King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


مكانة الأمن في الإسلام

الأمن : طمأنينة يزول بها الخوف والقلق والاضطراب ، تقول : أنا آمن ، أو : قد أمِنْتُ ، حينما تكون هادئ النفس ، مطمئن القلب ، مرتاح البال .

والأمن : ضد الخوف ، قال الله تعالى : { فليعبدوا ربَّ هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع ، وآمَنَهُم من خوف } ـ قريش 4 ـ .

والمؤتمن : من يثق به الآخرون ويتخذونه أميناً حفيظاً ، تقول : اؤتمن فلان فهو مؤتمن إذا كان يرعى الأمانة ويحافظ عليها .

والأمان : اسم للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن .

والشعور بالأمن والاطمئنان نعمة عظيمة من الله تبارك وتعالى ، يهبها من يشاء من عباده في الدنيا وفي الآخرة .

أما الدنيا : فالأمن فيها لأهل الإيمان والطاعة ، قال تعالى : { الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم ، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ـ الأنعام 82 ـ .

وأما الآخرة : فالأمن فيها لأهل الجنة ، قال تعالى : { ادخلوها بسلام آمنين } ـ الحِِجْر 46 ـ ، والأمن جزء أساسي من نعيمها ، قال تعالى : { وهم في الغُرُفاتِ آمنون } ـ سبأ 37 ـ ، وقال سبحانه : { وهم من فزع يومئذ آمنون } ـ النمل 89 ـ .

وقد أورد القرآن الكريم ذكر مكة المكرمة ـ شرفها الله ـ مقرونة بالأمن في أكثر من آية ؛ تذكيراً للمؤمنين بهذه النعمة الجليلة ، وتحذيراً لكل من تسول له نفسه إخافة المؤمنين وبث الرعب بينهم في هذا البلد الأمين ، بأنه خالف حكم الله ، وآذن نفسه بحرب من الله العزيز القدير ، فقال تعالى : { أوَلم نُمكِّن لهم حرماً آمناً } ـ القصص 57 ـ ، وقال سبحانه : { أوَ لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً } ـ العنكبوت 67 ـ .

وما ذلك إلا لأن المكان المقدَّس لاتتم قداسته إلا بالأمن ، ولأن العبادة لاتستقيم لأحد إلا إذا كان آمناً ، وقد دعا إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ربَّه قائلاً : { رب اجعل هذا البلد آمناً } ـ إبراهيم 35 ـ ، فأجاب الله دعوته ، قال سبحانه : { وإذ جعلنا البيت مَثابة للناس وأمناً } ـ 125 البقرة ـ ، وقال : { ومن دخله كان آمناً } ـ آل عمران 97 ـ .

ثم إن الأمن ضروري في الحياة ، وإذا فقد الأمن فلا حياة ، وحالة الخائف المذعور المهدَّد الذي لايشعر بالأمان موت بطيء .

وأي إنسان لايأمن على نفسه أو أهله أو ممتلكاته لاتستقيم حياته ، وتراه عاجزاً عن أداء أي دور أو القيام بأي نشاط وإن كان يملك ويملك ، فهو يعيش في رعب وقلق ، لاتستقر له حال ، ولا يهدأ له بال ، وينعدم نشاطه ، ويشل تفكيره ، وتلازمه حالة الاضطراب والتردد .

وأي موقع ينعدم فيه الأمن يحل فيه الخوف والذعر ، وتشيع فيه الفوضى والتخلف ، ويعاني أهله من مشاكل متعددة .

وعلى العكس من ذلك يقال في الموقع الذي استتب فيه الأمن وشعر أهله بالأمان والاطمئنان .

فبالأمن تحل الطمأنينة والراحة والسعادة والسرور في النفوس ، ويسود النظام والتقدم والرقي في البلاد .

لذلك تهتم كل الحكومات على اختلاف لغاتها وثقافاتها ومعتقداتها بالقضايا الأمنية ، وتقدم الإمكانات ، وتجند الخبرات ، وترصد الميزانيات ، كل ذلك في سبيل بسط الأمن وتحقيق الاستقرار للبلاد والعباد .

وإن الدين الإسلامي الخاتم للشرائع السماوية ، الخالد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، جاء ليحقق الأمن لكل البشرية على وجه الأرض ، ويحث أتباعه على تحقيق هذا الهدف على أكمل وجوهه .

جاء الإسلام يؤكد على تحقيق الأمن في زمن كان القانون السائد في الجزيرة العربية وما حولها هو قانون الغاب ، الكبير يعتدي على الصغير ، والقوي يأكل حق الضعيف ، والقبيلة تُغِير على القبيلة فتقتل من تشاء ، وتَسْتَرِقُّ من تشاء ، وتنتهب ماتشاء ، والدولتان العظميان آنذاك فارس والروم في غطرستهما تنكلان بكل من خرج عليهما ، وتحرمان الإنسان من حقه في العيش إلا إذا كان خاضعاً ذليلاً لجبروتهما .

جاء الإسلام لينقذ البشرية مما حلَّ بها ، جاعلاً قضية الأمن من أولوياته ، وتحقيقه لكل أهل الأرض هدفه الأسمى ، يستوي فيه المسلمون أتباع هذا الدين ، ومن عاش في ظل الدولة الإسلامية من غير المسلمين ، ومن عاش خارج حدود الدولة الإسلامية من الأمم الأخرى ممن هادن المسلمين أو صالحهم ، كل هؤلاء أعطاهم الإسلام الأمان ، فلهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ، لا يجوز الاعتداء عليهم بأي أشكال الاعتداء ، سوى من وقف منهم يصدّ عن دين الله تبارك وتعالى ، أو يعتدي على المسلمين ، أو يفتنهم عن دينهم ، فقد شرع الله تبارك وتعالى للمسلمين قتال هؤلاء خاصة طلباً لتحقيق الأمن ، ولضمان حرية العقيدة والعبادة للمسلمين ، ولنشر دعوة الإسلام في أصقاع الأرض .

كما حرَّم الإسلام الاعتداء بكل مظاهره وعلى أي كائن ، قال تعالى : { ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين } ـ البقرة 190 ـ ، ونهى عن قتال من لم يقاتل ، قال سبحانه : { فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ، فإن انتهَوْا فإن الله غفور رحيم } ـ البقرة 191-192 ـ ، وحرَّم الظلم بشتى صوره وأشكاله على أي أحد من عباده ، جاء في الحديث القدسي : ( ياعبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّماً فلا تظّالموا ) ، كما نهى عن الخيانة والغدر وغير ذلك من الأخلاق الذميمة التي تثير الخوف والهلع عند الآخرين .

وحثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على الالتزام بالأمن ؛ ليطمئن الناس بعضهم إلى بعض ، وهؤلاء هم خير الخلق ، وحذَّر الجميع من تجاوز الحدِّ والإخلال بالأمن ، ووصف من فعل هذا بأنه شرُّ الخلق ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أناس جلوس فقال : ( ألا أخبركم بخيركم من شركم ؟ ) ـ ثلاث مرات ـ فقال رجل : بلى يا رسول الله ، أخبرنا بخيرنا من شرنا . فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( خيركم من يُرْجى خيرُه ويؤمن شره ، وشركم من لايُرْجى خيرُه ولايُؤْمَن شرُّه ) . رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

فانظر ـ رعاك الله ـ إلى ميزان الإسلام في تحديد أهل الخير وأهل الشر ، فليس خير الناس في الإسلام كثير الصلوات والزكوات ، ولا شر الناس المقتصد في الطاعات المقارف للسيئات ، بل خير الناس من كان مفتاحاً للخير ، عائداً بهذا الخير على الخلق ، وشر الناس من لا يرجى خيره ، ولا يؤمن شره .

بل إن صفة الإسلام والإيمان لايستحقها إلا من ساهم بالأمن واستشعره الآخرون منه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن : من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ) . أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال : حديث حسن صحيح .

فمن انتسب للإسلام ـ والإسلام دين السلام ـ وجب أن يسلم الناس من إيذاء لسانه وبطش يده ، ومن لم تكن هذه صفته فقد ناقض إسلامه . ومن انتسب للإيمان ـ والإيمان من الأمان ـ وجب عليه أن يأمنه الناس على أنفسهم وممتلكاتهم ، ومن لم تكن هذه صفته فقد ناقض إيمانه .

وكيف يكون مسلماً مؤمناً من لايسلم الناس من إيذاء لسانه وبطش يده ، ولا يأمنون منه على أنفسهم وممتلكاتهم ؟! إنه حقاً ليس بمؤمن ولا مسلم ، جاء هذا على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، فقد روى البخاري عن أبي شريح الخزاعي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لايؤمن ، والله لايؤمن ، والله لايؤمن ) كرَّرها ثلاثاً تأكيداً ، وشداً لانتباه السامعين . فقال الصحابة : ومن يارسول الله ؟! فقال صلى الله عليه وسلم : ( الذي لايأمن جاره بوائقه ) أي : شرَّه .

ومن انتفى عنه وصف الإيمان حرَّم الله عليه الجنة ، وكان من أهل النار : فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لايدخل الجنة من لايأمن جاره بوائقه ) رواه مسلم .

وما جاء هذا التحذير الشديد من الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه القضية إلا ليعيش كل فرد في ظل الإسلام ، رجلاً كان أو امرأة ، صغيراً كان أو كبيراً ، وهو ينعم بالأمن الذي هو من أعظم النعم وأجلها .

عن عبيد الله بن مِحْصَن الخَطْمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أصبح منكم آمناً في سِرْبه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا ) رواه الترمذي وحسَّنه .

فقد جمع الحديث ثلاثة أمور هي مجامع الدنيا ، وقوام الحياة ، ولاغنى لأحد عنها : الأمن ، والعافية ، والرزق ، وجعل الأمن هو الأول لأنه الأساس ، ولا تتوفر العافية والرزق إلا بتحققه ، ومن لم يستشعر نعمة الأمن لايذوق طعم العافية ولا لذة الرزق ، ولا يتمتع بهما .

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على نشر الأمن تأكيداً شديداً حينما وقف في حجة الوداع خطيباً يوم عرفة ، في تلك البقعة الطاهرة ، في ذلك اليوم المبارك ، أمام تلك الجموع العظيمة التي أقبلت من كل حدْب وصوب ، تيمم وجهها شطر البيت العتيق ، وهي تعلم أن نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم هو في هذا العام أمير حجهم ومعلمهم ، وما تعلم أنه اللقاء العام الأخير بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن هذه الحجة هي حجة الوداع .

نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الألوف المؤلفة من المسلمين وهي تلبي وتجأر إلى الله بالدعاء ، فسره موقفهم ، وشرح صدره انقيادهم للحق واهتداؤهم بنور الإسلام ، فعزم أن يغرس في صدورهم لباب الدين وخلاصة الإسلام ، وأن يؤكد مايحرص الإسلام منهم على التمسك به وإشاعته من آداب وأحكام وعلائق ، من خلال تلك الكلمات اليسيرة التي خاطب الناس بها ، ومهد لها بشد انتباه جميع أهل الموقف حينما سألهم بقوله : ( أيها الناس ، أيُّ يوم هذا ؟ ) فقالوا : الله ورسوله أعلم . فقال : ( أليس هو يوم الحج الأكبر ؟ ) قالوا : بلى يارسول الله . ثم سألهم : ( فأي شهر هذا ؟ ) . قالوا : الله ورسوله أعلم . فقال : ( أليس هو الشهر الحرام ؟ ) فقالوا : بلى يا رسول الله . ثم سألهم : ( فأي بلد هذا ؟ ) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ( أليس هو البلد الحرام ؟ ) قالوا : بلى يا رسول الله .

ولم يكن جوابهم هذا جهلاً منهم باليوم والشهر والبلد ، ولكنه الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد فطنوا أن وراء السؤال أمراً ، فالسائل هو الناطق بالوحي ، ولعل الله سبحانه يريد أن يغير اسم ذلك اليوم والشهر والبلد ، فبرئوا من علمهم ، وأسندوا العلم لله ورسوله ، ومع كل سؤال يزداد انتباههم وحرصهم على سماع ما وراء ذلك ، ليعلن بعد ذلك الحكم الخطير الذي ينص على تحريم دماء المسلمين وأموالهم ، فيقول عليه الصلاة والسلام : ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ) .

نعم إنه الأمن الذي جاء الإسلام به وأمر أتباعه بالعمل على تحقيقه ، وهو وصية نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، ليعلم كل الناس أن الإسلام هو دين الأمان ، وليبقى تحقيقه مطلباً إسلامياًً ، ويعيش الجميع تحت ظلال هذا الدين العظيم وهم ينعمون بنعمة الأمن والأمان .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx