الناشر :دار الرشد
لعل المدرسة أحد أقدم المؤسسات الاجتماعية التي أعتاد البشر على ارتيادها وعلى تواجدها في حياتهم فهي مألوفة إلى درجة الاعتياد اليومي حتى بدا أن الناس لا تفكر في أبعاد العمل المدرسي الذي تقدم عليه كل يوم وتوشحت المدرسة بأطرها التربوية حتى لم نعد نرى فيها غير هذا البعد : البعد التربوي لها بما تقدمه من معرفة منظمة وتخصصات وشهادات يؤمل منها أن تساعد المتخرجين على العثور على أعمال مناسبة في السوق.
ولم يحدث أن تحدثت مرة عن الجوانب الاجتماعية للتربية مع أحد من غير المتخصصين في هذا الجانب ألا وألحظ نظرة من الغرابة وربما الدهشة أحياناً من تعدد وثراء وسيطرة المؤسسة التربوية على الكثير من الجوانب الاجتماعية لحياتنا دون أن نعي ذلك ودور المؤسسات الاجتماعية على اختلافها في التأثير على كل ما يحدث داخل جدران المدرسة.
أن هذا الكتاب باختصار يحاول أن يفعل ذلك : أنه يحاول أن يشرح نظرياً وتطبيقياً كيف تتخلل المؤسسة التربوية حياتنا وكيف تؤثر في اتجاهاتنا وفي رؤيتنا وتفسيرنا لما حولنا، كيف أننا في حقيقة الأمر مجرد منتج ثقافي يقولب بواسطة الثقافة المجتمعية التي تستخدم المدرسة كوسيط أساسي لنقل ملامحها ونقوم نحن كبشر مسالمين بإعادة أنتاج ما تراه هذه الثقافة السائدة دون اعتراض!
ومع الهزات القوية التي تتعرض لها أنظمة التعليم وخاصة في دول العالم الثالث سواء بسبب انتشار بطالة المتعلمين الذين صرف عليهم النظام التربوي الملايين ليتخرجوا حفظة لا يملكون أي من المهارات الأساسية التي يحتاجها سوق العمل الحديث أو بسبب ظواهر الإرهاب المقلقة التي أحدثت هزات عنيفة طالت الاستقرار العالمي والمحلي لمعظم دول العالم بدأت الأسئلة الذكية في الظهور : ما هي المشكلة في هذا التعليم ؟ كيف ظهرت وانتشرت ظواهر خطيرة مثل التعصب والتطرف ونبذ الآخر ؟ لماذا يغلب الطابع النظري على هذا التعليم مقابل غلبة الاتجاهات العلمية والتطبيقية في باقي الأنظمة التعليمية في دول العالم .
لقد وصل قلق المواطن العادي تجاه نوع التعليم المقدم في المدارس إلى الحد الذي بدأ معه الكثيرون في التساؤل : هل أفعل الصواب حقاً حين أرسل أبني أو أبنتي لهذه المدارس التي تعاني ما تعانيه سواء ما تعلق بطرق التدريس أو تدريب المعلمين أو الإمكانات المدرسية أو الخطط والاستراتيجيات التي تكاد تكون معدومة حتى في المؤسسات التعليمية العليا ؟ ثم ما هو الحل ؟ في الحق لا توجد بدائل مطروحة أمام المواطن سواء كان واعياً بمشكلات النظام التعليمي أم غير مكترث بها ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب .
إننا كمواطنون عاديون في دول العالم الثالث لا نملك في ما يخص قرارات التعليم سوى الترقب والصمت والنقد في المجالس الخاصة حيث أن النظام الإداري الذي تتبناه وزارات التربية والتعليم وتدار على أساسه المدارس لا يتيح للأهالي المجال للمشاركة في صنع القرار تجاه ما يحدث في مدارس أبنائهم وبناتهم ومن ثم فأن أول خطوة لتشكيل بيئة واعية بما يحدث داخل المدرسة والتي من شأنها تدريجياً خلق جماعات الضغط الأهلية التي ستطالب بأدوارها في أدارة المدارس تماماً كما يحدث في الدول المتقدمة هو الوعي بالأثر الهائل الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المختلفة في التأثير على ما يحدث داخل المدرسة من أدارة ومناهج وتدريس وأنشطة صفية ولا صفيه.
ولذا فسيحاول هذا الكتاب وبلغة مبسطة إدخال بعض أهم المفاهيم النظرية في مجال اجتماعيات التربية وطرح أسئلة حولها والتعليق في بعض جوانبها بما يحدث في أنظمتنا التعليمية المحلية.
الفصل الأول سيقدم مفهوم اجتماعيات التربية ليقربه من أذهان غير المتخصصين ثم يعرج بشكل دراسي على نشأة هذا العلم وبعض رواده مع طرح أهم القضايا التي يعنى بها علم اجتماعيات التربية.
الفصل الثاني ينظر إلى المدرسة كمؤسسة بيروقراطية محاولاً شرح أهم القوي التي تؤثر في عمل المدرسة ودور القوي الثقافية والدينية والسياسية في صياغة ما يحدث داخل المدرسة.
الفصل الثالث يتعرض لأكثر المفاهيم محبة إلى قلبي ككاتبة وهو مفهوم الثقافة إذ هو يحاول أن يطرح بشكل يثير القلق عدداً من القضايا المرتبطة بموضوع الثقافة والتربية مثل النسبية الثقافية والشمولية الثقافية وتأثير الثقافة على شخصياتنا الإنسانية والقلق الذي تحدثه التغيرات المعرفية والتكنولوجية والثقافية في مفاهيم تكاد تكون ثابتة في الذهنية العربية مثل : سلطة المعلم ، ما هي القيم التي ينقلها المعلم ؟ و ما هي تلك التي يجب أن يطرحها بوعي منه؟ كيف ستتمكن المناهج التعليمية وهي أحد ألأوعية الأساسية لنقل الثقافة من مواجهة الثورة المعرفية التي تخطت محتويات الكتاب المدرسي !
الفصل الرابع يناقش موضوع اجتماعيات المعرفة والذي يطرح السؤال البديهي الذي يجب أن يسأله كل منا: من الذي يحدد المعرفة المقدمة لنا ولأبنائنا في المدارس ؟ وهل تقدم لنا فعلاً ضمن قوالب موضوعية وعلمية كما يقولون؟ وعلى أي أساس تبني أهمية المواد الدراسية المختلفة في أذهاننا منذ كنا صغاراً ولمصلحة من يتم ذلك ؟ من هي القوى الأساسية التي ساهمت في تشكيل وعينا المعرفي أو تشويهه حسب نوع التعليم الذي تلقيناه ؟ يلي ذلك الدخول إلى موضوع شيق في اجتماعيات التربية وبدا أنه يحظى باهتمام متزايد هذه الأيام وهو موضوع المنهج الخفي الذي يوازي المناهج الصريحة المدرسة في المدارس بل ربما كانت المناهج أحد وسائط هذا المنهج الخفي عبر القيم الغير مباشرة التي تحاول زرعها في المتعلمين محاولة الكشف عن مكونات هذا المنهج في مؤسساتنا التعليمة وآثاره المباشرة وغير المباشرة.
ويتعرض الفصل الخامس لمناقشة عدد من المداخل النظرية الأساسية في علم اجتماعيات التربية، وبدون فهم واستيعاب وتمثل الأسس النظرية لأي علم لا يمكن ممارسة التحليل والكتابة والتدريس. كما أن فهم الأسس النظرية التي تحاول هذه النظريات من خلالها شرح علاقة المدرسة بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالتربية من قبل غير المتخصصين سيساهم في فهم الصورة العامة أو الأطر الكبرى التي تعمل من خلالها أجهزة التعليم وفي هذا الإطار سنتعرض لأقدم النظريات وأكثرها بحثاً في مجال علم الاجتماع العام ثم علم اجتماع التربية وهي النظرية الوظيفية التي تبرر ما يحدث في المؤسسات الاجتماعية بما فيها المدرسة على أنها نتيجة أتفاق عام غير معلن بين المؤسسات الاجتماعية ثم تأتي نظرية الصراع لتقدم بعداً آخر يوضح كيف أن النظام الاجتماعي مقسم الى قسمين : الى جماعات مسيطرة وجماعات خاضعة والعلاقة بينهما مضطربة حيث تقوم الجماعات المسيطرة بتسخير معظم إمكانات المجتمع لتحقيق أهدافها وبوسائلها، وحتى تحقق الجماعات المسيطرة ذلك فهي تفرض قيمها ورؤيتها للعالم على الجماعات الخاضعة لها.
ثم تأتي النظرية التفاعلية لتقدم بعداً آخر يفسر ما يجري في المدرسة بشكل لم نألفه وهي التي تري أنه يمكن تفسير الحياة الاجتماعية لا على مستوى ما يحدث من صراعات عامة كما أكدت النظريتين السالفتين بل عبر التأمل في التفاعلات الفردية للمشتركين في الموقف الدراسي ( الطالب والمعلم الخ ) وحيث أن الأفراد ممن ينتمون إلى ثقافة مشتركة هم أقرب إلى تفسير المواقف الاجتماعية بطريقة مشابهة بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والخبرات والتوقعات المشتركة لذا فمن السهل التنبؤ بالموقف التعليمي وتفسيره.
النظرية النقدية تطالب بمحاولة هدم بعض الافتراضات الظاهرة أو الخفية التي تسيطر على المجتمع وخاصة علاقة السلطة والقوى الفعلية والخفية المسيطرة في المجتمع وهي تؤمن بأنه وعلى الرغم من القهر الذي يقع على الجماعات الضعيفة ألا أن الوعي بطبيعة هذا القهر وأسبابه يحمل الأمل في تحويل وتغيير النظام الاجتماعي .
ونختم هذا الفصل بنظرية ما بعد الحداثة باعتبارها أحدث نظرية في هذا المجال حتى الآن وهي التي تنادي برفض التفسيرات الجاهزة التي تقدمها النظريات المختلفة لأحداث التاريخ وهي تسعى إلى الكشف عن المحركات الثقافية والتاريخية لأحداث معينة مرتبطة بزمن معين في مكان معين ولا تقبل إسقاط التفسيرات الجاهزة المسبقة على هذه الأحداث بل ترى أن لكل وضع خصوصية تؤدي إليه ويجب أخذها بعين الاعتبار.
الفصل السادس يسعى إلى تقديم أطروحات حديثة نسبياً في مجال اجتماعيات التربية ، أنه يسعى إلى أن يعرف القارئ بأصوات جديدة لا يتاح لها أن تصل أحياناً رغم أهميتها في مساعدتنا على فهم ما يحدث حولنا وفي داخل المؤسسة التربوية مثل التربية للتحرير التي نادي بها باولو فيراري أو اللامدرسية التي نادت بالقضاء على المدارس وتخليص المجتمعات من المؤسسات التعليمية لأنها هي من خلق ما يسمه رائدها إيليتش بالفرد الممدرس وعليك عزيزي القارئ أن تقرأ ذلك الفصل لتدرك معنى هذا المصطلح!
كما حاولت في هذا الفصل تسليط بعض الضوء الخفيف على الدراسات النسوية في مجال اجتماعيات التربية للتعرف على تطورها واهم المواضيع التي درستها وساهمت من خلالها في إثراء النقاش حول طبيعة العوامل الخارجية المؤثرة في المدرسة .
أرجو أن تستمع بقراءة هذا الكتاب بالقدر الذي استمتعت فيه بكتابته ومع معرفتي بأن بعض الموضوعات المطروحة لم تنل حظها الوافر من التقصي والبحث لأسباب عديدة ألا أني أثق أن جهد الزملاء والزميلات في حقل اجتماعيات التربية كفيل بإضافة وتعويض ما ينقص هذه الدراسة .
المؤلفة: د. فوزيه بكر البكر
أستاذ مشارك /قسم التربية/ كلية التربية
الرياض / جامعة الملك سعود