King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


لنتعامل بثقافة الرِّفق    

الرفق : لطف ولين ، تعشقه النفوس ، وتهواه القلوب .

والرفق : خلق رفيع ، يتحلّى به صاحب الهمة العلية .

والرفق : الوسيلة السهلة في التواصل والوصول .

فهو لغة التفاهم ، ومفتاح القلوب ، ودِعامة العلاقات الصحيحة .

به تحقق غايتك وتصل إلى ما تريد ، ومن خلاله تقوى علاقتك مع الآخرين .

هو خلق نبيل ، يحبه الله تعالى ، ففي الحديث : (( إن الله رفيق ، يحب الرفق في الأمر كله )) رواه البخاري ومسلم .

وفي رواية : (( والله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف )) .

والرفق جماع الخير كله ، جاء في الحديث : (( من أُعْطِي حظَّه من الرفق فقد أعطي حظَّه من الخير ، ومن حُرِم حظَّه من الرفق فقد حُرِم حظَّه من الخير )) رواه الترمذي .

وهو الطريق الموصلة إلى جنات النعيم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( حرم على النار كلُّ هيّن ليّن سهل قريب من الناس )) رواه أحمد .

من أجل هذا ، ينبغي التحلِّي بهذا الخلق الرفيع ، في كل الشئون والأحوال ، ومع كل الناس : كبيرهم وصغيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، قريبهم وبعيدهم ، مؤمنهم وكافرهم ، حتى أسير الحرب الذي يقع في أيدي المسلمين ، ينبغي التعامل معه برفق .

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة ، والمثل الأعلى ، يضرب لنا أروع الأمثلة في الرفق بالأسرى من خلال هذه القصة .

تروي لنا كتب السنة والتاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سريّةً قِبَل نَجْد ، فجاءت برجلٍ من بني حَنِيفة ، يقال له : ثُمَامة بن أُثَال ، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد .

فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا عندك يا ثُمامة ؟

فقال: عندي خير ، يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم ،  وإن تُنْعِم تُنْعِم على شاكر ، وإن كنتَ تريد المال فسَلْ منه ما شئت .

فتُرِك حتى كان الغد.

ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما عندك يا ثُمامة ؟

فقال : ما قلتُ لك ، إن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكر.

فتركه حتى كان بعد الغد .

فقال : ما عندك يا ثُمامة ؟

فقال: عندي ما قلتُ لك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أطلقوا ثُمامة .

فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله .

يا محمد ، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ .

والله ، ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك ، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ.

والله ، ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك ، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليّ .

تلك هي قصة الأسير ثُمامة بن أُ ثال ، الذي أدهشه ما لاقى من رفق وحسن معاملة ، فما كان منه ـ وهو من هو في بغضه وعدائه للإسلام وأهله ـ إلا أن أعلن إسلامه ، بشهادة امتلأت بها مشاعره ، فانطلقت من أعماقه ، لتدوي بها جنبات المدينة.

وثُمامة هذا من بني حنيفة ، يكنى أبا أمامة ، وكان سيد أهل اليمامة ، وقد لاقى أحسن معاملة لما وقع أسيراً في يد المسلمين :

-      فقد أنزلوه في أقدس بقعة وهي المسجد ؛ ليكون قريباً من النور والهدى ،

-  وأكرموه غاية الإكرام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إلى ثُمامة ، فجمعوا له .

-      وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بناقةٍ له أن يُغْدى بها ويراح على باب المسجد ؛ ليشرب من لبنها ثُمامة .

-  ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم لمقابلته ثلاثة أيام ، يكرر عليه فيها سؤالاً واحداً محدداً : ماذا عندك يا ثمُامة ؟ .

والمعنى : ما الذي استقر في ظنك أني فاعل بك؟

فيجيب ثُمامة : إني أظن خيرًا ؛ فأنت يا محمد لستَ ممن يظلم ، فإن تقتلني فبحقه فقد أصبتُ منكم دماً ، ولا عتب عليك في قتلي ، وإن تمنن عليّ وتطلق سراحي ، فقد عفوتَ عمن يحفظ جميلك ، ويشكر لك صنيعك ، وإن كنت تريد فدية ، فلك من المال ماتريد .

هذا جواب ثُمامة في اليوم الأول ، وكأنه رأى علامات الغضب على وجه النبي صلى الله عليه وسلم في اللقاء الأول ، فقدَّم أصعب الأمرين على نفسه ، والأشفى لصدر خصومه ، وهو القتل .

لكنه لما رأى أن القتل لم ينفذ فيه ، ظهرت ملامح الأمل على جوابه في اليوم الثاني حينما اقتصر على ذكر الإنعام فقط ، ولم يذكر القتل .

واختصر جوابه في اليوم الثالث كذلك ؛ تفويضاً منه إلى جميل خلقه صلى الله عليه وسلم ، وعظيم عفوه .

وبعد ثلاثة أيام يصدر الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بإطلاق سراح ثمامة !

وفي هذا دليل صريح على أن حسن معاملة الأسرى ، في نزُلهم ، وطعامهم وشرابهم ، والترفُّق بهم ، من الأخلاق السامية التي دعا إليها الإسلام .

وماذا بعد ؟ وماذا أحدث الرفق وحسن المعاملة بثمامة ؟

لقد أحدث انقلاباً كلياً في عقل ثمامة وقلبه ، تجاه الإسلام ، ونبي الإسلام ، وبلد الإسلام ، فباح بكلمات لم يضطره إليها أحد ، ولم يتلفّظ فيها تحت وطأة الأسر والقهر والخوف من القتل .

لنعلم أن الإحسان إلى الآخرين ، وإن لم يكونوا مسلمين ، والعفو عند المقدرة ، يزيل البغض من القلوب ، ويثبت فيها المحبة ويأسرها ، ويرغب الناس في هذا الدين .

ثم إن ملاطفة من يرجى إسلامه أو يتحقق من خلاله مصلحة للإسلام و المسلمين مطلوبة شرعاً، بدليل ما فعله رسول الله مع ثُمامة .

ومن جانب آخر: إن العربي الأصيل _ وإن لم يكن مسلماً _ يتحلى بخصال كريمة ، وصفات نبيلة، فهو لا يعرف النفاق والتزلُّف ، ولا يتعامل بمقولة : إن الغاية تبرر الوسيلة .

فهذا ثُمامة يعاني من الأسر ، ويرغب في الحرية ، ويطمع في العفو ، وكان بإمكانه أن يسلم _ ولو شكلاً _ وتنتهي معاناته ، لكن تلك الصفات والخصال تأبى منه ذلك.

وبعد ذلك يستأذن ثمامة رسول الله بالعمرة ، فيأذن له .

ويطير خبر إسلامه إلى مكة ، فما إن وصلها قال له قائل : صبوت ؟ ـ أي غيرت دينك ؟ـ فأجاب : لا والله ، ولكني أسلمت مع محمد رسول الله .

فانظر كيف أنه لم يعتبر عبادة الأوثان ديناً، ولم يعتبر انتقاله من الشرك إلى الإيمان ، انتقالاً من دين إلى دين ، فقال : لا والله ، إنما الدين هو الإسلام .

ثم قال لأهل مكة : لا والله لايأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم .

 وكانت تجارة قريش وميرتهم من اليمامة ، فتأثروا كثيراً وتضرروا بقرار المنع ، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : إنَّ عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم وتحضُّ عليها ، وإن ثُمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضرَّ بنا ، فإن رأيتَ أن تكتب إليه أن يخلِّي بيننا وبين ميرتنا ، فافعل .

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .

ولم تمض مدة طويلة حتى أسلم أهل اليمامة جميعهم ؛ استجابة لأمر سيدهم ثُمامة بن أُثال رضي الله تعالى عنه .

وبعد ، فما أحوجنا نحن اليوم إلى التعامل بثقافة الرفق ، وهي من قيم ديننا الحنيف ؛ لنجسدها واقعاً ملموساً ، وسلوكاً عاماً في حياتنا كلها.

فالرفق مطلوب من كل أحد وفي كل مكان ، مطلوب الحاكم تجاه الرعية ، ومن المدير تجاه الموظفين ، ومن الموظف تجاه المراجعين ، ومن الطبيب تجاه المرضى ، ...

جاء في الحديث : (( اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم فاشقق عليه ، ومن وَلِي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به )) رواه مسلم .

والرفق مطلوب بين أفراد الأسرة :

قال صلى الله عليه وسلم : (( يا عائشة ، ارفقي ؛ فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً دلَّهم على باب الرفق )) رواه أحمد .

والرفق مطلوب بالولد عند نصحه ، وبالطالب عند تعليمه :

قال صلى الله عليه وسلم : (( علِّموا ولا تُعنِّفوا ، فإن المعلِّم خير من المُعَنِّف )) رواه الطيالسي .

والرفق مطلوب بالمحتاج عند مساعدته ، وبالمستفتي عند جوابه :

قال سفيان الثوري رحمه الله : (( إنما العلم عند الرخصة عن ثقة ، أما التشديد فيحسنه كل أحد )) .

والرفق مطلوب بالعاصي عند تقديم النصيحة له ، وبالكافر عند دعوته :

يقول تعالى : { فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم ، ولو كُنْتَ فَظّاً غليظَ القلب لا نْفَضُّوا من حولِكَ } .

وأرسل الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وهو من قال : أنا ربكم الأعلى ، فقال لهما: { اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولاً ليّناً لعلّه يتذكر أو يخشى } .

والرفق مطلوب من كل أحد وفي كل الأمور ، وصدق الحبيب المصطفى القائل : (( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينـزع من شيء إلا شانه )) رواه مسلم .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx