من أين تؤكل الكتف؟
أحبتي الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعــد ،
بادئ ذي بدء، أحمد الله سبحانه وتعالى على منّه وفضله علينا بأن هيئ لنا فرصة اللقاء مرة أخرى، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كما أسأله سبحانه أن يتقبل منا ومنكم صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا وأن يخلف علينا شهر رمضان ونحن بسلامة وصحة وسعة رزق.
لعلك تتفق معي أن فن التعامل من الآخرين من أهم المعايير التي تستخدم للحكم على مدى نجاح العلاقات بين الناس على اختلاف مشاربهم. فمن هنا قد يسأل أحدنا: من الطرف الآخر؟ لذا لعلي أعطي تعريفاً بسيطاً للمقصود بهذا المصطلح. الطرف الآخر هو كل طرف نبني معه علاقة مهما كان نوعها، فربما يكون ذات الإنسان، أسرته، أقاربه، أصدقاؤه، مجتمعه، ... إلخ. فالتعامل عبارة عن عملية يتم فيها إنتاج ونقل وتبادل المعلومات والأفكار والآراء والمشاعر من شخص لآخر بقصد التأثير فيه وإحداث الاستجابة المرغوب فيها. انطلاقاً من هذا الإيجاز تتضح لنا أهمية هذا الطرف كونه أساس في حياتنا. فالحياة ليست استقلالية، حيث لا يوجد إنسان يتمتع باكتفاء ذاتي، فكل منّا بحاجة إلى أشياء بوسع الآخرين تقديمها لنا. لذا فالإنسان اجتماعي بطبعه، ولابد من احتكاكه بالناس والتعامل معهم.
لنا في خير البشرية أفضل قدوة في تعاملاته مع شتى أصناف الناس. قال الله تعالى: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) (آل عمران، آية 159). في هذه الآية يعلمنا عزّ وجل بعضاً من صفات التعامل المثالي التي اتصف بها حبيبنا محمد r، حيث ذكر منها الرحمة، و اللين، والعفو، والاستغفار والمشاورة. وفي آية أخرى يقول تعالى: ( واخفض جناحك للمؤمنين ) (الحجر، آية 88)، فخفض الجناح هنا كناية عن التواضع ولين الجانب لتأليف القلوب وزرع المحبة بين الناس. وفي الحديث ابن عمر t قال r : (أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عن كربة أو تقضي عنه ديناًَ، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كفّ غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضين أمضاه ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يُثبتّها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) (حسّنه الألباني صحيح الجامع). أحبتي، ما سبق لا يعد إلا مثالاً بسيطاً لصفات تنعت صاحب التعامل المثالي، والتي يجب الاتصاف بها أسوةً به r لتصلح حياتنا وحياة من يتعامل معنا ونتعامل معه.
من واقع حياتنا وتعاملنا مع الآخرين نكوّن انطباعات عنهم تقودنا إلى افتراض أسباب محددة لتفسير تصرفاتهم وتجعلنا نتنبأ بالطريقة التي سيتصرفون بها مستقبلاً. فالناس يحبون من يهتم بهم، ويستمع لحديثهم، ويقدرهم ويحترمهم، ويعينهم لتحقيق ذواتهم، ويعالج الخطأ ولا يجرح، ويناديهم بأحب أسمائهم. وعلى النقيض فهم يكرهون من ينصحهم في العلن، ويرى السلبيات فقط، ولا ينس الزلات، ويعاملهم من أعلى، ويتسرع في التوبيخ، ويتمادى في الخطأ، وينسب الفضل لنفسه دائماً. فمعرفتنا لهذه الأشياء جعلنا على علم ويقظة بكيفية التعامل مع الآخرين. ولعل من هذه النقطة نستطيع أن نوجز بعض المبادئ الأساسية في التعامل مع الآخرين :
1. الناس سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وبما شرع الله من حقوق وواجبات لقوله تعالى: ( إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) (الحجرات، آية 13).
2. أصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين الناس لقوله r : (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه واسخط عليه الناس ومن اسخط الناس برضى الله رضي الله عليه وارضى عليه الناس).
3. تقبل الناس على ما هم عليه لقوله تعالى: ( ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ) (الزخرف، آية 32).
4. مكارم الأخلاق هي المنهج الشرعي في التعامل مع الناس لقـوله تعالى: ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) (الإسراء، آية 9).
5. الجزاء من جنس العمل لقوله r : (الراحمون يرحمهم الله).
وأخيراً .. ينبغي على كل واحد منَّا أن يكون مثالياً في تعامله مع نفسه أولاً، ومع من يحيط به ثانياً لتحقيق علاقات تحفها الرحمة والمودة والتآلف لبناء وحدة تقف في وجه كل الصعاب. ولعل من أهم الأساليب التي تساعدنا على حسن التعامل والتواصل مع الآخرين لامتلاك نفوسهم وإمالة قلوبهم ومد جسور المودة والألفة والتواصل معهم ما يلي:
§ حُسن الصلة بالله تعالى.
§ الابتسامة الصادقة والوجه البشوش.
§ بذل المعروف وقضاء الحاجات.
§ حُسن الإنصات والكلام.
§ تفقُّد الأحوال ومتابعتها.
§ المخالطة والتباسط.
§ الهدية والسلام تجلبان المحبَّة.
§ المناداة بأحب الأسماء.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة، اللهم حسِّن أخلاقنا وجَمِّل أفعالنا، اللهم كما حسَّنت خلقنا فحسن بمنِّك أخلاقنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى اللّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* حرر في 1427هـ.