King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


صدى التكبير

كل يوم نسمع المؤذن وهو ينادي إلى الصلاة قائلاً : ( الله أكبر ) ثلاثين مرة ، ونسمعه في الإقامة للصلاة يقولها عشرين مرة ، ثم يردّد كل واحد منا يومياً ( الله أكبر ) في صلاة الفريضة فقط (102) مرة ، ويردد أضعاف هذا العدد في السنن والنوافل وأذكارِ ما بعد الصلاة ، وغير ذلك .

كل هذا استجابة لأمر الخالق العظيم القائل : { وربَّك فكبِّر } المدثر 3 ، والقائل سبحانه : { وكبِّرْه تكبيراً } الإسراء 111 .

بيد أن هذه الاستجابة إنما تكمل وتجمل حينما نستشعر عظمة الله الكبير تبارك وتعالى ، ونفهم حقيقة معنى ( الله أكبر ) ، ونجسد ذلك الفهم حين أداء العبادة ، وفي شئوننا كلها .

إن بعض المسلمين مع الأسف يقرع التكبير مسامعهم ويردّدونه بألسنتهم لكن دون تدبّر ، والبعض يفهم ظاهر القول ولا يشعر بمعنى هذه الجملة العظيمة : ( الله أكبر) ، ويظهر هذا جلياً حين أداء عبادته ، ناهيك عن أحواله خارج العبادة .

والمطلوب هو استشعار القلب بأن الله جلَّ وعلا هو الأكبر من كل شيء ، وهو الأكبر مطلقاً ، ولا يدانيه أي كبير مهما بلغ ، وما هذه المخلوقات الكبيرة والعظيمة إلا دلائل على الله الكبير ، قال سبحانه : { وهو العليُّ الكبير } سبأ 23 ، وقال تعالى : { إن الله كان علياً كبيراً } النساء 34 ، ثم ينعكس هذا الشعور على الحياة اليومية في كل حركاتها وسكناتها ، بحيث يكون أمره سبحانه قبل كل أمر ، والالتزام بما شرع فوق كل شيء ، وابتغاء مرضاته هو الهدف الأسمى الذي نحيا لتحقيقه .

فمن شعر بعظمة ( الله أكبر ) حين يقولها المؤذن ، علم أنه نداء لأعظم شيء ، وترك وراءه كل الأمور والأعمال والشواغل مهما بلغت أهميتها .

ومن تشاغل عن الإجابة بالتجارة ، أو الصناعة ، أو العمل ، أو الدراسة ، أو اللهو واللعب ، أو مجالس السمر ، أو غير ذلك ، فليعلم أن الشعور بـ ( الله أكبر ) في قلبه ضعيف ، وأن ما شغله هو الأكبر في نظره ، وإن لم يعلن ذلك بلسانه .

وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا حضرت الصلاة وسمع المنادي ينادي ( الله أكبر ) خرج إلى الصلاة ، وانقطع عما سواها .

أما من أخر الصلاة عن وقتها لأي سبب من الأسباب - إلا لعذر شرعي من نوم أو نسيان - فلسان حاله يقول : إن ما أشغلني عن الصلاة أهم وأكبر .

ومن وقف للصلاة وافتتحها قائلاً : ( الله أكبر ) ، ثم لم يحفظ قلبه عن الأفكار الخارجة عن الصلاة ، وترك العنان  لخاطره يسرح في كل أمر سوى أمر الصلاة ، وغدا لا يدري هل قرأ الفاتحة أم لا ، وهل أتى بالتشهد أم لا ، وهل صلى ثنتين أم أربعاً ، فصلاته منقوصة غير تامة ، والسبب في ذلك أنه لم يشعر بأن ( الله أكبر ) لا في تكبيرة الإحرام ، ولا في تكبيرات الانتقال ، ومن هنا ندرك الحكمة من تكرار ( الله أكبر ) في الصلاة عند الانتقال من ركن إلى ركن .

فإذا ما هجمت الخواطر عليك ، وحاولت إشغال بالك ، وصرف قلبك ، فتذكر أنك في صلاة ، وقل لنفسك : أنا في شغل مع الأكبر ، أنا في مناجاة مع العظيم فلا تشغليني بالدون ، وأنا مقبل على العلي الكبير أدعوه وقد أقبل هو علي ، فلا تصرفيني عنه فينصرف عني.

ومن وقف للصلاة ولم يحفظ جوارحه عن الحركة ، تارة في إصلاح هيئته ، وتارة في تعديل ملابسه ، وتارة في اللعب بأصابعه ، وتارة لمجرد العبث ، فهذا أيضاً لم يشعر بأن ( الله أكبر ) ، ولو شعر بعظمة موقفه بين يدي خالقه العظيم الكبير ، لانصرف بكليته إلى صلاته ، خشوعاً في قلبه ، وطمأنينة وسكينة في جوارحه .

ولو استشعر المصلي بأنه في هذا الموقف قد أقبل الله تعالى عليه ليسمع مناجاته ويجيبه ، لسكن في صلاته ، ولهدأت جوارحه من الحركة والاضطراب ، فقد جاء في الحديث (( إذا قال العبد : { الحمد لله رب العالمين } قال الله تعالى : حمدني عبدي ، فإذا قال : { الرحمن الرحيم } قال الله تعالى : أثنى عليَّ عبدي ، فإذا قال : { مالك يوم الدين } قال الله : مجّدني عبدي ، فإذا قال : { إياك نعبد وإياك نستعين } قال الله تعالى : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : { اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال الله تعالى : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل )) .

فمن تفكر في الآيات الكريمات ، واستشعر جواب رب العالمين له ، صلى بخشوع ، وقرأ بتدبر ، ووقف على رؤوس الآي مستشعراً بقلبه الجواب من الله سبحانه .

وأما العابث اللاهي ، صاحب الحركات واللفتات ، الذي لم يخشع في صلاته ، ولم يتدبر ما يقرأ فيها ، فهذا لم يشعر بمعنى ( الله أكبر ) ، وهو في الحقيقة يؤدي صورة الصلاة لا روحها ، فلا يحقق فلاحاً ، ولا تتحقق له فضيلة إقبال الله تعالى عليه .

قال سبحانه : {قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون} المؤمنون 1-2

وقال صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ » رواه أبو داود والنسائي .

ويرحم الله سلف هذه الأمة حينما ضربوا أروع الأمثلة لما ينبغي أن يكون عليه المصلي وهو بين يدي ربه تبارك وتعالى :

فهذا إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح رحمة الله عليه وقف يصلي ذات ليلة ، فلسعه الزنبور – ذكر النحل – سبع عشرة مرة ، فلم تتحرك له شعرة ، فلما قضى صلاته قال : انظروا أيش آذاني؟! .

فهذه صلاة من عقد قلبه على ( الله أكبر ) ، وتلذّذ بمناجاة ربه ، فسمَتْ روحه ، وما عاد يشعر بالأذى الذي لحق بجسده ، ولا ريب أن هذه الحالة لا يدركها الغافل عن صلاته ، أو الذي يؤدي مجرد حركات لا روح فيها ، ولذلك تراه يتحرك في صلاته المرة تلو المرة لسبب أو لغير سبب . فما أحوجنا إلى أن نتدبر ( الله أكبر ) حين نسمعها ، ونستحضر معناها حين نرددها ، فإننا إن فعلنا ذلك ذقنا حلاوة العبادة ، وفهمنا معنى أن الصلاة صلة بين العبد وربه ، وارتقينا في مدارج السالكين إلى درجة الإحسان ، التي قال عنها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx