Skip Navigation Links
Skip navigation links
Home
C.V
Publications
Final test model
Published research
Courses
Symposia
الصفحة الرئيسية
السيرة الذاتية
المقررات الدراسية
المحاضرات
مقدمة في علم السياسة
محاضرات نظام الحكم في الإسلام
مؤلفات منشورة
ندوات
بحوث منشورة
نماذج الاختبارات النهائية
نتائج الاختبارات الفصلية
نتائج اختبارات 101 ساس
نتائج اختبارات 381 ساس
نتائج اختبارات 475 ساس
(نتائج الاختبارات الفصلية (طالبات
شعبة 7626
شعبة 21673
الإسهامات الميتافيزقية في الفكر السياسي بين "الترف الذهني" و "الأهمية العلمية والواقعية (رؤية تقييمية لفكر "أفلاطون" و "هيجل")" 
 

الإسهامات الميتافيزقية في الفكر السياسي

بين "الترف الذهني" و "الأهمية العلمية والواقعية"

(رؤية تقييمية لفكر "أفلاطون" و "هيجل")

                                                        د. أسامة أحمد العادلي(·)

 

مقدمــة:

        كانت كلمة "الفلسفة" تشير – منذ الفكر اليوناني القديم وحتى تسرب المنهج التجريبي إلى دراسة الظواهر الإجتماعية – إلى "المعرفة" على إطلاقها، فقد كانت تعني معالجة الفكر الإنساني لكل شئ ولأي شئ في الطبيعة أو في المجتمع، في عالم المحسوس وغير المحسوس، لما هو كائن ولما يجب أن يكون، وسواء أكان ذلك مرتبطاً بنظرات ذاتية أو بأحداث واقعية. لقد ظلت الفلسفة – إذاً – تعني المعرفة على إطلاقها إلى أن استقر الإتفاق على قصر استعمال لفظة "الفلسفة" على المعرفة اللاتجريبية، وقصر استعمال لفظة "العلم" على المعرفة التجريبية.

        ومن هنا كان معيار التمييز المعاصر في المعارف الاجتماعية بين المنهج العلمي والمنهج الفلسفي أو "المثالي": فيكون المنهج علمياً كلما كان قوامه البدء من الواقع للإنتهاء عن طريق الملاحظة والمقارنة إلى تفسير أحداث هذا الواقع والتوقع في شأنه، وبالتالي فإن الأحكام التي ينتهي إليها الباحث بالمنهج العلمي هي أحكام موضوعية أو واقعية في مواجهة الأحكام القيمية التي تصدر معبرة عن وجهات نظر ذاتية لأصحابها. ويكون المنهج فلسفياً "مثالياً" حيث يقوم على مجموعة من إجراءات ذهنية تبدأ من مقدمات لا واقعية (ميتافيزيقية أو عقلية صرفة أو عقائدية أو حتى مسلمات أو بديهيات أو أفكار عامة جارية)، للإنتقال من هذه المقدمات – أياً ما كانت – إلى نتائجها المنطقية، ولكي يرى الفيلسوف في هذه النتائج ما يجب أن يكون عليه الواقع الاجتماعي(1).

        هكذا إذاً وصفت مناهج التفكير الفلسفية "المثالية" بأنها ذاتية بحلولها، وذلك في مواجهة موضوعية المناهج العلمية، وبأنها استنباطية بطريقتها في مواجهة الاستقراء العلمي، وأنها تسعى إلى "ما يجب أن يكون" في شكل أنماط مثالية صالحة لكل زمان ومكان وذلك في مواجهة السعي في المنهج العلمي إلى "ماهو كائن" للانتهاء من خلاله إلى أحكام موضوعية لا يتأتى إلا أن تكون نسبية، ذلك بأن ما يصلح لتفسير بيئة جغرافية أو حضارية أو ثقافية معينة ليس صالحاً بالضرورة لتفسير شتى البيئات رغم تباين واقعها الجغرافي والحضاري والثقافي. وارتباطاً بذلك كان "المنهج الفلسفي" أو "المثالي" هو منهج الدراسات النمطية كدراسة القانون ودراسة الأخلاق، ذلك بينما يمثل "المنهج العلمي" منهج العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السياسة(2).

موضوع البحث وهدفه:

        نستخلص مما تقدم أن الأفكار الفلسفية في عالم السياسة قد راح يُنظر إليها – في أيامنا – باعتبارها نوعاً من الترف الذهني، وذلك على الرغم من أن دراسة الظواهر السياسية قد ظلت غارقة في خضم الاعتبارات الميتافيزيقية والأخلاقية منذ الفكر اليوناني القديم (القرن الرابع قبل الميلاد) وحتى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي (مرحلة ظهور التفسير العلمي للظواهر السياسية).

        وهكذا يستهدف هذا البحث التعريف بأبرز "الاسهامات الميتافيزيقية"(3) في الفكر السياسي، وخاصة تلك التي قدمها أظهر أولئك الذين نهجوا منهجاً فلسفيا ذا مقدمات ميتافيزيقية تتصل بعالم ما وراء الطبيعة، أنهم المفكرون الذين نأوا بأنفسهم عن دنيا الواقع، وأبوا إلا الغوص في عالم الروح على عمق أغواره، ولا نهائية دهاليزه بحثاً عن الحقيقة واستلهاماً للمعرفة. ذلك بأن هؤلاء القوم من الفلاسفة ترسخت قناعاتهم بأن "الحقيقة" و "المعرفة" ليستا من شأن عالمنا المادي المحسوس وإنما هما قابعتان في "عالم الروح" (اللامحسوس).

        وعلى ذلك فسوف يأتي تناولنا لتلك الإسهامات من خلال عرضنا لأفكار أظهر أولئك الفلاسفة ألا وهما: "أفلاطون" و "هيجل"، فأولهما هو مؤسس هذا المنهج (في القرن الرابع قبل الميلاد)، وثانيهما هو آخر البارزين ممن ارتبطوا بتلك المقدمات (في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي). ولننتهي من خلال استعراض إسهاماتهما إلى التعرف على الدور الذي لعبته هذه الإسهامات في تطور الفكر السياسي على مر العصور، ولنجيب على تساؤلنا المطروح في عنوان هذا البحث ألا هو: هل كان لذلك الفكر صداه في الوقع السياسي أم أنه قد كان مجرد فكر مثالي وخيالي لا طائل يذكر من ورائه؟

مادة البحث ومنهجه:

        يتضح من خلال ما تقدم أن مادة هذا البحث إنما تتمثل في الأفكار السياسية التي قدمها "افلاطون" و "هيجل"، على تباعد الفترة الزمنية بينهما، وعلى اختلاف بيئتيهما وظروفهما.

        ولما كان منهج البحث يتحدد وفقاً لهدفه وطبيعة مادته، فإن المنهج الذي يستقيم وهذا الهدف هو "المنهج الاستنباطي" الذي يرتكز على سلسلة من عمليات التدليل العقلي التي تبدأ من أفكار هذين المفكرين في مجال السياسة، وذلك بغية الوصول إلى تحقيق الهدف من هذا البحث.

خطة البحث:

        يأتي تناولنا لمضمون عملنا هذا من خلال مبحثين وخاتمة، حيث نخصص أولهما للتعريف بالمفكر الإغريقي "أفلاطون" (حياته وبيئته ومنهجه وفكره)، بينما نخصص ثانيهما للتعريف بالمفكر الألماني "هيجل" (حياته وبيئته ومنهجه وفكره). ثم نذيل ذلك كله بخاتمة تتضمن جملة ما أنتهينا إليه من نتائج بصدد هدفنا – المشار إليه – من هذا البحث.

المبحث الأول

في

التعريف بالمفكر الإغريقي

"أفلاطون"

(حياته وبيئته ومنهجه وفكره)

 

أولاً : حياته وبيئته:

        ولد "أفلاطون" في عام 427 ق. م بمدينة "أثينا"، في رحاب ما كان يُعرف بـ "دولة المدينة"(4)، إذ كانت بلاد الأغريق حينذاك مقسمة إلى عديد من مدن مستقلة حال أثينا وأسبرطة وأرجوس، وبالتالي فإن الوحدة السياسية خلال تلك الحقبة كانت تتمثل في "المدينة"، والتي كانت تنطوي على ثلاث فئات إجتماعية تتمثل في(5):

1 -  المواطنون: ويشترط فيهم أن يولدوا لأب وأم ينتمون لنفس "المدينة"، وهؤلاء فقط هم الذين يتمتعون بالحقوق السياسية في المدينة بمجرد بلوغهم سن الثامنة عشرة.

2 -  الأجانب: وهم من لم يولدوا لأبوين من مواطني المدينة، وهم لذلك محرومون من ممارسة أية حقوق سياسية داخلها، على الرغم من كونهم أحراراً.

3 -  الأرقاء: وهم لا يتمتعون بأية حقوق سياسية ولا حتى إنسانية، وذلك على الرغم من كونهم عماد إقتصاد المدينة، فهم الأطباء والمدرسون والعمال وخدم المنازل(6).

        في ظل "دولة المدينة" هذه ولد "افلاطون" لأسرة أثينية أرستقراطية، وقد حفزته ظروفه تلك –  كغيره من شباب الارستقراطيين – إلى المشاركة في الشئون العامة، بل وجعلته شديد التطلع للحكم، وهو الأمر الذي كاد أن يتحقق في عام 404 ق. م، مع نجاح الثورة التي قام بها ثلاثون أرستقراطياً أثينياً للسيطرة على الحكم، خاصة وقد كان من بينهم عمه "كرميدس" وابن عم أمه "كريتياس"، ولكن سرعان ما خابت أمال أفلاطون في أن يكون واحداً من الحكام الجدد، بعدما تبين له فشل الحكم الارستقراطي الأوليجارشي الجديد في إدخال الإصلاحات التي تمناها، والتي اعتقد أنها ستجعله ضمن زمرة الحكام(7).

        وعلى أية حال، فلم تطل حسرة أفلاطون، فبعد بضعة أشهر، عاد إليه الأمل من جديد مع عودة "النظام الديمقراطي"(8) إلى حكم أثينا، حيث تصور أفلاطون أن الفرصة قد واتته من جديد لكي يحقق حلمه في الوصول إلى الحكم.

        والحق أن عام 399 ق.م قد شكل نقطة تحول مصيرية في حياة الفيلسوف الشاب (وكان وقتذاك في الثامنة والعشرين من العمر)، ففي هذا العام، أقتيد أستاذه الفيلسوف "سقراط" (وكان في السبعين من عمره) للمحاكمة بتهمة معلنة هي الطعن في آلهة أثينا وإفساد أخلاق شبابها، هذا بينما كانت تهمته الحقيقية هي أفكاره التحررية التي راحت تجد صداها عند تلاميذه ومريديه وجلهم من الشباب الذي يخشى خطره على طبقة الطغاة الحاكمة(9).

        وهكذا صدم "افلاطون" – مرة أخرى- في حكام أثينا بعد أن أقدموا على فعلتهم الشنعاء وجريمتهم الخسيسة التي راح ضحيتها أستاذه العظيم، ومثله الأعلى في الفكر الفلسفي. وهنا ضاقت نفس أفلاطون بالحياة في أثينا، فهجرها، وقام بكثير من الرحلات، فتنقل خلال الاثنتي عشر عاماً التالية (من عام 398 إلى عام 386 ق.م) في بلاد اليونان وإيطاليا وصقلية وبابل وفارس ومصر وفلسطين، مكرساً وقته وجهده للإطلاع على حضارات وثقافات وأنظمة تلك البلدان(10).

        وقبل أن يعود "أفلاطون" مرة أخرى إلى مدينته أثينا، ترسخت خبراته العملية حين أرسل له أعتى طغاة الشرق "ديونسيوس الأول" – طاغية صقلية الشهير – يدعوه لزيارته، فلبى الفيلسوف دعوته، وهناك تعرف على "ديون" صهر الطاغية وشقيق إحدى زوجتيه، وكان يبلغ من العمر أثنين وعشرين عاماً. ورغم أن أفلاطون كان يكبره بنحو عشرين عاماً، إلا أن صداقة عميقة كانت قد ترسخت بينهما، خاصةً وقد سُحر "ديون" بأفكار الفيلسوف وكلماته المؤثرة، حتى أن حياة "ديون" قد تحولت من النقيض إلى النقيض، فبعدما كان منغمساً في حياة اللهو والملذات، راح يسلك مسالك "الخير" مؤثراً إياه على اللذة والترف. وهو الأمر الذي أغضب الطاغية "ديونسيوس الأول" وحاشيته، واضطر أفلاطون – بمساعدة صديقه "ديون" – إلى الرحيل على متن إحدى السفن التي كانت تقل أيضاً سفير أسبرطة الذي كان ديونسيوس قد أسر إليه بأن يقتل أفلاطون في الطريق أو يبيعه، فآثر السفير الثانية وباعه فعلاً في "إيجينا" بثلاثمائة درهم لـ "إينقورس القورينائي"، غير أن القدر كان رحيماً بأفلاطون، حيث أعتقه "اينقورس" مقابل حصوله على فدية كبيرة(11).

        هكذا إذن عاد فيلسوفنا إلى مدينته بعد أن أمتزجت خبراته النظرية التي استقاها من أستاذه سقراط، بخبرات عملية تكونت في أثناء رحلاته التي أختتمها باقترابه من الطاغية ديونسيوس. وعلى ذلك فلم يك غريباً أن راح أفلاطون يؤسس أقدم جامعة في العالم، والتي أشتهرت باسم "أكاديمية أفلاطون"، وفيها ألقى الفيلسوف دروسه وتجمع حوله التلاميذ  والمريدون. ولعل أبرز ما قدمه أفلاطون من خلال أكاديميته هو إخراج محاوراته (التي وصلت إلى خمس وثلاثين محاورة)(12)، والتي يأتي في طليعتها ثلاث محاورات هي: "الجمهورية" و"السياسي" و "القوانين".

        وإذا كانت محاورات أفلاطون الثلاث المشار إليها هي أبرز الكتابات التي حملت أفكار فيلسوفنا، فإنها أيضاً تكشف عن ذلك التغير الذي راح يلحق بأفكاره في كل مرحلة من مراحل حياته، فبينما تأثر في محاورته "الجمهورية" بأفكار أستاذه سقراط إلى حد كبير، حتى أن سقراط كان هو أبرز شخصيات تلك المحاورة، نجده قد راح ينحو بأفكاره في اتجاه مغاير عبر محاورتيه "السياسي" و "القوانين".

        ولعلنا نستطيع أن نرد ذلك إلى أن الفترة الزمنية التي باعدت بين المحاورة الأولى (الجمهورية) وبين المحاورة الأخيرة (القوانين) قد جاوزت الثلاثين عاماً. هذا فضلاً عن أن هذه الفترة كانت قد شهدت رحلة أفلاطون الثانية إلى صقلية في عام 368 ق.م، وذلك بعد وفاة "ديونسيوس الأول" متأثراً بإفراطه في الشراب وإصابته بالحمى، حيث خلفه في الحكم إبنه "ديونسيوس الثاني" الذي كان والده قد فرض عليه العزلة، فكان إنساناً ضعيفاً، سهل الإنقياد، لا يستطيع الاعتماد على نفسه، وهو ما جعل شقيق والدته "ديون" يأمل في إقناعه بالأفكار السياسية لصديقه أفلاطون، والتي سرعان ما تحمس لها الملك الشاب(13).

        كان "افلاطون" قد استجاب – بعد تردد – لتوسلات صديقه (ديون) ، وسافر – كما أشرنا – إلى صقلية للمرة الثانية لتحقيق حلمه في ترويض الطاغية الجديد، ورغم حفاوة الاستقبال التي لقيها الفيلسوف، إلا أن شهوراً ثلاثة كانت كافية لوقوع المؤمرات والدسائس لتوغر صدر "ديونسيوس الثاني" على خاله، وفوجئ أفلاطون بالطاغية ينفي "ديون" بتهمة التآمر والطمع في السلطة، وهكذا بقي فيلسوفنا وحيداً يحاول التأثير في الملك الشاب، بيد أن كل محاولاته قد باءت بالفشل، حتى اقتنع بضرورة الرحيل خشية أن يدبر له الطاغية أمراً كما فعل أبوه من قبل، ونجح أفلاطون في تحقيق غايته تلك بعد أن وعد الملك بقبوله العودة مرة أخرى حالما تتغير الظروف السياسية التي كانت تشهدها صقلية آنذاك(14). وهكذا تمكن أفلاطون من مغادرة الجزيرة والعودة سالماً إلى أثينا(15).

        ولعل الغريب في الأمر حقاً، أن رحلة أفلاطون الثانية لم تك هي رحلته الأخيرة إلى صقلية، فبمجرد أن استتب السلام في الجزيرة ، ألح ديونسيوس في طلب أفلاطون، الذي أصر على رفض تلبية الدعوة متعللاً بتقدمه في السن. غير أن الملك لم ييأس وعاد يلح على الفيلسوف مستخدماً موقفه من "ديون" (صديق أفلاطون) كورقة ضغط، حيث أكد – في رسائله لأفلاطون – أن موقفه من "ديون" لن يتغير إلا بعودة الفيلسوف، وهو نفس الأمر الذي أكدته رسائل أخرى من أصدقاء أفلاطون في صقلية والتي أشارت كلها إلى تقدم ديونسيوس في اهتمامه بالفكر الفلسفي. وهكذا قام أفلاطون، على مضض، برحلته الثالثة والأخيرة لزيارة صقلية، بيد أن هذه الزيارة كادت أن تتحول إلى كارثة، حيث لم يف ديونسيوس بشئ من وعوده، ووجد أفلاطون نفسه سجيناً، وحاصره التهديد بالقتل، فأرسل إلى بعض من أصدقائه ليبلغهم بالخطر الذي يتهدده، فتشفعوا له عند ديونسيوس الذي وافق – بعد مماطلة – على مغادرته لصقلية(16).

        كانت هذه هي خاتمة رحلات ثلاث حاول فيها مفكرنا أن يحقق أحلامه الفلسفية، والمثير للتأمل حقاً أنه قد فشل في المرات الثلاث فشلاً ذريعاً، وهو الأمر الذي راح يؤكد – مرة تلو الأخرى – لفكرته القائمة على رفض الواقع . الواقع الذي لم يهيئ له تولي الحكم وهو ابن الأسرة الارستقراطية، والذي جعل من يتسترون بالديمقراطية يعدمون أستاذه سقراط، وهو نفس الواقع الذي جعل الأخيار من أمثاله ومن أمثال صديقه "ديون" يعجزون عن مواجهة الطغاة من شاكلة ديونسيوس الأب وديونسيوس الأبن .. إنه الواقع الذي رفضه أفلاطون وراح يتنكر له .. وياله من واقع أليم!!

ثانياً: منهج أفلاطون:

        لعبت حياة أفلاطون وبيئته الدور الأكبر في تحديد شكل منهجه، فعلى الرغم من معايشته للواقع في بواكير حياته، إلا أن أحداث ذلك الواقع قد راحت تقنعه شيئاً فشيئاً - على نحو ما رأينا – بضرورة هجره والتنكر له، ولعلنا نستطيع أن نستدل على ذلك بعبارات قد وردت على لسان أفلاطون، إذ يقول: "كأي ابن لأسرة ارستقراطية كنت متلهفاً إلى أقصى حد للاشتغال بالشئون العامة (يقصد الحكم)، غير أنني عندما أمعنت النظر في واقع الحياة السياسية هالني تلاحق أحداثها، وأخذ بعضها برقاب بعض، فأحسست بدوار، وانتهى بي المطاف إلى أن أتبين بوضوح أن جميع أنظمة الحكم الموجودة الآن، وبدون استثناء، أنظمة فاسدة، فدساتيرها قاطبة أدنى إلى أن تكون مستعصية على الإصلاح ما لم تصادفها معجزة من معجزات الزمن القديم"!!(17).

        وهكذا، وإزاء الصدمات التي تعرض لها أفلاطون في شبابه على النحو المتقدم، فقد راح يرفض الواقع ويتجه إلى عالم الميتافيزيقا (عالم الروح أو عالم ما وراء الطبيعة) لكي ينتهي إلى القول بأنه: "لا حقيقة في عالم المحسوس، ذلك بأن الحقيقة هي من شأن عالم الروح فحسب، كما أن على عالم الواقع حتى يكون فاضلاً أن يلتزم بقيم عالم الروح"(18).

        ومن هنا راح أفلاطون يبدأ من مقدمات ميتافيزيقية (بمنأى عن الواقع)، ثم عن طريق سلسلة من عمليات التدليل العقلي إنتهى إلى تقديم صورة لما يجب أن يكون عليه الواقع (الاجتماعي والسياسي) حتى يكون فاضلاً، إنه منهج يستهدف الكشف عن الأمثل في رحاب عالم الروح حيث المثل والقيم والفضائل بشتى صورها، وكل ذلك بعيداً عن الواقع المرير الذي يفتقر – عند أفلاطون – إلى أية حقيقة، لأن الحقيقة – عنده – حكر عالم عالم الروح دون سواه. على تلك الصورة إذاً كان منهج أفلاطون الفكري، الأمر الذي جعله – وبحق – الرائد الأول لما راح يعرف بـ "المنهج الفلسفي المثالي"، وهو – في مجالنا – مؤسس "الفلسفة السياسية" وأستاذها بغير منازع(19).

 

 

ثالثاً: الفكر السياسي لأفلاطون:

        قدم أفلاطون أفكاره عبر خمس وثلاثين محاورة، يأتي على رأسها – كما سبق وأن أشرنا – محاوراته الثلاث الشهيرة "الجمهورية" و "السياسي" و "القوانين". ورغم تنوع أفكار أفلاطون وتعدد مجالات اهتمامه، والتي شملت إلى جانب السياسة مجالات الاقتصاد والاجتماع والقيم والأخلاق، إلا أننا سنحاول أن نستخلص من بين تلك الأفكار جميعاً أفكاره ذات البعد السياسي، حتى وإن كانت قد جاءت في سياق اهتمامه بمجال آخر. وفيما يلي نعرض لشئ مما قدمه أفلاطون من فكر سياسي في طيات كل من محاوراته الثلاث المشار إليها.

( أ ) محاورة الجمهورية:

        أخرج أفلاطون تحفته الرائعة والفريدة "الجمهورية" للنور، وهو في نحو الأربعين من العمر، حيث راح يعرض عبر سطورها لشتى مناحي الحياة الإنسانية، مولياً وجهه شطر معالجة موضوع رئيسي هو البحث عن الأفضل، البحث عما يجب أن يكون، بعيداً عما هو كائن(20).

        وعلى ذلك فقد جاءت آراؤه في هذه المحاورة، داخل إطار مثالي، يتخيل فيه حواراً بين "سقراط" (الناطق باسم "أفلاطون" في المحاورة) وبين مجموعة من المريدين(21). وهو ما دعا البعض إلى وصف محاورة أفلاطون في "الجمهورية" بأنه قد بدأها سقراطياً معبراً عن آراء سقراط الخالصة، وانتهى أفلاطونياً معبراً عن رؤى أفلاطون المغايرة لأفكار أستاذه(22).

        هكذا إذاً إنطلق "افلاطون" في محاورة الجمهورية من أفكار "سقراط"، حيث بدأ من مسلمة رئيسية – استقاها من أستاذه – مؤداها أن "الفضيلة هي المعرفة Virtue is Knowledge وهو يقصد بها حياة أفضل للإنسان وللمجتمع، وذلك في معنى أن "الفضيلة" عنده ليست مجرد وسيلة يتمكن بها الفرد من رفع مستوى معيشته أو يرقى بها مجتمعه، ولكنها غاية في ذاتها، وبدونها لا يقوم مجتمع سياسي(23).

        والحق أن "أفلاطون" في تصوره للفضيلة كان قد ارتكز على أن "العدالة" هي الفضيلة الأساسية للروح، وبالتالي فالرجل العادل هو الأسعد والأحكم والأقوى والأفضل. هذا بيد أن "العدالة" نفسها تستدعي تساؤلاً عن كنهها، وهو ما طرحه أفلاطون – في محاورته – في صورة تساؤل بسيط أورده على لسان سقراط عن ما هية "العدالة"(24)؟

        وفي الإجابة عن هذا التساؤل، لجأ أفلاطون إلى أسلوب الجدل والقياس المنطقي، حيث راح يستعرض التعريفات المتداولة لفكرة العدالة مبيناً نسبيتها وبالتالي قصورها في التعبير عن فكرة "العدالة" ذاتها. ومن ذلك تعريف العدالة بأنها: "قول الحق ورد ما يأخذه الإنسان من غيره"(25)، في معنى "أن نرد لكل إنسان ماهو ملك له"، ففي هذا المضمون يرى أفلاطون صورة من صور عدم العدالة!!. وراح يؤكد لفكرته هذه بقوله: "إذا أودع شخصاً ما عند آخر سلاحاً، ثم جاءه ثائراً يطلب سلاحه ليستخدمه كأداة للقتل، فإن منعه عن سلاحه حتى لا يسئ استخدامه هو قمة العدالة"(26).

        ومن هنا فإن "العدالة" في الفرد – عند أفلاطون – هي أن يتحكم في نزعاته المتضاربة، بحيث ينمي نزعاته "السامية" ويقهر نزعاته "الوضيعة". هذا بينما تشير "العدالة" في الدولة إلى أن يتولى كل فرد العمل الذي تؤهله له طبيعته وقدراته الذهنية والجسدية، وعلى ذلك فإن "الدولة العادلة" هي تلك التي تضع كل شخص في المكان المناسب الذي تؤهله له طبيعته ونزعاته وقدراته(27).

        وهكذا كانت رؤية أفلاطون هذه من وراء ظهور فكرة جديدة ظلت تلازم "النظرية الاجتماعية" حتى الآن، ألا وهي الخاصة بتحقيق التكامل الاجتماعي من خلال تبادل الخدمات بين أفراد المجتمع، وهي فكرة تحمل بين ما تحمل مبدأ اقتصادياً هاماً ألا وهو مبدأ تقسيم العمل والتخصص الاقتصادي(28).

        ومن هنا جاءت مسلمة أفلاطون الثانية، والتي مؤداها: "أن التكامل وتقسيم العمل يمثلان السبيل الوحيد لبلوغ الحياة الاجتماعية هدفها المتمثل في إشباع الحاجات". وإنطلاقاً من هذه المسلمة راح أفلاطون يصور الكيان الطبقي للمدينة على منوال جسم الإنسان، وذلك على اعتبار أن الإله هو خالق هذا الجسم، وبالتالي فهو ينطوي على المثالية. والإنسان عند أفلاطون عبارة عن "ذكاء" و "طاقة" و "أعضاء"، وعليه فإن "المدينة الفاضلة" تتألف من ثلاث طبقات على النحو التالي(29):

1 -   الحكام (الفلاسفة): وهم يقابلون الذكاء في جسم الإنسان.

2 -   المحاربون: وهم يقابلون الطاقة في جسم الإنسان.

3 -   الحرفيون: وهم يقابلون الأعضاء في جسم الإنسان.

        وهكذا، فالحرفيون هم المختصون بالإنتاج بهدف إشباع حاجات المجتمع في شتى صورها، وبالتالي تمكين الطبقتين الآخريين من التفرغ لوظيفتيهما، أما المحاربون فهم الطاقة الشجاعة القادرة على الدفاع عن أرض المدينة، وكسر شوكة الأعداء. وأخيراً تأتي طبقة الحكام التي هي من شأن الفلاسفة، ذلك بأنهم وحدهم القادرون – بحكم رجاحة عقولهم – على العودة إلى عالم الروح (الذي تقبع فيه الحقيقة)، واستلهام حقائق الحكم منه(30).

        وارتباطاً بما تقدم، يرى أفلاطون أن الطبيعة هي التي فرضت هذا التقسيم الطبقي، بل ويلجأ إلى استخدام الأسطورة لكي يقنعنا بصحة رؤيته تلك، إذ يستند إلى أسطورة فينيقية قديمة تقول: "بأن الناس جميعاً قد ولدوا من الأرض، وأن عليهم حمايتها والدفاع عنها، بيد أن الإله قد ميزهم عن بعضهم البهض، فخلط معدن بعضهم بالذهب ليهبهم للحكم (يقصد الفلاسفة)، وخلط بعضهم بالفضة وأعدهم للحراسة والحرب (المحاربون)، أما بقية أفراد المجتمع فقد خلط طبيعتهم بالحديد والنحاس وأعدهم للزراعة والصناعة (الحرفيون)"(31).

        وعلى ذلك فالحكومة المثلى – عند أفلاطون – هي "حكومة الفلاسفة"، فعلى الفلاسفة أن يكونوا ملوكاً وعلى الملوك أن يكونوا فلاسفة(32)". أو على حد قول صاحب الجمهورية: "سوف لا تنعم المدن بأي خير ما لم يصبح الفلاسفة ملوكاً، أو يتشرب أمراء هذه الدنيا بروح الفلسفة وما تمنحه من صلابة، وبهذه الطريقة فحسب يمكن وضع حد لعجز الساسة الجهلاء الذين لا ينشدون إلا مصالحهم الذاتية ...، وعلى ذلك يتعين أن تضع المدينة نصب عينيها هدفاً رئيسياً قوامه إيجاد الحكام الذين يسيرون دفة الأمور في حكمة، لأن عيونهم قد أبصرت الحقيقة، فأصبح في مقدورهم أن يتجردوا من الأنانية في حكمهم، فلا يعتبرون المنصب إمتيازاً يتمتعون به بل واجباً يناط بهم أن يقوموا به على خير وجه، وعبئاَ يتعين عليهم أن يحملوه على عاتقهم في سبيل خير شعوبهم"(33).

        ويلاحظ من ثنايا ما تقدم أن أفلاطون – على الرغم من مخاصمته للواقع – إلا أنه لم يستطع التخلص من مفاهيم بيئته التي ظلت تلاحقه، إذ نراه يشير إلى نفس مفهوم "الحكم الصالح" السائد في عصره، والمتمثل في الحكم الذي يتغيا صالح المجموع (الصالح العام)، وإن كان افلاطون قد قصر وسائل بلوغ هذا الحكم على وسيلة واحدة هي وضع مقاليد الأمور في يد الفلاسفة دون سواهم، ليس هذا فحسب، ولكنه أشار – في محاورته هذه – إلى أن الحكام الفلاسفة يتعين أن يكون حكمهم مطلقاً لا يتقيدون فيه بأي قانون مكتوب، ذلك بأنهم – وعلى حد تعبيره – "أرباب المعرفة"، ولما كانت "الفضيلة هي المعرفة"، فعليهم أن يحكموا على هدى من معرفتهم وفي حصن من فضيلتهم"(34)‍‍ !!

        وإذا كانت هذه هي "الحكومة المثلى" عند أفلاطون (في محاورة الجمهورية)، فإن "الدولة المثلى" – عنده – هي التي تجعل من "التعليم" أهم وظائفها، لأنه إذا ما صلح تعليم المواطنين لاستطاعوا – في يسر – أن يتأملوا الحقائق الكامنة في عالم الروح. ولهذا يؤكد أفلاطون في "الجمهورية" على أن واجب الدولة هو ألا تترك التعليم في أيدي الأفراد بل تشرف عليه بنفسها إشرافاً تاماً، وهو إذ يرى ذلك راح ينتقد نظم التعليم المتبعة حينئذ في دولة المدينة، وهي النظم التي كانت تترك للأهل حرية اختيار نوع تعليم أولادهم دون نظر إلى ميولهم أو استعدادهم الفطري، هذا فضلاً عن أن تلك النظم كانت تحرم الغالبية العظمى من الشعب من حقها في التعليم بسبب عدم قدرتها على تحمل مصاريفه، ولهذا راح أفلاطون يؤكد على أن المدينة الفاضلة هي تلك التي توفر للكافة حقهم في التعليم، ليس حرصاً على حقوق الأفراد فحسب، ولكن حرصاً على مصلحة المجتمع ككل(35).

        وهكذا نأتي إلى أخر ما تناوله "افلاطون" – فيما يعنينا – في محاورة "الجمهورية"، ألا وهو ما سُمي بشيوعية أفلاطون، ففي إطار حرصه على تحقيق الصالح العام راح أفلاطون يعلن رفضه تمتع طبقتي الحكام والمحاربين بالملكية الخاصة، وحجته في ذلك أن الحاكم إذا ما تمتع بالملكية فقد ينحو إلى تغليب صالحه الخاص على الصالح العام، وكذلك المحارب الذي قد ينصرف جهده لحماية مصالحه دون اهتمام بمصالح الآخرين. وعلى ذلك يرى أفلاطون حتمية تحريم الملكية الخاصة – أياً ما كانت صورتها – على هاتين الفئتين. أما بصدد طبقة الحرفيين فيحق لها وحدها – على نحو ما يرى أفلاطون – أن تتمتع بالملكية الخاصة، وذلك شريطة أن تخضع سائر أنشطتها لمراقبة الحكام(36).

        ويبدو أن أفلاطون قد تأثر في رؤيته هذه بطريقة حياة الطبقة الارستقراطية العسكرية الحاكمة في "أسبرطة" وقتئذ، ولذلك إختص بفكرته تلك الطبقة العليا فقط دون الحرفيين، فأبناء الطبقة العليا، وعلى حد قوله: "أخوة يشتركون في كل شئ على المشاع، فهم يعيشون حياة مشتركة في مأكلهم ومشربهم.. أما أبناء الطبقة الدنيا فمهمتهم هي خدمة أفراد الطبقة العليا، وذلك حتى يتفرغ هؤلاء لمهمة الحكم"(37).

        ولم يقف الأمر بأفلاطون عند هذا الحد، بل راح يمتد بفكرته عن الشيوعية لتشمل إلغاء نظام الأسرة وتحريم الزواج الدائم على طبقتي الحكام والمحاربين، وذلك بحجة أن من شأن هذا النظام (نظام الزواج والأسرة) أن يشغل أفراد هاتين الطبقتين بمصالحهم ومصالح أسرهم على حساب الصالح العام. وهكذا رأى صاحب "الجمهورية" (غير المتزوج) في الأسرة مصدراً للأنانية الفردية التي تتنافى مع الصالح العام للمدينة، إن الاهتمام بامرأة وأطفال يبدو له أمراً مخالفاً لمهنة الحرب أو الحكم، تماماً كما هو الحال بالنسبة للملكية الخاصة وغريزة التملك(38). وعلى أية حال، فقد تراجع أفلاطون نفسه – في محاورة "السياسي" وتحت ضغط الواقع – عن فكرتيه الخاصتين بتحريم الملكية الخاصة وإلغاء الأسرة لطبقتي الحكام والمحاربين، مشيراً إلى أنها أفكار خيالية غير قابلة للتطبيق(39).

ب -  محاورة السياسي:

        قدم أفلاطون محاورته "السياسي" (يقصد رجل الدولة)، بعد نحو ربع قرن من تقديمه للجمهورية، ولذلك جاءت أفكاره مختلفة عن تلك التي ارتأها وهو في الأربعين من عمره. وإذا كنا نستطيع أن نعزي التغير في الأفكار إلى عاملي الزمن والخبرة (على نحو ما أشرنا في موضع سابق)، إلا أن ثمة تفسيرات أخرى لهذا التغير، حيث فسره البعض بتدهور القوى الذهنية والفكرية لفيلسوفنا، بينما فسره البعض الآخر بإزدهار النظام السياسي في "أثينا" وإنهيار نظيره في "أسبرطة". هذا بيد أن الرأي الغالب هو أن أفلاطون لم يرجع عن آرائه، ولكنه اكتشف أنها أكثر مثالية من أن يستوعبها الأفراد غير المثاليين، وبالتالي أراد أن يقدم لهم أفكاراً غير مثالية للتمشى مع حقيقة عدم مثاليتهم، فكأن افكاره في شيخوخته تمثل إنتقام المفكر من مجتمعه الذي لم يقدره حق قدره، فلم يعد يقدم له أحسن ما عنده(40)‍‍ !!

        ومهما يكن من أمر تفسير ذلك التغير في آراء أفلاطون، فقد ظهرت أولى ملامحه في محاورة "السياسي" من خلال أطراف المحاورة ذاتها، فبينما كانت الجمهورية تدور على لسان سقراط، نجد أن الحوار الأساسي في "السياسي" قد جاء على لسان رجل غريب قادم من "إليا" في جنوب إيطاليا، بينما كان سقراط يستمع إليه(41).

        وعلى الرغم من ذلك فقد بدأ أفلاطون محاورته مؤكداً على ما قال به في الجمهورية بصدد اعتبار الحكم المطلق للفلاسفة (غير المقيد بقانون) هو أمثل أشكال الحكومات، إلا أنه أضاف فكرة جديدة مؤداها أن للسياسة معرفة وفناً، أما المعرفة السياسية فهي – عنده – تشير إلى القدرة على العودة إلى عالم الروح (حيث الحقيقة والفضيلة) واستلهام حقائق الحكم الكامنة في أغواره، وأما فن السياسة فيشير – عند أفلاطون – إلى فن توجيه الجماعات عن غير طريق الإكراه، وهو ما يعني - ببساطة – حكم الناس برضاهم، وذلك بينما يشير إلى الحكم بالإكراه بإعتباره صورة من صور الطغيان التي لا علاقة لها البتة بفن السياسة(42).

        وهكذا، فإن "السياسي" عند أفلاطون هو المؤهل بمعرفته لفن السياسة لتولي الحكم، حتى وإن لم يتولاه بالفعل، وبالتالي فقد يكون الحاكم سياسياً، وقد لا يكون كذلك، وهو في هذه الحالة الأخيرة لا يعدو كونه طاغية لا حاكماً(43).

        هذا ويميز أفلاطون – في السياسي- بين المعرفة السياسية وبين ما عداها من المعارف، ولكي يجعل الصدارة لها في مواجهة هذه المعارف قاطبة. فالمعرفة العكسرية – عند فيلسوفنا – ليست معرفة سياسية، ذلك بأن الاستراتيجية (المعرفة العسكرية) هي المعرفة بفن إدارة المعركة من أجل تحقيق النصر، بينما يبقى "للسياسة" القول الفصل في إتخاذ قرار الحرب والسلام، حتى إذا ما تقررت الحرب تأتي الاستراتيجية (فن إدارة المعركة) لتحقيق النصر. والحق أن فكرة أفلاطون هذه تعد واحدة من أبرز الأفكار التي قدمها في محاورة "السياسي"، ففضلاً عن كونها فكرة سابقة لزمانها، فهي لا تزال – حتى أيامنا – تحكم علاقة السياسة بالاستراتيجية، والتي قوامها أن "الحرب" قرار يتخذه السياسيون وينفذه العسكريون(44).

        وليس من شك أن التعامل مع "المؤسسة العسكرية" – على هذا النحو – باعتبارها مؤسسة فنية يتولاها فنيون لا حكاماً، إنما يمثل مصلاً واقياً من ظاهرة الحكومات العسكرية التي راحت تعاني منها العديد من دول العالم الثالث في عصرنا. ذلك بأن الجمع بين الوظيفة الفنية لتلك المؤسسة وبين المشاركة في الحكم إنما يهيئ لاحتمال استيلائها عليه ولتنقلب من مؤسسة وطنية بحتة تعمل لحساب الوطن إلى مؤسسة تعمل لحساب النظام السياسي للدولة.

        بقي أن نشير في هذا السياق إلى الفكرة المماثلة التي قدمها أفلاطون في "السياسي"، ألا وهي المتعلقة بالقضاء، فالقضاء عند أفلاطون ليس عملاً سياسياً، فالفصل في المنازعات بين الناس هو فن إصدار الأحكام العادلة، وذلك إعمالاً للقوانين التي تصدر عن الساسة دون غيرهم(45). وغني عن البيان أن هذه الفكرة هي الأخرى، تعد من الركائز التي تقوم عليها النظم السياسية المعاصرة في أخذها بمبدأ الفصل بين السلطات.

جـ-  محاورة القوانين:

        تجلى التباين في آراء أفلاطون بين شبابه وشيخوخته في محاورته الأخيرة "القوانين"، والتي دارت على لسان ثلاثة أشخاص، ينتمي أولهم إلى جزيرة "كريت" حيث كان حكم القانون هو السائد، وينتمي ثانيهم إلى "أسبرطة" حيث سيادة الحكم الارستقراطي العسكري، هذا بينما ينتمي ثالثهم لأثينا حيث الحكم الديمقراطي (الذي سبق وأن أشرنا إليه). وعلى ذلك فقد ضمت المحاورة من يؤمن بالقانون ويمثله، ومن يؤمن بالقوة ويعبر عنها، ومن يؤمن بالديمقراطية ويدافع عن حكم الشعب(46).

        في ظل حوارات هؤلاء الثلاثة، راح أفلاطون يعبر بأفكار جديدة عن خبرات متراكمة وجدت صداها في عقل فيلسوفنا. خبرات تولدت من فشل تجربته في إصلاح "ديونسيوس الأب" و "ديونسيوس الإبن"، خبرات جعلته يدرك أن عالم الواقع أقوى من عالم المثل. وعلى ذلك فلم يك غريباً أن يتراجع أفلاطون عن بعض من أفكاره الرئيسية، فبعدما أكد على أن حكم الفلاسفة يتعين أن يكون مطلقاً وغير مقيد بأي قانون مكتوب، نجده قد راح يطرح فكرة جديدة(47)، يقول فيها: "إذا أتيح للدولة أن تكون تحت حكم الفلسفة غير المباشر كأن تصاغ هذه الفلسفة في لائحة قانونية، فإن ذلك يحقق الأفضل بعد الأفضل، إن ثمة مثلاً أعلى هو حكم الفلاسفة المطلق، ولكن لا بأس في ظل الضرورة التي يفرضها الواقع من أن يكون ثمة مثل أعلى ثانوي وهو حكم القانون شريطة أن تضعه جمهرة من الفلاسفة(48)".

        ويضف أفلاطون: "ليس ثمة شك في أنه إذا شاءت نعمة الله أن يقوم بين الناس رجل هيأته الطبيعة لتبين الخير والسعي في ركابه، فإن مثل هذا الرجل لا يكون في حاجة إلى الاسترشاد بقوانين في حكمه، غير أن وجود مثل هذا الرجل يعد بمثابة حلم من الأحلام، حلم بوجود إله يحل بين الناس، إن وجود مثل هذا العقل شئ مستحيل أو في أحسن الأحول شئ نادر، ولذا علينا أن نقبل بوجود قانون، بإعتبار أن هذه المرتبة هي التي تلي الأمثل، أو لنقل أنه مادام الأمثل مستحيلاً فلنقبل بما هو دونه"(49).

        هكذا إذاً راح أفلاطون "الشيخ" يتحلل من مثاليته المفرطة ليقترب شيئاً فشيئاً من الواقع، فقبل بحكم "القانون" الذي كان يشبهه "بالطاغية العنيد"(50)، وذلك شريطة أن تضع هذا "القانون" "جمهرة من الفلاسفة".

        وعلى أية حال فقد توفى أفلاطون في عام 347 ق. م عن عمر يناهز ثمانين عاماً، وذلك بعد أن لطف من خيالية أفكاره، وإن ظل يؤكد على اعتبارها مثلاً أعلى يتعين على البشر أن يسعون إلى بلوغه، على الرغم من اعترافه – في نفس الوقت – بصعوبة ذلك ‍‍‍‍‍‍!!


تعقيب

في شأن أبرز إسهامات أفلاطون في الفكر السياسي

 

        يتضح من ثنايا كل ما تقدم أن أسهامات أفلاطون الفكرية قد تخطت الفكر السياسي لتشمل الفكر الإنساني برمته، وتتلخص أبرز تلك الإسهامات فيما يلي:

        1 – إبتداع "المنهج الفلسفي المثالي": ويعد هذا الإسهام هو أبرز ما قدمه أفلاطون للفكر الإنساني، ذلك بأنه أول من قدم فكراً منهجياً منظماً، فحيث تبدأ عملية المعرفة من مقدمات لا واقعية، ينطلق منها المفكر عبر سلسلة من عمليات التدليل العقلي (الاستنباط)، مستهدفاً من خلالها الكشف عما يجب أن يكون، فإننا نكون بصدد "المنهج الفلسفي المثالي" الذي إبتدعه "أفلاطون".

        وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن هذا المنهج قد ظلت له الغلبة – في مجال المعرفة السياسية تحديداً – لقرون طويلة امتدت منذ ذيوعه على يد أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى بداية ارتباط الظواهر الاجتماعية - ومن بينها الظواهر السياسية – بالمنهج العلمي التجريبي في القرن الثامن عشر.

        2 – فكرته عن وحدة الوجود: ذلك بأن فكرة أفلاطون عن الحقائق الكامنة في عالم الروح، إنما جاءت نتاجاً لفكرته عن وجود إله واحد للكون، هو خالق البشر وملهم القيم. والحق أن عقيدة الإله الواحد التي أعتنقها أفلاطون – في ظل عالم وثني – إنما ترسخت في نفسه عبر زياراته – التي أشرنا إليها – لبلدان الشرق حيث كانت للديانة اليهودية صداها وأتباعها.

        3 – فكرته عن تقسيم العمل: وتعد من أهم ما قدمه أفلاطون على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فتقسيم العمل – على حد قوله – هو السبيل الوحيد لبلوغ الحياة الاجتماعية هدفها المتمثل في إشباع الحاجات.

        4 – رؤيته في مجال التعليم والتخصص: حيث أشار إلى التعليم باعتباره أهم وظائف الدولة المثالية، بل وطالب بأن تعطى الفرصة للكافة لكي يحصلوا على حقهم في التعلم. وليس هذا فحسب، وإنما إرتأى أن ترتبط عملية التعلم بالميول والقدرات، بحيث يعمل كل فرد فيما هو مؤهل له. ومن هنا جاءت فكرته عن التخصص، والتي تشير هي الأخرى إلى ضرورة أن يختص كل فرد بالعمل الذي يتناسب وقدراته، وليكون الرجل المناسب في المكان المناسب.

        5 – فكرته عن المعرفة السياسية: ذلك بأن السياسي عند أفلاطون ليس هو مجرد الحاكم، وإنما هو الذي يتمكن من المعرفة السياسية على نحو يؤهله لتولي الحكم حتى وإن لم يتولاه بالفعل، وبالتالي فقد يكون الحاكم سياسياً (عندما يتمكن من هذه المعرفة)، وقد لا يكون كذلك، وعندها يكون مجرد طاغية لا حاكماً. وفي ذلك إشارة واضحة لحكم الذي يعلمون دون الذين لا يعلمون.

        6 – تصوره للاحتراف العسكري: فالعسكرية عنده – على نحو ما أشرنا – هي فن إدارة المعركة، وبالتالي فالمؤسسة العسكرية لا تعدو كونها مؤسسة إدارية تختص بتنفيذ قرار الحرب دون إصداره. وفي ذلك – كما أكدنا - تحييد للمؤسسة العسكرية فيما يتصل بعلاقتها بالنظام السياسي، بحيث تظل مؤسسة وطنية تعمل لحساب الوطن ككل وليس لحساب نظامه السياسي.

        كانت هذه هي أبرز إسهامات أفلاطون الفكرية، والتي تقطع بغير شك أن فكره الذي بدأه من مقدمات لا واقعية ميتافيزيقية، قد راح يجد صداه من الناحيتين العلمية والواقعية، ولينفي عن صاحبه تهمة السفسطة الذهنية !!

‍‍ المبحث الثاني

في

التعريف بالمفكر الألماني

"هيجـل"

(حياته وبيئته ومنهجه وفكره)

 

أولاً : حياته وبيئته:

        ولد "جورج فيلهلم فردريك هيجل" في عام 1770م بمدينة "شتوتجارت" الألمانية، وكان والده أحد موظفي الشئون المدنية في "مملكة فورتمبرج"، حيث كانت ألمانيا – وقتذاك – مفتتة إلى ما يزيد عن ثمانين وحدة سياسية مستقلة(1).

        غادر "هيجل" شتوتجارت وهو في الثامنة عشرة من عمره، وذلك بعدما أنهى دراسته بالمرحلة الثانوية، حيث يمم وجهه شطر سويسرا، والتحق بجامعة "توبنجن" (Tubingen) ليدرس اللاهوت والتاريخ. والحق أن اهتمام "هيجل" بالتاريخ قد راح يستغرق قدراً لا يستهان به من وقته، ذلك إلى جانب دراسته الأساسية اللاهوتية. ويبدو أن الفكر الإغريقي – على وجه الخصوص – قد كانت له مكانته المميزة عند الشاب الألماني، فقد كان شديد الإعجاب بمفكري الإغريق وعلى رأسهم "أفلاطون"، وليس أدل على ذلك من أنه قد أعتبر أن الحضارة الغربية تدين بكثير من الفضل لمفكري الأغريق، بل وراح يجاوز ذلك ليعطي ذلك الفكر مرتبة أسمى من الديانة المسيحية ذاتها(2).

        وعلى ذلك فلعنا لا نجاوز الحقيقة إذا ما قلنا أن "هيجل" قد تأثر إلى حد كبير بفكر "أفلاطون" الميتافيزيقي لاسيما فيما يتصل بفكرة وحدة الوجود التي قوامها أنه لا حقيقة في العالم المحسوس وأن الحقيقة هي من شأن عالم الروح فحسب، وهو الأمر الذي سيتضح من ثنايا منهجه وفكره على نحو ما سنعرض له لاحقاً.

        لم يمكث "هيجل" طويلاً بمدنية "توبنجن"، فبمجرد إنتهائه من دراسته الجامعية، غادرها متجهاً إلى مدينة "برن"، حيث عمل بها مدرساً خصوصياً على مدى 4 سنوات ما بين عامي 1793 و 1797(3)، وذلك في نفس الوقت الذي راح فيه يواصل دراسته اللاهوتية للديانة المسيحية ولشخصية السيد المسيح عليه السلام(4).

        وبحلول عام 1797، غادر "هيجل" برن إلى مدينة "فرانكفورت" الألمانية، حيث واصل عمله بالتدريس الخصوصي، وإن اهتم – وللمرة الأولى – بالشئون السياسية والاقتصادية إلى جانب عنايته باللاهوتية. وبعد أقل من عامين غادر "هيجل" "فرانكفورت" متجهاً إلى مدينة "يينا Jena" حيث عين محاضراً بجامعتها، ثم ما برح أن حصل على كرسي الأستاذية في الفلسفة والرياضيات من ذات الجامعة في عام 1805.

        والحق أن وجود "هيجل" في مدينة "يينا" خلال تلك الفترة قد لعب دوراً مؤثراً في حياته، ففي عام 1806 شاهد "هيجل" الزعيم الفرنسي "نابليون بونابرت" يتصدر جحافل جنوده وهو يجوب شوارع المدينة الألمانية بعد هزيمة جيشها المذلة أمام الفرنسيين. ويبدو أن هذا المشهد لم يفارق مخيلة المفكر الألماني الذي تأثر به إلى حد أنه – ومن جراء تعلقه بشخصية نابليون ومشهده – قد أعتبر أن "الحكم المطلق للزعيم" هو أمثل أشكال الحكم على الإطلاق!!. وليس أدل على ذلك من عبارات "هيجل" الشهيرة التي علق فيها على هذا المشهد، قائلاً: "لقد رأيت الأمبراطور ممتطياً صهوة جواده، يستكشف أرجاء المدينة.. وإنه لإحساس عجيب حقاً أن ترى فرداً واحداً في نقطة واحدة ومع ذلك تستشعر أنه يعبر العالم بأسره ويتحكم فيه"(5).

        وعلى أية حال، فقد غادر "هيجل" "يينا" في عام 1808، متجهاً إلى مدينة "نورمبرج"، حيث استطاع أحد أصدقائه أن يجد له وظيفة بإحدى مدارسها الكلاسيكية، وذلك كأستاذ للفلسفة ومدير للمدرسة في نفس الوقت، ولعلها المرة الأولى منذ سنوات طويلة من عمر "هيجل" التي يحصل فيها على أجر منتظم، إذ أن عمله بجامعة يينا لم يكن نظير أجر محدد، وإنما مقابل مكافأة يدفعها الطلاب. وعلى الرغم من أن مستوى تلك المدرسة لم يكن يرقى إلى المستوى الجامعي، إلا أن "هيجل" تعامل مع وظيفته بجدية، بل وراح يسعى جاهداً في تطوير المدرسة رغم نقص الأجهزة والاعتمادات المالية(6).

        والحق أن إنشغال "هيجل" بالتدريس لم يقف حجر عثرة في وجه اهتماماته الفلسفية، حتى أنه استطاع أن ينتهي من كتابه الشهير "علم المنطق" في أثناء عمله بالتدريس، ولينشره في ثلاثة مجلدات صدرت على التوالي في أعوام 1812، 1813، 1816. وبمجرد أن نشر هذا الكتاب، حتى ذاع صيت هيجل في الأوساط الفلسفية، فتلقى ثلاثة عروض ليشغل كرسي الفلسفة في ثلاث جامعات هي "برلين" و "هيدلبرج" و "ارلانجن". ولأن عرض جامعة "هيدلبرج" كان هو أسرع تلك العروض وأكثرها جدية، فقد قبله "هيجل" على الفور، وبذلك أصبح أستاذاً للفلسفة في تلك الجامعة على مدى عامين (1816 – 1818)(7).

        هذا بيد أن القدر قد كان يدخر لهيجل الموقع الأكثر بروزاً في حياته، فعلى أثر وفاة الفيلسوف الألماني الشهير "فيخته Fichte" في عام 1818، أستدعي "هيجل" ليشغل موقعه في كرسي الفلسفة بجامعة "برلين"، وياله من موقع مرموق، فما أن شغل "هيجل" ذلك الكرسي حتى ذاعت شهرته في سائر الأصقاع الألمانية، وعلا نجمه في أفق الفلسفة والفكر، بحيث أضحت القاعة التي يلقى فيها محاضراته بمثابة سوق رائجة يفد إليها الألمان من كل حدب وصوب طلباً للمعرفة في رحاب ذلك الفيلسوف الفذ ذي الصوت الخفيض. وهكذا أصبحت "جامعة برلين" قبلة للفلسفة، حتى أن فردريك فيلهلم الثالث ملك بروسيا قد وصف ذلك بقوله: "إن نجاحنا في المجئ بهيجل إلى جامعة برلين لهو مصدر فخار لنا"(8).

ثانياً: منهج "هيجل":

        تأثر "هيجل" – على نحو ما أشرنا – بالفكر الإغريقي بصفة عامة، وبأفكار "أفلاطون" بصفة خاصة، ولذلك فقد راح يبدأ من نفس المقدمات التي بدأ منها الفيلسوف الإغريقي، والتي قوامها أن الحقيقة تكمن في عالم الروح دون سواه.

        هذا بيد أن ثمة إختلافاً جوهرياًُ بين طبيعة عالم الروح عند "هيجل" وبين تلك الطبيعة عند "أفلاطون"، فعالم الروح عند هذا الأخير هو عالم ساكن (إستاتيكي) لا يتغير، وذلك لأنه مستودع المثل ومنبع الفضائل (على نحو ما فصلنا في المبحث السابق)، وبالتالي فقد كان "أفلاطون" يستنبط من هذا العالم مجموعة من النتائج المنطقية التي يرى فيها حقائق مطلقة صالحة لكل زمان ومكان، باعتبارها تعبيراً عن الأمثل الكامن في عالم الروح الساكن الذي لا يتغير(9).

        أما عالم الروح عند "هيجل" فله طبيعة مغايرة، فهو عالم متحرك (ديناميكي) متطور. وذلك في معنى أن الميتافيزيق أو "الروح المطلق" (على نحو ما أسماه هيجل) تتطور باستمرار، وإنها حين تتطور تطور معها واجهاتها المادية المحسوسة المتمثلة في "الطبيعة والمجتمع"، وبالتالي فإن الوجود عند "هيجل" ليس فكرة ومادة، ولا حتى روح ومحسوس، وإنما هو "روح" قد كشفت عن ذاتها في صورة العالم المحسوس (الطبيعة والمجتمع)(10).

        ومن الواضح أن "هيجل" قد تأثر في فكرته هذه بدراسته اللاهوتية للديانة المسيحية، وذلك إلى جانب تأثره بالفكر الإغريقي. ذلك بأن مقدمة "وحدة الوجود" المشار إليها، والتي أستند إليها فكر "هيجل" برمته، إنما هي مقدمة لاهوتية دون شك. إن فكرة "الروح المطلق" عند "هيجل" – لا تعدو أن تكون تعبيراً عن الإله الذي خلق الطبيعة والمجتمع كي يدرك البشر ذاته سبحانه وتعالى من خلال مخلوقاته. إنها ذات الفكرة التي خطها أفلاطون عن عالم الروح، والتي دعته إلى القول – في أزهى عصور وثنية الغرب – بوجود إله واحد، مبدع للكون، وخالق للبشر، وملهم للقيم.

        هكذا إذن فإن نشأة "هيجل" كطالب لللاهوت وعاشق لفلسفة أفلاطون كان لها عظيم الأثر في المقدمة الكبرى التي أنطلق منها فكره قاطبة ألا وهي "وحدة الوجود". هذا بيد أنه راح يضيف لها فكرة جديدة قوامها – كما أشرنا – أن الروح المطلق ذات طبيعة متطورة، وأنها حين تتطور تطور معها واجهاتها المادية المحسوسة (الطبيعة والمجتمع).

ثالثاً: فكر "هيجل":

        إن الشروع في تناول فكر "هيجل" لابد وأن يبدأ من فكرته التي اعتمد عليها في منهجه، ألا وهي تطور الروح المطلق، ذلك بأن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يتم هذا التطور؟

        هنا تأتي فلسفة "هيجل" الجديدة، فالروح – عنده – تتطور وليست ساكنة، وهي في تطورها تطور معها شكلها الخارجي (الطبيعة والمجتمع)، وهو ما يعني بالتبعية أن أصل تطور الطبيعة والمجتمع إنما يكمن في تطور الروح المطلق ذاته (أي الفكرة المطلقة). ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة عن "الجدلية Dialectic" والتي قوامها أن "الفكرة" (التي هي من شأن عالم الروح) تنطوي بالضرورة على نقيض لها سرعان ما تفرزه، ثم يكون صراعاً بين الفكرة ونقيضها ينتهي إلى الوصول إلى "فكرة متقدمة"، غير أن هذه الأخيرة أيضاً تنطوي على نقيضها الذي ما أن تفرزه حتى ينشأ الصراع بينهما مسفراً عن "فكرة جديدة أكثر تقدماً" تفرز بدورها نقيضها وهكذا(11).

        وإنطلاقاً من فكرة "الجدلية" هذه، راح "هيجل" يقدم لنا تفسيره لتطور المجتمعات، وذلك عبر عدة مؤلفات ضمنها أبرز أفكاره الفلسفية، ويأتي على رأس هذه المؤلفات:

-       كتابه المعنون بـ "علم ظواهر الروح(12) Phenomenology of the Spirit" (صدر في عام 1807).

-   وكتابه المعنون بـ "علم المنطق The Science of Logic" (وصدر في ثلاثة مجلدات على نحو ما أشرنا في موضع سابق).

-   وموسوعته في العلوم الفلسفية "The Encyclopedia of Philosophical Sciences" (صدرت في عام 1821). هذا فضلاً عن كتب أخرى صدرت بعد وفاته، حيث جمعها ونشرها مجموعة من تلاميذه.

وبعيداً عن التفاصيل الفلسفية التي عرض لها "هيجل" في كتاباته هذه، والتي لا مجال لسردها في عملنا هذا، فإن أهم ما يعنينا هنا هو أفكاره ذات البعد السياسي. وعلى ذلك فسوف نبدأ بفكرته عن "تطور المجتمعات"، وما يستتبعه ذلك من تطور المؤسسات الاجتماعية. وفي هذا السياق أشار "هيجل" إلى أن "الأسرة" هي المؤسسة الاجتماعية الأولى من حيث الظهور التاريخي، ثم وبعامل التطور ظهرت الصورة الثانية والتي تمثلت في "المجتمع المدني"، ثم مالبث هذا الأخير أن تطور هو الآخر ليسفر لنا عن صورة "الدولة"(13).

        ووفقاُ لفسلفة "هيجل" فإن هذا التطور ما هو إلا صدى لتطور "الروح المطلق" (بفعل "الجدلية")، ذلك بأن "الروح المطلق" قد راح يكشف عن ذاته - فيما يتصل بالمجتمع - في شكل "الدولة"، ولذلك فإن "الدولة" – عند "هيجل" -  مقدسة لأنها التعبير عن المرحلة النهائية لتطور "الروح المطلق"(14).

        وفي تفصيل ذلك يقول "هيجل" أن "الأسرة" (الفكرة الأولى) هي أسبق المؤسسات الاجتماعية في الظهور من الناحية التاريخية، لأنها الرباط الروحي بين الجنسين، حيث تستمد علاقة الرجل بالمرأة شرعيتها من خلال ذلك الرباط، ومن خلاله أيضاً تستكمل علاقتهما صورتها المثالية بإنجاب الأطفال. هذا بيد أن رباط الأسرة هو رباط عارض (مؤقت)، يزول بوفاة الزوجين أو إنفصالهما، ولذلك أتجهت مجموعة الأسر إلى التجمع والتعاون لرعاية مصالحها الخاصة وحمايتها، ومن هنا ينشأ "المجتمع المدني"(15) (نقيض الفكرة الأولى) ليعبر عن العلاقات المختلفة التي تنشأ بين أفراد الأسر (بعد استقلالهم عن أسرهم)، حيث تتعدد الأهداف وتتباين المصالح، فبعدما كان الهدف واحداً في الأسرة (ألا وهو تحقيق مصلحة جميع أفرادها)، نجد أن كل فرد (داخل المجتمع المدني) قد راح يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة، وليقوم المجتمع المدني بتحقيق غاية رئيسية هي تلبية حاجات الأفراد من خلال عمل