King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

من روائع حضارتنا

البريد في الإسلام

 

البريد يطلق قديماً على الدابة التي كانت تحمل الرسائل من منطقة إلى أخرى ، قال الشاعر :

   إني أنص العيس حتى كأنني                      عليها بأجواز الفلاة بريدا

ويطلق أيضاً على الرسول الذي يحمل الرسائل ، وفي الحديث : (( إني لا أخيس بالعهد ، ولا أحبس البُرْد )) أي : لا أحبس الرسل الواردين علي .

قال الزمخشري : البُرْد جمع بريد ، وهو الرسول .

وفي حديث آخر : (( إذا أبردتم إليَّ بريداً ... )) أي : أنفذتم رسولاً .

ويطلق البريد أيضاً على المسافة بين كل محطة وأخرى من محطات البريد .

ولا يضيرنا القول بأن أول من عرف البريد الفرس ، وأن المسلمين أفادوا مبادئ هذا النظام منهم ، ذلك لأن إفادة المسلمين لم تكن من باب التقليد المحض ، والجمود عند ما أخذوه والوقوف عاجزين عند النقطة الأخيرة التي وصلت إليهم ، بل أدخلوا على هذا النظام كثيراً من التعديلات والإصلاحات بما يتلاءم والحاجات المتكررة المختلفة للدولة الإسلامية .

 

تطور البريد الإسلامي :

قديماً قالوا : الحاجة أم الاختراع ، ومن الطبيعي أن من سبقنا لم تكن حاجته مثل حاجتنا ، ولذلك فقد طور المسلمون الأوائل نظام البريد، وكانوا كلما رأوا قصور الوسائل القديمة في هذا النظام ، وشعروا بالحاجة إلى تطويرها ، أعملوا أفكارهم ، وتدبروا أمرهم ، فأضافوا إليها الحديث ؛ ليحلوا مشاكلهم الجديدة .

فأول مااستعمل المسلمون لنقل البريد : الإبل ، ثم البغال ، ثم الخيول لسرعتها .

وقد استطاعوا تلبية حاجاتهم من البريد ، حتى وصل الأمر في العهد العباسي إلى تنظيم خطوط البريد في أنحاء الدولة الإسلامية ، وتجهيزها بالخيول الممتازة المخصصة لهذا الغرض ، فكانت الرسالة تنطلق كالسهم من العاصمة بغداد إلى بلدة على حدود الصين دون توقف في الطريق ، وبسرعة فائقة  وحساب دقيق لليوم والساعة التي تصل فيها .

ورغم هذه السرعة إلا أن الحاجة اقتضت التفكير ببدائل أسرع ، وخاصة فيما يتعلق بأخبار الدولة السرية والخطيرة ، كتحرك عدو تجاه بلاد المسلمين ، مما يستوجب انتباهاً وحذراً واستعداداً مبكراً .

فرأيناهم يستخدمون طائراً أودع الله فيه خصائص باهرة في سرعته ، وفي رجوعه إلى موطنه الذي خرج منه ولو بعد ألوف الأميال ، وهذا مايعرف بالحمام الزاجل .

ثم ترقى الحال ، فأنشئت المحطات التي يرد عليها هذا الحمام في أثناء قيامه بمهمته ، وذلك من أجل أن يرتاح ويأكل ويشرب ، ثم يواصل طيرانه السريع إلى المحطة الأخرى ، وهكذا حتى يصل إلى غايته .

ولما دعت الضرورة سرعة أكثر في إيصال الأخبار ، كضرورة رصد تحركات التتار وأخبارهم في مهاجمتهم للعالم الإسلامي بجيوش عظيمة كالأمواج الهادرة ، منذرة بالقضاء على الحضارة الإسلامية كلها ، فأوجدت هذه الضرورة عند المسلمين أسلوباً فائق السرعة لنقل الأخبار ، وذلك بإيقاد النار على أماكن مرتفعة مخصصة ، ترى على بعد عشرات الأميال ، فتوقد نار ثانية في ذلك المكان ؛ لترى في موقع ثالث أبعد منهما ، وهكذا .

فلا تلبث النيران أن تتجاوب على طول الطريق حتى تصل إلى مركز الحكومة ؛ لتتدبر أمرها ، وتتصرف بما ترى فيه المصلحة والحماية للبلاد .

جاء في (( الخطط المقريزية )) أن إبراهيم بن الأغلب لما ولي إفريقية وذلك سنة 261هـ كانت القوافل والتجار تسير في الطرق وهي آمنة والحصون والمحارس على ساحل البحر ، حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية ، فيصل الخبر منها إلى الإسكندرية في ليلة واحدة ، وبينهما مسيرة أشهر ! .

ثم تطور الأمر ولم يقف عند حد إيقاد النار ، بل اتفقوا على رموز معينة ومصطلحات محددة بواسطة تلك النيران ، فصارت طريقة الإشعال ووقته هما اللذان يحددان المراد .

كما أنهم استخدموا في إيصال الأخبار : الطبول في المناطق المرتفعة ، والماء في المناطق المنخفضة ، وغير ذلك .

 

نظام البريد الإسلامي :

وكان نظام البريد عند المسلمين يتسع كلما اتسعت الفتوحات ، وأعظم اتساع شهده هذا النظام في العهد العباسي ، حيث بلغت محطات البريد نحو ألف محطة ، كانت تسمى عندهم بالسكك ، ومع هذا الاتساع كان العمل سائراً بكل دقة في مواعيد المغادرة والوصول ، مع الأمنية التامة .

وقد كان لكل محطة رئيس يلاحظ سير سعاة البريد والخيالة وحالة المحطة ، وكان جميع الرؤساء مأمورين بتقديم تقاريرهم عن كل مايحدث في الخطوط إلى الإدارة العامة للبريد في بغداد ، التي كانت تشكل النقطة المركزية لهذا النظام ، وبها يكون الرئيس العالي الذي يعرض بدوره كل التقارير على الخليفة مباشرة .

وكان للبريد لائحة عمومية تحتوي على قوانين السير وجغرافية الطرق ، وكانت الدولة تنفق على البريد مبالغ وفيرة ، فقد قيل : إن نفقة فرع اليمن فقط كانت تبلغ نحو أربعة ملايين درهم سنوياً ! ومن ذلك تقدر نفقات باقي الفروع ، ليظهر مقدار إنفاق الدولة الإسلامية على نظام البريد ، ومدى أهميتها به .

 

اهتمام الخلفاء بالبريد :

وقد بلغ من اهتمام الخلفاء بالبريد ، أن أبا جعفر المنصور قال يوماً : ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر ، لايكون على بابي أعف منهم . قيل : من هم ياأمير المؤمنين ؟ قال : هم أركان الملك ، ولا يصلح الملك إلا بهم ، كما أن السرير لايصلح إلا بأربع قوائم ، إن نقصت قائمة وَهَى ، أما أحدهم : فقاض لاتأخذه في الله لومة لائم ، والآخر : صاحب شرط ينصف الضعيف من القوي ، والثالث : صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية ، فإني عن ظلمها لغني ، والرابع ـ ثم عض على أصبعه السبابة ثلاث مرات ، يقول في كل مرة : ـ آه ، آه . قيل له : وما هو ياأمير المؤمنين ؟ قال : صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة .

ولا ريب أن صدور مثل هذا عن المنصور الخليفة يعطي نظام البريد قيمة بالغة جديراً بالاهتمام ، حينما جعل الملك غير صالح ولا مستقيماً بدونه .

 

واضع البريد في الدولة الإسلامية :

والمشهور أن أول من وضع البريد في الإسلام معاوية رضي الله عنه في مطلع العهد الأموي ، ولعل المراد أنه أول من نظمه ووضع حجر الأساس له كنظام ، وإلا فالبريد معروف منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين .

فمنذ اللحظة الأولى التي غادر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق مكة فراراً من قريش ، اتخذ عبدَالله بن أبي بكر ـ وهو غلام فطن ـ رسولاً يأتيه بأخبار قريش يوماً بعد يوم ، فكان عبدالله يبيت عندهما في غار ثور ، ويخرج من السحر ليصبح في قريش ويجمع أخبارها ، وما توصلت إليه من تدابير ووسائل للبحث عن محمد والتنكيل به ، وهكذا كان عبدالله أول ساع للبريد في تاريخ الإسلام .

 

اشتهار البريد في عهد عمر :

واشتهر أمر البريد في عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، وفي الصحيح : وصلى أبو موسى في دار البريد . قال ابن حجر : دار البريد المذكورة موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الأمراء إلى الخلفاء ، وكان أبو موسى أميراً على الكوفة في زمن عمر وزمن عثمان ، وكانت الدار في طرف البلد .

وكتب عمر إلى عماله في الأقاليم يأمرهم بإعلام الناس عن مواعيد خروج البريد إلى المدينة ، ومن ذلك أنه كتب إلى عامله على البصرة ليعلم الناس بذلك ويقول : (( ألا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج ، فمن كانت له حاجة فليكتب )) فكتب نصر بن الحجاج كتاباً إلى أمير المؤمنين عمر ، وكان عمر قد أبعده عن المدينة إلى البصرة .

وأقبل البريد يوماً على عمر ، وهو يحمل عقداً إلى أم كلثوم بنت علي زوج عمر ، وكان هدية من امرأة قيصر الروم .

 

تطور البريد في عهد الأمويين :

وتعهد خلفاء بني أمية هذا النظام بالعناية والإشراف المباشر عليه ، فهذا عبد الملك بن مروان يولي نظام البريد اهتماماً خاصاً ، ويدخل عليه عدة تعديلات لتحسين أدائه ، حتى أصبح أداة هامة في إدارة شئون الدولة ، وقد ذكر عنه أنه قال لابن الدغيدغة ـ وكان أحد رجاله ـ : ليتك ماحضر ببابي إلا أربعة : المؤذن ، فإنه داعي الله تعالى فلا حجاب عليه ، وطارق الليل فشر ماأتى به ، ولو وجد خيراً لنام ، والبريد ، فمتى جاء من ليل أو نهار فلا تحجبه فربما أفسد على القوم سنة حبسهم البريد ساعة ، والطعام إذا أدرك فافتح الباب وارفع الحجاب ، وخل بين الناس وبين الدخول .

فهذا القول لايصدر إلا عن خليفة أدرك أهمية البريد ، فأولاه عناية واهتماماً ، وإلا لما خصه دون سائر النظم الإدارية الأخرى في دولته .

وأهمية البريد إنما تكمن في تعدد الأدوار والمهمات المنوطة به ، سواء منها الخاصة بالدولة أو العامة للمسلمين ، ولعل أهم الأدوار التي يقوم بها : نقل الأخبار ورصد التحركات الخاصة بالدولة من شتى أنحاء البلاد ، في سبيل تحقيق الأمن الداخلي والخارجي للدولة الإسلامية .

 

بريد الدولة الإسلامية يتمتع بالرسمية والسرية :

لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب رسائله إلى قيصر وكسرى يدعوهما إلى الإسلام قيل له : إن العجم لايقبلون كتاباً إلا أن يكون مختوماً ، فاهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر واتخذ خاتماً من فضة نقش عليه ( محمد رسول الله ) ، فأضفى على كتبه الصبغة الرسمية .

وقد تختم به بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر وعمر وعثمان ، ثم سقط من يد عثمان في بئر أريس ـ من آبار المدينة ـ فاصطنع عثمان خاتماً مثله ، وكان كل من ولي الخلافة بعده يصطنع لنفسه خاتماً يختم به رسائله في أسفل الكتابة وفي أعلاها بالطين أو المداد ، ثم تطور الأمر فصاروا يختمون الرسائل بالشمع بعد طيها .

وأنشأ معاوية بعد ذلك ديواناً عرف بديوان الخاتم ، وحزم الكتب التي كان يرسلها ، والسبب في ذلك هو أنه كتب مرة إلى زياد بن أبيه عامله بالكوفة أن يدفع لعمر بن الزبير مئة ألف درهم ، وسلم الكتاب إلى عمر ليحمله إلى زياد ، فجعل عمر المئة مئتين ، فدفعهما زياد إليه ، فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية ، وأخذ عمر بردها وحبسه ، فأداها عنه أخوه عبدالله ، ومن ذلك الحين وتجنباً للتزوير أمر معاوية بإحداث ديوان الخاتم ، وحزم الكتب ، وختمها على طرفيها بعد طيها ولم تكن تحزم .

 

دور البريد في الجاسوسية على الأعداء :

قام البريد الإسلامي بدور هام من خلال رصده  لتحركات العدو ، لتحقيق الأمن الخارجي للدولة الإسلامية ، والاستعداد لأي خطر مفاجئ يهدد سلامة البلاد وأمن العباد ، ففي خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاة أبي سفيان يوم بدر كان يرسل رسله يلتمسون له أخبار أبي سفيان وتجارته .

واتخذ في مكة عيناً يوافيه منها بأخبار قريش ، وهذا العين هو عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فقد أسلم وكتم إسلامه ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن مقامك بمكة خير )) ، فكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

دور البريد في المعاهدات :

يعدُّ صلح الحديبية الذي حصل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين من جانب ، وبين قريش من جانب آخر ، ثمرة من ثمرات البريد النبوي ، فالرسول وصحابته راغبون في العمرة ، وقريش أقسمت أن لن يدخل محمد وأصحابه هذا العام عنوة ، والمسلمون في الحديبية بالقرب من مكة ينتظرون ، فأرسلت قريش رسولها ليتعرف قوة محمد ويأمره بالعودة ، وأرسل محمد صلى الله عليه وسلم رسوله يبلغها أنه ماجاء يريد حرباً ، وإنما جاء زائراً للبيت معتمراً  .

تبادل الفريقان البعوث ، وكانت بعثة عثمان رضي الله عنه من طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لها عظيم الأثر في إنجاح هذه المفاوضات ، وتسجيل أعظم انتصار سياسي للمسلمين ، بالرغم من تذمر بعض المسلمين من شروط المعاهدة ، فقد كانت سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الشروط التي طلبتها قريش غاية في الحكمة والقدرة والسياسة ، وكان الفتح الإسلامي إحدى ثمار هذه المعاهدة .

 

دور البريد في الاطمئنان على سير عمل الولاة في الأقاليم :

لقد كان لنظام البريد في الدولة الإسلامية مهمة تجاوزت نقل الأخبار ، وهي الرقابة بمعناها الحديث ، وتتمثل بمراقبة عمال البريد لولاة الأقاليم للقيام بواجبهم وعدم تجاوزهم على الرعية ، وقد ظهرت هذه المهمة وكتب لها النجاح في عهد عمر رضي الله عنه ، فكان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه في المدينة عاصمة الدولة الإسلامية ، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيش إلا وله عليه عين لايفارقه ، فكانت أقوال وأحوال من بالمشرق والمغرب عنده في كل صباح ومساء ، وهذا واضح جلي من خلال كتبه إلى عماله على الأقاليم ، حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه وأخصهم به .

ثم اقتفى أثر عمر كل من جاء بعده ، فهذا عامل البريد أيام الدولة العباسية يكتب مرة إلى المنصور يخبره بأن والي حضرموت يكثر الخروج في طلب الصيد ، الأمر الذي صرفه عن شئون ولايته ، وصرف أموالها في إعداد كلاب الصيد ولوازمه ، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى هذا الوالي كتاباً يؤنبه فيه تأنيباً شديداً على التفريط في حقوق المسلمين وأمورهم ، ويخطره بعزله وتولية من يحل محله .

وأنفذ صاحب البريد بخراسان كتاباً إلى هارون الرشيد يذكر فيه انشغال الفضل بن يحيى بالملذات عن النظر في أمور الرعية ، فلما قرأه الرشيد غضب ورمى به ليحيى ، وكلفه بإخطار ابنه بالعدول عن تلك الأمور والالتفات إلى أحوال المشرق ، فكتب يحيى إلى ابنه على خطاب الرشيد يوبخه ويردعه عن هذا ، مما يدل على دور البريد الهام في استقامة أحوال الولاة ، واستقرار أحوال الرعية .

 

دور البريد في قمع الثورات وقتال الخارجين على الدولة :

ذكرت المصادر التاريخية أنه في خلافة المعتصم قام الزط ـ جيل أسود من السند ـ بثورة عنيفة في إقليم البصرة واستفحل خطرهم لدرجة أنهم قطعوا الطرق ونهبوا المارة ، فأوجست الحكومة منهم خيفة ، ولم يتمكن المعتصم من محاصرتهم وإخضاعهم إلا بعد أن رتب البريد بينه وبين عجيف بن عبسة قائد جيوشه ، واستعان بخيول البريد وسككه في إرسال الفرق والمؤن ، ورتب الخيول في سكة البريد تركض بالأخبار ، فكان الخبر يخرج من عند عجيف فيصل إلى المعتصم من يومه ، فيمده بالرجال والمؤن اللازمة ، حتى تمكن من الإطباق على الزط ومحاصرتهم من كل جانب ، ونجت البلاد من شرهم وبلائهم .

كما استخدم البريد بالمقابل لمصلحة الثوار الخارجين على طاعة الحكام في الانتقال من مكان لآخر ، فهذا عامل البريد على مصر رافضي ، يخون ولي الأمر الخليفة الهادي ، ويضحي بمصلحة الدولة ، حين مهد الطريق للإدريس الذي خرج على طاعة الخليفة ، وأمده بمن يرشده إلى طريق المغرب ، وقدم له دواب البريد فحملته إلى طنجة ، حيث نشر مذهبه ، وزرع الدولة الإدريسية هناك ، فكانت شوكة في ظهر العباسيين ، وكان من الممكن تجنب قيامها لولا خيانة عامل البريد .

 

دور البريد في إحضار المطلوبين :

كان الخليفة إذا أراد إحضار شخص ما من الأقاليم إلى عاصمة دولته أمر بحمله على دواب البريد ، كما فعل يزيد بن عبد الملك بن مروان عندما وجه إلى عامله على مكة كتاباً يطلب منه إرسال أحد الشعراء ، وكان الخليفة قد سمع عن شهرته في قول الشعر ، فجاء في كتابه : (( إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه ، واحمله على ماشاء من دواب البريد )) .

ويذكر المسعودي في هذا المعنى عن خروج شبيب الخارجي على الحجاج بالكوفة في خلافة عبد الملك بن مروان ، وكادت فتنته تفسد عليه الأمور هناك ، لولا أن استعان ببريد الشام في وصول النجدة إليه ، وتضييق الحصار على شبيب حتى نفر به فرسه وألقاه في النهر ، ثم حملت جثته على البريد إلى الحجاج .

 

دور البريد في حمل الجنود إلى مواقع القتال :

ذكر ابن خلدون أن قبائل التركمان ببلاد الخزر خرجت عن طاعة هشام بن عبد الملك ، وثارت ضد واليه الجراح الحكمي الذي عجز عن كبح جماحهم ، فقتلوه وعاثوا في الأرض فساداً ، يهلكون الحرث والنسل في طريقهم إلى الموصل ، وهال هشاماً الموقف ، وشاور القادة عنده ، فتقدم إليه أحد قواده الأفذاذ وخاطبه قائلاً : ابعثني على أربعين من دواب البريد ، وابعث إلي كل يوم أربعين رجلاً مدداً ، واكتب إلى أمراء الأجناد يواسوني . فأعجب هشام من جرأة هذا القائد وشجاعته ، وأجابه إلى طلبه ، فنجح هذا القائد في مهمته .

ولعل السر في هذا النجاح يكمن في الاعتماد على ديوان البريد وعماله ودوابه الذين كانوا يتمتعون بخصائص مميزة ، وكانوا ينقلون إليه الجنود والمدد بسرعة فائقة ، مما جعل هذا القائد قادراً من القضاء على الثائرين .

 

دور البريد في نقل الأخبار من أرض المعركة وإليها :

حدَّد عمر رضي الله عنه ساعات معينة في أيام معينة لخروج البريد من المدينة إلى ميادين القتال ، فإذا قدم الرسول عليه من بعض الثغور ، تبعه بنفسه إلى منازل المقاتلين ، فيعطي نساءهم كتبهم ، ويقول لهن : أزواجكن في سبيل الله ، وأنتن في مدينة رسول الله ، إذا كان عندكن من يقرأ وإلا فقربن من الأبواب حتى أقرأ لكن ، ثم يقول : يخرج الرسول يوم كذا وكذا ، فاكتبن حتى نبعث بكتبكن ، ثم يدور عليهن بالقراطيس والدواة .

وبعد ، فهذه بعض جوانب نظام البريد في الدولة الإسلامية ، كيف نشأ ؟ وكيف تطور ؟ وكيف كان له الدور الفاعل في تحقيق الأمن الداخلي والخارجي للدولة الإسلامية ، مما يعكس   أهميته ، ويبرز بجلاء لاغموض فيه تقدم المسلمين ، من خلال تطويرهم لهذا النظام ، وتنوع استخداماتهم له ، وهذا بدوره يؤكد على الدور الحضاري الرائع للأمة الإسلامية .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx