King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


حول آية الصيام

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتِبَ على الذين مِنْ قَبْلِكُم لعلَّكم تَتَّقون } البقرة - 183 -

اشتملت هذه الآية الكريمة على فرضية الصيام الذي هو أحد أركان الإسلام ودعائمه ، والحديث عن هذه الآية وأسرارها طويل ، لذلك سأجعل مقالي هذا محصوراً في مسألتين فيها :

المسألة الأولى : حول التكليف بفريضة الصيام ، والمستفاد من قوله تعالى : { كُتِبَ عليكم الصيام } .

يقول العلماء : التكليف ما فيه كلفة ، أي : مشقة .

لكن من رحمة الله بعباده أن المشقة في التكاليف الشرعية عموماً محتملة ، ولم يكلف الله تعالى عباده بما لا يطيقون ، قال سبحانه : { لا يُكَلِّفُ الله نفساً إلا وُسْعَها } – البقرة 286- ، وقال جلَّ وعلا : { وما جعل عليكم في الدِّين مِنْ حَرَج } – الحج 78- .

أما المشقة فموجودة وإلا لما كان تكليفاً ، والمشقة متفاوتة من تكليف لآخر ، فبعض التكاليف أكثر مشقة من غيرها .

فعلى سبيل المثال : التكليف اليومي أكثر مشقة من التكليف السنوي ، والتكليف السنوي أكثر مشقة من التكليف بمرة واحدة في العمر .

وربما كان التكليف الواحد أكثر مشقة في حق أفراد دون آخرين .

فمثلاً : أداء العبادات البدنية كالصلاة والحج أكثر مشقة في حق الشيخ الكبير من الشاب ، وهكذا .

ولذلك كان أجر العبادة على قدر الجهد المبذول في أدائها ، قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : (( إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك )) رواه مسلم .

ومعلوم أن التكاليف الشرعية نوعان : تكليف بطلب فعل ، وتكليف بترك فعل .

والتكليف بالترك أكثر مشقة من التكليف بالفعل ؛ لأن ترك ما اعتاده الإنسان وألفه وواظب عليه شديد على نفسه ، ومن هنا ندرك الحكمة في التدرج في تحريم الخمر .

فشرب الخمر مما اعتاده العربي في الجاهلية وألفه وواظب عليه حتى صار جزءاً من حياته لا ينفك عنه بسهولة ، فكان الإقلاع عنه من الأمور الشاقة على الأنفس ، لذا اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون تحريمها تدريجياً .

فأول ما نزل فيها : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } البقرة - 219-

ثم نزل { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } النساء -43- وذلك إثر ما حدث من بعض الصحابة أنه كان مخموراً فقام يصلي فخلط في صلاته ، فنزلت هذه الآية .

فكان الصحابي يمتنع عن شربها نهاراً بين الصلوات ، حتى إذا ما انتهى من صلاة العشاء قام على شربه ، فتعوّد على تركها طيلة النهار ، وبقي الحكم على هذه الحال إلى أن نزل التحريم المطلق : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } المائدة - 91- فكان جواب الصحابة الكرام : انتهينا يا ربنا .

هذا لأن التكليف كان بترك ما اعتاده الإنسان وواظب عليه ، وفيه من المشقة ما ليس في التكاليف بالفعل .

وإذا نظرنا إلى أركان الإسلام بعد الشهادتين : الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصيام ، نجد أن الركن الوحيد الذي فيه تكليف بالترك هو : الصيام ، ففيه ترك ما اعتاده الإنسان فترة من الزمن ، وأما باقي الأركان فهي تكاليف عملية .

وبناء على هذا كان التكليف بالصيام أشد الأركان على النفس ، فتحتاج النفس البشرية إلى تنشيط وتشجيع ورفع همة وتقوية عزيمة ، لتحصل الاستجابة ، ويسهل أداء تلك العبادة ، وتزول مشقتها.

فأين هذه المشجعات والمحفزات ؟

1- افتتاحية آية الصيام بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } ، نداء من رب العالمين خصَّ به عباده المؤمنين دون سائر مخلوقاته ، وهذا النداء محبب لقلب كل مؤمن ، وأما الأركان الأخرى فلم تشتمل على هذا النداء ، فقد جاء في الصلاة والزكاة : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } . وفي الصلاة خاصة : { حافظوا على الصلوات .. } . { والذين هم على صلواتهم يحافظون } . وفي الزكاة : { وآتوا حقه يوم حصاده } . { والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } وجاء في الحج : { ولله على الناس حِجُّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلاً } . { وأتموا الحج والعمرة لله } .

وفي هذا إشارة إلى ميزة لفريضة الصيام لم توجد في غيرها من فرائض الإسلام .

2- اقتران فرضية الصيام بخبر في غاية الأهمية ، وهو أن هذه الفريضة فرضها الله على الأمم السالفة أيضاً ، ولم يفرضها على هذه الأمة خاصة ، وفي هذا :

- الرفق بهذه الأمة والرحمة بها ، حيث لم تنفرد بهذه الفريضة .

- التخفيف من مشقة هذه العبادة ، لأن الأمر الشاق إذا عم هان .

3- جاء في الحديث القدسي الصحيح : (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )) .

وإذا تدبر الصائم قوله تعالى في الصيام (( فإنه لي )) يجد أن الله سبحانه استأثر به دون غيره من العبادات ، وما ذلك إلا لكمال الإخلاص فيه ، بينما العبادات الأخرى ربما أداها العبد رياء وسمعة وتفاخراً .

فالصيام سِرٌّ بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد من الخلق ، فلا رياء ولا سمعة ؛ فاستحق أن يستأثر الله تعالى به : (( فإنه لي )) .

واستشعار هذا المعنى عند أداء هذه العبادة يدفع مشقتها ويشجع على أدائها ، ويجعلها في غاية اليسر والسهولة .

4- في قوله تعالى : (( وأنا أجزي به )) .

كل العبادات والأعمال الصالحة يجازي الله عليها ، لكن لما تميزت فريضة الصيام بخصوصية الإخلاص التام لله سبحانه ، استحقت هذه الميزة العظمى ، وهي أن يتولى الله عز وجل بنفسه جزاءها .

وإذا كانت كل عبادة معلومة الثواب ، فثواب الصيام عطاء بغير حساب ، ذلك لأن الصيام صبر ، والله تعالى يقول : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } الزمر - 10- .

ومن استشعر هذه الفضائل والمزايا عند أداء هذه الفريضة هانت عليه ، وما عاد يشعر بألم التكليف بالمنع .

المسألة الثانية : في خاتمة الآية : { لعلكم تتقون } .

وفيها إشارة واضحة إلى أن شهر رمضان مدرسة التقوى ، والصيام طريق موصل إليها ، فما هي التقوى ؟

إن التقوى صفة عظيمة إن تحقق بها العبد صبغت حياته بصبغة خاصة ، تدفعه نحو الخير والطاعة ، وتصده عن الشر والمعصية .

ومن أروع ما قيل في التقوى : قول ابن مسعود رضي الله عنه : (( أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر )) .

وقال طلق بن حبيب رحمه الله : (( التقوى : أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخاف عقاب الله )) .

ولله درُّ القائل :

خلِّ الـذنوبَ كبيرَها                     وصــغيرَها فهو التُّقَى

         واصنع كماشٍ فوق أر                     ض الشوك يحذر ما يرى

              لا تحـــقرن صغيرة                    إن الجبال من الحـصى

والتقوى : وصية الله تعالى ، ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم ، ووصية عباد الله الصالحين :

قال تعالى : { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } النساء – 131 - .

وفي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : (( اتق الله حيثما كنت ... )) رواه الترمذي بإسناد حسن .

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : يا رسول الله أوصني ، فقال : (( أوصيك بتقوى الله ؛ فإنه رأس كل شيء )) رواه أحمد .

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل : (( أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها ، ولا يرحم إلا أهلها ، ولا يثيب إلا عليها ، فإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل ، جعلنا الله وإياكم من المتقين )) .

فحينما ترى هذه المنزلة العظيمة للتقوى تعظم في نفسك فريضة الصيام التي هي الطريق الموصلة إليها : {لعلكم تتقون} .

وللتقوى آثار جليلة تعود على الفرد والمجتمع ، ومن ذلك أن :

1-            التقوى سبب لتيسير الأمور ، قال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } الطلاق – 4 - .

2-    التقوى سبب في البركة وحصول الرزق وزيادة الخير، قال سبحانه :{ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب } الطلاق – 3 - .

3-    التقوى سبب للتوفيق والسعادة ، قال جل وعلا : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كِفْلَيْن من رحمته ، ويجعلْ لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم } الحديد - 28 - .

4-    التقوى تبعث روح الشجاعة ، وتطرد الخوف ، قال سبحانه : { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } آل عمران – 120 - .

5-            التقوى سبب لنيل العلم النافع ، قال تعالى : { واتقوا الله ويعلمكم الله } البقرة – 282 - .

6-    التقوى : طريق موصلة إلى رحمة الله ، يقول سبحانه : { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } الآية – 156 - سورة الأعراف .

7-    التقوى : تحقق للعبد الولاية ، يقول عزّ وجلّ : { إن أولياؤه إلا المتقون } الأنفال – 34 _ ويقول أيضاً : { ألا إن أولياء لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون } يونس – 62 -

8-    التقوى : تحقق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { من يطع اللهَ ورسولَه ويخشَ اللهَ ويتَّقْهِ فأولئك هم الفائزون } النور – 52 - . وقال سبحانه : { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً } مريم – 63 - .

9-            التقوى سبب لقبول الأعمال ، يقول جل وعلا : { إنما يتقبل الله من المتقين } المائدة – 27 - .

وغير هذا من الفوائد والعوائد التي يجنيها العبد من التقوى ، أسأل الله تعالى أن نكون من الصائمين ، الذين حققوا من خلال هذه العبادة تقوى الله سبحانه .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx