا يمكن أن يجمع الاثنين معاً،فإذا ما إدراك عقل الإنسان المساحات المظللة على أنها مروحة باعتبارها شكلاً على الأرضية البيضاء تظهر بالتدريج الأرضية البيضاء باعتبارها شكلاً على الأرضية المظللة.

 وعلى ذلك فإن إدراك الفرد يتم عادة لأشكال(صيغ كلية) على أرضيته،لكننا لا ندرك عادة الأرضية بقوة إدراكنا للشكل،على سبيل المثال فالفرد يدرك ببساطة السحب في السماء وهى على أشكال وصور متعددة لكنه لا يدرك السماء(الأرضية)،بالمثل يستطيع إدراك النجوم وهى تسير في السماء(شكل)      ولا يستطيع إدراك الأرضية،ويمكنه أن يدرك مساحة صغيرة للسماء وسط السحب(تناوب إدراك الشكل على الأرضية)ثم تنقلب الأرضية إلى شكل والشكل إلى أرضية) وعلى هذا الأساس توجد علاقة التضاد بين الشكل والأرضية فهما لا يجتمعان أبداً في مدرك واحد.

 (ب) القوانين الثانوية للإدراك:

  واستكمالاً للقوانين الأساسية للإدراك فلقد صاغ الفرسان الثلاثة الإلمان كوفكا،كوهلر،فرتهيمر قوانين فرعية أو ثانوية متممة لعملية الإدراك،ولكن هذه القوانين لم تكن في قوة القوانين السابقة رغم أهميتها العلمية مما دفع البعض من علماء النفس بتسميتها بالعوامل Factors وهى على النحو التالي:

1-عامل التقارب:

 ومؤدى هذا القانون أن المثيرات المتقاربة في الوقوع تسهل عملية إدراكنا لها،والشكل التالي يوضح عامل التقارب،أنظر إليه وقرر ماذا أنت تشاهد؟.


  فلو أنك إذا نظرت للشكل السابق جيداً لتقرر إن كل خطين مائلين يشكلان وحدة واحدة،وذلك لتقارب الأشكال من بعضهما البعض.

 الأمر بالمثل بين النقط الموضوعة أسفل الخطوط،فسوف يميل الفرد لأن يدرك كل نقطتين متقاربتين على أنهما وحدة واحدة.

2-عامل التشابه:


  ومؤدى هذا القانون أن تشابه المدركات يسهل عملية الإدراك،بمعنى أن المثيرات تميل لأن تتحد في وحدة كلية(جشطلت) وبالتالي تصبح أكثر وضوحاً من غيرها من المثيرات الغير متشابهة،ويوضح الشكل التالي عامل التشابه بين المثيرات،أنظر إليه وقرر ماذا أنت تشاهد؟.

 ومن خلال الشكل السابق يستطيع الفرد أن يدرك أن الدائرتين والخط داخل الدائرة الكبرى هي نموذج للوجه كوحدة واحدة،وكل الدوائر المتتالية بجوار الشكل متشابهة مما يسهل على الفرد إدراك كل مجموعة متشابهة كوحدة واحدة وهى هنا الوجه.

3-عامل الاستمرار:


 وينص هذا القانون على أن استمرار وقوع المدركات في المجال الإدراكى يؤدى إلى إدراكها كوحدة جشطلتية واحدة،ويبين الشكل التالي ذلك،أنظر إليه وقرر ماذا أنت تشاهد؟        شكل يوضح عامل الاستمرار

 

 فالشكل السابق(أ) يدرك الفرد بلا شك الخطوط المستقيمة على أنها وحدة كلية(جشطلت)،وأيضاً يدرك النقط الكونة خطوط شبة دائرية(اللون الأسود الثقيل)كوحدة كلية أيضاً.

 ولا يمكن للفرد أن يدرك شكلاً كلياً واحداً يجمع النوعين من الخطوط معاً،فعامل الاستمرار يفرض على الفرد إدراك كل منهما باعتباره شكلاً كلياً(جشطلت منفصل عن الآخر،أما الشكل (ب) يتكون من مجموعة من النقط تنتظم في شكل (كل) يجعل عامل الزمن فيه أن يدرك الفرد الشكل مجموعة من النقاط تكون خط مستقيم كوحدة كلية منفصلة تماماً عن الوحدة الكلية الأخرى والتي تتكون من مجموعة النقاط المائلة للاستدارة.

 4-عامل الإغلاق:

 ومؤدى هذا القانون أن المدركات التي تميل إلى تكوين وحدة كلية لطبيعة كونها شبه مغلقة أو مكتملة تفرض علينا أن نضفي عليها عنصر الإغلاق ولذلك سمى هذا القانون بـ(قانون الإحاطة والتكميل)،والشكل التالي يوضح ذلك،أنظر إليه وقرر ماذا تشاهد؟.


                     شكل يوضح عامل الإحاطة والتكميل(إغلاق الدائرة)

 

 ومن الشكل السابق بالتأكيد يدرك الفرد الشكل (أ)على أنه دائرة،والشكل (ب)على أنه مثلث،والشكل (ج)على أنه معين ،كل هذا على الرغم من أن الدائرة غير مكتملة،فهي مجرد خط دائري لم يكتمل بعد،والمثلث ما هو إلا ثلاثة مستقيمات والمعين أربعة خطوط مستقيمة،فالفرد هنا قام بإغلاق الدائرة،وأدركها على أنها كلاً له معنى سابق لديه(جشطلت)وأيضاً حدث ذلك في كل من الشكلين التاليين.

5- عامل الحداثة الزمنية:

 ومؤدى هذا القانون أن المثيرات التي وقعت قريباً تسهل عملية إدراكنا لها،بمعنى أخر أن المثيرات التي حدثت صباح اليوم أدعى للحضور في إدراك الفرد من التي وقعت الأمس،والتي وقعت الأمس أكثر حضوراً نسبياً من التي وقعت أول أمس وهكذا، ويستطيع الفرد أن يتذكر ما رآه صباح يومه،أو مساء أمسه،أو منذ أسبوع أو منذ شهر،فيجد نفسه قادراً على إدراك تلك المثيرات التي حدثت له حديثاً من التي وقعت له منذ فترة.

 فيما سبق هي إذن العوامل الموضوعية في الإدراك،وهى عوامل كامنة في طبيعة المدركات ذاتها،وهى تعجل أو ترجئ أو تعطل إدراكنا لها،وليست هذه كل العوامل المؤثرة في الإدراك،فتوجد هناك مجموعة أخرى من العوامل توجد في الإنسان نفسه (المدرك) وتعرف هذه العوامل بالعوامل الذاتية وهى كالتالي:

العوامل الذاتية المؤثرة على الإدراك:

 يتعرض الإنسان طول يومه صباحه ومسائه لمثيرات كثيرة ومتعددة منها ما هو بصري والأخر سمعي وبعضها شمي،وبعضها تذوقي وبعضها لمسي،فهل باتري يستطيع الإنسان أن يدركها جميعاً وبطريقة واحدة؟.

 الإجابة على ذلك هي بالنفي،لأن القول السابق بأن المطابقة بين حقيقة الشيء المدرك وطريقة إدراكنا له شئ محال،ذلك لأن الإنسان يعيد بناء واقعه الموضوعي من خلال ذاته،ونسوق مثال على ذلك (الوردة) هي واقع موضوعي(على سبيل الافتراض) لكن يختلف إدراك الفرد لها،فأحد الأشخاص يتفنن في شمها،والأخر يتذوق المعنى،وأخر يقوم بتشريحها علمياً،وأخر يتذكر بها مشاعره وحبه..وهكذا يدركها كل فرد منا إدراكاً خاصاً وليس إدراكا خالصاً.

 وعلى هذا الأساس توجد هناك عوامل كامنة في ذات كل فرد وهى تختلف من فرد لآخر،تحرف الوقائع،والواقع الموضوعي ليصبح واقع ذاتي ومن هذه العوامل الذاتية :

1- عامل الذكاءIntelligence :

 ونعنى بهذا العامل أن الإنسان الذكي يدرك من مثيرات البيئة ما لا يدركه منها الإنسان الأقل ذكاء،فالإنسان الذكي قادر على إدراك المثيرات إدراكاً كلياً بينما الإنسان الأقل ذكاء لا يدرك التفاصيل ولا يستطيع الوصول إلى المعنى الكلى لما يدركه من تفاصيل.

2- الحاجات النفسيةNeeds :

 هناك مثل شعبي قائل (الجائع يحلم بسوق العيش)ويشير هذا المثل للمعنى،فالإنسان يدرك من مثيرات البيئة ما يحتاجه،والحاجات النفسية لها تأثير مباشر وقوى على إدراك الإنسان،فالفرد عندما ينتظر صديقه في ميدان عام أو طريق ما،حتى تحين ساعة اللقاء،فنجده يتوجه لصديقه مسرعاً فيستعد الآخر للقاء وحتى تحين لحظة اللقاء تجده إنسان أخر.

 والذي حدث هنا أن احتياج الفرد وتوقعه للشيء الذي يريده جعله يدرك آخر (يشبهه أو لا يشبهه)على أنه هو،ونسوق مثلاً أخر فالإنسان في شهر رمضان (شهر الصيام) وقبل آذان المغرب وقد بدا عليه الجوع والعطش ماذا يشعر آنذاك ،يحدث تحريفات إدراكية متعددة نظراً للحاجة إلى الطعام.

 ولقد قام كل من ليفينLewine  وشينChein  في عام1943 بتجربة لمعرفة أثر الحاجات النفسية على تحريف الإدراك،فلقد قاما بتكوين مجموعتين من الراشدين الذكور(مجموعة تجريبية،وضابطة) ولقد قاما بتعريض العينة التجريبية لفترات من الحرمان من الطعام والشراب(صوم تام)وكانت المدة الزمنية من ساعة إلى 12ساعة،وكان يعرض عليهم في نهاية فترة الصوم،وقبل السماح لهم بتناول الطعام والشراب صور غامضة (مبهمة)على شاشة سينما بسرعة معينة لا تسمح لهم بالتأكد مما يشاهدون،ويطلب من كل فرد أن يقول ما يشاهده.

 ولقد خرجا بنتائج ومنها أنه كلما طالت مدة الحرمان من الطعام والشراب،وزادت حاجة الإنسان إليهما،كلما أتت في استجابت الأفراد ما يعبر عن رؤيتهم لصنوف الطعام والشراب.

3- الثواب والعقاب:

 يرتاح الإنسان عادة للأشياء التي يثاب عليها،سواء بالقول اللفظي أو بالفعلي أو مواقف أو خبرات،ويتضايق الإنسان ويزجر من الأشياء التي سبق وأن عوقب عليها،وعلى هذا الأساس فأن إدراك التلميذ المتفوق لمفهوم الرسوب يختلف عن إدراك التلميذ الذي رسب بالفعل.

 وهناك في التراث الشعبي من الأمثلة التي تعكس ذلك (اللي يتلسع من النار ينفخ في الزبادي)،(واللي عضه الثعبان يخاف من الحبل)،وفى هذا المعنى،قام كل من بروشاتسكىProchansky ومورفىMurphy بتجربة علمية هدفت إثبات أثر الثواب والعقاب على تحريف الإدراك،فقاما بإحضار مجموعة تجريبية وأخرى ضابطة وعرضهما لعملية تقدير أوزان-أحجام -أطوال،تحت تأثير الثواب مرة والعقاب مرة أخرى.

 ففي حالة الثواب وعندما يصل الفرد إلى التقدير الصحيح يعطى نصف دولار مكافأة،فإذا ما فشل في الوصول إلى التقدير الصحيح في المحاولة الثانية عاقبه بأن استرد منه المبلغ الذي ربحه في المحاولات السابقة،وقد خرجت التجربة بنتيجة مؤداها أن الإنسان يتعدل إدراكه مع المثيرات الطيبة(المكافأة-الثواب)وينحرف إدراكه في حالة المثيرات المؤلمة (العقاب).

4- الضغوط الاجتماعيةSocial Stress :

 تساهم الضغوط الاجتماعية في تحريف الإدراك،وتساهم بدور فعال في عملية التحريف،فالفرد يدرك من البيئة التي يعيش فيها إدراكاً معيناً،بصرف النظر عما إذا كان إدراكه هذا صحيح أم غير صحيح،وهذا هو الإدراك للأمور والمواقف،ولكن إذا عرف الفرد أن الجماعة التي ينتمي إليها تدرك من الموقف الذي أدركه هو عكسه،فنجد الفرد يميل تلقائياً إلى تعديل إدراكه كي يتماشى مع إدراك الآخرين.

 وقد قام آش Asche بتجربة 1952 على مجوعتين من الأفراد الأولى مكونة من 8أشخاص،والثانية مكونة من 16 شخصاً،وقد طلب منهم تقدير أطوال بعض الخطوط المرسومة مع مقارنتها بطول معياري ثابت،وكان هذا الطول هو 9سم وتراوحت أطوال الخطوط الأخرى بين (8-8.5-9-9.5-10سم) وكان يطلب من كل فرد في المجوعة الأولى أن يقرر أي من الخطوط الخمسة مساوي للخط المعياري.

 وبطبيعة الحال كان الفرد يختار المساوي(في أغلب المحاولات)للخط المعياري بدقة(إدراكه للشخص الحر)،وفى مرحلة أخرى طلب من كل فرد أن يعلن اختياره أمام الجميع،على حين قام آش بالاتفاق مع بعض الأفراد أن يعلنون أمامه أن الخط الذي طوله 8سم مساوي للخط الذي طوله 9سم(الخط المعياري)وذلك يتنافى مع الواقع ومع إدراكه الأصلي،وعلى الرغم من ذلك كان الشخص تحت تأثير ضغوط الجماعة يقرر أن الخط الذي طوله 8سم مساوي للخط المعياري الذي طوله 9سم ويتنازل عن إدراكه الحقيقي ليدرك ما تدركه الجماعة.

 وعلى ذلك كان التحريف الإدراكى يزداد ظهوراً كلما زاد عدد الأفراد الذين يقررون عكس ما أدركه الفرد.

 

5-الفروق الفردية:

  وتلعب الفروق الفردية دوراً في تحريف الإدراك فقد تكون البيئة الواقعية واحدة بالنسبة لمجموعة من الأفراد،لكنها قد تكون بيئات سيكولوجية مختلفة لكل منهما عن الآخر،وذلك لاختلافهم في السن والخبرة والميول.

6-الانفعال والحالة المزاجية:

 يؤثر الانفعال تأثيرا هاما في تحريف الإدراك فالغضبان يرى من عيوب خصمه ما لا يراه في حالة هدوئه،والزوج الغيران يؤول كل حدث برئ تأويلاً فاسداً،وهكذا يؤثر كل من الحالة المزاجية والانفعال في التحريفات الإدراكية للأفراد.

ثبوت المدرك البصري

    ما هو ثبوت المدرك؟

 فحينما يدرك موضوع ما إدراكاً بصرياً،وليكن منضدة مثلاً،فأنه توجد هناك أمور ثلاثة لازمة لهذا الإدراك وهى:

أولاً: الموضوع كما يوجد في العالم الخارجي(وهو المنضدة) من حيث هي موجودة في العالم الخارجي،ومن حيث هي ذات وجود فيزيائي مستقل،وتسمى هذه الصفة(الخاصية الحقيقية للموضوع).

ثانياً: المنضدة كما يدركها الملاحظ وهذه تسمى(الخاصية الظاهرية) والثبات هو عبارة عن مدى تطابق الخاصية الظاهرية مع الخاصية الحقيقية بالرغم من الاختلاف الناتج من شروط المجال بين خاصية التنبيه والخاصية الحقيقية.

 فإذا كان التطابق بين الخاصية الظاهرية والحقيقة تاماً،كان الثبات كاملاً،وإذا انعدم التطابق،أي إذا لم تتطابق الخاصية الظاهرية مع الخاصية الحقيقية،بل تطابقت مع خاصية التنبيه،كان الثبات صفراً،وهذه الظاهرة،ظاهرة ثبات الإدراك تكون عامة في المجال الإدراكى،مع أنها لم تدرك إلا في المجال البصري فحسب.

الظاهرة الإدراكية:

 على سبيل المثال هذا قلم،فإذا جعلته على بعد واحد من عيني،فإنه يرسم صورة شبكية خاصة،وإذا أبعدت هذا القلم ونظرت إليه من على بعد مترين،فإن إدراكي لحجم القلم لن يتغير تغيراً يذكر لا رغماً عن أن صورته الشبكية خاصية التنبيه قد قلت إلى نصف ما كانت عليه في حالته الأولى.

 وهذه دائرة لا أراها دائرة كما ينبغي أن تكون إلا إذا كانت معروضة أمامي في المستوى الوجهى،ثم أنا أحرفها عن المستوى الوجهى بزاوية خاصة،وبالتالي لم تعد الشبكية شكلاً دائرياً،بل شكلاً إهليجياً.

  ومع ذلك يظل إدراك الفرد لها كدائرة ثابت رغم اختلاف التنبيه الشبكي وهذه الورقة البيضاء،لا تبدو كذلك إلا إذا كانت في إضاءة النهار السوية،لأنها حينئذ تعكس إضاءة لا لون لها،وإذا عرضها في مجال أكهب الإضاءة(نصف مظلم) فسيظل إدراك الفرد لها ثابتاً كورقة بيضاء رغم التنبيه الشبكي.

 وفى مثل هذه الحالات كلها نجد ظاهرة عامة هي أن الخاصية الظاهرية تميل إلى التطابق مع الخاصية الحقيقية رغم التغيير المستمر في خاصية التنبيه،وهذه الظاهرة هي التي نسميها ظاهرة الرجوع الظاهري نحو الموضوع الحقيقي.

 

 

                       

مراجع

أولاً: المراجع العربية:

1-أحمد خيري حافظ وآخرون(1989).علم النفس التجريبي.القاهرة الناشر غير مبين.

2-أحمد زكى صالح(1972).علم النفس التجريبي.مكتبة النهضة العربية القاهرة.

3-أحمد فؤاد فائق ومحمود عبد القادر(1984) المدخل إلى علم النفس.ط4.الإنجلو المصرية.القاهرة.

4-أحمد عزت راجح(1995) أصول علم النفس.دار المعارف.القاهرة.

5-أحمد محمد عبد الخالق(1991)أسس علم النفس.الإسكندرية.دار المعرفة الجامعية.الطبعة الثالثة.

6-أحمد محمد عبد الخالق وآخرين(1992)المدخل إلى علم النفس التجريبي.الإسكندرية.دار المعرفة الجامعية.

7-أشرف على عبده(1999)أسس علم النفس العام.المركز الدولي للاستشارات النفسية والعلاج النفسي الحديث.القاهرة.

8-جون جارد نر،صوفيا كانيسكا.(بدون تاريخ)تجارب أساسية في علم النفس التجريبي.ترجمة أحمد خيري حافظ،محمد محمد خليل .القاهرة دار التوفيق للطباعة والنشر.

9-فتحي مصطفى الزيات(1998)صعوبات التعلم.سلسلة علم النفس المعرفي(4).مطابع الوفاء.المنصورة(ج.م.ع).

10-فرج عبد القادر طه وآخرين(1998) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي.دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع .القاهرة.

11-محمد شحاته ربيع(1990).تجارب معمل علم النفس.مطابع جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية.الرياض.المملكة العربية السعودية.

ثانيا:المراجع الأجنبية:

12-Brown, A.L.& Campione, J. C(1986): Psychological theory and the study of learning Disabilities. Am. Psycho. (14) P.p. 1054 -1068.

13-Chall, J .S.(1991): American reading Instruction:Science art and Ideology. In W. Ellis (ED). All language and the Creation of literacy. p.p. 20-26.

14-Sekuler .,R., &R.,(1994) :Perception 3rd edition., MC-Grow-Hill inc.

15- Wood worth, R. S. & Schlosbery, H.(1960)Experimental Psychology .New York :Henry Holt.

 

King Saud University. All rights reserved, 2009| CiteSeerx