King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

أجوبة مفحمة

 

كم هي رائعة تلك الأجوبة التي تبهت الخصم فلا تدعه يحار كلاماً !

وكم يحتاجها الواحد منا مع أناس عشقوا المراء وأشربوا في قلوبهم حب الجدل .

وآخرين همهم الأكبر إحراج الآخرين بكلامهم أو تصرفاتهم ، حتى إذا ما تحقق لهم ذلك شعروا بنشوة المحارب المنتصر ! .

لكن حينما يكون موقفك سليماً ، وتصرفك حكيماً ، ونقاشك هادفاً ، وجوابك ذكياً ، تُقْلِقُ مَحاوِرَ خَصْمِك ، وتقطع حبال أمانيه ، ولا تحقق له رغبة فيك .

ونحن أمام شخصية فذّة : علماً وفضلاً وذكاء ونباهة ، نودّ أن نتعرّف على صاحبها ، ونعيش معه بعض المواقف التي تعرّض لها ؛ لنتعلّم منه : كيف تُواجَه المواقف الصعبة ؟ وكيف يجاب عن الأسئلة المحرجة ؟

إنه الإمام القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم ، الشهير بابن الباقِلاّني .

عاش ابن الباقِلاّني بالبصرة ، ثم انتقل إلى بغداد ، وبها توفي سنة 403 هـ .

قال القاضي عياض : ـ أبو بكر بن الباقلاني ـ الملقب سيف السنة ، ولسان الأمة ، المتكلم على لسان أهل الحديث وطريق أبي الحسن ، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته .

وقال الذهبي عنه : الإمام العلامة ، أوحد المتكلمين ، ومقدَّم الأصوليين .

كان ابن الباقلاني يصلي في كل ليلة عشرين ترويحة سواء أكان في الحضر أم في السفر ! فإذا فرغ منها كتب خمساً وثلاثين ورقة من تصنيفه ! فإذا صلى الفجر دفع الأوراق التي صنفها إلى أحد تلاميذه ، وأمره بقراءتها عليه ، وأملى عليه زياداته وإضافاته عليها .

يقول علي بن محمد الحربي ـ في سعة علمه وقوة حفظه واتساع معرفته ـ : جميع ما كان يذكر أبو بكر بن الباقلاني من الخلاف بين الناس صنفه من حفظه ، وما صنف أحد خلافاً إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين ، سوى ابن الباقلاني .

ويقول أبو بكر الخوارزمي : كلُّ مصنِّف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس سوى القاضي أبي بكر ، فإنما صدره يحوي علمَه وعلمَ الناس .

ويقول الحربي أيضاً : كان القاضي يَهُمُّ بأن يختصر ما يصنفه فلا يقدر على ذلك ؛ لسعة علمه وكثرة حفظه .

وقال أحدهم يرثيه بعد موته :

انظر إلى جبل تمشـي الرجال به

 

وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف

وانظر إلى صارم الإسلام منغمداً

 

وانـظر إلى درة الإسلام في الصدف

رحم الله الباقلاني كان إماماً رائعاً ، ومنافحاً عن الإسلام بارعاً ، وكان مضرب المثل في الفطنة والذكاء ، ومن مواقفه الذكية ، وأجوبته المفحمة :

أنه كان يمشي مرة فرأى جماعة من بعض الفرق المخالفة قد تحلَّقوا حول شيخ لهم يناظرونه في بعض المسائل ، فأقبل عليهم القاضي أبو بكر ، فلما رآه كبيرهم التفت لأصحابه قائلاً لهم : قد جاءكم الشيطان !.

فسمع ابن الباقلاني كلامه وهو ما زال بعيداً عنهم ـ وهو مَنْ هو في حدة ذكائه وسرعة بديهته وحضور جوابه ـ فلما وصل إلى مكانهم جلس ، ثم أقبل عليهم قائلاً : قال الله تعالى : { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تَؤُزُّهم أزّاً } ـ مريم 83 ـ أي : إن كنت شيطاناً فأنتم كفار وقد سلَّطني الله عليكم !! .

ولاشك أن هذا الجواب رغم شدته هو محمود ؛ لأنه قد لاقى موقعه ، ولذلك صدر عن هذا الإمام .

ولسعة علمه وفرط ذكائه وشدة نباهته وقع اختيار خليفة المسلمين عليه ممثِّلاً لدولة الإسلام ، وحاملاً لرسالة الخليفة إلى ملك الروم .

وقد حدثت له في مملكة الروم بعض المواقف المزعجة ، حينما حاول الروم إحراجه تارة ، وإيذاءه في دينه تارة أخرى ، فما كان من ابن الباقلاني إلا أن تعامل مع تلك المواقف بمنتهى الحكمة والفطنة ، فأعلى الله تبارك وتعالى به الإسلام حين أراد الروم أن ينالوا منه ، ووقف رحمه الله موقف الناصر للإسلام بحاله وقاله ، المدافع عنه بما أعطاه الله من علم وحكمة وفطنة وذكاء ، فسجل له التاريخ تلك المواقف لتكون دروساً مستفادة على مر الزمان، وإليكم قصته في تلك الرحلة.

بعث خليفة المسلمين الملقب بعضد الدولة أبا بكر بن الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم ، فلما ورد مدينته ، وعرف الملك بقدومه ، سأل عن حاله ومنزلته في المسلمين ، فأعلمه أتباعه بمكانة أبي بكر علماً وفضلاً وشهرة ، ففكر الملك في شأنه طويلاً ، وعلم أنه إذا دخل عليه لن ينحني إليه ، فضلاً عن السجود وتقبيل الأرض بين يديه ، وقد كانت المراسم عنده أن الرعية يفعلون هذا .

فلما تيقن من أنه لن يفعل ذلك فكر في حيلة يجبره فيها على الانحناء والركوع ، فاستحسن فكرة ربما أشار بها إليه بعض معاونيه ، وهي أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب قصير لايمكن لأحد أن يدخل منه إلا راكعاً ، فإذا ما وصل ابن الباقلاني وأراد الدخول اضطر للانحناء وطأطأة الرأس ، فيكون هذا عوضاً عن الانحناء أو السجود بين يديه .

وحان موعد استقبال رسول الإسلام ، ووُضِع سرير الملك في ذلك الموضع ، وأُمِر بإدخال ابن الباقلاني من الباب ، فسار حتى وصل إلى الباب ، فلما رآه توقف قليلاً وتفكر فيه ففطن بالحيلة ، وكان الرد جاهزاً عنده ، وما كان منه إلا أن أدار ظهره وحنا رأسه راكعاً ، ودخل من الباب وهو يمشي إلى الوراء ، يستقبل الملك بقفاه، على عكس ما أريد من إجباره على الانحناء والركوع تعظيماً للملك ، فلما صار بين يديه رفع رأسه ونصب ظهره وأدار وجهه حينئذ إلى الملك ، فعجب الحاضرون من فطنته ، وأوقع الله هيبته في نفوسهم .

ثم إن الملك اشتاط غيظاً مما فعله ابن الباقلاني ، فوجَّه إليه ضمن حديثه سؤالاً بقصد توبيخه وإيذائه قائلاً : كيف جرى لزوجة نبيكم ؟

يريد السيدة عائشة بنت أبي بكر ، الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما ، ويعني حادثة الإفك وما اتهمت به هذه السيدة الطاهرة كذباً ، وذلك يوم أن تخلَّفت عن جيش المسلمين بسبب البحث عن عِقْد لها قد انفرط مكان قضاء حاجتها ، فارتحل القوم بدونها ... والقصة مذكورة في كتب الحديث والتفسير ، فوقع المنافقون فيها أيما وقيعة ، وردَّد كلامهم نفر يسير من المسلمين البسطاء ، فاشتد الأمر عليها رضي الله عنها ، حتى أنزل الله تبارك وتعالى براءتها من فوق سبع سماوات بقرآن يتلى إلى قيام الساعة : { إن الذين جاؤوا بالإفك عُصْبةٌ منكم ، لا تَحْسَبوه شراً لكم ، بل هو خيرٌ لكم ، لكل امرئٍ منهم ما اكتسبَ من الإثم ، والذي تَولّى كِبْرَه منهم له عذاب عظيم } إلى آخر الآيات من سورة النور ـ 11- 20 ـ .

فما كان من ابن الباقلاني حين سمع من الملك سؤاله وعلم مراده إلا أن أجابه قائلاً : كما جرى لمريم بنت عمران ، وبرَّأهما الله تعالى ، لكن عائشة لم تأت بولد ، وأتت مريم بولد . فبهت الملك لجوابه وأفحم .

ثم إن مجلس الملك كان حافلاً بالمستشارين والوزراء وكبار الرهبان ، فانتهزها ابن الباقلاني فرصة للدعوة إلى توحيد الله تعالى وإقامة الحجة على بطلان معتقد القوم ، فوجَّه كلامه إلى كبير الرهبان قائلاً له : كيف الأهل والأولاد ؟ فامتعض الحاضرون بما فيهم الملك ، وقال له : كُفَّ عن هذا واسكت ، أما علمتَ أن الراهب يتنـزَّه عن هذا ؟! فقال أبو بكر : تنـزهون الراهب عن الزوجة والولد ، ولا تنـزهون رب العالمين عن ذلك ؟! .

إن هذه المواقف لتعكس صورة العلاقة المتوترة بين دولة الإسلام ودولة الروم آنذاك ، وهذا واضح تارة من تفكير الملك بإذلاله من خلال محاولة تركيعه واستعمال الدهاء والحيلة لذلك ، وتارة بإحراجه وقصد إيذائه بدينه من خلال التعريض بزوجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان من ابن الباقلاني إلا أن يستعمل ذكاءه في إبطال هذه المكائد والمحاولات ، منتصراً للإسلام والعقيدة ، فأبطل حيلة الملك في الأولى ، وقابل التعريض بعائشة رضي الله عنها بحجة قاطعة دامغة ، حينما قارن حالها بحال السيدة مريم عليها السلام ، وكيف زادت عليها مريم بالولد ، مع أن الله تبارك وتعالى برّأ الاثنتين .

وهو بهذا لم يقصد الإساءة للسيدة الطاهرة مريم العذراء ، فقد طهَّرها الله وبرّأها وفضَّلها على نساء العالمين في زمانها ، وجعل الشهادة ببراءتها وطهارتها قرآناً يتلوه المسلمون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فقال تعالى : { وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ، يامريم اقنُتي لربكِ واسجدي واركعي مع الراكعين } ـ آل عمران 42- 43 ـ

ثم إن الإسلام دين الأخلاق ، ونبينا صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم ، أرسله الله تبارك وتعالى ليتمم مكارم الأخلاق ، وليس من خلق المسلمين ولا من تعاليم دينهم التعريض بديانات الآخرين والإساءة لهم في معتقداتهم ، هذا من جهة .

ومن جهة أخرى يطلب من كل مسلم حريص على دينه غيور عليه أن لايتعرض للآخرين في معتقداتهم ، خشية تعرض الغير لدينه ومعتقده، فقال تعالى : { ولا تَسُبُّوا الذين يدعون من دون الله فيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بغير علم } ـ الأنعام 108 ـ

لكن الذي كان من ابن الباقلاني إبطال كيد الملك ، والرد على إساءته ، وهذا موقف مشروع محمود في مثل تلك الظروف ، وما سوى هذا يعد كسلاً وتقاعساً ، أو خوراً وتخاذلاً .

ما أروع وأبدع هذه الأجوبة إذا وُفِّق لها الإنسان ، ووقعت موقعها !

وهذا يعتمد بعد توفيق الله تعالى على علم ، وذكاء ، وشدة ملاحظة ، وسرعة بديهة ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx