King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


من حقوق الطفل في الإسلام

تتعالى اليوم صيحات المنظمات والهيئات العالمية التي تهتم بالأطفال وترعى حقوقهم مطالبة بتوفير الحماية والرعاية لهم ، وإعطائهم الحقوق التي أقرّتها لهم تلك المنظمات والهيئات .

ولا غرابة في كون بعض ما أسموه حقاً للطفل لا يتلاءم مع الفطرة التي خلق الله الطفل عليها ، ولا يتوافق مع التشريعات الإلهية ، كما لا غرابة في تمسُّك أصحاب تلك المقالات بمقالاتهم ، ودفاعهم عنها .

لكن الغرابة من مسلم ينتمي لهذا الدين العظيم ، ثم هو يجهل أو يتجاهل الحقوق التي ضمنها الإسلام للأطفال ، والتي تمتاز بالكمال والشمولية ، وتتلاءم مع الفطرة والطبيعة ، ولا اعتداء من خلالها على حقوق الآخرين .

هذا الدين العظيم بمنهجه ، السامي بتعاليمه ، الشامل الكامل ، قد تناول الطفل حقوقاً وواجبات ، وسبق هذه الهيئات والمنظمات .

فهو قبل أربعة عشر قرناً يقدم منهجاً كاملاً يشمل الإنسان والكون والحياة ، ويتناول الإنسان ذكراً كان أو أنثى في جميع شئونه ومراحل عمره ، بما في ذلك حقوقه وهو طفل ، ابتداء بحقه في الوجود وعدم جواز اعتداء الأم عليه بإجهاض ، وانتهاء بأبسط الحقوق الأدبية والاجتماعية ، من خلال تعاليم هذا الكتاب الكريم الذي قال الله تعالى فيه : { ما فرَّطْنا في الكتاب من شيء } ، وهدي النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، الذي جسّد تعاليم الكتاب واقعاً عملياً من خلاله أقواله وأفعاله وسائر تفاصيل حياته .

هذا في الوقت الذي كانت تعج فيه أوربا بالمخالفات والانتهاكات : فلا حقوق للإنسان أصلاً ، ناهيك عن حق امرأة أو حق طفل .

ومن حقوق الأطفال في الإسلام : تنمية الثقة في نفوسهم .

أرشد إلى هذا الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال اهتمامه بالأطفال ، وسلامه عليهم ، وتكليفهم ببعض المهام ، وتأمينهم على بعض الأسرار ، إلى غير ذلك من الأمور التي يطول ذكرها ، فضلاً عن سرد نصوصها ، والتعليق عليها .

وسأذكر حادثة واحدة جرت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكيف أرشد الرسول المعلم عليه صلوات ربي وسلامه إلى هذا الحق فيها .

روى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال : أُتِي النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه ، وعن يمينه غلام أصغر القوم ، والأشياخ عن يساره . فقال : (( يا غلام ، أتأذن لي أن أُعطيه الأشياخ ؟ )) قال : ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحداً يا رسول الله . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه .

حقاً إنه لموقف رائع يتحدث عن نفسه بكل عبارات العظمة لهذه التعاليم القولية والعملية السامية ، التي تزرع الثقة في نفوس أولئك الصغار ، وتؤهلهم في المستقبل ليكونوا كباراً حقيقة ، قادرين على تحمل المسئوليات ، وحل المعضلات ، وتملأ قلوبهم حباً لدين الإسلام ونبي الإسلام .

وقد اشتمل هذا الموقف على جملة إشارات وإرشادات تزرع الثقة في نفس هذا الطفل ، وتقوي شخصيته ، وتعوده على المشاركة ، ومنها :

1- جلوس الطفل في مجلس الكبار :

وأي كبار ؟ فقد اشتمل هذا المجلس كما تدل الروايات الأخرى على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وغيرهما من الكبار ، ومن قبلهم جميعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعبارة يسيرة : المجلس الأعلى في دولة الإسلام الأولى ، ويسمح لهذا الطفل بالجلوس في ذاك المجلس ،  لا في طرفه ، ولا في الصفوف الخلفية ، وإنما في صدره وعن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأي اعتبار لمكانة الإنسان ولو كان صغيراً في ظل تعاليم الإسلام ؟! ، وأي ثقة ستكون في نفس هذا الطفل ؟! وأي شخصية ستكون شخصيته ؟!

ثم أين نحن من هذا ؟ ، فقد خلت مجالس الكبار في هذه الأيام من الصغار إلا نادراً ، فالكبير لا يشجع الصغير على حضور تلك المجالس ، وإن حضر جلس في زاوية لا يؤبه بالجالس فيها ، ولا يفسح المجال له بمشاركة أو مساهمة ، بل سادت بعض المفاهيم الخاطئة ، كأن لا يتكلم الصغير في حضور الكبار ، وأن للكبار مجالسهم وللصغار مجالسهم ، وغير ذلك من الأمور البعيدة عن روح الإسلام ، ولن تسهم في تربية الصغار ولا تعليمهم ، ولا اكتشاف قدراتهم وصقل مواهبهم ، إلى جانب ما يفوتهم من علم الكبار ومعارفهم وخبراتهم المتنوعة .

2- استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم منه :

المستأذن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمستأذن منه : غلام ! وملخص الإذن : أن يسمح هذا الغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإعطاء قدح اللبن للأشياخ الكبار أولاً .

وأي موقف أعظم من هذا الموقف في تنمية الثقة في نفس هذا الغلام ، إنه الموقف الذي لا ينساه الطفل وهو في هذه المرحلة المبكرة من العمر ، أن يعترف له كبير القوم بالحق ، وأن يستأذنه في هذا الحق ؟!

وكم هي التجاوزات لحقوق صغارنا في مجالسنا هذه الأيام ؟ ومن منا يستأذنهم إذا أراد أن يتجاوز حقاً لهم ؟!  وهذا كله يؤثر سلباً على نفوس أولئك الصغار ، حتى إنهم ما عادوا يعبؤون بمجالس الكبار ولا يحرصون عليها .

3- رفض الغلام لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكامل اللطف والأدب ، وتعليل الرفض بالمحبة :

(( يا غلام ، أتأذن لي أن أُعطيه الأشياخ ؟ )) .

قال الغلام : ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحداً يا رسول الله .

ولا أبلغ من كلماته صلى الله عليه وسلم في تربية هذا الغلام على أن له شأناً واعتباراً .

كما لا يخفى أن جواب هذا الغلام دليل واضح على ثقته بنفسه ، وعلى أنه قد تربّى على الصدق والصراحة من خلال الرفض للطلب ، وعلى اللطف والأدب من خلال تعليله الرفض بالحرص على سؤر النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا مما لا يقدّم به أحداً على نفسه .

فأين نحن من هذه التربية الإسلامية الراقية ؟! إن كثيراً من كبارنا اليوم لا تتسع صدورهم لقول ( لا ) من الصغير ، وإن كثيراً من الصغار اليوم لم يتربَّوا على الصراحة ، فتراهم لا يحسنون جواباً ، ومن ملك الصراحة منهم لم يملك الأدب الذي ينبغي من خلاله أن يعامل به الكبار .

4- إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الغلام القدح ، وفعله صلى الله عليه وسلم هذا أبلغ بكثير من القول .

وبعد ، فهذه جملة أمور استفدناها من حديث واحد في مجال تنمية الثقة عند الطفل ، ومراعاة هذا الأمر كحق من حقوقه ، حري بأهل الإيمان أن يطبقوه في حياتهم العملية ، فقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه ، وصدق الله العظيم القائل لنبيه الكريم : { وإنك لعلى خلق عظيم } ، والقائل لنا : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx