King Saud University
  Help (new window)
Go Search
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

حضِّر درسك بسهولة تحضير قهوتك

عزيزي المعلم .. عزيزتي المعلمة ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وكل عام وأنتم بخير .. لا يخفى عليكم التأثير الإيجابي الذي تتركه بداية كل عام دراسي على نفسيات أبنائنا وبناتنا الطلاب عندما يشتري كل واحد منهم بصحبة والديه مسلتزمات الدراسة من دفاتر وأقلام وأدوات نظراً لأنهم هم من يختارها حسب رغباتهم وميولهم وتزداد الفرحة والبهجة عند مشاركة أبائهم وأمهاتهم في ذلك الاختيار ومباركته، وتكتمل فرحتهم عند مشاركتهم لزملائهم بما في أول يوم دراسي ومقابلتهم لمعلميهم ومعلماتهم. فرسالتي هنا موجهة لكل أخ وأخت جمعني بهم حقل التربية والتعليم .. نعم التربية والتعليم التي نسعى من خلالها كتربويين ومعلمين إلى تحقيق النمو الشامل وبناء الشخصية المتزنة المتكاملة لأبناء وبنات وطننا الغالي.

هي الشعارات جذابة ومغرية ولا تكاد تخلو منها مكتبة، أو قرطاسية، أو مراكز خدمات المعلمين والطلاب في بداية كل عام دراسي جديد، بل في بداية كل فصل دراسي. ففي هذا العام ذهبت بصحبة أبنائي لشراء حاجاتهم الدراسية من إحدى المكتبات، وبحكم عملي في مجال التربية والتعليم شد انتباهي جملة من العبارات المعلقة على جدران هذه المكتبة، حيث كان منها على سبيل المثال "التحضير الجاهز على سي دي"، "لن تحتاج سوى 10 ثوان لتحضير الدروس"، "حضِّر درسك بسهولة تحضير قهوتك"، "تحاضير المناهج الدراسية على سي دي". لا أخفيكم كم تألمت من تلك العبارات التجارية الخالية من كل المعاني التي تسعى التربية لتحقيقها في بلادنا. وأدركت أن عمر فرحة طلابنا ستنتهي بنهاية يومهم الدراسي الأول لأن من المعلمين والمعلمات من سيقتل طموح ودافعية هؤلاء الطلبة بسبب أن هذه الفئة المنتسبة إلى التربية والتعليم أراحت عقلها وجعلت غيرها يفكر عنها. تألمت لذلك لأن هذه الظاهرة بدأت بالانتشار في الأعوام السابقة وزاد انتشارها مؤخراً في تلك الأماكن والمواقع "التربوية والتعليمية" على شبكة الإنترنت باختلاف توجهاتها. فما يؤسفنا كمربين أن بعض معلمينا ومعلماتنا يعتبر التخطيط والإعداد للدروس –  كما يحلو لهم – "تحصيلاً حاصلاً" وضياع وقت وجهد وعبئاً إضافياً على أنصبتهم التدريسية في المدارس.

فمن هذا المنطلق، أقول –  مستعيناً بالله – إن من أهم السبل التي يستطيع المعلم والمعلمة استخدامها لبناء الشخصية المتزنة المتكاملة للمتعلم حسن وجودة التخطيط والإعداد لكل ما من شأنه تحقيق هذه الشخصية. فما يسمى بـ" دفتر التحضير" ما هو إلا أداة تخطيط وإعداد لتسهيل بلوغ الهدف الأسمى من التربية والتعليمة.

قد يبدو لكثير من المعلمين والمعلمات –  للوهلة الأولى – أن التخطيط وإعداد الدروس أمر شاق لا فائدة منه خاصة الذين أمضوا أعواماً عديدة في مجال التربية والتعليم وذلك بسبب النظرة الضيقة وقلة الوعي بأهمية التحضير القبلي للدروس. فالتحضير اليومي عبارة عن خارطة يعدها المعلم والمعلمة كدليل لضمان نجاح الدروس. فلعل من أهم الفوائد التي يمكن أن يجنيها المعلمون من التحضير – على سبيل المثال لا الحصر – الآتي :

§        المساعدة في تنظيم طرح المعارف والمعلومات بتسلسل منطقي بعيداً عن العشوائية.

§        المساعدة في التغلب على المواقف الطارئة والمحرجة التي قد تحدث داخل الغرفة الصفية.

§    تنمية خبرات ومهارات المعلمين عاماً بعد عام نظراً للتغيرات المتسارعة والمتلاحقة في مجتمع كالمجتمع السعودي، والتي تجبرهم على مواكبة هذه التغيرات.

§        المساعدة في تحديد الأهداف التربوية الخاصة بكل منهج دراسي والسعي لتحقيقها.

§    التأكد من مناسبة وموافقة الأهداف المحددة مع طبيعة المحتوى المعرفي والأنشطة والوسائل التي سيتم استخدامها في أثناء تنفيذ الدروس.

§        التأكد من فعالية أساليب وطرق التدريس المناسبة لطبيعة الدروس وملاءمتها لطبيعة المتعلمين وميولهم.

§    وأخيراً .. المساعدة في اكتشاف الأخطاء العلمية وتحديد الصعوبات الموجودة في المنهج الدراسي فيما يتعلق بالأهداف التربوية، والمحتوى المعرفي، والأنشطة والتطبيقات.

ولكي نلمس ثمرة الفوائد المذكورة آنفاً ، فإنه لا بد من أن يستشعر المعلمون أن ما يقومون به من تحضير وإعداد ليس مجرد واجب أو أمراً مفروضاً عليهم، إذ لا بد أن يعتبرونه جزءاً أساسياً ومحوراً لا يمكن إغفاله وتجاهله لضمان نجاحهم في مهنتهم التي ينتسبون إليها. لا بد من الاندماج الكامل عند التحضير؛ لأن الهدف منه ليس ممارسة الروتين التقليدي والنسخ المتكرر بمرور الأعوام وتغيير خانات التواريخ ومسميات الحصص فقط، وإنما الهدف أسمى من ذلك، حيث لا بد أن تتجلى قدرة المعلمين في توظيف ما لديهم من مهارات إبداعية ومحاولة الإتيان بالجديد لرفع دافعية طلابهم تجاه التعلم. 

لعلي بعد ذكر أهمية وفوائد التحضير الجيد للدروس اليومية أتطرق لبعض السلبيات والمساوئ التي تنعكس على عمليتي التربية والتعليم الناتجة من قوالب التحضير الجاهزة، والتي أعتقد أن من أهمها الآتي :

ضياع هوية المعلم : عندما نقولب العملية التعليمية فإننا نعمل على تغيب هوية المعلم والرسالة والقيم والمبادئ التي يؤمن بها. فتقديم هذه القوالب الجاهزة لمعلمينا على مختلف تخصصاتهم يؤدى إلى حرمانهم من صبغ ما يقدمونه من معارف ومعلومات بصبغة تعليمية وتربوية تتناسب مع قدرات طلابهم ومهاراتهم وميولهم وتشبع رغباتهم بعيدة كل البعد عن أفكار وآراء من يقوم بإعداد هذه القوالب. وهنا يجب الإشارة إلى أنه قد يُفهم من هذا أنني ضد الاستفادة مما هو موجود ومجرب. كلا، بل يجب الاستفادة من كل شيء نعتقد أنه مفيد في تحقيق أهداف التربية والتعليم لأن الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها، ولكن من غير المنطقي والمقبول نهائياً أن نتبنى كل ما تقع عليه أيدينا كما هو الحال في مثل هذه القوالب الجاهزة، حيث لا بد من توظيف ما فيها من فوائد وأفكار لتخدمنا كمربين ومعلمين بطرقنا الخاصة. 

تعطيل التفكير والإبداع : من المعلوم أن لكل معلم طريقته وأسلوبه في التدريس والتي لا يشاركه فيها أحد وإن تشابهت مسميات هذه الطرق والأساليب. فأعتقد أن الميل لمثل قوالب التحضير الجاهزة – وإن كانت مُعدة بطريقة تربوية من خبراء تربويين مختصين – يقتل روح الإبداع والتجديد لدى المعلمين ويقلل فرص النجاح والثقة بالنفس للمبتدئين منهم. كما أن هذه القوالب تحد وربما تعطل عقول المعلمين وقدرتهم على توليد الأفكار لأنهم أصبحوا مجرد آلات تكرير لأفكار وآراء غيرهم بالرغم من عدم رضاهم وقبولهم التام لما يقومون به والدليل على ذلك عدم قبولهم بأن يقوم طلابهم بنسخ الواجبات المنزلية من أحد الطلاب المميزين والمتفوقين .. فيا ترى ما الفرق هنا؟ هل ما يقوم به هؤلاء المعلمون من استنساخ لأفكار وآراء غيرهم حلال لهم ومحرم على طلابهم؟ ترى كيف انقلبت الموازين؟

إغفال تنوع المواقف التعليمية : لا شك أن طرق وأساليب إعداد الدروس تختلف من معلم لآخر وهذا معلوم عقلاً ومنطقاً، حيث يظهر ذلك في الاختلاف والتباين في تسلسل الأفكار وطرق العرض للمحتوى المعرفي حسب الأولوية والأهمية التي بالطبع تختلف من معلم لآخر، بل تختلف عند المعلم نفسه من درس لآخر. بالإضافة إلى ذلك يرجع هذا التباين إلى عدد من العوامل، والتي من أهمها اختلاف الفروق الفردية بين الطلاب فيما يتعلق باكتساب المهارات وسرعة الإدراك، تنوع البيئات الصفية، تنوع الأهداف التربوية للدروس، اختلاف الوسائل التعليمية والإمكانات المادية، تنوع الأنشطة والتطبيقات العملية، تنوع أساليب التقويم وأدواته. فكل هذه العوامل تحتم على المعلمين أن يوظفوا أساليبهم الخاصة داخل غرفهم الصفية ليتمكنوا من التعامل الصحيح مع المواقف التعليمية باختلاف أنواعها. كما أن هذا التباين سيجعل المعلمين قريبين من المنهج المدرسي، وعلى اطلاع شامل بمحتوياته لأن هذا سيجنبهم العشوائية في التدريس كما ذكر سابقاً. فخلاصة القول: إن ما يصلح لفئة معينة من الطلاب تحت ظروف مكانية وزمانية ليس بالضرورة أن يكون قابلاً للتعميم لغيره من المواقف التعليمية الأخرى.

ختاماً .. عزيزي المعلم .. عزيزتي المعلمة ..

أتمنى أن أكون قد وفقت في نقل فكرتي التي تهم كل منتمٍ للتربية والتعليم والتي يجب أن نحرص عليها كمربين ومعلمين تربويين عندما نشرع في تحضير دروسنا اليومية. فيجب علينا جميعاً من مسئولين ومشرفين ومعلمين أن نحارب مثل هذه الأفكار التجارية التي لا تعود على تربيتنا وتعليمنا لأبنائنا وبناتنا بمنفعة فعلية وثمرة حقيقية. كما يجب علينا أن نسعى لتطوير مهاراتنا وزيادة الثقة بأنفسنا وأن ما لدينا من أفكار وإبداعات غير محدودة يغنينا عن هذه القوالب الجاهزة. أعزائي المعلمين، هذه همسة في أُذن كل واحد منكم "أنت الأصل فلا تكن صورة تقليدية لغيرك".

          * حرر في 1428هـ.

 

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx