اقيم في سكن الجامعة. وخرجت بالامس نحو الساعة الخامسة والربع لأتناول طعام الافطار في منزل عمي. وما ان قطعت الشارع لاستقل سيارة اجرة، حتى احسست بدوار وضعف، فعبرت الشارع مرة اخرى لأعود الى البيت، فسقطت مغشيا علي في الشارع قرب الرصيف، ليس بعيدا عن بوابة السكن. وقفت سيارة بها أخ مصري وزوجته الامريكية وحاولا مساعدتي. وأسقاني حراس امن البوابة ماء محلى وما هي الا دقائق حتى حضرت سيارة اسعاف مستشفى الملك خالد. صعدت داخل السيارة وتمددت على النقالة ومعي paramedic هندي. لم يأخذ مني اية بيانات او يبدأ أية عمليات اسعافية داخل السيارة. وعندما وصلنا أسعاف مستشفى الملك خالد، طلب الي النزول من السيارة، وجلست على كرسي متحرك (بدلا من ان ينزلوني هم على النقالة).
بعد دقائق حضر شخص يتحدث بلهجة اردنية او فلسطينية وأخذ يسألني عن اسمي وماذا حصل ليملأ استمارة (بدلا من ان يبدأ بقياس الضغط والسكر ثم يأخذ البيانات) وسألني ان كان لدي ملف في المستشفى، فقلت: لا (طبعا مشكلة الا يكون لدي ملف). قاس نسبة السكر والضغط فكان لدي هبوط شديد حيث كان ضغطي 68/38. مرت طبيبة سعودية، فقال لها: لدينا مريضة، وكانت تقف ملاصقة للكرسي الذي اجلس عليه، فقالت: "دوامي انتهى" وادارت ظهرها. فنادى اطباء رجال فحضر اثنان، فقال لهم بانجليزية خاطئة نطقا ومصطلحا "dizzines بدلا من “fainting” وهناك فرق (كل هذا وانا عند مدخل الاسعاف). وبدلا من يضعوا في يدي محلولا IV على الفور، ادخلوني حجرة اسعاف صغيرة، وحضرت ممرضة هندية لتسألني عن اسمي وعمري وتملأ استمارة جديدة. ثم قالت "انهضي واذهبي الى الـ consultation room اي غرفة الاستشاري. وأشارت بيدها الى حيث الغرفة. ذهبت واذا بالغرفة مغلقة. جلست في "انتظار" النساء انتظر ان تفتح الغرفة او يناديني احد، فلم يحصل. بعد قليل اذن المغرب واصبح المكان مقفرا الا من بضع هنديات في مكتب الاستقبال.
جلست في استقبال الرجال (وكان خاليا) انتظر ان يأتيني شخص ما بكأس ما، او قليلا من طعام فانا في حالة عطش وجوع شديدين ولا ادري من اين اشتري طعاما، وبعد أكثر من ربع ساعة مرت عاملة هندية وسألتني ان كنت اريد كأس ماء. وبعدها مر الـ paramedic الهندي وسألني ان كنت اريد طعاما، واحضر لي صينية من دولاب امام استقبال الطوارئ. دقت الساعة السادسة والنصف فالسابعة دون ان يتم اسعافي، كنت اسمع اصوات الاطباء عالية يتسامرون ويضحكون وكأنهم في مقهى وليس في مستشفى من اولى متطلباتها الهدوء. لمحت احد الاطباء السعوديين فسألت عن المشرف عليهم فقال: د. سامر (سوري) وهو يصلي. جلست داخل منطقة الاسعاف انتظر د. سامر. وكان الاطباء السعوديون يدردشون ويضحكون ويتحدثون بالجوال ويمشون كأنهم فريق كرة قدم وليس اطباء ونسوا ان هناك مريضة لا زالت تنتظر الاسعاف، وبالخارج مرضى آخرون في انتظار الاسعاف. سألت عن سامر مرة اخرى واذا به الشخص الذي امامي وكان يتحدث بالهاتف، فقلت له اريد ا ن اتحدث معك، فقال: اذهبي واعملي تخطيط قلب ECG، ورفض ان يستمع الي وولى مدبرا. خرجت من المستشفى بعد ساعتين من حضوري الى الاسعاف دون ان يتم اسعافي ودون ان اتلقى اي علاج.
عندما علم احد حراس امن المستشفى انني في المستشفى منذ ساعتين قال لما لا تشتكين الى مدير الاسعاف او مدير علاقات المرضى ...الخ ذهب وبحث بنفسه وللأسف لم يكن منهم أي مسئول في مكتبه. جميع المكاتب مغلقة. ولماذا يعملون مساء، فنحن في شهر رمضان. وهم مدراء ومن حقهم ان يتغيبوا ما دام ليس هناك من يحاسب ويعاقب.
ما حدث معي بالامس يدل على ان العاملين بالاسعاف (خاصة الاطباءالسعوديين) لا يعرفون حتى ابسط مبادئ الاسعاف. ويمكن ان يموت المريض عشرين مرة قبل ان يتم اسعافه بسبب تبلد احساس مجموعة الاطباء السعوديين الذين كانوا بالاسعاف ليلة امس، وعدم مبالاتهم بالمرضى، مع انني كنت الحالة الوحيدة ولم يكونوا مشغولين او مضغوطين. ان دقيقة واحدة قد تكون حاسمة في حياة مريض. والذي اعرفه ان طلاب الطب في دول العالم الاخرى يقسمون ان يساعدوا كل انسان. فعلام يقسم طلاب طب جامعة الملك سعود؟
من رأيت من الاطباء السعوديين ليلة امس لا يمكن ان يطلق عليهم اطباء لا من حيث الاهتمام، ولا المعلومات الطبية، ولا الشكل الخارجي، ولا المشية والايماءة، ولا التعامل، ولا المهنية. وبالطبع تخرج كل هؤلاء بامتيازات ومراتب شرف؟ لست ادري ماذا يتعلمون في كلية الطب؟
انتهى دوامي؟ هل هذا ما تعلمونه للطبيبات في كلية الطب؟ ماذا ستكون ردة فعل سعادة الطبيبة لو ايقظوها من نومها ليلا لحالة اسعافية عاجلة؟ هل ستستيقظ؟
نحن مسلمون وفي شهر فضيل. اين مخافة الله؟ اين الانسانية؟ ألم يدخل الجنة رجل لأنه ملأ خفه ماء وسقى كلبا عطشا؟
هل رأى المسؤولون بالجامعة بلاط المستشفى امام استقبال الطوارئ، وجدران المستشفى وابوابه، ونظافة الارض والجدران والحمامات؟ هل هذا مستشفى تعليمي في دولة نفظية تبيع البرميل بـ 130 دولارا؟ اين الجودة ومواصفات الجودة؟ أي جودة المكان وجودة العاملين؟ هل الجودة شعارات فقط؟ هل هؤلاء هم الاطباء الذين سيقودون الجامعة الى العالمية؟
لو حدثت مثل هذه الواقعة في دولة اخرى، لفصل كل من كان بالاسعاف بالامس من اعمالهم، ولكن موظفينا السعوديين لديهم حصانة خاصة، يفعلون ما يشاءون ولا يخشون حسابا ولا عقابا، ولا حتى لفت نظر. وسواء عملوا ام لا يتقاضون مرتباهم كاملة.
لم أكتب ما كتبته هنا من اجل نفسي، فأنا لدي ملف في مستشفى دلة وفي المستشفى الالماني واستطيع ان اذهب للعلاج في مستشفى خاص. لقد كتبته من اجل المرضى الذين يصلّون الفجر ويحضرون الى المستشفى من اجل موعد او علاج، ولا يدخلون على الطبيب الا بعد الساعة الثانية ظهرا وهم ينتظرون دون ماء أو طعام. ومن اجل غير السعوديون الذين قد يضطرهم حظهم العاثر للحضور الى المستشفى لطارئ ما. ولمن ليس لديه ملف وتعرض لعارض ما واحتاج الى اسعاف.