King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


الدعاء

نعيش حياة تملؤها المتاعب ، وتغمُرها الهموم ، وتكدرها الأحزان : فالمصاعب في طريق الأماني ، والمصائب مفاجآت على الطريق ، والهموم والأحزان في الإخفاقات والنتائج السيئة .

وصدق الله خير القائلين : { لقد خلقنا الإنسانَ في كَبَد } البلد 4.

فالفرح والحزن ، والراحة والنّصَب ، والصحة والمرض ، والغنى والفقر ، وكل ما يعتري الإنسان في هذه الحياة ، كل ذلك لا دوام له .

وفي هذه الحياة يعقب الفرحَ حزن ، والراحةَ ألم ، والأمنَ خوف ، والصحةَ مرض ، والسعةَ ضيق ، والغنى فقر .

وإذا صفَتْ لك الحياة حيناً تكدّرت في حين آخر ، وإذا حلَتْ في وقت أوحلت في وقت آخر ، وإذا علَتْ بالإنسان في زمن هوَتْ به في زمن آخر .

الدهر يومان : ذا أمنٌ ، وذا خطرُ      والعيشُ عيشان : ذا صفوٌ ، وذا كدَرُ

فأما غير المؤمن : فتراه عند السَّعة والصحة ورغد العيش يفرح فرحاً يوصله إلى البطر ، وعند المرض والحاجة والفاقة وشغف العيش يجزع ويتضجِّر .

وأما المؤمن : فيعيش حياة متوازنة ، فهو يدرك أنه يعيش بقدر الله تعالى ، فلا الرخاء يبطره ، ولا الشدة تضجره ، وإنما يكون حامداً شاكراً عند الرخاء وتوافر النعم ، صابراً محتسباً عند البلاء والشدة ، يفزع إلى الدعاء في كل أحواله .

يفزع إلى الدعاء وهو يتقلَّب في النعم شاكراً لمولاه المنعم ، وسائلاً أن لا تكون هذه النعم ملهية أو مطغية أو استدراجاً ، كما يفزع إلى الدعاء في الأزمات والمدلهمّات ، سائلاً مولاه كل خير ، ومستعيذاً به من كل شر ، فهو في كلا الحالين على صلة بربه بدعائه وسؤاله .

إن حاجة الإنسان إلى ربِّه دائمة مستمرة ، فالإنسان عجز وضعف وحاجة وفاقة ، لولا أن يتداركه الله تعالى برحمته ، ويكرمه بنعمه .

روى البخاري في ( الأدب المفرد ) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الله تبارك وتعالى قال : (( يا عبادي إني قد حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تَظّالموا ، يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفِرْ لكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، كلُّكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أَكْسُكم ، ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى عبدٍ منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً ، ولو كانوا على أفجر قلب رجل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً ، ولو اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلَّ إنسان منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أجعلها عليكم ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسَه )) .

والله سبحانه تعالى سميع قريب ، يجيب الداعين ، ويعطي السائلين :

روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا ر سول الله  ، أقريب ربُّنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ، أُجِيبُ دعوة الداعِ إذا دعان ، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } البقرة 186 .

إن سؤال الله تعالى ودعاءه في كل الظروف والأحوال عبادة من أعظم العبادات ، فحذار أخي المؤمن أن تقصر في هذه العبادة بأي نوع من أنواع التقصير ، وأعظم تقصير أن تدعو سواه وهو ربُّك وخالقك ، فقد جاء في وصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما : (( إذا سألتَ فاسأل الله )) .

وقد جاء الوعيد في القرآن لمن استكبر على هذه العبادة وهجرها ، فقال جلَّ وعلا : { وقال ربُّكم ادعوني أستَجِبْ لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } غافر 60 .

 ومن كرامة الله تعالى للعباد أن أعطاهم الدعاء ، فما على العبد إلا أن يسأل ، وما على الله سبحانه إلا أن يجيب تفضلاً منه وتكرُّماً .

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو حديث قدسي - : (( يا بن آدم ثلاث : واحدة لي ،  وواحدة لك ، وواحدة بيني وبينك ، أما التي لي : تعبدني لا تشرك بي شيئاً ، وأما التي لك : فما عملتَ من عملٍ جزيْتُك به ، فإن أغفر فأنا الغفور الرحيم ، وأما التي بيني وبينك : فمنك الدعاء والمسألة ، وعليَّ الاستجابة والإعطاء )) رواه الطبراني 6/253 .

وللدعاء شروط وآداب ينبغي أن يتحقَّق بها الداعي ليكون قريباً من الإجابة ، ومن أهمها :

1- عدم الاعتداء في الدعاء ، وذلك بطلب إثم ، أو قطيعة رحم ، أو سؤال منازل الأنبياء عليهم السلام ، أو يسأل لنفسه أو لغيره شراً .

2- إظهار الفقر والحاجة والذلة إلى الله تعالى وحده .

3- صدق النية ، واستحضار القلب حال الدعاء .

4- العزم في الدعاء ، فلا يقل : اللهم اغفر لي إن شئت .

5- المداومة على الدعاء والإكثار منه ، والإلحاح في الطلب ، فإن الفقراء في السؤال ، فقراء عند الإجابة .

6- أكل الحلال والتحري فيه ، فإن أكل الحرام والمشبوه يمنع الإجابة .

والدعاء من العبادات التي يؤديها الإنسان على كل حال : قائماً ، أو قاعداً ، أو مضطجعاً ، ولا يشترط لها الطهارة : فيؤديها الطاهر والجنب والحائض .

والدعاء مستحب في كل وقت إلا أنه في بعض الأوقات أكثر استحباباً ، كوقت السحر ، وساعة إفطار الصائم ، وبين الأذان والإقامة ، وفي السجود ، ويوم الجمعة ، وليلة القدر ، ووقت التقاء الصفين في سبيل الله تعالى ، ووقت الكرب والشدَّة والمرض والسفر والمطر ، وغير ذلك .

كما يستحب الدعاء في كل مكان ، إلا أنه في بعض الأماكن أكثر استحباباً ، كالمسجد الحرام ، وعند النظر إلى الكعبة ، وفي موقف عرفة ، وغيرها .

ومن فضل الله تعالى علينا : أن جعل الوالدين – وهما أرحم الناس بولديهما – من مجابي الدعوة ، فلا يدعوان غالباً إلا بكل ما فيه خير ورحمة للولد .

ومن مجابي الدعوة أيضاً : المظلوم ، والصائم ، والمسافر ، ودعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب .

وقد وعد الله تبارك وتعالى بإجابة من سأله ودعاه ، فقال سبحانه : { وقال ربُّكم ادعوني أستَجِبْ لكم } . بيد أن الإجابة إذا أبطأت عليك فاعلم أن ذلك لعذر منك وخلل طرأ عليك ، وقد حدّد الإمام القدوة إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى – ت 162 -أسباب إبطاء الإجابة حينما سئل : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟!

فأجاب بقوله : لأن قلوبكم ميتة بعشرة أشياء :

عرفتم الله فلم تطيعوه ، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها ، وقلتم : إن الجنة حق ولم تعملوا لها، وقلتم : إن النار حق ولم تفروا منها ، وقلتم : إن الموت حق ولم تستعدوا له ، وقلتم : إن الشيطان عدوكم ووافقتموه ، ودفنتم موتاكم فلم تعتبروا ، واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx