أول أكسيد الكربون غاز خطر على البشر
تعليقا على موضوع القاتل الخفي (أول أكسيد الكربون) في "الوطن" بتاريخ 2/9/2007م، أود القول بأن أول أكسيد الكربون غاز سام جدا وتكمن خطورته في اتحاده مع هيموجلوبين الدم حيث يعطي كاربوكسي هيموجلوبين وتقل نسبة الأكسي هيموجلوبين شيئا فشيئا مما يؤدي للاختناق في حال كانت الكمية المستنشقة بسيطة ويمكن إسعاف المريض بعمل تنفس صناعي في الهواء الغني بالأكسيجين.
أما إذا كانت الإصابة حادة بمعنى أن نسبة أول أكسيد الكربون المستنشقة عالية فإنه في هذه الحالة يجب تغيير دم المريض كاملا ومع ذلك فإن المصاب يظل فاقدا للوعي لمدة لا تقل عن أسبوع كامل وإذا كانت نسبة الغاز عالية جدا فإن الوفاة تحدث في الحال.
يشار إلى أن بعض الدول استفادت من خصائص هذا الغاز لصناعة بعض الأسلحة الكيميائية السامة التي تؤدي إلى الاختناق ومن ثم الوفاة واستعملتها في أثناء الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وكان لها تأثير فتاك على الجنود في أرض المعركة.
محمد حسين القيسي
جريدة الوطن:السبت 26 شعبان 1428هـ الموافق 8 سبتمبر 2007م,العدد (2535)
الفيتامينات والمعادن توجد في القات بكميات ضئيلة لا قيمة لها
كتبه الأخ عبدالرحيم الميرابي عن التركيب الكيميائي للقات في تابعت مقاله بعنوان (هذا هو القات كيميائيا) في العدد 2763يوم الأربعاء 17-4-1429هـ وأود اضافة ما يلي:
فاضافة لاحتواء القات على الكاثين (القاتين) والكاثينون(القاتينون) وهو المركب الفعال الأهم في القات والذي يكسب أوراقه اللون الأحمر وينتمي هذين المركبين إلى المجموعة الكيميائية نفسها التي منها مادة الأمفيتامينات (الحبوب المخدرة ومنها الكبتاجون),فإن القات أيضا يحتوي على مركب الكاثيدين وكذلك مركب الإفيدرين الذي يعمل على توسيع حدقة العين ويزيل احتقان الغشاء المخاطي للأنف, كذلك يعمل على تقليص الأوعية الدموية الدقيقة,إضافة إلى احتوائه على مجموعة من الكاثيديولينات وهي عبارة عن قلويدات عديدة الإستر .
كذلك يحتوي القات على الفلافونيدات وهي عبارة عن مجموعة من المركبات الفينولية المعقدة ,حيث توجد في القات بنسبة تتراوح بين 7 % إلى 14 % , وهي مواد لها تأثير قابض,ومن أهم هذه المواد: كيمبفيرول, كيرسيتين , ميريسيتين, دايهيدروميريسيتين,ويحتوي القات ايضا على مجموعة من الزيوت الطيارة الإيثرية,وكذلك الستريولات والتربينات الثلاثية,والأحماض الأمينية ومادة الكولين والتي توجد في القات بنسبة ضئيلة إذ تبلغ 0,05 % من النبات الجاف,وكذلك الفيتامينات والأملاح المعدنية فبتحليل القات تبين احتوائه على: فيتامين ج ,نياسين ,ثيامين ,ريبوفلافين. وكذلك كاروتين,وبوتاسيوم,ومغنيسيوم,وحديد,وألياف طبيعية,علما ان الأحماض الأمينية والكولين والفيتامينات والمعادن, تتواجد بكميات ومقادير قليلة جداً, وعليه لا تُعدُّ ذات قيمة غذائية بحيث يمكن الاستفادة منها.
محمد بن حسين القيسي
جريدة الوطن يوم الاثنين 22 ربيع الثاني 1429هـ الموافق 28ابريل2008م, العدد (2768).
المخدرات لا تستطيع أن تجلب السعادة والطمأنينة لمستخدمها
كم كانت سعادتي غامرة وأنا أشاهد دراجات فريق هارلي ديفيدسون تجوب شوارع مدينة الرياض مشاركة في حملة التوعية بأضرار المخدرات والتي أطلقتها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات وكان شعارها
(شباب بلا مخدرات).
لقد كان شعار الحملة موفقاً فالشباب هم المستهدفون بهذه الآفة، فهم عماد الوطن ومستقبله، حيث تعد المخدرات أهم أسلحة الأعداء فمنذ القدم استعملت الدول الاستعمارية المخدرات للسيطرة على الشعوب فبريطانيا العظمى (سابقا) أغرقت الصين بالأفيون لأجل السيطرة على الصينيين فيما عرف بحرب الأفيون، فالتجار البريطانيون الذين كانوا يأتون من بريطانيا لشراء الحرير والبضائع الصينية كانوا لا يجدون ما يحملونه معهم من بلادهم ليبيعوه على الصينيين، ففكروا في جلب شيء واحد ليحقق لهم مرادهم فكان ذلك هو الأفيون وكان ذلك عام 1840م.
والمخدرات الأكثر انتشاراً اليوم بين شبابنا هي الحشيش والحبوب فلا يكاد يمر أسبوع إلا وتطالعنا الصحف اليومية بخبر عن إلقاء القبض على كميات كبيرة من هاتين الآفتين، في جهود واضحة تحسب لرجال الأمن.
وسنلقي الضوء في الأسطر القادمة على هاتين المادتين، فبالنسبة للحبوب فأكثرها شيوعا هي الأمفيتامينات حيث تنشط الشخص وتجعله لا يحس بالتعب أو النوم وينتشر استخدامها بين الطلاب والرياضيين وتباع على شكل أقراص (قضوم) أو على شكل حقن تحتوي على مادة أمفيتامين أو مادة ميثا أمفيتامين، كما أن حبوب وحقن الأمفيتامينات قد تحتوي على مواد أخرى مسببه للإدمان مثل الهيروين (حبوب مهرونة) وهي خطرة جدا ولها سمية عالية.
وأما بالنسبة للحشيش أو الماريقوانا (مروانة) فإنها تصنف ضمن مواد الهلوسة حيث يوجد الحشيش في القمة النامية المزهرة من أنثى نبات القنب الهندي المعروف علميا باسم كنابيس ستاتيفا والمعروف تجاريا باسم نبات الحشيش أو القنب أو الماريوانا، بينما توجد الماريقوانا في القمة النامية المزهرة والسيقان والوريقات المجففة لذكر وأنثى نبات القنب الهندي وكل من الحشيش والماريوانا تحتويان على نفس المادة المخدرة وهي رباعي هيدروكنابينول ويختلف تركيز هذه المادة فقط حسب موقع زراعة النبات في العالم لذلك نجد أن تركيزها في الحشيش المزروع في آسيا عالٍ (20%) أما بالنسبة لأمريكا (8%) أما من ناحية تأثير الحشيش فإنه يسبب الإحساس بالسعادة والمرح الزائف ويجعل الدقيقة تمر وكأنها ساعة في هلوسة واضحة ولا يستطيع متعاطي الحشيش التمييز بين الألوان فالأحمر أصفر والأصفر أحمر نسأل الله السلامة (العقل نعمة).
ويتم تعاطي الحشيش غالبا عن طريق التدخين حيث تصل المادة الفعالة إلى الدم بعد وصولها للرئتين وينقلها الدم بسرعة إلى المخ حيث يظهر تأثيرها بعد عشر دقائق تقريبا ويستمر التأثير لمدة ثلاث ساعات تقريبا ويؤدي الإدمان على الحشيش إلى ضمور خلايا المخ.
ختاما أقول لمن يبحث عن الطمأنينة والسعادة إن السعادة ليست في المخدرات ولكن السعادة الحقيقية هي في الإيمان بالله والتمسك بدينه والاقتداء بسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
محمد حسين القيسي
جريدة الوطن: الثلاثاء 15 شعبان 1428هـ الموافق 28 أغسطس 2007م العدد (2524)
مرسى السعادة والحكمة
ذات صباح جميل, كنت أقف على الشاطئ وأنظر إلى قوارب الصيادين وهي تمخر عباب البحر قادمة إلى هذا المرسى الصغير، الذي يقع قرب قرية صغيرة, كصغر أحلام أهلها وهمومهم, كنت أنظر إلى عيون الصيادين والابتسامة ترتسم على وجوههم فرحين بما من الله به عليهم من صيد ,يستعدون لبيعه ومن ثم العودة إلى ديارهم بعد رحلة امتدت لليلة كاملة.
أسئلة كثيرة دارت في خاطري وأنا أنظر وأتأمل في أوجه هؤلاء البسطاء والسعداء في نفس الوقت ,ولم يقطع سيل أسئلتي هذا إلا صوت صيادٍ مسنٍ يقول لي بصوت جهوري هل تريد كل هذا السمك بخمسين ريالاً, التفت إليه فجأة وقلت نعم ولكن هل تسمح لي ببعض الأسئلة يا عم؟ فقال لا بأس ولكن بسرعة فأنا في عجلة من أمري فقلت وهو كذلك, وسؤالي الأول هو هل أنت سعيد يا عم؟, فقال: نعم، ولم لا أسعد وأنا في صحة وعافية فالحمد لله على كل حال, فقلت ولكن...!،
قال أعلم أنك تقصد الخمسين ريالاً حصيلة ليلة كاملة, اعلم يا بني أن فيها بركة فهي رزق حلال بإذن الله والمال ليس كل شيء في هذه الحياة, فقلت ولكن هل لك مصدر رزق آخر؟، قال نعم، لقد منحني والدي راتباً شهرياً يقارب الثلاثة آلاف ريال يكفيني ومن أعول بحمد الله.
فقلت إنك محظوظ ولكن ألا ترى أنها قليلة, فقال إن فيها بركة يا بني, فقلت ولكن كيف ستحصل على مسكن إذاً, فقال الحمد لله لدي مسكن متواضع وقد أعطاني أبي مؤخراً مسكناً فيه كل متطلبات الحياة يضمن لي عيشة كريمة أنا وأبنائي وأنا أشكره وأدعو الله أن يحفظه في كل وقت, فقلت حقاً أنت رجل سعيد, فقال الحمد الله فالسعادة لا تشترى بالمال يا بني، فقلت في نفسي صدقت أيها الرجل الحكيم, ثم تنهد وقال أنتم أبناء هذا الجيل لا تشكرون ولا تحمدون الله وأنتم دائما تريدون المزيد بدون تعب فلو أنكم عشتم معيشتنا سابقاً لعرفتم مقدار النعمة التي أنتم فيها الآن, ثم إنكم تعلمون ولكن تجهلون بعكسنا نحن, فنحن نجهل ولكن نتعلم ونقدر النعمة, فقلت صدقت, ثم قال لي اسمح لي بالذهاب يا بني فتعشر بانتظاري, فقلت بصوت منخفض يا إلهي المرأة الحديدية مرة واحدة فلم أسمع كلامه جيداً, فقال أقصد ولدي, ولكن بالمناسبة يا بني فأنا من المعجبين بشخصية تاتشر خاصة بعد حرب الفوكلاند مع الأرجنتين, فقد كانت حديدية فعلاً وشجاعة, فهي لا تقارن (براعي القضوم) الذي غامر في حرب السويس سنة 1956م (يقصد إيدن رئيس الوزراء البريطاني السابق), عموماً فهذا ليس موضوعنا, أستودعك الله, قلت لو سمحت بقي سؤال أخير: من الذي علمك كل هذه الحكم فقال: الحياة يا بني, فالحياة مدرسة فلقد مات أبي وأنا طفلٌ صغير فعملت وعلت نفسي وعائلتي, فقلت ألم تقل لي بأن أباك قد أعطاك راتباً ومسكناً وأنك تحبه وتدعو له فكيف يستقيم هذا مع ما قلته سابقاً, فقال بلى فقلت فمن هو يا عم إذا, اصدقني القول بالله عليك فقد شوقتني لمعرفته, فقال حسناً إن أبي هو أبوك وأبو الأيتام والأرامل وكل أبناء هذا الوطن المعطاء, صاحب القلب الحنون, والدمعة الصادقة, الذي تملك قلوب الناس, فقلت مهلاً فقد عرفته, فأنت بالطبع تقصد ملك القلوب, فقال نعم ومن غيره يا بني, ثم تذكر يا بني أنه بالشكر تدوم النعم... مع السلامة
محمد حسين القيسي
جريدة الوطن: الاثنين 19 رمضان 1428هـ الموافق 1 أكتوبر 2007م العدد (2558)
الوادي
خارج الوطن
يهمس بأذني قائلاً:
لقد أذن الفجر, قم نصلِّ يا صديقي مع الجماعة وننطلق.
- ننطلق إلى أين؟
- إلى وادي الجنات, هل نسيت؟
صلينا وانطلقنا.
دلفنا إلى الوادي
- يا الله ما الذي أراه؟!
- أهؤلاء بشر؟
- أم بقايا بشر؟
- أم هياكل بشرية؟
- يا للعجب إنهم يتحركون!
أفرك عيني... أمعن النظر... لعلي أحلم!
نعم... بشرٌ.. يا الله!
لست أحلم
ليتني كنت أحلم؟
أحقيقة ما أراه.. لست أدري؟
أقترب منهم أسألهم.. أأنتم...؟
قالوا: نعم. نحن...
- إذن إلى أين تذهبون؟
- إلى وادي الشقاء
- عفواً... الجنات...
تركناهم وانطلقنا
أنظر خلف الأشجار... أسأل صديقي: ما هذا؟
قال: إنهن نسوة يغسلن الملابس على الحجارة وسط هذا الوادي فاليوم الجمعة, فهل نسيت؟
أسأله: أيعقل هذا.. ونحن في القرن الحادي والعشرين؟!
قال: نعم
- حمداً لك يا رب على النعمة التي أنعمت بها علي في وطني.
أعدك أني لن أعود إليك يا وادي الشقاء.
وداعاً... وداعاً
محمد بن حسين القيسي
جريدة الوطن : الاثنين 16 ربيع الأول 1429هـ الموافق 24 مارس 2008م العدد (2733) السنة الثامنة
زموح أبو لبانة وأحلام تهامة
بعد ثلاثين عاماً قضاها زموح أبو لبانة في خدمة الوطن قرر في لحظة شوق وحنين العودة إلى قريته الصغيرة سلامة في ربوع تهامة, مستعيداً ذكريات الماضي الجميل التي قضاها في طفولته مع أصدقائه في القرية التي عاش فيها أجمل سني عمره, فتقدم إلى جهة عمله بطلب التقاعد ثم عاد لمنزله فرحاً وأخبر زوجته مريمة وأولاده بقراره هذا ففرحوا وبدؤوا يستعدون للعودة إلى القرية وسارت الأمور على ما يرام فتوجه الجميع إلى القرية ووصلوا منزلهم مساءً فجاءهم الجيران فرحين مستبشرين فرحبوا بهم وأكرموهم.
وفي صباح اليوم التالي أخذ زموح ابنه الأكبر خدّار وابنتيه ليلى وشريفة إلى الوادي المجاور للقرية، ومن حسن حظهم فقد كان الجو ماطراً صباح ذلك اليوم, فأخذ زموح يتمشى مع أبنائه والسعادة تغمرهم جميعاً وبدأ بسرد ذكرياته الجميلة, ينظر زموح خلف الأشجار ويقول: انظروا إلى هذه الطيور فهذا أبو سوادة وذاك أبو غبارة وتلك قمرية الوادي, كنا نسميها فاطم حزام, وهذه الجرادة الصغيرة نسميها خبّازة وذلك العش الصغير الذي يقع تحت تلك الشجرة الصغيرة (الرزواية) هو عش أبو سواده يا الله...يا بَني!، كم كنت شقياً في طفولتي رغم صعوبتها ولكنها كانت ممتعة.
ويستمر زموح في سرد ذكرياته بحلوها ومرها مسترجعاً شريط الماضي ثم يقول الحمد لله, ويوجه حديثه لابنه خدّار ويقول: يا بُني لقد أكرمني الله بخدمة وطني وهأنذا أعود إلى قريتي فينظر خدّار إليه وكله فخرٌ وكبرياء ويقول له سأكون مخلصاً لوطني مثلك يا أبي.
فجأةً يمر من أمامهم طائر صغير فتسأل ليلى ما هذا؟, فيقول: إنه اللبّاد يا بنيتي, كان دائماً ما يُفزعنا فهو يتعمد الجلوس في الطرق التي تسلكها الحمير ثم تؤشر شريفة بيدها إلى حشرة صغيرة تشبه الخنفساء فتقول ما هذا فيقول هذا أبو دُريقة وله رائحة كريهة فلا تلمسوه بأيديكم.
يهز الجميع رؤوسهم بالإيجاب, ثم يشير بيده إلى تلة قريبة, ويقول لابنه خدّار لقد كنت مختبئاً خلفها مع جدك رحمة الله عليه قبل أربعين عاماً عندما كان الصوتيون العرب يقصفون هذه المناطق من سفنهم في البحر بحجة تحرير فلسطين, في السنة المعروفة بسنة الهربة, لقد قتل في هذا القصف عمك الأكبر أبو زرحرح أثناء رعيه للغنم, نعم لقد قُتل بلا ذنب وقُتلت معه أحلامه البسيطة يا بني, وها أنت ترى ما حل ببني يعرب الآن, ثم تتسلل دمعة على خده الأيمن يمسحها بيده, ثم يستطرد في الحديث قائلاً: يا بني احمد ربك على هذه النعمة التي أنت فيها اليوم, واعرف قيمتها, فيهز خدّار رأسه قائلاً: الحمد لله, ثم يزداد هطول المطر, فيقرر زموح وأبناؤه العودة من الوادي إلى المنزل فرحين وفي طريقهم يصادفون بائعاَ جائلاَ فيؤشر زموح إليه بيده ويقول: وهذا البائع الذي ترونه يسير على حماره أمامكم نسميه دهاشاً فهو يبيع أجود أنواع الحناء الذي يجلبه من باجل, وكذلك يبيع أفخر أنواع (الصليط) زيت السمسم.. يا الله! كم كانت أياماً جميلة.
يصل الجميع للمنزل وتستقبلهم مريمة وقد أعدت الأكلات الشعبية فيتناولها الجميع ثم يخلدون للنوم وهكذا سارت الأمور على ما يرام وبعد مرور ستة أشهر, بدأ زموح يشعر بالضجر فأمواله بدأت تتبدد على لا شيء وأولاده بدؤوا يقلدون بعض السلوكيات الخاطئة, وجيرانه بدؤوا في مضايقته, فجارته العجوز حمياء بدأت بوضع القمامة أمام منزله, وجاره أبو قرن اقتطع جزءاً من أرضه الزراعية بحجة دخولها في صك أرضه الزراعية.تحمّل زموح الأذية حفاظاً على حقوق الجار الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم, فكان يبدأ بجمع القمامة من أمام منزله يومياً بعد أدائه صلاة الفجر مع الجماعة, ويسأل نفسه فيقول: لقد تغير الناس يا زموح وأنت ما زلت تتعامل معهم بعقلية ما قبل ثلاثين عاماً؟, ثم يستعيذ بالله من الشيطان, وهكذا استمر على هذه الحال مدة من الزمن.
وذات يوم يصل المنزل فتخبره زوجته مريمة بأن ابنهم الأصغر خُزري بدأ يتعاطى الدخان تقليداً لابن جارهم الأكبر جُعلي وابنته الصغيرة شريفة أهملت في دراستها ولا هم لها سوى متابعة الموضة وشراء الملابس من مشغل القرية, أخذ زموح يفكر جدياً في العودة إلى مدينته السابقة فبدأ يعد العدة لذلك ولكن ظروفه لم تسعفه فقال: أؤجل إلى السنة القادمة وجاءت فقال: السنة التي بعدها وهكذا مرت السنون وزموح يؤجل ويؤجل حتى شارف عمره على السبعين, وبدأ يصيبه الخرف من كثرة التفكير, فلقد جاء يحمل أحلامه بالعيش السعيد بقية عمره في قريته فواجه الصعوبات تلو الصعوبات, وأصبح كذلك الطائر الصغير المسمى زموح الذي جاء من الجبال إلى تهامة بحثاً عن الخضرة في موسم الربيع فوقع في أيدي الصيادين فكسروا أجنحته, وتركوا صبيانهم يلعبون به مرددين كُجل كُجل حرمة ولا رجل (أي ذكر أم أنثى), بدأ زموح بعدها يجلس أمام بوابة منزله يومياً ويردد زموح يا بو لبانة ما هدّ (جاء) بك تهامة, هدّيت (نزلت) شتّخضر (تبحث عن الخضرة) حطيت في اللزامة (الصيادين), ثم يتمتم بعدها بكلمات غير مفهومة, ويمر الناس من حوله ينظرون إليه ويقولون لا حول ولا قوة إلا بالله!.,وهكذا تمضي السنون وزموح على هذا المنوال, وفي أحد الأيام يسقط مغشياً عليه فيقترب منه أحد المارة ويسعفه للمستشفى ولكن إرادة الله سبقت, فلقد مات زموح وماتت معه أحلامه, فهل يا ترى أن زموح قد كان له من اسمه نصيب؟.
محمد حسين القيسي
جريدة الوطن:الاثنين 1 ربيع الآخر 1429هـ الموافق 7 أبريل 2008م العدد (2747) السنة الثامنة