King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


حينما يكون الذكاء نعمة

الذكاء : منحة ربانية عظيمة ، وقيمة كبيرة لدى الإنسان .

قد يتفاوت الناس في مقدار نسبة الذكاء .

وقد يفوق الواحد أقرانه في الذكاء .

وقد تكون نسبة الذكاء عند البعض متدنية ، وليس ثمة مشكلة .

فإن الله سبحانه قسّم بين عباده المنح والعطايا بعدله وحكمته ، فما حرم إنساناً من نعمة حرماناً كلياً أو جزئياً ، إلا وعوّضه بنعمة أخرى ، والشواهد على هذا من الحياة كثيرة .

ثم إن من وراء هذا كله ابتلاء واختباراً ، يقول تعالى : { ونَبْلوكُم بالشَّرِّ والخير فتنة } الأنبياء 35 .

فمن شكر على العطية ، وصبر عند الحرمان ، نجح في الاختبار .

ومن بَطِر عند العطية ، وجَزِع عند الحرمان ، سقط في الاختبار .

على أن نعمة الذكاء يشترك فيها أغلب البشر ، وقد أثبتت بعض الدراسات أن الذكاء يشترك فيه كل العقلاء ، وجاءت نِسَبُه فيهم على النحو التالي :

90% من البشر ذكاؤهم متوسط ، و5% ذكاؤهم حادّ (العباقرة) ، و5% ذكاؤهم ضعيف (الأغبياء) .

وهذا ما يأخذنا إلى القول : كيف ينبغي لنا أن نستخدم هذه النعمة ؟

قديماً : استخدم إبليس ذكاءه استخداماً سيئاً ، فكان سببَ طرْدِه ، وحلولِ اللعنة الأبدية عليه ، حينما قال : { أنا خير منه } يعني : من آدم { خلقتَني من نار ، وخلقتَه من طين } فكان الجواب : { اخرج منها } أي : من الجنة { فإنك رجيم ، وإن عليك اللعنةَ إلى يوم الدين } .

واليوم :

كم من إنسان استخدم ذكاءه لتحقيق فائدة بغير وجه حق ؟

وكم من إنسان تجاوز حقه ، فأكل الأموال ، واعتدى على الأعراض ، وخدع الآخرين ، وبرّرت الغاية عنده كل وسيلة ، وكل هذا يفعله باسم الذكاء (والشطارة).

وماذا فعل عباقرة الغرب ؟ وإلى أين أوصلهم ذكاؤهم ؟

لقد أنتج ذكاؤهم ألواناً متعددة من الأسلحة الفتاكة ، التي بمقدورها أن تدمر العالم بأسره عدة مرات !

وطاروا بذكائهم إلى الكواكب الأخرى ، وأنفقوا في سبيل هذا ملايين الدولارات.

وفي المقابل : انحطّوا بأخلاقهم وإنسانيتهم ، ودمّروا الحياة الاجتماعية ، والبنية الأسرية.

ألجأتهم عقولهم في سبيل المحافظة على التوازن في الأسعار أن يلقوا سنوياً بآلاف الأطنان من القمح في المحيط ، وأمم من أهل الأرض يهددهم الموت في كل لحظة بسبب المجاعات والكوارث ، وغير هذا الكثير والكثير .

تلك هي النعمة الإلهية حينما يصيّرها الإنسان بظلمه وطغيانه نقمة وبلاء عليه وعلى بني جنسه .

ذلك لنعلم أن الذكاء بالرغم من أنه قيمة كبيرة لدى الإنسان ، إلا أنه لابد له من سياج من القيم والمبادئ والأخلاق ، وهذا السياج لا يتحقق إلا من خلال الدين القويم .

إن أذكى الحيوانات – كما يقول العلماء – القوارض ، بالرغم من أنها وضيعة وحقيرة .

والإنسان لايكون إنساناً بذكائه المجرد ، بل هو إنسان كامل الإنسانية : بذكائه ودينه معاً ، وبعقله وقلبه معاً .

حينما يوجه الإنسان ذكاءه إلى إحقاق الحق ، ودفع الظلم ، وبذل المعروف والخير ، ونشر الفضيلة والعدل ، وقمع الظلم والرذيلة ، ونصر المظلوم ، وإشاعة القيم والأخلاق ، يكون قد عرف قدر هذه النعمة ، وحافظ عليها ، وقام بواجب الشكر عليها .

وقد حفظت لنا كتب التراث اسم واحد من نوادر الأذكياء ، الذين سخروا ذكاءهم تسخيراً صحيحاً ، فكانت أقواله وأخباره دروساً يفيد منها كل من وهبه الله  نعمة الذكاء :

ذلكم هو التابعي الجليل : إياس بن معاوية بن قُرَّة المُـزَني ، أبو واثلة ، أحد الأئمة الفقهاء الثقات ، المولود سنة 46هـ ، والمتوفى سنة 122هـ .

لما رأى أبوه رجاحة عقله ، وحسن تصرفه ، قال فيه كلمة عظيمة ، ينبغي التوقف عندها استشعاراً لمكانته ، قال أبوه : إن الناس وَلَدوا أبناء ، وَوَلَدْتُ أباً !

ولما ماتت أم إياس بكى إياس ، فقيل : ما يبكيك يا أبا واثلة ؟

فقال : كان لي بابان مفتوحان من الجنة ، فأغلق أحدهما .

كان إياس من عقلاء الرجال ، ومن أعاجيب الدنيا فطنة وذكاء ، حتى صار ذائع الصيت ، ومضرب المثل .

يشبّه أبو تمام ذكاء أحمد بن المعتصم وهو يمدحه بذكاء إياس فيقول :

إقدام عمرو ، في سماحة حاتم                  في حلم أحنف ، في ذكاء إياس

بعث الخليفة الراشد عمر بن العزيز رحمه الله تعالى عديَّ بن أَرْطاةَ إلى البصرة ، وأمره أن يجمع بين إياس بن معاوية ، والقاسم بن ربيعة ، فأيهما كان أفقه فليولّه القضاء .

فقال إياس ـ وهو لا يريد أن يَتولَّى ـ : أيها الرجل ، سَلْ فقيهَيْ البصرة : الحسنَ البصري ، ومحمدَ بن سيرين ، وكان إياس لا يأتيهما .

فعرف القاسم بن ربيعة أن عدياً إن سألهما أشارا به ؛ لأنه كان يأتيهما ، فقال لعدي : والله الذي لا إله إلا هو إن إياساً أفضلُ مني وأفقهُ وأعلمُ بالقضاء .

فإن كنتُ صادقاً فوَلِّه ، وإن كنتُ كاذباً فما ينبغي أن تولِّيَ كاذباً القضاء .

فقال إياس : هذا رجل أُوقِف على شفير جهنم ، فافتدى منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها .

فقال عدي بن أرطاة : أمَا إذْ فطِنْتَ إلى هذا ، فقد ولَّيْتُكَ القضاء .

استخدم إياس ذكاءه فيما يصلح ولا يفسد ، ويجمع ولا يفرق :

قال سفيان بن الحسين : ذكرتُ رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية المزني ، فنظر في وجهي وقال : أغزوتَ الروم ؟ قلت : لا . قال : السِّند ، أو الهند ، أو التُّرْك ؟ قلت : لا . قال : أفَسَلِمَ منك الرومُ والسِّنْد والهند والتُّرْك ، ولم يسلم منك أخوك المسلم ! قال : فلم أعد بعدها .

إن الذكاء ارتبط عند كثير من أبناء هذا الزمان بالمكر والخديعة والحيلة ، على مبدأ صنيع الثعالب ، وهذا المفهوم إنما ساد مع غياب المبادئ والفضائل والقيم والأخلاق .

أما إياس صاحب الذكاء الخارق فقد حافظ على القيم والأخلاق الكريمة ، ولم يزده ذكاؤه إلا قوة في الحق ، وتمسكاً بكل المبادئ الفاضلة .

قال رحمه الله : ما أحب أن أكذب كذبة لا يطلع عليها إلا الله ، ولا أؤاخذ بها يوم القيامة ، وأن لي مفروحاً من الدنيا .

وقال : امتحنت خصال الرجال ، فوجدت أشرفها صدق الرجال ، ومن عُدِم فضيلة الصدق ، فقد فجع بأكرم أخلاقه .

وقال أيضاً : أفضل الناس عندي أسلمهم صدراً ، وأقلهم غيبة .

هذا ـ وايم الله ـ لهو الذكاء النافع ، سخره صاحبه فيما يعود بالنفع عليه وعلى من حوله ، ولا فائدة في ذكاء يكون سبباً في سخط الله ، ويعرض صاحب لعقاب الله .

تحدّث إياس عن الأمن بمفهومه الشامل ، وجعله حقاً للرعية على السلطان :

فقال : لابد للناس من ثلاثة أشياء : أن تأمن سُبُلُهم ، و يختار لحكمهم حتى يعتدل الحكم فيهم ،  وأن يقام لهم بأمر الثغور التي بينهم وبين عدوهم ، فإن هذه الأشياء إذا قام بها السلطان ، احتمل الناس ما كان سوى ذلك من أثرة السلطان وكل ما يكرهون.

فجعل من حق الرعية على الإمام :

أمن الطرق ، وذلك بتأمينها وحراستها من كل ما يهدد أمن سالكيها.

والأمن على أعراض الناس وأنفسهم وممتلكاتهم ، وذلك باختيار القاضي الذي يعدل في حكمه .

وأمن حدود البلاد المتاخمة لبلاد الأعداء ، بتأمين الحراسة اللازمة لها

ولم يمنعه ذكاؤه من الإنصاف ، ومن كلمة الحق ولو على نفسه :

قال رحمه الله : كل رجل لا يعرف عيبه فهو أحمق .

قيل له : فما عيبك يا أبا واثلة ؟ قال : كثرة الكلام .

وسئل : كيف ابنك لك ؟

فقال : نعم الابن ، كفاني أمر دنياي ، وفرّغني لآخرتي .

إن أخبار إياس كثيرة ، وحكمته مبثوثة في كتب التاريخ والأدب ، وكل خبر عنه مثال يُحتذى ، وشاهد حق على أنه الذكي الذي قدّر نعمة الله ، وقام برعايتها ، وأدّى وظيفة شكرها ، رزقني الله وإياكم العلم النافع ، ووفقنا جميعاً إلى العمل الصالح .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx