King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

التجسس في الإسلام

صوره وأحكامه

التجسس : تتبُّع الأخبار وتفَحُّصها ، يقال : جسَّ فلان الأخبار وتجسَّسها ، إذا بحث عنها وتتبَّعها ، والجاسوس : من يتتبَّعُ الأخبار ، قال تعالى في معرض النهي عن التجسس : { ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ، ولا تَجَسَّسُوا } – 12 الحجرات - .

والتحسُّس ـ بالحاء المهملة ـ مثل التجسس ، ورجل حساس الأخبار ، أي : كثير الطلب لها ، وقد ورد التحسس في القرآن بمعنى : طلب جمع الأخبار ، قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام : { يابَنِيَّ اذهبوا فتَحَسَّسُوا من يوسُفَ وأخيه } ـ 87 يوسف ـ

وقيل : التجسس : تتبع الظواهر ، والتحسس : تتبع البواطن .

وقيل : التجسس غالباً يطلق على الشر ، والتحسس يكون غالباً في الخير . وقيل في الفرق بينهما غير ذلك .

والتنصت : التسمع ، فإن كان سراً فهو بمعنى التجسس .

والجاسوسية : مهنة الجاسوس .

ومثل الجاسوس : العين ، وفي ( دائرة المعارف الإسلامية ) : ( الجاسوس ) كلمة تدل على المعنى المعروف ، وهي ترد متلازمة مع كلمة ( عين ) بمعنى الرقيب ، ومن ثم فإنه لايمكن في جميع الأحوال أن نميز بين الكلمتين ، ولايكاد المرء يستطيع أن يناقش إحداهما دون الرجوع إلى الأخرى ، على أن الظاهر أن كلمة ( جاسوس ) تستعمل بصفة أخص للدلالة على العين يرسل بين صفوف العدو .

ويستعمل أيضاً لفظ : المُخْبِر ، وهو من يتجسس الأخبار محافظة على أمن الدولة .

ويمكن تلخيص ماتقدم بأن التجسس عبارة عن البحث والتفتيش عما يخفى من الأخبار والمعلومات السرية ، وميادينه داخل حدود الدولة وخارجها ، ومحله الأفراد والمجتمعات والدول .

ولما كان الإسلام هو الدين الكامل تناول الجاسوسية بالبيان والتفصيل على اختلاف وجوهها ودواعيها وميادينها ، وبين مايجوز منها وما لايجوز ، ووضح أحكام الجواسيس على اختلاف دياناتهم وانتماآتهم ودوافعهم ، بما لايدع مقالاً لأحد .

 

الصور المحرمة في التجسس :

هناك صور حرم الإسلام التجسس فيها ، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

1- التجسس على المسلمين ومن في حكمهم من أهل الذمة من غير موجب له ، وذلك بتتبع عورات الناس ، ومحاولة معرفة أسرارهم وخصوصياتهم ، لأي سبب غير مشروع ، كحب الاستطلاع ، أو للتشهير والفضيحة ، أو لخدمة جهة من الجهات ، فهذا عمل محرم نهى عنه الإسلام ، وعدَّه بعض العلماء من كبائر الذنوب .

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ، ولاتَجَسَّسُوا } ـ 12 الحجرات ـ أي : ولاتبحثوا عن عورات المسلمين وتستكشفوا عما ستره الله تعالى .

وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذب الحديث ، ولاتجسَّسُوا ، ولاتحسَّسُوا ، ولاتحاسدوا ، ولاتباغضوا ، ولاتدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً )) .

قال الخطابي : معناه : لاتبحثوا عن عيوب الناس ولاتتبعوها .

وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وحسَّنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يامعشر من أسلم بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه ، لاتؤذوا المسلمين ولاتعيروهم ، ولاتتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله )) .

وقال صلى الله عليه وسلم : (( من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون ، صُبَّ في أذنيه الآنُكَ يوم القيامة )) رواه البخاري ، والآنك : الرصاص المذاب .

2- التجسس على المسلمين لصالح العدو ، سواء أكان المتجسس أجنبياً أم من المسلمين ، بل إن الجاسوس المسلم الذي ينقل أخبار المسلمين وأسرارهم إلى أعدائهم أشد خطورة من جاسوس الأعداء .

ولايقوم بهذا العمل الوضيع إلا من خبا نور الإيمان ومحبة الأوطان من قلبه ، وخرس صوت ضميره ، وجرى وراء مصلحته الخاصة ، فباع دينه وأمته ووطنه بثمن بخس وعرض زائل تافه .

وهؤلاء الجواسيس لحساب الأعداء هم المُخَذِّلون والمُرْجِفون الذين يصنعون بأياديهم الشوهاء الهزيمة لأمتهم والنصرة للأعداء ، فيبيعون ضمائرهم للعدو بحفنة دراهم ، ويتسلَّم العدو منهم خطط بلادهم وأسرار دولهم .

لذا اعتبر الإسلام هذا النوع من التجسس خيانة عظمى ، والعقوبة عليه تختلف باختلاف الحال وطبيعة الأخبار التي يتجسس عليها ، فقد يكون تجسسه في وقت السلم وقد يكون في وقت الحرب ، وقد يكون التجسس على قضايا حساسة كالمنشآت العسكرية أو الصناعية ، وقد يكون على قضايا أقل خطورة ، فلكل صورة حكم خاص بها ، كما ورد مفصلاً في كتب الفقه الإسلامي .

 

الصور المشروعة في التجسس :

وهناك صور شرع الإسلام التجسس فيها لأهداف سامية ، أذكر منها :

1- تجسس ولاة الأمر على الأفراد أو الجماعات بقصد التعرف على خبراتهم وطاقاتهم وأحوالهم ، ومعرفة الفاضل من المفضول ، والصالح من غيره ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الناسَ عما في الناس . أخرجه الترمذي في (الشمائل) من حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه .

وليس الكلام في مثل هذا من الغيبة المنهي عنها ، بل هو من النصيحة المأمور بها .

وقال موسى بن طلحة : رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يحدث الناس ، يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار .

وكان لعمر رضي الله عنه عيون على الناس يخبرونه بأحوالهم ومشاكلهم ، ويتعرف من خلالهم على الصالح الفاضل .

ويهدف بحث ولي الأمر في رعيته وتجسسه عليهم بنفسه أو بعيونه إلى التعرف على الأشخاص المتميزين بعلومهم وخبراتهم وطاقاتهم ، وسيرتهم البيضاء النظيفة ، ومستوياتهم الأخلاقية والفكرية، ودراسة إمكانية الاستفادة منهم والاستعانة بهم ، وإشراكهم في تصريف شئون الدولة، من أجل تحقيق المصلحة العامة ، والنهوض بالأمة ، وتحقيق المزيد من الخير والرقي والتقدم للبلاد والعباد ، ذلك لأن من أعظم أسباب النجاح لأي دولة من الدول وضع الرجل المناسب في المكان المناسب .

ولايمكن للدولة التعرف على سيرة مواطنيها إلا بالتجسس عليهم ومراقبتهم والتحري عنهم، ولذلك احتاجت من أجل معرفة ذلك إلى أجهزة مختصة ، وقد كان نظام البريد في عهد الدولة العباسية ينقل أخبار الأقاليم المختلفة إلى عاصمة الخلافة ، وكان في ذلك العصر يؤدي الدور الذي يؤديه جهاز المخابرات في العصر الحديث .

ولاشك أن تقصي الأخبار وجمع المعلومات عن شخص ما لهذه الغاية ، من أشرف الأعمال التي يقوم بها ولي الأمر ، خدمة للرعية ، وحماية للبلاد ، ومحافظة على سعادة المجتمع وكرامته .

2- تجسس ولاة الأمر على المجرمين والمشهورين بالفساد ممن لهم سوابق في الشر ، أو على من تأكد اجتماعهم للتآمر والتخطيط بقصد العبث بالأمن وترويع الآمنين ، فالتجسس على هؤلاء وأمثالهم مشروع، والقيام به واجب؛ لأنه من باب تدارك الشر قبل وقوعه .

قال الحافظ ابن حجر : ويستثنى من النهي على التجسس ما لو تعين طريق إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلاً كأن يخبر ثقة بأن فلاناً خلا بشخص ليقتله ظلماً ، أو بامرأة ليزني بها ، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك ؛ حذراً من فوات استدراكه .

وقال ابن الماجشون : اللصوص وقطاع الطريق أرى أن يطلبوا في مظانهم ويعان عليهم حتى يقتلوا أو ينفوا من الأرض بالهرب .

وطلبهم لايتم إلا بعد تحديد مواقعهم من خلال تتبع أخبارهم والتجسس عليهم .

وكذلك إذا وقعت الجريمة ولم يتم التعرف على المجرم ، فعلى الدولة أن تتجسس وتبحث حتى تتعرف على المجرم وتكشفه .

وذلك لأن حماية الأرواح والممتلكات واجب على الدولة تجاه رعاياها والمقيمين فيها ، وهذا يستدعي مراقبة دقيقة تقوم بها لتهيئة جو من الأمن والاستقرار في المجتمع ، ولابد من إنشاء أجهزة خاصة لذلك ، تقوم بتتبع المجرمين وتعقبهم والتجسس عليهم .

وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعوان والمساعدين من الأمناء ورجال السر والشرطة ؛ لتحقيق الأمن وحماية المجتمع من خطر المنافقين وأهل الريب والسوء .

فهذا حذيفة بن اليمان صاحب السر الذي لايعلمه غيره .

وهذا قيس بن سعد يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشُّرَط من الأمير .

وهذا أبو عبيدة أمين الأمة ، قال صلى الله عليه وسلم : (ألا وإن لكل أمة أميناً ، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) .

ثم سار الخلفاء الراشدون على هذا النهج بهدف تحقيق الأمن وحماية المجتمع الإسلامي من المفسدين .

3- تجسس الدولة الإسلامية على أعدائها ، بقصد التعرف على عددهم وعتادهم ، وكشف مخططاتهم وتحركاتهم ، والاطلاع على أسرارهم الحربية ، وأنواع أسلحتهم وإمكاناتهم .

قال ابن حجر في شرح حديث صلح الحديبية : فيه استحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي الجيش والأخذ بالحزم في أمر العدو ؛ لئلا ينالوا غرة بالمسلمين .

فالتجسس على العدو أمر مشروع في الإسلام لحماية الدولة من الاعتداء ، ولتكون على اطلاع كامل ودائم بقدرات العدو ، ومخططاته ، وتحصيناته ، ومواقع كتائبه ، وتحركاته ، وهو ضرورة من ضرورات الحرب ، وسبب من أسباب الانتصار ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على إرسال الجواسيس في الغزوات ، وهم كثيرون .

وهؤلاء الجواسيس مجاهدون في سبيل الله تعالى ، أبطال شجعان مرابطون ، اختاروا خدمة دينهم ووطنهم في أخطر موقع ، فهم يستحقون التكريم ، وعملهم يستحق التقدير ، ناهيك عن الأجر العظيم الذي أعده الله لهم في الآخرة .

قال الله تعالى : {والذين قُتِلوا في سبيلِ الله فلن يُضِلَّ أعمالَهُم ، سيَهْديهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ، ويُدْخِلُهُمُ الجنَّةَ عرَّفَها لهم} ـ محمد 4-6 ـ .

وقال صلى الله عليه وسلم : (من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل ، وأجري عليه رزقه ، وأمن من الفتّان ، وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع) رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ، وقال البوصيري : إسناده صحيح .

وشتان بين من جنّد نفسه لخدمة دينه وأخلص لوطنه فقام بهذا الدور العظيم ، وعرَّض نفسه للخطر ، في سبيل إعزاز الدين وحماية الوطن ، فعمله مشروع ، وبين جاسوس محترف تستأجره جهة من الجهات المشبوهة ؛ ليزودها بالأخبار ، ليس له هم إلا كسب المادة ، فهذا مجرم ، وعمله ليس من أخلاق أهل الإسلام .

ثم إن وسائل التجسس تطورت كثيراً ، وأصبحت طرق الحصول على المعلومات المتعلقة بالمنشآت الحربية أو الصناعية ، أو مراكز البحوث العلمية ، أو التحركات العسكرية لدولة من الدول تستدعي الاستعانة بالأقمار الصناعية ، وأجهزة التنصت فائقة الدقة ، والتصوير الجوي ، واستخدام الوسائل المتطورة ، وبخاصة الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت ) .

مما يوجب على المسلمين دخول هذا الميدان بقوة ، تنفيذاً لأمر الله تعالى بالاستعداد للعدو ، يقول تعالى : {وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رِباط الخيل تُرْهِبون به عدوَّ الله وعدوَّكُم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم اللهُ يعلمهم} ـ الأنفال 60ـ . والتجسس على العدو من الإعداد الذي أمر الله المسلمين به ، ولكل زمان ومكان وسائله وأساليبه في ذلك ، ومن العبث وتضييع البلاد والعباد وقوف الدول على الأساليب البائدة القديمة التي لا تصلح في عالم التقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx