King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


الوصية للعروس

بين الأمس واليوم

تحرص الأمهات غالباً على إسماع بناتهن قبل الزفاف بعض الوصايا التي تتعلق بالحياة الجديدة التي تنتظرهن ، وربما كانت تلك الوصايا صادرة من غير الأم ، كالجدات والعمات والخالات ، أو الزميلات والصديقات .

وقد تباينت هذه الوصايا وتفاوتت ، بين الوصية بمراقبة الله تعالى ، وحسن معاشرة الزوج ، والصبر على ما تراه منه مما لم تألفه ولم تعتد عليه ، وحثها على القيام بالواجبات ، وتأدية الحقوق التي عليها على أكمل وجه ....

وبين الوصية القائمة على عدم مراقبة الله تعالى ، والتصور الخاطئ لهذه العلاقة ، فيكون فحواها الترهيب وأخذ الحذر من الزوج ، ورسم المكائد له ، والتخطيط للسيطرة عليه ... إلى غير هذا من الأمور التي تصلح في علاقة الخصم بخصمه ، والعدو بعدوه ، وكأن صاحبة هذه الوصايا – مع الأسف - تهيئ هذه الفتاة لساحة معركة ونزال !

إن كتاب ربنا سبحانه صوّر العلاقة الزوجية في أصلها وفيما ينبغي أن تكون عليه أروع صورة ، حتى تكون قائمة على أساس من التكامل والتفاهم والاستقرار ، فقال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكّرون } الروم 21 .

فالزوجة خلقت من عنصر الزوج ونفسه ؛ ليكتمل بها ، ويأنس بقربها ، ولتكون سكنه الذي يأوي إليه ، فيشعر بالراحة والطمأنينة ، وهذا المعنى يتحقق عندما تكون العلاقة بين الزوجين قائمة على أساس متين من المحبة والرحمة .

ولا أبدع وأروع في تصوير العلاقة بين الزوجين من قوله سبحانه : { هُنَّ لباس لكم ، وأنتم لباس لهن } البقرة 187 .

إنها كلمات قليلة في عددها ، لكنها بليغة في تصويرها ، عظيمة في أثرها ، إنها تمثل العلاقة المادية والمعنوية بينهما : علاقة الجسد وعلاقة الروح .

فكل منهما حريص على الآخر ، رفيق به ، عطوف عليه .

وكل منهما يحرص على عِرض الآخر ونفسه وماله .

وكل منهما وقاية للآخر ، وغناء له عن الفواحش .

وكل منهما ستر للآخر على أسراره فلا يفضحها ، وعلى علاقته فلا ينشرها .

وكل منهما يخفف آلام الآخر ، كاللباس الذي يدفع به ألم البرد وألم الحر .

وقد حفظت لنا كتب التراث والأدب واحدة من أنفع الوصايا في هذا الباب ، أقدمها هدية لكل عروس قبل زفافها ، عسى أن تتحقق بها ، فتقطف ثمارها مودة وتفاهماً ، واحتراماً وسعادة ، وهناءة وطمأنينة في حياتها القادمة .

إنها وصية أمامة بنت الحارث لابنتها حين زُفَّت لزوجها ، فقالت لها :

أي بُنية : إن الوصية لو تُرِكَتْ لفضل أدب أو لتقدّم حسب ، لتُرِكَتْ ذلك منكِ ، ولكنها تذكرة للغافل ، ومعونة للعاقل .

أي بنية : لو أن المرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ، وشدة حاجتهما إليها ، لكنتِ أغنى الناس عن ذلك ، ولكن النساء للرجال خُلِقْن ، ولهن خُلِق الرجال .

أي بنية : إن فارقتِ الجوَّ الذي منه خرجتِ ، وخلَّفتِ العُشَّ الذي فيه درجتِ ، إلى وَكْرٍ لم تعرفيه ، وقرينٍ لم تألفيه ، فأصبح بملكه عليكِ مليكاً ، فكوني له أَمةً يكن لكِ عبداً وشيكاً ، واحفظي له خصالاً عشراً ، يكن لك ذخراً :

أما الأولى والثانية : فالصحبة له بالقناعة ، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ، ففي القناعة راحة القلب ، وفي حسن المعاشرة مرضاة الرب .

وأما الثالثة والرابعة : فتعهّدي موضع عينيه وأنفه ، فلا تقع عيناه منك على قبيح ، ولا يشم منك إلا أطيب ريح .

وأما الخامسة والسادسة : فتعهّدي وقت طعامه ، وتفقدي وقت منامه ، فإن حرارة الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة .

وأما السابعة والثامنة : فالاحتراس بماله ، والإرعاء على حشمه وعياله ، وملاك الأمر في المال حسن التقدير ، وفي العيال حسن التدبير .

وأما التاسعة والعاشرة : فلا تفشينَّ له سراً ، ولا تعصين له أمراً ، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره ، وإن عصيتِ أمره أوغرتِ صدره ، واتقي مع ذلك كله الفرح أمامه إن كان تَرِحاً ، والاكتئابَ إذا كان فرحاً ؛ فإن الأولى من التقصير ، والثانية من التكدير ، وأشد ما تكونين له إعظاماً أشدُّ ما يكون لكِ إكراماً ، وأشدُّ ما تكونين له موافقة ، أطول ما يكون لك مرافقاً .

واعلمي يا بنية أنك لا تقدرين على ذلك حتى تُؤثري رضاه على رضاك ، وتُقدِّمي هواه على هواك ، فيما أحببتِ وكرهتِ ، والله يَضَعُ لكِ الخير ، وأستودعك الله .

حقاً إنها الأم العظيمة ، والمربية الفاضلة ، التي تعد وصيتها هذه من مفاخر تراثنا وأدبنا ، إنها كلمات صدرت ممن فهمت الحياة ، ولامست الواقع ، ونشدت السعادة لابنتها الغالية على قلبها .

إن مثل هذه الوصية تبني الأسرة على أساس متين ، وتملأ البيت الجديد وئاماً ووفاقاً ، وتغمره بالمحبة والطمأنينة .

ولو سمعت الفتاة قبل الزواج مثل هذه الكلمات ، لأقدمت على حياتها الجديدة على بصيرة ، فهي تشعر بأن هذا الارتباط يعني الالتزام ، وتقدر المسئولية التي أنيطت بها ، وتقوم بأداء ما عليها من حقوق وواجبات ، وتسعى دائماً لإرضاء زوجها ، ومعرفة ما يحب ويكره ، وما يرضيه وما يسخطه ، فتعيش معه في هناء وسرور .

قابل الشَّعْبي شُريحاً القاضي فسأله عن حاله في بيته ؟

فقال له شُريح : منذ عشرين عاماً لم أر ما يغضبني من أهلي !

قال له : وكيف ذاك ؟ !

قال شُريح : من أول ليلة دخلت عليَّ امرأتي فرأيت فيها حسناً وجمالاً نادراً ، فقلت في نفسي : أصلي ركعتين شكراً لله عزَّ وجلَّ ، فلما سلَّمتُ وجدت زوجتي تصلي بصلاتي ، وتسلم بسلامي .

فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء قمت إليها ، فمددت يدي نحوها ، فقالت : على رِسْلك يا أبا أمية ، كما أنت .

ثم قالت : إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، وأصلي على محمد وآله ، وبعد :

فإني امرأة غريبة ، لا علم لي بأخلاقك ، فبيِّن لي ما تحبُّ فآتيه ، وبيِّن لي ما تكره فأتركه .

ثم قالت : فلقد كان في قومك من هي كفء لك ، ولقد كان في قومي من هو كفء لي ، ولكن إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً ، وقد ملكتَ فاصنع ما أمرك الله به : فإمساك بمعروف ، أو تسريح بإحسان .

أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولك .

من منكم – ياسادة – سمع مثل هذه الخطبة ليلة زفافه ؟!

حقاً إنها التنشئة السليمة ، والتربية الصالحة ، والوصايا النافعة ، تخرج هذه النماذج الرائعة .

لكن حينما تكون التنشئة فاسدة ، والتربية مختلّة ، والوصايا هدامة ، تكون النماذج على عكس ما تقدم ، وتكون النتيجة تنغيصاً للحياة ، أو هدماً لذلك البناء .

إن بعض الأمهات اليوم - وهنّ غير جديرات بتقديم الوصية والنصيحة – تكون وصاياهن للبنات فيما مآله إلى عدم الاستقرار ، أو عدم الاستمرار في هذه الحياة .

إن التربية الخاطئة والوصايا الهدّامة أوجدت داخل الأسر مشاكل مستعصية ، فحوّلت البيوت إلى جحيم ، ثم انتهت بها غالباً إلى الطلاق ، كما أنها ساهمت في عزوف نسبة كبيرة من الشباب والشابات عن الزواج .

ألا فليتقين الله تعالى الأمهات والمربيات في بناتهن ، وليحسنّ تربيتهن وموعظتهن ، وليهيئنهن التهيئة الصحيحة ، لينعم الجميع بالهناء والسعادة والسرور والاستقرار .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx