King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


لا تَعْجِزْ

استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من العجز ، فكان من دعائه : (( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ... )) الحديث ، أخرجه الشيخان عن أنس .

ونهى صلى الله عليه وسلم عن العجز في حديث آخر جاء فيه : (( احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تَعْجِزْ )) أخرجه مسلم عن أبي هريرة .

فما هو العجز ؟

إن العجز داء يصيب الإنسان فيجعله مشوشاً في فكره ، مضطرباً في أسلوبه ، ضبابياً في أهدافه .

قد يقول قائل : أنا قادر ، أنا لست بعاجز ، لكن مظاهر العجز بادية عليه :

فهو غير واثق برأيه واختياره ، متردّد في اتخاذ القرار ، مقصّر في أداء الواجبات ، متقاعس عن تحقيق الطموحات ، لا يستخدم المواهب التي منحه الله إياها ، وما أكثرها ! ويترك العمل وهو قادر عليه ويكتفي بالأماني ، ويضيّع الأوقات ، ومع هذا كله تراه يحلم بمعالي الأمور ولا يرضى بالدون ، وإذا فشل حمّل مسئولية فشله للآخرين .

هو كبير في الحجم ، لكنه طفل في التفكير والأحلام ، يتشاغل بسفاسف الأمور ، ويفني عمره فيما لا طائل وراءه .

هو خوّاف وليس بمقدام ، فضلاً عن أن يكون مغامراً ، يخاف من الفشل فيؤثر عدم العمل ، وإذا أراد القيام إلى أمر قدّم رجلاً وأخّر أخرى ، يفسّر الأمور بغير حقيقتها ، فالتردّد عنده : أناة ، والخوف : حلم وصبر ، والتقاعس : إيمان بالقدر ، والإهمال وترك العمل : توكل على الله ، وهكذا ... وما هو – والله – إلا مظاهر العجز الذي استحكم فيه ، وتغلّب عليه .

إن العجز - ياسادة - داء في القلب أو في النفس ، لا يقال للعاجز : إنك مريض نفسي ، وننصحك بمراجعة العيادات النفسية ، فالأمر أهون من ذلك .

إن العجز خلل نفسي ، يصاب به بعض الناس ، وله أسبابه وطرق علاجه ، وقبل بيان هذا لابد من معرفة بعض أنواعه المتعددة .

فتارة يكون العجز إيمانياً : ويكون الشخص معه مقصراً في أداء العبادات ، غير مبادر إلى فعل الطاعات ، إذا ذُكِّر بالعبادة قال : حتى يهديني الله ، وإذا تحسّنَتْ حاله قليلاً رضي أن يكون حظُّه من العبادة أداء الفرائض فحسب ؛ لئلا يستحق عقوبة الله ، أما الاجتهاد في باب النوافل والتطوع فهو أبعد الناس عنه ، ويجهل أو يتجاهل أن النوافل سبب محبة الله له والقرب منه ، فقد جاء في الحديث القدسي : (( وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّه ... )) الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة .

وتارة يكون العجز ثقافياً : ويكون الشخص معه مقصراً في جانب العلم والمعرفة ، فلا يحصل علماً في مراحل دراسته ، فضلاً عن أن يطلبه في مظانه الأخرى ، ويرضى أن يتخرج وينجح ولو بأقل تقدير ؛ ليحصّل شهادة ، ومن ثم وظيفة .

هو ليس من أهل الهمم العالية ، هو لا يقرأ ولا ينظر إلا في المقررات الدراسية وبقدر الحاجة ، هو لايحب المطالعة في كتب العلم ، ولا يحب قراءة أخبار العلماء ، ويتباهى بذلك ، مع أنه يعلم ما للقراءة من فوائد في توسيع المدارك ، وتنمية الثقافة ، وصقل الموهبة .

هو لا يقرأ القرآن الكريم إلا قليلاً نادراً ، ولا يحفظ إلا قصار السور لقراءتها في الصلاة ، وليس له أدنى عناية بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فلم يقرأ الحديث والسيرة ، ولا تاريخ الخلفاء ، ولا أخبار عظماء هذه الأمة وصالحيها ، مع العلم بأن تاريخهم هو الصورة الحقيقة التي جسّدت الإسلام واقعاً .

وتارة يكون العجز نفسياً : ويكون الشخص معه لا يمتلك القدرة على الخلطة والمشاركة ، يحب العزلة والانطواء ، ولا يثق بتصرفاته ، فتراه خائفاً من الخطأ أمام الناس لئلا يغمزوه ويلمزوه ، ولا يثق بالآخرين ، فعلاقته بهم قائمة على سوء الظن ، أو الخوف منهم ، وتراه دائماً مشغول البال بأوهام ملأت رأسه وقلبه : ماذا يقولون عني ؟ وكيف ينظرون إليّ ؟ وكيف يفسّرون تصرفاتي ؟ وكيف يفهمون قولي ؟ وهذه عاهة يجب على المسلم أن يتغلّب عليها ، ويتخلّص منها .

أسباب العجز :

إن العجز بأنواعه كلها يرجع إلى أسباب ، إذا وجد واحد منها وجد العجز ، سنتعرّف عليها ؛ لنحذرها ، ونحاربها حتى تزول من حياتنا ، فبزوال السبب يزول المسبَّب كما هو معلوم ، ومن تلك الأسباب :

1- الضعف : سواء أكان ضعفاً نفسياً ، أو ثقافياً ، أو دينياً ، هو سبب لظهور الإنسان بمظهر العاجز الذي لا يملك حيلة ولا يهتدي سبيلاً .

فالضعيف هو الذي لا يفكر بما ينفعه ليفعله ، وبما يضره ليجتنبه .

والضعيف هو الذي لا يسعى إلى ما يعود عليه بالخير والمصلحة .

والضعيف هو الذي لا يكلف نفسه جهداً ، ولا جسده عملاً .

والضعيف هو الذي يرضى من دنياه وآخرته بالدون والأقل .

اسمع قول الله تعالى : { وضرب الله مثلاً رجلين ، أحدهما : أبكم ، لا يقدر على شيء ، وهو كَلٌّ على مولاه ، أينما يُوجِّهْهُ لا يأت بخير . هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم } النحل 76 .

فالرجل الأول : عاجز ، اجتمعت فيه أربع صفات :

فهو أخرس أبله ، لا يفهم ، ولا يملك القدرة على التعبير عما في نفسه .

وهو أيضاً { لا يقدر على شيء } : لا يقدر على فعل شيء نافع ، ولا دفع أمر ضار .

{ وهو كَلٌّ على مولاه } : عالة على أهله ومجتمعه ، عبء على وطنه ، مستهلك غير فاعل ولا منجز ، يعرف ماله من حقوق ، ولا يعرف ما عليه من واجبات .

{ أينما يوجِّهْهُ لا يأتِ بخير } : فلا يجلب لنفسه ولا لمن حوله نفعاً .

والرجل الثاني : قوي غير عاجز :

فهو يأمر بالعدل : ولا يتأهّل الإنسان للأمر بالعدل والنصيحة إلا إذا تسلّح بالعلم ، ومن تصدّى لهذه المهمة الكبيرة كان فاعلاً ومبادراً ومؤثراً ، فهو لم يقتصر على إقامة العدل ، بل دعا إليه وأمر به .

{ وهو على صراط مستقيم } : ومن كان على الصراط المستقيم كان هدفه معلوماً ، ونهاية دربه واضحة ، وطريقه أقصر الطرق للوصول إلى الهدف ، فالخط المستقيم أقصر طريق بين نقطتين ، وفي عالم الاقتصاد : تحقيق أعلى الأرباح بأقل التكاليف .

2- الكسل : وهو سبب خطير من أسباب العجز ، ومنشؤه : الترف الزائد في الدنيا ، فالمال وفير ، والكماليات متحقَّقة ، والمراكب فارهة ، والمنازل فاخرة ، والوسائل والتقنيات متوفرة ، وكل ما يتمناه من متع الدنيا يدركه .

فإذا نظر هذا حوله ، ورأى أن الدنيا طوع بنانه ، ورهن إشارته ، وكل ما يبغيه يصل إليه ، تقاعس عن العمل ، فأورث قلبه العجز والكسل .

3- اليأس : ويأتي بعد إخفاق : في تحقيق هدف ، أو تنفيذ قرار ، أو بلوغ غاية ، فيقول لنفسه : هذا نتيجة العمل ، فعلام العمل ؟ وهذا نتيجة الدراسة والسهر ، فعلام الدراسة والتعب ؟ وهذا نتيجة السعي ، فمن أجل ماذا أعمل ؟

فيئول حاله إلى ترك السعي والعمل والدراسة ، ويظهر عاجزاً قانطاً ، متبلِّد الأحاسيس ، لا يستطيع حيلة ، ولا يبالي بأي نتيجة .

لقد فقد الأمل ، وترك العمل ، واستسلم للوهم ، إنه سجن نفسه ، ولم يسجنه أحد ، بل قتل نفسه ، ولم يقتله أحد .

لقد غفل عن أن المحاولات – وإن فشلت – تكسبه خبرة ودربة في الحياة ، فينبغي أن تزيده إصراراً وتأكيداً حتى بلوغ الغاية والهدف ، وليعلم أن الفرج بعد الشدة ، وأن مع العسر يسراً .

4- الخوف والتردُّد : فالعاجز لا يقوى على التفكير السوي ، وإذا أراد أن يعمل تردّد كثيراً ، وخاف من اتخاذ القرار ، إلا قرار الانهزام والاستسلام .

لكن عليه أن يعلم أن الخوف والتردّد يعني عدم التوكل على الله ، قال تعالى : { فإذا عزَمْتَ فتوكَّل على الله } .

والذي يقضي على التردُّد والخوف أمران : الاستخارة الشرعية ، وقد جاء في دعائها : (( اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فيسِّره لي واقْدُرْه لي ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقْدُر لي الخير حيث كان ، ثم رضِّني به )) .

ثم الاستشارة لأهل الصلاح والرأي والخبرة ، والمستشار مؤتمن .

5- وربما كان سبب العجز تواضعاً متوهَّماً ، أو قناعة زائفة .

فإذا قلت لهذا : لماذا لم تعمل ؟ لم لم تبادر ؟ فيقول : أنا لست أهلاً لذاك ، أنا لست مثل فلان وفلان ، وقد ابتلي بهذا بعض طلاب العلم والصالحين ، ظناً منهم بأن هذا بابه التواضع والزهادة ، وما علموا أنه باب لمداراة الكسل والعجز .

ما هو العلاج ؟

إن العلاج من العجز يحتاج إلى نية صادقة ، وعزيمة أكيدة ، وصبر ومصابرة ، ومن أهم الأمور التي ينبغي التركيز عليها في العلاج :

1- التخلُّق بالأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها ديننا ، ومن أهمها هنا : الهمة العالية ، والقوة في الحق ، والصبر والمصابرة والإصرار في سبيل تحقيق الأهداف ، وغير ذلك من الصفات الكريمة التي تخرج الإنسان من تفريطه وعجزه .

2- اتخاذ القدوة الصحيحة ، والتأسي بأصحاب الهمم العلية ، والتشبُّه بهم ، وفي مقدمتهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار ، وأهل العزائم في كل زمان ومكان .

3- العزيمة والإصرار على مواجهة العجز والقضاء عليه ، فإذا ما اعتراك العجز يوماً من الأيام ، وهدّد مسيرة حياتك ، فاستعن عليه - بعد الله تعالى - بالصبر على الشدائد ، وتجاوز العقبات ، والعزيمة والإصرار ، حتى تبلغ الغاية وتحقق الهدف .

4- عليك بتحديد أهدافك ، وتحديد جدول زمني لتحقيقها ، ثم العمل للوصول إليها ضمن خطوات مدروسة ، فإنك إن فعلت هذا خلَّفت العجز وراءك ، وتقدَّمت نحو تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx