King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

( ابن النَّفيس )

الطبيب الفقيه

 

عرف الناس في هذا العصر ـ وهو عصر التخصصات ـ تقسيم العلوم إلى : علوم دينية ، وعلوم دنيوية ، وربما قسمت العلوم الدنيوية في بعض البلاد إلى : أدبية ، وعلمية ، وجعلوا لكل قسم منها مساراً ؛ ليسلك الدارس أحد هذه المسارات .

وهذا التقسيم لا مانع منه ، وبخاصة في هذا العصر الذي اتّسعت فيه العلوم ، ودرست في كل علم دقائقه ، واستنبطت منه خفاياه .

ونحن ممن يؤيد الدراسة المتخصصة ، وبذل الوسع في علم واحد ؛ لنحصل على النتائج المرجوة من تلك الدراسة ، في زمن تعقّدت فيه الحياة ، وزادت المسئوليات ، وكثرت الأعباء .

لكن إن قصد بهذا التقسيم : التفريق بين العلوم ، وفصل علوم الدنيا عن علوم الدين ، بمعنى : لا حاجة لطالب الهندسة والطب وغيرهما إلى علوم الدين والشريعة ، فهذا مما لايوافق عليه مسلم .

 ولم يكن التفريق بين العلوم معروفاً عند علمائنا السابقين ، وكانوا يعدون كل علم ينور العقول ، ويعود بالنفع على الإنسانية ، سواء أكان هذا النفع دنيوياً أو أخروياً ، هو علم ديني ، مطلوب شرعاً ، حثّ الإسلام عليه ورغّب فيه .

وقد رمى الإسلام إلى أبعد من هذا ، فقد أثَّم الأمة بأكملها إذا هي قصَّرَتْ في طلب ما يكسبها الرفعة والتقدم والسؤدَد ، وهذا لا يتحقق إلا بالتسلُّح بشتى ضروب العلم وفروعه .

فالإسلام هو دين العلم ، وحسبنا أن أول آية من القرآن نزلت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم هي : { اقرأ بسم ربِّكَ الذي خلق } .

ولم يأمر الله سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالازدياد من شيء في هذه الحياة إلا من العلم ، فقال تعالى : { وقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماً } ؛ لأن العلم مفتاح المعرفة ، والسبيل الوحيد لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة .

لهذا ، فقد شارك علماؤنا المسلمون سابقاً في كل فن ، وبحثوا في كل علم ، وبلغوا في منازل المعرفة مراتب عالية ، لم يبلغ شأوها ـ بل لم يدانيها ـ أحد من أهل الأرض ، حتى صاروا مضرب الأمثال ، وصارت بلاد المسلمين وفي فترة قصيرة محطَّ رحالِ طلاب العلم من شتى أنحاء المعمورة .

ونحن اليوم أمام علم من أعلامنا ، الذين ساهموا في مجالات علمية متنوعة ، لنقف من خلال ترجمته على الدليل الواقعي على صحة ماذكرنا ، ولتكون أخبار هذا الإمام نبراساً يستضيء به كلُّ من يسعى لرفعة دينه ، وكرامة أمته .

 

فمن هو ( ابن النفيس ) ؟

هو أبو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحَزْم القَرْشي ـ نسبة إلى بلدة قَرْش : من بلاد ما وراء النهر ـ المولود في حدود سنة 610 هـ بدمشق ، والمتوفى في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة 687هـ بالقاهرة ، رحمه الله تعالى .

 

قالوا عنه :

ـ كان إماماً في علم الطب ، أوحد ، لايُضاهى في ذلك ولا يدانى ، استحضاراً ولا استنباطاً، وله في الطب التصانيف الفائقة ، والتواليف الرائقة . (الصَّفَدي)

ـ كان مشاركاً في فنون ، وأما في الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله ، قيل : ولا جاء بعد ابن سينا مثله ، قالوا : وكان في العلاج أعظم من ابن سينا . (السبكي)

ـ كان إمام وقته في فنه شرقاً وغرباً بلا مدافعة ، وأعجوبة دهره ، صنَّف في الفقه وأصوله ، وفي العربية ، والجَدَل ، والبيان . (الإسنوي)

ـ انتهت إليه معرفة الطب ، مع الذكاء المفرط ، والذهن الخارق ، والمشار إليه في الفقه والأصول والحديث والعربية والمنطق . (ابن العماد) .

 

شهادة أقرانه :

اجتمع ابن النفيس ليلة بالقاضي جمال الدين بن واصل ، فلما فرغا من صلاة العشاء شَرَعا في البحث والمناقشة ، وانتقلا من علم إلى علم ، والشيخ ابن النفيس في كل ذلك يبحث ويناقش بروح رياضية دون أدنى انزعاج ، وأما القاضي جمال الدين فإنه كان ينـزعج ، ويعلو صوته ، وتحمر عيناه ، وتنتفخ عروق رقبته ، فلما أسفر الصبح توقّفا ، وقال القاضي جمال الدين لابن النفيس : يا شيخ علاء الدين ، أما نحن فعندنا مسائل ونكت ـ إشارات ـ وقواعد ، وأما أنت فعندك خزائن علوم ! .

 

سعة علمه :

من خلال النقول المتقدمة يمكنني القول بأن (ابن النفيس) إمام أوحد ، وعالم فذّ ، لم يقيّد نفسه بجانب من جوانب العلم ، ولا بفن من فنونه ، ولم يرض ـ وهو ذو الدأب والاجتهاد والهمة العلية ـ بأن يكون آمناً على سواحل العلم ، بل خاض لُجَّته ، وغاص في أعماقه ، طالباً دُرَرَه ونفائسه ، فاتّسعت دائرة علومه ومعارفه ، وشارك في علوم متعددة ، وفنون متنوعة ، إلى جانب علم الطب الذي تخصص فيه ، حتى صار علَماً من أعلامه ، ورمزاً من رموزه ، وشهد القاصي والداني بأنه لم يكن على وجه الأرض مثل ابن النفيس ، ولا جاء بعد ابن سينا مثله ! .

 

جهوده في علم الطب

يعدُّ ( ابن النفيس ) من أعظم الأطباء الذين ظهروا على امتداد تاريخ الطب العربي الإسلامي ، مثل أبي بكر الرازي ، وابن سينا ، والزهراوي .

وقد سجّل أعظم سَبْق علمي في هذا المجال باكتشافه الدورة الدموية الرئوية ((الدورة الصغرى)) ، وبذلك يكون قد سبق العالم الإنكليزي (وليم هارفي) إلى هذا بعدة قرون .

كما صنَّف كتاباً عظيماً في الطب سماه : (( الشامل )) كتب منه ثمانين مجلّدة ، قال المؤرخون: ولو تم لجاء في ثلاث مئة مجلّدة !! ، وقد خرج إلى النور أول أجزاء هذه الموسوعة بتحقيق الدكتور يوسف زيدان سنة 1422هـ الموافق 2001م .

وصنَّف أيضاً : (( المهذَّب في الكُحْل المجرَّب )) وهو مطبوع ، و (( بغية الطالبين وحجة المتطبِّبين )) ، و (( بغية الفطن من علم البدن )) ، وشرح مقدمة المعرفة ، وشرح الفصول ، كلاهما لأبقراط ، والأخير منهما مطبوع ، وشرح الهداية ، و (الموجز في الطب) وقد نشر عدة مرات ، وله غيرها من التصانيف الهامة .

 

مشاركاته في العلوم الأخرى :

لم يمنع ( ابنَ النفيس ) اهتمامُه الكبير وتخصُّصه المتميز في علم الطب ، من المشاركة في علوم أخرى متنوعة ، فقد ذكرت لنا كتب التراجم أنه تولى تدريس الفقه بالمدرسة المسرورية بالقاهرة .

وصنَّف شرحاً على (( التنبيه )) لأبي إسحاق الشيرازي ، وهو كتاب في الفقه الشافعي .

وصنَّف ( المختصر في أصول علم الحديث ) وقد نشر بتحقيق يوسف زيدان .

كما صنَّف في أصول الفقه ، والحديث ، والعربية ، وعلم البيان ، والمنطق .

ومن تصانيفه : (( رقائق الحلل في دقائق الحيل )) ، و (( الرسالة الكاملية في السيرة النبوية)) و (( طريق الفصاحة )) ، وغيرها .

ومما ينبغي التنبه له : أنه لا يمكن لإنسان أن يصل إلى مرتبة التدريس والتصنيف في علم من العلوم إلا بعد ممارسة طويلة لذلك العلم تجعله متمكناً فيه ، أما المشاركة البسيطة فلا تؤهله لذلك، وهذا يدل دلالة واضحة على أن مشاركات ابن النفيس في أنواع العلوم لم تكن بسيطة ، وإنما بدراسة وبحث عميقين .

 

كيف بلغ ( ابن النفيس ) هذه المنـزلة العلمية الرفيعة ؟

توافرت في ( ابن النفيس ) عدة عوامل مجتمعة ، أمكنته من تحقيق هذه المنـزلة العلمية التي لم يدانيها ـ فضلاً عن أن يبلغها ـ أحد ممن جاء بعده ، ومن أهم هذه العوامل :

 

1- التقوى :

نُسِب إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هذين البيتين :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي                  فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخـــبرني بأن العلم نور                    ونور الله لايهدى لعاصي

وقد تحقّق ( ابن النفيس ) بالتقوى واجتناب المعاصي والآثام طيلة حياته ، واستمر على ذلك حتى وفاته ، فقد ذكرت لنا المصادر أن بعض أصدقائه الأطباء وصف له في عِلَّته التي توفي فيها بأن يتناول شيئاً من الخمر ؛ إذ كانت علَّتُه تناسب أن يتداوى بها ـ على ما زعموا ـ فأبى أن يتناول شيئاً من ذلك ، وقال : لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر .

فانظر إلى تقوى الله تعالى التي لازمت ابن النفيس طول حياته ، حتى في ساعات العسر والشدة ، فكانت سبباً في تبوئه أعلى المنازل في العلم والفضل ، قال سبحانه : { واتَّقوا الله ، ويُعَلِّمكُم الله } .

 

2- المحافظة على الوقت :

ضرب ( ابن النفيس ) أروع الأمثلة في المحافظة على الوقت ، واستثمار كل لحظات عمره في  العلم ، فكان إذا أراد التصنيف وضعت له الأقلام مبرية ، وأدار وجهه على الجدار ، فإذا حَفِي القلم رمى به لِيُبرى له ، وتناول غيره ، وذلك لئلا يضيع عليه من الوقت شيء .

وكان يُصنِّف إملاء من خاطره ، فيكتب مثل السيل إذا انحدر .

 

3- الحرص على العلم :

بلغ من حرص ( ابن النفيس ) على العلم وتعلقه به أن سجَّل بعض مباحثه الطبية أثناء استحمامه !

فقد دخل مرة إلى الحمّام ، ولما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام ـ موضع خلع الملابس ـ واستدعى دواة وقلماً وورقاً ، وأخذ في تصنيف مقالة له في (النَّبْض) إلى أن أنهاها ، ثم عاد ودخل الحمام ، وأكمل تغسيله .

وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلاً ولا نهاراً ، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء ، وأكابر الأطباء .

 

4- التواضع :

كان ( ابن النفيس ) مع هذا العلم الغزير ، والمكانة العلمية العلية ، متواضعاً أشد التواضع مع طلبته والمفيدين منه ، وكان يصف نفسه في إجازاته للمتخرجين به باسم (المتطبِّب) ، وهو الإمام الذي لايضاهى في الطب .

وفي كتاب (( الأعلام )) للزِّرِكْلِي عند ترجمته ـ 4 / 271 ـ صورة من إجازته لأحد تلامذته ، يقول فيها : (( كتبه الفقير إلى الله تعالى علي بن أبي الحزم القَرْشي المتطبب ، حامداً لله على نعمه ، ومصلياً على خير أنبيائه محمد وآله ومسلماً ... )) .

وقدَّم الطبيب محيي الدين التطاوي أطروحة علمية بعنوان : (( الدموية الرئوية وفقاً للقَرْشي )) ، ونال بها درجة الدكتوراه من جامعة فرايبورج بألمانيا ، عام 1343هـ الموافق 1924م .

إن كتابة طابعها الاختصار كهذه المقالة لا تفي بحق إمام كبير كابن النفيس ، ولعل فيما ذكرته كمحطات سريعة في حياة هذا الإمام شحذاً للهمم ، لترتقي إلى القمم ، وليسير علماؤنا وطلابنا على خطى أسلافهم .

يرحمك الله يابن النفيس رحمة واسعة ، كم تركت لنا سيرتك العطرة من دروس ، وكم حملت من مفاهيم نحن في أمَسِّ الحاجة إلى تصحيحها في واقعنا المعاصر . 

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx