Skip Navigation Links
KSU Faculty Member websites > اسامه احمد السيد العادلى > الإسهامات الميتافيزقية في الفكر السياسي بين "الترف الذهني" و "الأهمية العلمية والواقعية (رؤية تقييمية لفكر "أفلاطون" و "هيجل")"
Skip navigation links
Home
C.V
Publications
Published research
Courses
Symposia
الصفحة الرئيسية
السيرة الذاتية
مؤلفات منشورة
المقررات الدراسية
بحوث منشورة
المحاضرات
مقدمة في علم السياسة
محاضرات نظام الحكم في الإسلام
ندوات
نتائج الاختبارات الفصلية
نتائج اختبارات 101 ساس
نتائج اختبارات 381 ساس
نتائج اختبارات 475 ساس
نتائج اختبارات 482 ساس
211 ساس
220 ساس
476 ساس
533 ساس
مقررات اخرى
الإسهامات الميتافيزقية في الفكر السياسي بين "الترف الذهني" و "الأهمية العلمية والواقعية (رؤية تقييمية لفكر "أفلاطون" و "هيجل")"
 

الإسهامات الميتافيزقية في الفكر السياسي

بين "الترف الذهني" و "الأهمية العلمية والواقعية"

(رؤية تقييمية لفكر "أفلاطون" و "هيجل")

                                                        د. أسامة أحمد العادلي(·)

 

مقدمــة:

        كانت كلمة "الفلسفة" تشير – منذ الفكر اليوناني القديم وحتى تسرب المنهج التجريبي إلى دراسة الظواهر الإجتماعية – إلى "المعرفة" على إطلاقها، فقد كانت تعني معالجة الفكر الإنساني لكل شئ ولأي شئ في الطبيعة أو في المجتمع، في عالم المحسوس وغير المحسوس، لما هو كائن ولما يجب أن يكون، وسواء أكان ذلك مرتبطاً بنظرات ذاتية أو بأحداث واقعية. لقد ظلت الفلسفة – إذاً – تعني المعرفة على إطلاقها إلى أن استقر الإتفاق على قصر استعمال لفظة "الفلسفة" على المعرفة اللاتجريبية، وقصر استعمال لفظة "العلم" على المعرفة التجريبية.

        ومن هنا كان معيار التمييز المعاصر في المعارف الاجتماعية بين المنهج العلمي والمنهج الفلسفي أو "المثالي": فيكون المنهج علمياً كلما كان قوامه البدء من الواقع للإنتهاء عن طريق الملاحظة والمقارنة إلى تفسير أحداث هذا الواقع والتوقع في شأنه، وبالتالي فإن الأحكام التي ينتهي إليها الباحث بالمنهج العلمي هي أحكام موضوعية أو واقعية في مواجهة الأحكام القيمية التي تصدر معبرة عن وجهات نظر ذاتية لأصحابها. ويكون المنهج فلسفياً "مثالياً" حيث يقوم على مجموعة من إجراءات ذهنية تبدأ من مقدمات لا واقعية (ميتافيزيقية أو عقلية صرفة أو عقائدية أو حتى مسلمات أو بديهيات أو أفكار عامة جارية)، للإنتقال من هذه المقدمات – أياً ما كانت – إلى نتائجها المنطقية، ولكي يرى الفيلسوف في هذه النتائج ما يجب أن يكون عليه الواقع الاجتماعي(1).

        هكذا إذاً وصفت مناهج التفكير الفلسفية "المثالية" بأنها ذاتية بحلولها، وذلك في مواجهة موضوعية المناهج العلمية، وبأنها استنباطية بطريقتها في مواجهة الاستقراء العلمي، وأنها تسعى إلى "ما يجب أن يكون" في شكل أنماط مثالية صالحة لكل زمان ومكان وذلك في مواجهة السعي في المنهج العلمي إلى "ماهو كائن" للانتهاء من خلاله إلى أحكام موضوعية لا يتأتى إلا أن تكون نسبية، ذلك بأن ما يصلح لتفسير بيئة جغرافية أو حضارية أو ثقافية معينة ليس صالحاً بالضرورة لتفسير شتى البيئات رغم تباين واقعها الجغرافي والحضاري والثقافي. وارتباطاً بذلك كان "المنهج الفلسفي" أو "المثالي" هو منهج الدراسات النمطية كدراسة القانون ودراسة الأخلاق، ذلك بينما يمثل "المنهج العلمي" منهج العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السياسة(2).

موضوع البحث وهدفه:

        نستخلص مما تقدم أن الأفكار الفلسفية في عالم السياسة قد راح يُنظر إليها – في أيامنا – باعتبارها نوعاً من الترف الذهني، وذلك على الرغم من أن دراسة الظواهر السياسية قد ظلت غارقة في خضم الاعتبارات الميتافيزيقية والأخلاقية منذ الفكر اليوناني القديم (القرن الرابع قبل الميلاد) وحتى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي (مرحلة ظهور التفسير العلمي للظواهر السياسية).

        وهكذا يستهدف هذا البحث التعريف بأبرز "الاسهامات الميتافيزيقية"(3) في الفكر السياسي، وخاصة تلك التي قدمها أظهر أولئك الذين نهجوا منهجاً فلسفيا ذا مقدمات ميتافيزيقية تتصل بعالم ما وراء الطبيعة، أنهم المفكرون الذين نأوا بأنفسهم عن دنيا الواقع، وأبوا إلا الغوص في عالم الروح على عمق أغواره، ولا نهائية دهاليزه بحثاً عن الحقيقة واستلهاماً للمعرفة. ذلك بأن هؤلاء القوم من الفلاسفة ترسخت قناعاتهم بأن "الحقيقة" و "المعرفة" ليستا من شأن عالمنا المادي المحسوس وإنما هما قابعتان في "عالم الروح" (اللامحسوس).

        وعلى ذلك فسوف يأتي تناولنا لتلك الإسهامات من خلال عرضنا لأفكار أظهر أولئك الفلاسفة ألا وهما: "أفلاطون" و "هيجل"، فأولهما هو مؤسس هذا المنهج (في القرن الرابع قبل الميلاد)، وثانيهما هو آخر البارزين ممن ارتبطوا بتلك المقدمات (في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي). ولننتهي من خلال استعراض إسهاماتهما إلى التعرف على الدور الذي لعبته هذه الإسهامات في تطور الفكر السياسي على مر العصور، ولنجيب على تساؤلنا المطروح في عنوان هذا البحث ألا هو: هل كان لذلك الفكر صداه في الوقع السياسي أم أنه قد كان مجرد فكر مثالي وخيالي لا طائل يذكر من ورائه؟

مادة البحث ومنهجه:

        يتضح من خلال ما تقدم أن مادة هذا البحث إنما تتمثل في الأفكار السياسية التي قدمها "افلاطون" و "هيجل"، على تباعد الفترة الزمنية بينهما، وعلى اختلاف بيئتيهما وظروفهما.

        ولما كان منهج البحث يتحدد وفقاً لهدفه وطبيعة مادته، فإن المنهج الذي يستقيم وهذا الهدف هو "المنهج الاستنباطي" الذي يرتكز على سلسلة من عمليات التدليل العقلي التي تبدأ من أفكار هذين المفكرين في مجال السياسة، وذلك بغية الوصول إلى تحقيق الهدف من هذا البحث.

خطة البحث:

        يأتي تناولنا لمضمون عملنا هذا من خلال مبحثين وخاتمة، حيث نخصص أولهما للتعريف بالمفكر الإغريقي "أفلاطون" (حياته وبيئته ومنهجه وفكره)، بينما نخصص ثانيهما للتعريف بالمفكر الألماني "هيجل" (حياته وبيئته ومنهجه وفكره). ثم نذيل ذلك كله بخاتمة تتضمن جملة ما أنتهينا إليه من نتائج بصدد هدفنا – المشار إليه – من هذا البحث.

المبحث الأول

في

التعريف بالمفكر الإغريقي

"أفلاطون"

(حياته وبيئته ومنهجه وفكره)

 

أولاً : حياته وبيئته:

        ولد "أفلاطون" في عام 427 ق. م بمدينة "أثينا"، في رحاب ما كان يُعرف بـ "دولة المدينة"(4)، إذ كانت بلاد الأغريق حينذاك مقسمة إلى عديد من مدن مستقلة حال أثينا وأسبرطة وأرجوس، وبالتالي فإن الوحدة السياسية خلال تلك الحقبة كانت تتمثل في "المدينة"، والتي كانت تنطوي على ثلاث فئات إجتماعية تتمثل في(5):

1 -  المواطنون: ويشترط فيهم أن يولدوا لأب وأم ينتمون لنفس "المدينة"، وهؤلاء فقط هم الذين يتمتعون بالحقوق السياسية في المدينة بمجرد بلوغهم سن الثامنة عشرة.

2 -  الأجانب: وهم من لم يولدوا لأبوين من مواطني المدينة، وهم لذلك محرومون من ممارسة أية حقوق سياسية داخلها، على الرغم من كونهم أحراراً.

3 -  الأرقاء: وهم لا يتمتعون بأية حقوق سياسية ولا حتى إنسانية، وذلك على الرغم من كونهم عماد إقتصاد المدينة، فهم الأطباء والمدرسون والعمال وخدم المنازل(6).

        في ظل "دولة المدينة" هذه ولد "افلاطون" لأسرة أثينية أرستقراطية، وقد حفزته ظروفه تلك –  كغيره من شباب الارستقراطيين – إلى المشاركة في الشئون العامة، بل وجعلته شديد التطلع للحكم، وهو الأمر الذي كاد أن يتحقق في عام 404 ق. م، مع نجاح الثورة التي قام بها ثلاثون أرستقراطياً أثينياً للسيطرة على الحكم، خاصة وقد كان من بينهم عمه "كرميدس" وابن عم أمه "كريتياس"، ولكن سرعان ما خابت أمال أفلاطون في أن يكون واحداً من الحكام الجدد، بعدما تبين له فشل الحكم الارستقراطي الأوليجارشي الجديد في إدخال الإصلاحات التي تمناها، والتي اعتقد أنها ستجعله ضمن زمرة الحكام(7).

        وعلى أية حال، فلم تطل حسرة أفلاطون، فبعد بضعة أشهر، عاد إليه الأمل من جديد مع عودة "النظام الديمقراطي"(8) إلى حكم أثينا، حيث تصور أفلاطون أن الفرصة قد واتته من جديد لكي يحقق حلمه في الوصول إلى الحكم.

        والحق أن عام 399 ق.م قد شكل نقطة تحول مصيرية في حياة الفيلسوف الشاب (وكان وقتذاك في الثامنة والعشرين من العمر)، ففي هذا العام، أقتيد أستاذه الفيلسوف "سقراط" (وكان في السبعين من عمره) للمحاكمة بتهمة معلنة هي الطعن في آلهة أثينا وإفساد أخلاق شبابها، هذا بينما كانت تهمته الحقيقية هي أفكاره التحررية التي راحت تجد صداها عند تلاميذه ومريديه وجلهم من الشباب الذي يخشى خطره على طبقة الطغاة الحاكمة(9).

        وهكذا صدم "افلاطون" – مرة أخرى- في حكام أثينا بعد أن أقدموا على فعلتهم الشنعاء وجريمتهم الخسيسة التي راح ضحيتها أستاذه العظيم، ومثله الأعلى في الفكر الفلسفي. وهنا ضاقت نفس أفلاطون بالحياة في أثينا، فهجرها، وقام بكثير من الرحلات، فتنقل خلال الاثنتي عشر عاماً التالية (من عام 398 إلى عام 386 ق.م) في بلاد اليونان وإيطاليا وصقلية وبابل وفارس ومصر وفلسطين، مكرساً وقته وجهده للإطلاع على حضارات وثقافات وأنظمة تلك البلدان(10).

        وقبل أن يعود "أفلاطون" مرة أخرى إلى مدينته أثينا، ترسخت خبراته العملية حين أرسل له أعتى طغاة الشرق "ديونسيوس الأول" – طاغية صقلية الشهير – يدعوه لزيارته، فلبى الفيلسوف دعوته، وهناك تعرف على "ديون" صهر الطاغية وشقيق إحدى زوجتيه، وكان يبلغ من العمر أثنين وعشرين عاماً. ورغم أن أفلاطون كان يكبره بنحو عشرين عاماً، إلا أن صداقة عميقة كانت قد ترسخت بينهما، خاصةً وقد سُحر "ديون" بأفكار الفيلسوف وكلماته المؤثرة، حتى أن حياة "ديون" قد تحولت من النقيض إلى النقيض، فبعدما كان منغمساً في حياة اللهو والملذات، راح يسلك مسالك "الخير" مؤثراً إياه على اللذة والترف. وهو الأمر الذي أغضب الطاغية "ديونسيوس الأول" وحاشيته، واضطر أفلاطون – بمساعدة صديقه "ديون" – إلى الرحيل على متن إحدى السفن التي كانت تقل أيضاً سفير أسبرطة الذي كان ديونسيوس قد أسر إليه بأن يقتل أفلاطون في الطريق أو يبيعه، فآثر السفير الثانية وباعه فعلاً في "إيجينا" بثلاثمائة درهم لـ "إينقورس القورينائي"، غير أن القدر كان رحيماً بأفلاطون، حيث أعتقه "اينقورس" مقابل حصوله على فدية كبيرة(11).

        هكذا إذن عاد فيلسوفنا إلى مدينته بعد أن أمتزجت خبراته النظرية التي استقاها من أستاذه سقراط، بخبرات عملية تكونت في أثناء رحلاته التي أختتمها باقترابه من الطاغية ديونسيوس. وعلى ذلك فلم يك غريباً أن راح أفلاطون يؤسس أقدم جامعة في العالم، والتي أشتهرت باسم "أكاديمية أفلاطون"، وفيها ألقى الفيلسوف دروسه وتجمع حوله التلاميذ  والمريدون. ولعل أبرز ما قدمه أفلاطون من خلال أكاديميته هو إخراج محاوراته (التي وصلت إلى خمس وثلاثين محاورة)(12)، والتي يأتي في طليعتها ثلاث محاورات هي: "الجمهورية" و"السياسي" و "القوانين".

        وإذا كانت محاورات أفلاطون الثلاث المشار إليها هي أبرز الكتابات التي حملت أفكار فيلسوفنا، فإنها أيضاً تكشف عن ذلك التغير الذي راح يلحق بأفكاره في كل مرحلة من مراحل حياته، فبينما تأثر في محاورته "الجمهورية" بأفكار أستاذه سقراط إلى حد كبير، حتى أن سقراط كان هو أبرز شخصيات تلك المحاورة، نجده قد راح ينحو بأفكاره في اتجاه مغاير عبر محاورتيه "السياسي" و "القوانين".

        ولعلنا نستطيع أن نرد ذلك إلى أن الفترة الزمنية التي باعدت بين المحاورة الأولى (الجمهورية) وبين المحاورة الأخيرة (القوانين) قد جاوزت الثلاثين عاماً. هذا فضلاً عن أن هذه الفترة كانت قد شهدت رحلة أفلاطون الثانية إلى صقلية في عام 368 ق.م، وذلك بعد وفاة "ديونسيوس الأول" متأثراً بإفراطه في الشراب وإصابته بالحمى، حيث خلفه في الحكم إبنه "ديونسيوس الثاني" الذي كان والده قد فرض عليه العزلة، فكان إنساناً ضعيفاً، سهل الإنقياد، لا يستطيع الاعتماد على نفسه، وهو ما جعل شقيق والدته "ديون" يأمل في إقناعه بالأفكار السياسية لصديقه أفلاطون، والتي سرعان ما تحمس لها الملك الشاب(13).

        كان "افلاطون" قد استجاب – بعد تردد – لتوسلات صديقه (ديون) ، وسافر – كما أشرنا – إلى صقلية للمرة الثانية لتحقيق حلمه في ترويض الطاغية الجديد، ورغم حفاوة الاستقبال التي لقيها الفيلسوف، إلا أن شهوراً ثلاثة كانت كافية لوقوع المؤمرات والدسائس لتوغر صدر "ديونسيوس الثاني" على خاله، وفوجئ أفلاطون بالطاغية ينفي "ديون" بتهمة التآمر والطمع في السلطة، وهكذا بقي فيلسوفنا وحيداً يحاول التأثير في الملك الشاب، بيد أن كل محاولاته قد باءت بالفشل، حتى اقتنع بضرورة الرحيل خشية أن يدبر له الطاغية أمراً كما فعل أبوه من قبل، ونجح أفلاطون في تحقيق غايته تلك بعد أن وعد الملك بقبوله العودة مرة أخرى حالما تتغير الظروف السياسية التي كانت تشهدها صقلية آنذاك(14). وهكذا تمكن أفلاطون من مغادرة الجزيرة والعودة سالماً إلى أثينا(15).

        ولعل الغريب في الأمر حقاً، أن رحلة أفلاطون الثانية لم تك هي رحلته الأخيرة إلى صقلية، فبمجرد أن استتب السلام في الجزيرة ، ألح ديونسيوس في طلب أفلاطون، الذي أصر على رفض تلبية الدعوة متعللاً بتقدمه في السن. غير أن الملك لم ييأس وعاد يلح على الفيلسوف مستخدماً موقفه من "ديون" (صديق أفلاطون) كورقة ضغط، حيث أكد – في رسائله لأفلاطون – أن موقفه من "ديون" لن يتغير إلا بعودة الفيلسوف، وهو نفس الأمر الذي أكدته رسائل أخرى من أصدقاء أفلاطون في صقلية والتي أشارت كلها إلى تقدم ديونسيوس في اهتمامه بالفكر الفلسفي. وهكذا قام أفلاطون، على مضض، برحلته الثالثة والأخيرة لزيارة صقلية، بيد أن هذه الزيارة كادت أن تتحول إلى كارثة، حيث لم يف ديونسيوس بشئ من وعوده، ووجد أفلاطون نفسه سجيناً، وحاصره التهديد بالقتل، فأرسل إلى بعض من أصدقائه ليبلغهم بالخطر الذي يتهدده، فتشفعوا له عند ديونسيوس الذي وافق – بعد مماطلة – على مغادرته لصقلية(16).

        كانت هذه هي خاتمة رحلات ثلاث حاول فيها مفكرنا أن يحقق أحلامه الفلسفية، والمثير للتأمل حقاً أنه قد فشل في المرات الثلاث فشلاً ذريعاً، وهو الأمر الذي راح يؤكد – مرة تلو الأخرى – لفكرته القائمة على رفض الواقع . الواقع الذي لم يهيئ له تولي الحكم وهو ابن الأسرة الارستقراطية، والذي جعل من يتسترون بالديمقراطية يعدمون أستاذه سقراط، وهو نفس الواقع الذي جعل الأخيار من أمثاله ومن أمثال صديقه "ديون" يعجزون عن مواجهة الطغاة من شاكلة ديونسيوس الأب وديونسيوس الأبن .. إنه الواقع الذي رفضه أفلاطون وراح يتنكر له .. وياله من واقع أليم!!

ثانياً: منهج أفلاطون:

        لعبت حياة أفلاطون وبيئته الدور الأكبر في تحديد شكل منهجه، فعلى الرغم من معايشته للواقع في بواكير حياته، إلا أن أحداث ذلك الواقع قد راحت تقنعه شيئاً فشيئاً - على نحو ما رأينا – بضرورة هجره والتنكر له، ولعلنا نستطيع أن نستدل على ذلك بعبارات قد وردت على لسان أفلاطون، إذ يقول: "كأي ابن لأسرة ارستقراطية كنت متلهفاً إلى أقصى حد للاشتغال بالشئون العامة (يقصد الحكم)، غير أنني عندما أمعنت النظر في واقع الحياة السياسية هالني تلاحق أحداثها، وأخذ بعضها برقاب بعض، فأحسست بدوار، وانتهى بي المطاف إلى أن أتبين بوضوح أن جميع أنظمة الحكم الموجودة الآن، وبدون استثناء، أنظمة فاسدة، فدساتيرها قاطبة أدنى إلى أن تكون مستعصية على الإصلاح ما لم تصادفها معجزة من معجزات الزمن القديم"!!(17).

        وهكذا، وإزاء الصدمات التي تعرض لها أفلاطون في شبابه على النحو المتقدم، فقد راح يرفض الواقع ويتجه إلى عالم الميتافيزيقا (عالم الروح أو عالم ما وراء الطبيعة) لكي ينتهي إلى القول بأنه: "لا حقيقة في عالم المحسوس، ذلك بأن الحقيقة هي من شأن عالم الروح فحسب، كما أن على عالم الواقع حتى يكون فاضلاً أن يلتزم بقيم عالم الروح"(18).

        ومن هنا راح أفلاطون يبدأ من مقدمات ميتافيزيقية (بمنأى عن الواقع)، ثم عن طريق سلسلة من عمليات التدليل العقلي إنتهى إلى تقديم صورة لما يجب أن يكون عليه الواقع (الاجتماعي والسياسي) حتى يكون فاضلاً، إنه منهج يستهدف الكشف عن الأمثل في رحاب عالم الروح حيث المثل والقيم والفضائل بشتى صورها، وكل ذلك بعيداً عن الواقع المرير الذي يفتقر – عند أفلاطون – إلى أية حقيقة، لأن الحقيقة – عنده – حكر عالم عالم الروح دون سواه. على تلك الصورة إذاً كان منهج أفلاطون الفكري، الأمر الذي جعله – وبحق – الرائد الأول لما راح يعرف بـ "المنهج الفلسفي المثالي"، وهو – في مجالنا – مؤسس "الفلسفة السياسية" وأستاذها بغير منازع(19).

 

 

ثالثاً: الفكر السياسي لأفلاطون:

        قدم أفلاطون أفكاره عبر خمس وثلاثين محاورة، يأتي على رأسها – كما سبق وأن أشرنا – محاوراته الثلاث الشهيرة "الجمهورية" و "السياسي" و "القوانين". ورغم تنوع أفكار أفلاطون وتعدد مجالات اهتمامه، والتي شملت إلى جانب السياسة مجالات الاقتصاد والاجتماع والقيم والأخلاق، إلا أننا سنحاول أن نستخلص من بين تلك الأفكار جميعاً أفكاره ذات البعد السياسي، حتى وإن كانت قد جاءت في سياق اهتمامه بمجال آخر. وفيما يلي نعرض لشئ مما قدمه أفلاطون من فكر سياسي في طيات كل من محاوراته الثلاث المشار إليها.

( أ ) محاورة الجمهورية:

        أخرج أفلاطون تحفته الرائعة والفريدة "الجمهورية" للنور، وهو في نحو الأربعين من العمر، حيث راح يعرض عبر سطورها لشتى مناحي الحياة الإنسانية، مولياً وجهه شطر معالجة موضوع رئيسي هو البحث عن الأفضل، البحث عما يجب أن يكون، بعيداً عما هو كائن(20).

        وعلى ذلك فقد جاءت آراؤه في هذه المحاورة، داخل إطار مثالي، يتخيل فيه حواراً بين "سقراط" (الناطق باسم "أفلاطون" في المحاورة) وبين مجموعة من المريدين(21). وهو ما دعا البعض إلى وصف محاورة أفلاطون في "الجمهورية" بأنه قد بدأها سقراطياً معبراً عن آراء سقراط الخالصة، وانتهى أفلاطونياً معبراً عن رؤى أفلاطون المغايرة لأفكار أستاذه(22).

        هكذا إذاً إنطلق "افلاطون" في محاورة الجمهورية من أفكار "سقراط"، حيث بدأ من مسلمة رئيسية – استقاها من أستاذه – مؤداها أن "الفضيلة هي المعرفة Virtue is Knowledge وهو يقصد بها حياة أفضل للإنسان وللمجتمع، وذلك في معنى أن "الفضيلة" عنده ليست مجرد وسيلة يتمكن بها الفرد من رفع مستوى معيشته أو يرقى بها مجتمعه، ولكنها غاية في ذاتها، وبدونها لا يقوم مجتمع سياسي(23).

        والحق أن "أفلاطون" في تصوره للفضيلة كان قد ارتكز على أن "العدالة" هي الفضيلة الأساسية للروح، وبالتالي فالرجل العادل هو الأسعد والأحكم والأقوى والأفضل. هذا بيد أن "العدالة" نفسها تستدعي تساؤلاً عن كنهها، وهو ما طرحه أفلاطون – في محاورته – في صورة تساؤل بسيط أورده على لسان سقراط عن ما هية "العدالة"(24)؟

        وفي الإجابة عن هذا التساؤل، لجأ أفلاطون إلى أسلوب الجدل والقياس المنطقي، حيث راح يستعرض التعريفات المتداولة لفكرة العدالة مبيناً نسبيتها وبالتالي قصورها في التعبير عن فكرة "العدالة" ذاتها. ومن ذلك تعريف العدالة بأنها: "قول الحق ورد ما يأخذه الإنسان من غيره"(25)، في معنى "أن نرد لكل إنسان ماهو ملك له"، ففي هذا المضمون يرى أفلاطون صورة من صور عدم العدالة!!. وراح يؤكد لفكرته هذه بقوله: "إذا أودع شخصاً ما عند آخر سلاحاً، ثم جاءه ثائراً يطلب سلاحه ليستخدمه كأداة للقتل، فإن منعه عن سلاحه حتى لا يسئ استخدامه هو قمة العدالة"(26).

        ومن هنا فإن "العدالة" في الفرد – عند أفلاطون – هي أن يتحكم في نزعاته المتضاربة، بحيث ينمي نزعاته "السامية" ويقهر نزعاته "الوضيعة". هذا بينما تشير "العدالة" في الدولة إلى أن يتولى كل فرد العمل الذي تؤهله له طبيعته وقدراته الذهنية والجسدية، وعلى ذلك فإن "الدولة العادلة" هي تلك التي تضع كل شخص في المكان المناسب الذي تؤهله له طبيعته ونزعاته وقدراته(27).

        وهكذا كانت رؤية أفلاطون هذه من وراء ظهور فكرة جديدة ظلت تلازم "النظرية الاجتماعية" حتى الآن، ألا وهي الخاصة بتحقيق التكامل الاجتماعي من خلال تبادل الخدمات بين أفراد المجتمع، وهي فكرة تحمل بين ما تحمل مبدأ اقتصادياً هاماً ألا وهو مبدأ تقسيم العمل والتخصص الاقتصادي(28).

        ومن هنا جاءت مسلمة أفلاطون الثانية، والتي مؤداها: "أن التكامل وتقسيم العمل يمثلان السبيل الوحيد لبلوغ الحياة الاجتماعية هدفها المتمثل في إشباع الحاجات". وإنطلاقاً من هذه المسلمة راح أفلاطون يصور الكيان الطبقي للمدينة على منوال جسم الإنسان، وذلك على اعتبار أن الإله هو خالق هذا الجسم، وبالتالي فهو ينطوي على المثالية. والإنسان عند أفلاطون عبارة عن "ذكاء" و "طاقة" و "أعضاء"، وعليه فإن "المدينة الفاضلة" تتألف من ثلاث طبقات على النحو التالي(29):

1 -   الحكام (الفلاسفة): وهم يقابلون الذكاء في جسم الإنسان.

2 -   المحاربون: وهم يقابلون الطاقة في جسم الإنسان.

3 -   الحرفيون: وهم يقابلون الأعضاء في جسم الإنسان.

        وهكذا، فالحرفيون هم المختصون بالإنتاج بهدف إشباع حاجات المجتمع في شتى صورها، وبالتالي تمكين الطبقتين الآخريين من التفرغ لوظيفتيهما، أما المحاربون فهم الطاقة الشجاعة القادرة على الدفاع عن أرض المدينة، وكسر شوكة الأعداء. وأخيراً تأتي طبقة الحكام التي هي من شأن الفلاسفة، ذلك بأنهم وحدهم القادرون – بحكم رجاحة عقولهم – على العودة إلى عالم الروح (الذي تقبع فيه الحقيقة)، واستلهام حقائق الحكم منه(30).

        وارتباطاً بما تقدم، يرى أفلاطون أن الطبيعة هي التي فرضت هذا التقسيم الطبقي، بل ويلجأ إلى استخدام الأسطورة لكي يقنعنا بصحة رؤيته تلك، إذ يستند إلى أسطورة فينيقية قديمة تقول: "بأن الناس جميعاً قد ولدوا من الأرض، وأن عليهم حمايتها والدفاع عنها، بيد أن الإله قد ميزهم عن بعضهم البهض، فخلط معدن بعضهم بالذهب ليهبهم للحكم (يقصد الفلاسفة)، وخلط بعضهم بالفضة وأعدهم للحراسة والحرب (المحاربون)، أما بقية أفراد المجتمع فقد خلط طبيعتهم بالحديد والنحاس وأعدهم للزراعة والصناعة (الحرفيون)"(31).

        وعلى ذلك فالحكومة المثلى – عند أفلاطون – هي "حكومة الفلاسفة"، فعلى الفلاسفة أن يكونوا ملوكاً وعلى الملوك أن يكونوا فلاسفة(32)". أو على حد قول صاحب الجمهورية: "سوف لا تنعم المدن بأي خير ما لم يصبح الفلاسفة ملوكاً، أو يتشرب أمراء هذه الدنيا بروح الفلسفة وما تمنحه من صلابة، وبهذه الطريقة فحسب يمكن وضع حد لعجز الساسة الجهلاء الذين لا ينشدون إلا مصالحهم الذاتية ...، وعلى ذلك يتعين أن تضع المدينة نصب عينيها هدفاً رئيسياً قوامه إيجاد الحكام الذين يسيرون دفة الأمور في حكمة، لأن عيونهم قد أبصرت الحقيقة، فأصبح في مقدورهم أن يتجردوا من الأنانية في حكمهم، فلا يعتبرون المنصب إمتيازاً يتمتعون به بل واجباً يناط بهم أن يقوموا به على خير وجه، وعبئاَ يتعين عليهم أن يحملوه على عاتقهم في سبيل خير شعوبهم"(33).

        ويلاحظ من ثنايا ما تقدم أن أفلاطون – على الرغم من مخاصمته للواقع – إلا أنه لم يستطع التخلص من مفاهيم بيئته التي ظلت تلاحقه، إذ نراه يشير إلى نفس مفهوم "الحكم الصالح" السائد في عصره، والمتمثل في الحكم الذي يتغيا صالح المجموع (الصالح العام)، وإن كان افلاطون قد قصر وسائل بلوغ هذا الحكم على وسيلة واحدة هي وضع مقاليد الأمور في يد الفلاسفة دون سواهم، ليس هذا فحسب، ولكنه أشار – في محاورته هذه – إلى أن الحكام الفلاسفة يتعين أن يكون حكمهم مطلقاً لا يتقيدون فيه بأي قانون مكتوب، ذلك بأنهم – وعلى حد تعبيره – "أرباب المعرفة"، ولما كانت "الفضيلة هي المعرفة"، فعليهم أن يحكموا على هدى من معرفتهم وفي حصن من فضيلتهم"(34)‍‍ !!

        وإذا كانت هذه هي "الحكومة المثلى" عند أفلاطون (في محاورة الجمهورية)، فإن "الدولة المثلى" – عنده – هي التي تجعل من "التعليم" أهم وظائفها، لأنه إذا ما صلح تعليم المواطنين لاستطاعوا – في يسر – أن يتأملوا الحقائق الكامنة في عالم الروح. ولهذا يؤكد أفلاطون في "الجمهورية" على أن واجب الدولة هو ألا تترك التعليم في أيدي الأفراد بل تشرف عليه بنفسها إشرافاً تاماً، وهو إذ يرى ذلك راح ينتقد نظم التعليم المتبعة حينئذ في دولة المدينة، وهي النظم التي كانت تترك للأهل حرية اختيار نوع تعليم أولادهم دون نظر إلى ميولهم أو استعدادهم الفطري، هذا فضلاً عن أن تلك النظم كانت تحرم الغالبية العظمى من الشعب من حقها في التعليم بسبب عدم قدرتها على تحمل مصاريفه، ولهذا راح أفلاطون يؤكد على أن المدينة الفاضلة هي تلك التي توفر للكافة حقهم في التعليم، ليس حرصاً على حقوق الأفراد فحسب، ولكن حرصاً على مصلحة المجتمع ككل(35).

        وهكذا نأتي إلى أخر ما تناوله "افلاطون" – فيما يعنينا – في محاورة "الجمهورية"، ألا وهو ما سُمي بشيوعية أفلاطون، ففي إطار حرصه على تحقيق الصالح العام راح أفلاطون يعلن رفضه تمتع طبقتي الحكام والمحاربين بالملكية الخاصة، وحجته في ذلك أن الحاكم إذا ما تمتع بالملكية فقد ينحو إلى تغليب صالحه الخاص على الصالح العام، وكذلك المحارب الذي قد ينصرف جهده لحماية مصالحه دون اهتمام بمصالح الآخرين. وعلى ذلك يرى أفلاطون حتمية تحريم الملكية الخاصة – أياً ما كانت صورتها – على هاتين الفئتين. أما بصدد طبقة الحرفيين فيحق لها وحدها – على نحو ما يرى أفلاطون – أن تتمتع بالملكية الخاصة، وذلك شريطة أن تخضع سائر أنشطتها لمراقبة الحكام(36).

        ويبدو أن أفلاطون قد تأثر في رؤيته هذه بطريقة حياة الطبقة الارستقراطية العسكرية الحاكمة في "أسبرطة" وقتئذ، ولذلك إختص بفكرته تلك الطبقة العليا فقط دون الحرفيين، فأبناء الطبقة العليا، وعلى حد قوله: "أخوة يشتركون في كل شئ على المشاع، فهم يعيشون حياة مشتركة في مأكلهم ومشربهم.. أما أبناء الطبقة الدنيا فمهمتهم هي خدمة أفراد الطبقة العليا، وذلك حتى يتفرغ هؤلاء لمهمة الحكم"(37).

        ولم يقف الأمر بأفلاطون عند هذا الحد، بل راح يمتد بفكرته عن الشيوعية لتشمل إلغاء نظام الأسرة وتحريم الزواج الدائم على طبقتي الحكام والمحاربين، وذلك بحجة أن من شأن هذا النظام (نظام الزواج والأسرة) أن يشغل أفراد هاتين الطبقتين بمصالحهم ومصالح أسرهم على حساب الصالح العام. وهكذا رأى صاحب "الجمهورية" (غير المتزوج) في الأسرة مصدراً للأنانية الفردية التي تتنافى مع الصالح العام للمدينة، إن الاهتمام بامرأة وأطفال يبدو له أمراً مخالفاً لمهنة الحرب أو الحكم، تماماً كما هو الحال بالنسبة للملكية الخاصة وغريزة التملك(38). وعلى أية حال، فقد تراجع أفلاطون نفسه – في محاورة "السياسي" وتحت ضغط الواقع – عن فكرتيه الخاصتين بتحريم الملكية الخاصة وإلغاء الأسرة لطبقتي الحكام والمحاربين، مشيراً إلى أنها أفكار خيالية غير قابلة للتطبيق(39).

ب -  محاورة السياسي:

        قدم أفلاطون محاورته "السياسي" (يقصد رجل الدولة)، بعد نحو ربع قرن من تقديمه للجمهورية، ولذلك جاءت أفكاره مختلفة عن تلك التي ارتأها وهو في الأربعين من عمره. وإذا كنا نستطيع أن نعزي التغير في الأفكار إلى عاملي الزمن والخبرة (على نحو ما أشرنا في موضع سابق)، إلا أن ثمة تفسيرات أخرى لهذا التغير، حيث فسره البعض بتدهور القوى الذهنية والفكرية لفيلسوفنا، بينما فسره البعض الآخر بإزدهار النظام السياسي في "أثينا" وإنهيار نظيره في "أسبرطة". هذا بيد أن الرأي الغالب هو أن أفلاطون لم يرجع عن آرائه، ولكنه اكتشف أنها أكثر مثالية من أن يستوعبها الأفراد غير المثاليين، وبالتالي أراد أن يقدم لهم أفكاراً غير مثالية للتمشى مع حقيقة عدم مثاليتهم، فكأن افكاره في شيخوخته تمثل إنتقام المفكر من مجتمعه الذي لم يقدره حق قدره، فلم يعد يقدم له أحسن ما عنده(40)‍‍ !!

        ومهما يكن من أمر تفسير ذلك التغير في آراء أفلاطون، فقد ظهرت أولى ملامحه في محاورة "السياسي" من خلال أطراف المحاورة ذاتها، فبينما كانت الجمهورية تدور على لسان سقراط، نجد أن الحوار الأساسي في "السياسي" قد جاء على لسان رجل غريب قادم من "إليا" في جنوب إيطاليا، بينما كان سقراط يستمع إليه(41).

        وعلى الرغم من ذلك فقد بدأ أفلاطون محاورته مؤكداً على ما قال به في الجمهورية بصدد اعتبار الحكم المطلق للفلاسفة (غير المقيد بقانون) هو أمثل أشكال الحكومات، إلا أنه أضاف فكرة جديدة مؤداها أن للسياسة معرفة وفناً، أما المعرفة السياسية فهي – عنده – تشير إلى القدرة على العودة إلى عالم الروح (حيث الحقيقة والفضيلة) واستلهام حقائق الحكم الكامنة في أغواره، وأما فن السياسة فيشير – عند أفلاطون – إلى فن توجيه الجماعات عن غير طريق الإكراه، وهو ما يعني - ببساطة – حكم الناس برضاهم، وذلك بينما يشير إلى الحكم بالإكراه بإعتباره صورة من صور الطغيان التي لا علاقة لها البتة بفن السياسة(42).

        وهكذا، فإن "السياسي" عند أفلاطون هو المؤهل بمعرفته لفن السياسة لتولي الحكم، حتى وإن لم يتولاه بالفعل، وبالتالي فقد يكون الحاكم سياسياً، وقد لا يكون كذلك، وهو في هذه الحالة الأخيرة لا يعدو كونه طاغية لا حاكماً(43).

        هذا ويميز أفلاطون – في السياسي- بين المعرفة السياسية وبين ما عداها من المعارف، ولكي يجعل الصدارة لها في مواجهة هذه المعارف قاطبة. فالمعرفة العكسرية – عند فيلسوفنا – ليست معرفة سياسية، ذلك بأن الاستراتيجية (المعرفة العسكرية) هي المعرفة بفن إدارة المعركة من أجل تحقيق النصر، بينما يبقى "للسياسة" القول الفصل في إتخاذ قرار الحرب والسلام، حتى إذا ما تقررت الحرب تأتي الاستراتيجية (فن إدارة المعركة) لتحقيق النصر. والحق أن فكرة أفلاطون هذه تعد واحدة من أبرز الأفكار التي قدمها في محاورة "السياسي"، ففضلاً عن كونها فكرة سابقة لزمانها، فهي لا تزال – حتى أيامنا – تحكم علاقة السياسة بالاستراتيجية، والتي قوامها أن "الحرب" قرار يتخذه السياسيون وينفذه العسكريون(44).

        وليس من شك أن التعامل مع "المؤسسة العسكرية" – على هذا النحو – باعتبارها مؤسسة فنية يتولاها فنيون لا حكاماً، إنما يمثل مصلاً واقياً من ظاهرة الحكومات العسكرية التي راحت تعاني منها العديد من دول العالم الثالث في عصرنا. ذلك بأن الجمع بين الوظيفة الفنية لتلك المؤسسة وبين المشاركة في الحكم إنما يهيئ لاحتمال استيلائها عليه ولتنقلب من مؤسسة وطنية بحتة تعمل لحساب الوطن إلى مؤسسة تعمل لحساب النظام السياسي للدولة.

        بقي أن نشير في هذا السياق إلى الفكرة المماثلة التي قدمها أفلاطون في "السياسي"، ألا وهي المتعلقة بالقضاء، فالقضاء عند أفلاطون ليس عملاً سياسياً، فالفصل في المنازعات بين الناس هو فن إصدار الأحكام العادلة، وذلك إعمالاً للقوانين التي تصدر عن الساسة دون غيرهم(45). وغني عن البيان أن هذه الفكرة هي الأخرى، تعد من الركائز التي تقوم عليها النظم السياسية المعاصرة في أخذها بمبدأ الفصل بين السلطات.

جـ-  محاورة القوانين:

        تجلى التباين في آراء أفلاطون بين شبابه وشيخوخته في محاورته الأخيرة "القوانين"، والتي دارت على لسان ثلاثة أشخاص، ينتمي أولهم إلى جزيرة "كريت" حيث كان حكم القانون هو السائد، وينتمي ثانيهم إلى "أسبرطة" حيث سيادة الحكم الارستقراطي العسكري، هذا بينما ينتمي ثالثهم لأثينا حيث الحكم الديمقراطي (الذي سبق وأن أشرنا إليه). وعلى ذلك فقد ضمت المحاورة من يؤمن بالقانون ويمثله، ومن يؤمن بالقوة ويعبر عنها، ومن يؤمن بالديمقراطية ويدافع عن حكم الشعب(46).

        في ظل حوارات هؤلاء الثلاثة، راح أفلاطون يعبر بأفكار جديدة عن خبرات متراكمة وجدت صداها في عقل فيلسوفنا. خبرات تولدت من فشل تجربته في إصلاح "ديونسيوس الأب" و "ديونسيوس الإبن"، خبرات جعلته يدرك أن عالم الواقع أقوى من عالم المثل. وعلى ذلك فلم يك غريباً أن يتراجع أفلاطون عن بعض من أفكاره الرئيسية، فبعدما أكد على أن حكم الفلاسفة يتعين أن يكون مطلقاً وغير مقيد بأي قانون مكتوب، نجده قد راح يطرح فكرة جديدة(47)، يقول فيها: "إذا أتيح للدولة أن تكون تحت حكم الفلسفة غير المباشر كأن تصاغ هذه الفلسفة في لائحة قانونية، فإن ذلك يحقق الأفضل بعد الأفضل، إن ثمة مثلاً أعلى هو حكم الفلاسفة المطلق، ولكن لا بأس في ظل الضرورة التي يفرضها الواقع من أن يكون ثمة مثل أعلى ثانوي وهو حكم القانون شريطة أن تضعه جمهرة من الفلاسفة(48)".

        ويضف أفلاطون: "ليس ثمة شك في أنه إذا شاءت نعمة الله أن يقوم بين الناس رجل هيأته الطبيعة لتبين الخير والسعي في ركابه، فإن مثل هذا الرجل لا يكون في حاجة إلى الاسترشاد بقوانين في حكمه، غير أن وجود مثل هذا الرجل يعد بمثابة حلم من الأحلام، حلم بوجود إله يحل بين الناس، إن وجود مثل هذا العقل شئ مستحيل أو في أحسن الأحول شئ نادر، ولذا علينا أن نقبل بوجود قانون، بإعتبار أن هذه المرتبة هي التي تلي الأمثل، أو لنقل أنه مادام الأمثل مستحيلاً فلنقبل بما هو دونه"(49).

        هكذا إذاً راح أفلاطون "الشيخ" يتحلل من مثاليته المفرطة ليقترب شيئاً فشيئاً من الواقع، فقبل بحكم "القانون" الذي كان يشبهه "بالطاغية العنيد"(50)، وذلك شريطة أن تضع هذا "القانون" "جمهرة من الفلاسفة".

        وعلى أية حال فقد توفى أفلاطون في عام 347 ق. م عن عمر يناهز ثمانين عاماً، وذلك بعد أن لطف من خيالية أفكاره، وإن ظل يؤكد على اعتبارها مثلاً أعلى يتعين على البشر أن يسعون إلى بلوغه، على الرغم من اعترافه – في نفس الوقت – بصعوبة ذلك ‍‍‍‍‍‍!!


تعقيب

في شأن أبرز إسهامات أفلاطون في الفكر السياسي

 

        يتضح من ثنايا كل ما تقدم أن أسهامات أفلاطون الفكرية قد تخطت الفكر السياسي لتشمل الفكر الإنساني برمته، وتتلخص أبرز تلك الإسهامات فيما يلي:

        1 – إبتداع "المنهج الفلسفي المثالي": ويعد هذا الإسهام هو أبرز ما قدمه أفلاطون للفكر الإنساني، ذلك بأنه أول من قدم فكراً منهجياً منظماً، فحيث تبدأ عملية المعرفة من مقدمات لا واقعية، ينطلق منها المفكر عبر سلسلة من عمليات التدليل العقلي (الاستنباط)، مستهدفاً من خلالها الكشف عما يجب أن يكون، فإننا نكون بصدد "المنهج الفلسفي المثالي" الذي إبتدعه "أفلاطون".

        وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن هذا المنهج قد ظلت له الغلبة – في مجال المعرفة السياسية تحديداً – لقرون طويلة امتدت منذ ذيوعه على يد أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى بداية ارتباط الظواهر الاجتماعية - ومن بينها الظواهر السياسية – بالمنهج العلمي التجريبي في القرن الثامن عشر.

        2 – فكرته عن وحدة الوجود: ذلك بأن فكرة أفلاطون عن الحقائق الكامنة في عالم الروح، إنما جاءت نتاجاً لفكرته عن وجود إله واحد للكون، هو خالق البشر وملهم القيم. والحق أن عقيدة الإله الواحد التي أعتنقها أفلاطون – في ظل عالم وثني – إنما ترسخت في نفسه عبر زياراته – التي أشرنا إليها – لبلدان الشرق حيث كانت للديانة اليهودية صداها وأتباعها.

        3 – فكرته عن تقسيم العمل: وتعد من أهم ما قدمه أفلاطون على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فتقسيم العمل – على حد قوله – هو السبيل الوحيد لبلوغ الحياة الاجتماعية هدفها المتمثل في إشباع الحاجات.

        4 – رؤيته في مجال التعليم والتخصص: حيث أشار إلى التعليم باعتباره أهم وظائف الدولة المثالية، بل وطالب بأن تعطى الفرصة للكافة لكي يحصلوا على حقهم في التعلم. وليس هذا فحسب، وإنما إرتأى أن ترتبط عملية التعلم بالميول والقدرات، بحيث يعمل كل فرد فيما هو مؤهل له. ومن هنا جاءت فكرته عن التخصص، والتي تشير هي الأخرى إلى ضرورة أن يختص كل فرد بالعمل الذي يتناسب وقدراته، وليكون الرجل المناسب في المكان المناسب.

        5 – فكرته عن المعرفة السياسية: ذلك بأن السياسي عند أفلاطون ليس هو مجرد الحاكم، وإنما هو الذي يتمكن من المعرفة السياسية على نحو يؤهله لتولي الحكم حتى وإن لم يتولاه بالفعل، وبالتالي فقد يكون الحاكم سياسياً (عندما يتمكن من هذه المعرفة)، وقد لا يكون كذلك، وعندها يكون مجرد طاغية لا حاكماً. وفي ذلك إشارة واضحة لحكم الذي يعلمون دون الذين لا يعلمون.

        6 – تصوره للاحتراف العسكري: فالعسكرية عنده – على نحو ما أشرنا – هي فن إدارة المعركة، وبالتالي فالمؤسسة العسكرية لا تعدو كونها مؤسسة إدارية تختص بتنفيذ قرار الحرب دون إصداره. وفي ذلك – كما أكدنا - تحييد للمؤسسة العسكرية فيما يتصل بعلاقتها بالنظام السياسي، بحيث تظل مؤسسة وطنية تعمل لحساب الوطن ككل وليس لحساب نظامه السياسي.

        كانت هذه هي أبرز إسهامات أفلاطون الفكرية، والتي تقطع بغير شك أن فكره الذي بدأه من مقدمات لا واقعية ميتافيزيقية، قد راح يجد صداه من الناحيتين العلمية والواقعية، ولينفي عن صاحبه تهمة السفسطة الذهنية !!

‍‍ المبحث الثاني

في

التعريف بالمفكر الألماني

"هيجـل"

(حياته وبيئته ومنهجه وفكره)

 

أولاً : حياته وبيئته:

        ولد "جورج فيلهلم فردريك هيجل" في عام 1770م بمدينة "شتوتجارت" الألمانية، وكان والده أحد موظفي الشئون المدنية في "مملكة فورتمبرج"، حيث كانت ألمانيا – وقتذاك – مفتتة إلى ما يزيد عن ثمانين وحدة سياسية مستقلة(1).

        غادر "هيجل" شتوتجارت وهو في الثامنة عشرة من عمره، وذلك بعدما أنهى دراسته بالمرحلة الثانوية، حيث يمم وجهه شطر سويسرا، والتحق بجامعة "توبنجن" (Tubingen) ليدرس اللاهوت والتاريخ. والحق أن اهتمام "هيجل" بالتاريخ قد راح يستغرق قدراً لا يستهان به من وقته، ذلك إلى جانب دراسته الأساسية اللاهوتية. ويبدو أن الفكر الإغريقي – على وجه الخصوص – قد كانت له مكانته المميزة عند الشاب الألماني، فقد كان شديد الإعجاب بمفكري الإغريق وعلى رأسهم "أفلاطون"، وليس أدل على ذلك من أنه قد أعتبر أن الحضارة الغربية تدين بكثير من الفضل لمفكري الأغريق، بل وراح يجاوز ذلك ليعطي ذلك الفكر مرتبة أسمى من الديانة المسيحية ذاتها(2).

        وعلى ذلك فلعنا لا نجاوز الحقيقة إذا ما قلنا أن "هيجل" قد تأثر إلى حد كبير بفكر "أفلاطون" الميتافيزيقي لاسيما فيما يتصل بفكرة وحدة الوجود التي قوامها أنه لا حقيقة في العالم المحسوس وأن الحقيقة هي من شأن عالم الروح فحسب، وهو الأمر الذي سيتضح من ثنايا منهجه وفكره على نحو ما سنعرض له لاحقاً.

        لم يمكث "هيجل" طويلاً بمدنية "توبنجن"، فبمجرد إنتهائه من دراسته الجامعية، غادرها متجهاً إلى مدينة "برن"، حيث عمل بها مدرساً خصوصياً على مدى 4 سنوات ما بين عامي 1793 و 1797(3)، وذلك في نفس الوقت الذي راح فيه يواصل دراسته اللاهوتية للديانة المسيحية ولشخصية السيد المسيح عليه السلام(4).

        وبحلول عام 1797، غادر "هيجل" برن إلى مدينة "فرانكفورت" الألمانية، حيث واصل عمله بالتدريس الخصوصي، وإن اهتم – وللمرة الأولى – بالشئون السياسية والاقتصادية إلى جانب عنايته باللاهوتية. وبعد أقل من عامين غادر "هيجل" "فرانكفورت" متجهاً إلى مدينة "يينا Jena" حيث عين محاضراً بجامعتها، ثم ما برح أن حصل على كرسي الأستاذية في الفلسفة والرياضيات من ذات الجامعة في عام 1805.

        والحق أن وجود "هيجل" في مدينة "يينا" خلال تلك الفترة قد لعب دوراً مؤثراً في حياته، ففي عام 1806 شاهد "هيجل" الزعيم الفرنسي "نابليون بونابرت" يتصدر جحافل جنوده وهو يجوب شوارع المدينة الألمانية بعد هزيمة جيشها المذلة أمام الفرنسيين. ويبدو أن هذا المشهد لم يفارق مخيلة المفكر الألماني الذي تأثر به إلى حد أنه – ومن جراء تعلقه بشخصية نابليون ومشهده – قد أعتبر أن "الحكم المطلق للزعيم" هو أمثل أشكال الحكم على الإطلاق!!. وليس أدل على ذلك من عبارات "هيجل" الشهيرة التي علق فيها على هذا المشهد، قائلاً: "لقد رأيت الأمبراطور ممتطياً صهوة جواده، يستكشف أرجاء المدينة.. وإنه لإحساس عجيب حقاً أن ترى فرداً واحداً في نقطة واحدة ومع ذلك تستشعر أنه يعبر العالم بأسره ويتحكم فيه"(5).

        وعلى أية حال، فقد غادر "هيجل" "يينا" في عام 1808، متجهاً إلى مدينة "نورمبرج"، حيث استطاع أحد أصدقائه أن يجد له وظيفة بإحدى مدارسها الكلاسيكية، وذلك كأستاذ للفلسفة ومدير للمدرسة في نفس الوقت، ولعلها المرة الأولى منذ سنوات طويلة من عمر "هيجل" التي يحصل فيها على أجر منتظم، إذ أن عمله بجامعة يينا لم يكن نظير أجر محدد، وإنما مقابل مكافأة يدفعها الطلاب. وعلى الرغم من أن مستوى تلك المدرسة لم يكن يرقى إلى المستوى الجامعي، إلا أن "هيجل" تعامل مع وظيفته بجدية، بل وراح يسعى جاهداً في تطوير المدرسة رغم نقص الأجهزة والاعتمادات المالية(6).

        والحق أن إنشغال "هيجل" بالتدريس لم يقف حجر عثرة في وجه اهتماماته الفلسفية، حتى أنه استطاع أن ينتهي من كتابه الشهير "علم المنطق" في أثناء عمله بالتدريس، ولينشره في ثلاثة مجلدات صدرت على التوالي في أعوام 1812، 1813، 1816. وبمجرد أن نشر هذا الكتاب، حتى ذاع صيت هيجل في الأوساط الفلسفية، فتلقى ثلاثة عروض ليشغل كرسي الفلسفة في ثلاث جامعات هي "برلين" و "هيدلبرج" و "ارلانجن". ولأن عرض جامعة "هيدلبرج" كان هو أسرع تلك العروض وأكثرها جدية، فقد قبله "هيجل" على الفور، وبذلك أصبح أستاذاً للفلسفة في تلك الجامعة على مدى عامين (1816 – 1818)(7).

        هذا بيد أن القدر قد كان يدخر لهيجل الموقع الأكثر بروزاً في حياته، فعلى أثر وفاة الفيلسوف الألماني الشهير "فيخته Fichte" في عام 1818، أستدعي "هيجل" ليشغل موقعه في كرسي الفلسفة بجامعة "برلين"، وياله من موقع مرموق، فما أن شغل "هيجل" ذلك الكرسي حتى ذاعت شهرته في سائر الأصقاع الألمانية، وعلا نجمه في أفق الفلسفة والفكر، بحيث أضحت القاعة التي يلقى فيها محاضراته بمثابة سوق رائجة يفد إليها الألمان من كل حدب وصوب طلباً للمعرفة في رحاب ذلك الفيلسوف الفذ ذي الصوت الخفيض. وهكذا أصبحت "جامعة برلين" قبلة للفلسفة، حتى أن فردريك فيلهلم الثالث ملك بروسيا قد وصف ذلك بقوله: "إن نجاحنا في المجئ بهيجل إلى جامعة برلين لهو مصدر فخار لنا"(8).

ثانياً: منهج "هيجل":

        تأثر "هيجل" – على نحو ما أشرنا – بالفكر الإغريقي بصفة عامة، وبأفكار "أفلاطون" بصفة خاصة، ولذلك فقد راح يبدأ من نفس المقدمات التي بدأ منها الفيلسوف الإغريقي، والتي قوامها أن الحقيقة تكمن في عالم الروح دون سواه.

        هذا بيد أن ثمة إختلافاً جوهرياًُ بين طبيعة عالم الروح عند "هيجل" وبين تلك الطبيعة عند "أفلاطون"، فعالم الروح عند هذا الأخير هو عالم ساكن (إستاتيكي) لا يتغير، وذلك لأنه مستودع المثل ومنبع الفضائل (على نحو ما فصلنا في المبحث السابق)، وبالتالي فقد كان "أفلاطون" يستنبط من هذا العالم مجموعة من النتائج المنطقية التي يرى فيها حقائق مطلقة صالحة لكل زمان ومكان، باعتبارها تعبيراً عن الأمثل الكامن في عالم الروح الساكن الذي لا يتغير(9).

        أما عالم الروح عند "هيجل" فله طبيعة مغايرة، فهو عالم متحرك (ديناميكي) متطور. وذلك في معنى أن الميتافيزيق أو "الروح المطلق" (على نحو ما أسماه هيجل) تتطور باستمرار، وإنها حين تتطور تطور معها واجهاتها المادية المحسوسة المتمثلة في "الطبيعة والمجتمع"، وبالتالي فإن الوجود عند "هيجل" ليس فكرة ومادة، ولا حتى روح ومحسوس، وإنما هو "روح" قد كشفت عن ذاتها في صورة العالم المحسوس (الطبيعة والمجتمع)(10).

        ومن الواضح أن "هيجل" قد تأثر في فكرته هذه بدراسته اللاهوتية للديانة المسيحية، وذلك إلى جانب تأثره بالفكر الإغريقي. ذلك بأن مقدمة "وحدة الوجود" المشار إليها، والتي أستند إليها فكر "هيجل" برمته، إنما هي مقدمة لاهوتية دون شك. إن فكرة "الروح المطلق" عند "هيجل" – لا تعدو أن تكون تعبيراً عن الإله الذي خلق الطبيعة والمجتمع كي يدرك البشر ذاته سبحانه وتعالى من خلال مخلوقاته. إنها ذات الفكرة التي خطها أفلاطون عن عالم الروح، والتي دعته إلى القول – في أزهى عصور وثنية الغرب – بوجود إله واحد، مبدع للكون، وخالق للبشر، وملهم للقيم.

        هكذا إذن فإن نشأة "هيجل" كطالب لللاهوت وعاشق لفلسفة أفلاطون كان لها عظيم الأثر في المقدمة الكبرى التي أنطلق منها فكره قاطبة ألا وهي "وحدة الوجود". هذا بيد أنه راح يضيف لها فكرة جديدة قوامها – كما أشرنا – أن الروح المطلق ذات طبيعة متطورة، وأنها حين تتطور تطور معها واجهاتها المادية المحسوسة (الطبيعة والمجتمع).

ثالثاً: فكر "هيجل":

        إن الشروع في تناول فكر "هيجل" لابد وأن يبدأ من فكرته التي اعتمد عليها في منهجه، ألا وهي تطور الروح المطلق، ذلك بأن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يتم هذا التطور؟

        هنا تأتي فلسفة "هيجل" الجديدة، فالروح – عنده – تتطور وليست ساكنة، وهي في تطورها تطور معها شكلها الخارجي (الطبيعة والمجتمع)، وهو ما يعني بالتبعية أن أصل تطور الطبيعة والمجتمع إنما يكمن في تطور الروح المطلق ذاته (أي الفكرة المطلقة). ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة عن "الجدلية Dialectic" والتي قوامها أن "الفكرة" (التي هي من شأن عالم الروح) تنطوي بالضرورة على نقيض لها سرعان ما تفرزه، ثم يكون صراعاً بين الفكرة ونقيضها ينتهي إلى الوصول إلى "فكرة متقدمة"، غير أن هذه الأخيرة أيضاً تنطوي على نقيضها الذي ما أن تفرزه حتى ينشأ الصراع بينهما مسفراً عن "فكرة جديدة أكثر تقدماً" تفرز بدورها نقيضها وهكذا(11).

        وإنطلاقاً من فكرة "الجدلية" هذه، راح "هيجل" يقدم لنا تفسيره لتطور المجتمعات، وذلك عبر عدة مؤلفات ضمنها أبرز أفكاره الفلسفية، ويأتي على رأس هذه المؤلفات:

-       كتابه المعنون بـ "علم ظواهر الروح(12) Phenomenology of the Spirit" (صدر في عام 1807).

-   وكتابه المعنون بـ "علم المنطق The Science of Logic" (وصدر في ثلاثة مجلدات على نحو ما أشرنا في موضع سابق).

-   وموسوعته في العلوم الفلسفية "The Encyclopedia of Philosophical Sciences" (صدرت في عام 1821). هذا فضلاً عن كتب أخرى صدرت بعد وفاته، حيث جمعها ونشرها مجموعة من تلاميذه.

وبعيداً عن التفاصيل الفلسفية التي عرض لها "هيجل" في كتاباته هذه، والتي لا مجال لسردها في عملنا هذا، فإن أهم ما يعنينا هنا هو أفكاره ذات البعد السياسي. وعلى ذلك فسوف نبدأ بفكرته عن "تطور المجتمعات"، وما يستتبعه ذلك من تطور المؤسسات الاجتماعية. وفي هذا السياق أشار "هيجل" إلى أن "الأسرة" هي المؤسسة الاجتماعية الأولى من حيث الظهور التاريخي، ثم وبعامل التطور ظهرت الصورة الثانية والتي تمثلت في "المجتمع المدني"، ثم مالبث هذا الأخير أن تطور هو الآخر ليسفر لنا عن صورة "الدولة"(13).

        ووفقاُ لفسلفة "هيجل" فإن هذا التطور ما هو إلا صدى لتطور "الروح المطلق" (بفعل "الجدلية")، ذلك بأن "الروح المطلق" قد راح يكشف عن ذاته - فيما يتصل بالمجتمع - في شكل "الدولة"، ولذلك فإن "الدولة" – عند "هيجل" -  مقدسة لأنها التعبير عن المرحلة النهائية لتطور "الروح المطلق"(14).

        وفي تفصيل ذلك يقول "هيجل" أن "الأسرة" (الفكرة الأولى) هي أسبق المؤسسات الاجتماعية في الظهور من الناحية التاريخية، لأنها الرباط الروحي بين الجنسين، حيث تستمد علاقة الرجل بالمرأة شرعيتها من خلال ذلك الرباط، ومن خلاله أيضاً تستكمل علاقتهما صورتها المثالية بإنجاب الأطفال. هذا بيد أن رباط الأسرة هو رباط عارض (مؤقت)، يزول بوفاة الزوجين أو إنفصالهما، ولذلك أتجهت مجموعة الأسر إلى التجمع والتعاون لرعاية مصالحها الخاصة وحمايتها، ومن هنا ينشأ "المجتمع المدني"(15) (نقيض الفكرة الأولى) ليعبر عن العلاقات المختلفة التي تنشأ بين أفراد الأسر (بعد استقلالهم عن أسرهم)، حيث تتعدد الأهداف وتتباين المصالح، فبعدما كان الهدف واحداً في الأسرة (ألا وهو تحقيق مصلحة جميع أفرادها)، نجد أن كل فرد (داخل المجتمع المدني) قد راح يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة، وليقوم المجتمع المدني بتحقيق غاية رئيسية هي تلبية حاجات الأفراد من خلال عمل الجميع، وهنا تظهر عدة قوى متباينة هي قوى الطبقات المختلفة، وما يستتبعه ذلك من تعارض في المصالح واختلاف في الآراء وتنوع في العلاقات(16).

        وهكذا تظهر دولة "هيجل" لتمثل الإفراز الطبيعي لتصارع الفكرة الأولى (الأسرة) مع نقيضها (المجتمع المدني)، فهي مركب من الفكرتين معاً، ذلك بأنها تعالج نقائص الأسرة ونقائص المجتمع المدني في آن واحد، فإذا كانت الأسرة "مؤقتة فإن "الدولة" دائمة، وإذا كان "المجتمع المدني" يعبر عن تصارع القوى الطبقية المختلفة، فإن "الدولة" هي التي تستطيع أن تستوعب هذا الصراع لتوفق بين الإرادة الفردية والإرادة الكلية(17).

        وعلى ذلك يمكننا تلخيص فكرة "هيجل" عن الدولة فيما يلي(18):

1 - أن "الدولة" هي الصورة النهائية لتطور "الروح المطلق"، وبالتالي فهي "ظل الله في الأرض" (The March of God in the World).

2 - أن طاعة الدولة هي طاعة لله، وما دامت سلطة الله مطلقة لا حدود لها ولا قيود عليها، فكذلك سلطة الدولة.

3 - أن ما تفعله "الدولة" هو حقُ كله، ذلك بأنها لا تخطئ ولا تظلم.

4 - أن "الدولة" هي "كلُُ"، تتضاءل إلى جواره الأجزاء التي تكونه، كما أنه لا قيمة للأجزاء بدون الكل.

5 -    أن الدولة هي غاية في ذاتها وليست مجرد وسيلة.

        أما عن سلطات الدولة عند "هيجل"، فهي سلطات ثلاث رئيسية(19):

-       السلطة التشريعية: وهي تمثل مصالح "الكثرة".

-       السلطة الإدارية: وتتضمن السلطتين التنفيذية والقضائية، وتمارسها الطبقة الارستقراطية وتمثل مصالح "القلة".

-       السلطة الملكية: وتتمثل في "الملك.

ولعله من الضرورة بمكان أن نتوقف عند هذه السلطة الأخيرة، التي هي السلطة الملكية، ذلك بأن صورة الدولة عند "هيجل" لا تكتمل إلا من خلال استعراض تصوره لسلطة الزعيم، فدولة "هيجل" – على نحو ما بينا بتفصيل طويل – تمثل تجسيداً لإرادة الروح المطلق، وبالتالي فهي مقدسة. وهنا تأتي أهمية "الزعيم"، لأنه – وفقاً لتصور "هيجل" – يعبر عن إرادة الروح المطلق التي هي "الإرادة الكلية"، وبالتالي فإن سلطة الزعيم – عنده – لابد وأن تكون مطلقة بلا قيد، إذ لا مجال للخوف من أن يتدلى الزعيم إلى الاستبداد ذلك بأن حكمة الروح المطلق ستعصمه من الزلل وستحول بينه وبين الوقوع في الخطأ. وعلى ذلك فإن "الملكية المطلقة" – عند هيجل – هي أمثل أشكال الحكومات على الإطلاق(20).

        والحق أن فكرتي "هيجل" عن "الدولة المقدسة" و "الزعيم المطلق" جاءتا كتعبير عن حياة مفكرنا وبيئته، ذلك بأنه كما قدمنا عاش في حقبة كانت ألمانيا فيها ممزقة الأوصال ينطوي كيانها على عشرات الوحدات السياسية المستقلة، الأمر الذي جعله يتحرق شوقاً إلى اليوم الذي يرى فيه بني جلدته وقد جُمع شمل شتاتهم في دولة واحدة تجسد الهوية الألمانية. وهي غاية لن يتأتي لها أن تتحقق – عند "هيجل" – إلا على يد زعيم عسكري فذ يخرج من بين صفوف أولئك الذين يتكلمون بلسان ألماني(21). ولعل فكرة "هيجل" هذه عن "الزعيم" تجد أصلها في إعجابه – على نحو ما أشرنا – بمشهد الزعيم الفرنسي "نابليون بونابرت" وهو يتصدر مواكب جنوده مخترقاً شوارع مدينة "يينا" الألمانية.

        وغني عن البيان أن نشير هنا إلى أن فكرة "هيجل" عن تقديس الزعيم كان لها عظيم الأثر على موقف الألمان من حكامهم لعقود طويلة تلت وفاة فيلسوفهم الفذ، فهم الذين تجمعوا خلف "بسمارك" البروسي عندما نادى داعي الجهاد لأجل الوحدة الألمانية، تلك الوحدة التي في سبيلها بذلوا دماءهم، والتي على الدرب إليها نثروا أشلاءهم، فكان لهم ما أرادوا، وتحققت مقولة "هيجل" بأن الوحدة الألمانية لن تكون إلا على يد زعامة عظيمة، فكان "بسمارك" هو تلك الزعامة التي حولت حلم الوحدة إلى حقيقة في عام 1871. وفي نفس الإطار إلتف الألمان حول إمبراطورهم "فيلهلم الثاني"، ذلك الذي خاض بهم غمار الحروب فأطاعوه، ووعدهم بالتمكن لعزتهم في الأرض فساروا خلف رايته إلى أن خبا نجمه على أثر هزيمة ألمانيا المذلة في الحرب العالمية الأولى. ثم كان أن تكرر نفس المشهد مع زعيم جديد هو "أودلف هتلر"، الذي تولى زعامة ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، فالتف حوله الألمان عندما راح يجتاح شرق أوروبا – إبان الحرب العالمية الثانية – مرددين خلفه عبارة "ألمانيا فوق الجميع"، وليذوقوا على يديه هو الآخر مرارة الهزيمة المهينة في الحرب العالمية الثانية(22).

        ومهما يكن من أمر تقديس الألمان للزعيم ارتباطاً بفكرة "هيجل"، فإن ما يعنينا هنا هو أن الزعيم عند "هيجل" هو المعبر عن إرادة الروح المطلق، أو على حد قوله: "إن تاريخ البشرية ليس إلا التعبير عن التقدم المطرد للروح المطلق، إن هذه الروح هي التي تحرك التاريخ وليس العظماء أو الزعماء كما قد يعتقد الناس، إن هؤلاء الزعماء هم مجرد أدوات لقوة الروح المطلق الكامنة تحت سطح التاريخ تنفذ إرادتها من خلال تصرفاتهم التي يعتقدون أنهم هم موجهوها"(23).

        وارتباطاً برؤية "هيجل" هذه للتاريخ، فقد راح يربط "حركة التاريخ" بالحرية، حيث يرى أن هناك إتجاهاً مستمراً للسعي نحو الحرية باعتبارها الهدف المطلق للتاريخ(24). وعلى ذلك يشير "هيجل" إلى أن "الدولة" وحدها هي التي توفر أجواء الحرية، فلا مجال لتحقيق الحرية للأفراد إلا داخل الدولة(25). بيد أن هذا لا يعني – عند "هيجل" – تحرر الفرد داخل الدولة من أية قيود، بل على العكس من ذلك، فالحرية – عنده – تعني أن ينصهر الفرد في الدولة بحيث يخضع لها بشكل مطلق. وعلى ذلك فالحرية في المنظور الهيجلي تشير إلى عمل الفرد كجزء من الدولة، وأولوية الدولة في مواجهة الأفراد، فالدولة هي التي تضفي على الفرد صفة المواطن الحر إن هو أطاع القانون، فمن أطاع القانون – عند "هيجل" – فقد أطاع نفسه وحقق حريته(26).

        ولعلنا نستطيع القول بأن أساس الدولة – على نحو ما يراه "هيجل" – هو "القانون"، ذلك بأن "القانون" هو الذي يحكم ويحدد حياة الفرد، بيد أن هذا لا يعني القانون الذي يصدره الحاكم بإرادته التعسفية، بل القانون الذي يتفق مع العقل، لأن مضمون القانون – كما ينبغي أن يكون – هو "الحق"، ولذلك وضع "هيجل" شروطاً أربعة للتحديد العقلي للحق بحيث يصبح قانوناً، وتتلخص هذه الشروط فيما يلي(27):

1 - أن يكون القانون عاماً وشاملاً، وذلك في معنى أن يطبق على الكافة بلا استثناء أو تمييز.

2 - أن يكون معلوماً للكافة، فما دام القانون ملزماً لجميع المواطنين، فلابد لكل مواطن أن يعرف مضمونه، وإلا فسوف يكون من الصعوبة بمكان أن نعتبر المواطنين مسئولين عن تنفيذ بنود هذا القانون.

3 - أن تنفذ هذا القانون وتدعمه سلطة عامة، بحيث تصبح مهمة هذه السلطة هي التحقق من أن العدالة قد أخذت مجراها في الحالات التي ينتهك فيها القانون.

4 - أن يعبر القانون عن قيم المجتمع وعاداته وتقاليده.

        وفي هذه الشروط ما يكشف بوضوح عن أن "هيجل" لم يقصد بفكرتيه عن "الدولة المقدسة" و "الزعيم المطلق" تقديم سند فلسفي لطغيان الحاكم واستبداده، وإنما أراد أن يقيم "دولة قوية" (لأنها تمثل عنده تجسيداً لإرادة الروح المطلق)، يحكمها "زعيم قوي" (يستمد قوته من كونه المعبر عن إرادة الروح المطلق)، في ظل "قانون عادل يتفق مع العقل ويحق الحق".

        وعلى أية حال فقد توفى "هيجل" في عام 1831 متأثراً بمرض "الكوليرا"، وذلك بعد أن قلدته المملكة البروسية أرفع أوسمتها في عام 1830، وبعد أن عُين - في نفس عام وفاته – رئيساً لجامعة برلين. هذا غير أن ما تحقق من ذيوع لأفكار "هيجل" بعد رحيله، قد فاق بمراحل ما تحقق لها في حياته، حتى أنه راح يوصف باعتباره أهم فلاسفة القرن التاسع عشر، إذ أن آثار فلسفته قد امتدت لتشمل كافة المذاهب الفلسفية التي سادت في القرن العشرين، حتى أضحى من الضرورة بمكان للباحث في مجال الفلسفة أن يرجع إلى ذلك المذهب الفلسفي الذي أستوعب تاريخ ما قبله وحدد مسار ما بعده. وليصدق – حول فكره – ذلك السؤال الذي طالما تردد على أذهان وأقلام العديد من المفكرين في فلسفته السياسية، ألا وهو: هل كان قتال السوفيت، والألمان في عام 1943 إلا ثمرة ناتجة عن صدام الجناح الأيسر والجناح الأيمن من فلسفة هيجل؟(28).

        والحق أن الإجابة عن هذا السؤال تكشف بوضوح عن مدى تأثير أفكار "هيجل" في أحداث القرن العشرين. ذلك بأن تأثير تلك الأفكار قد أمتد – على نحو ما أشرنا – إلى ألمانيا الهتلرية في ثلاثينيات القرن الماضي (أي بعد قرن كامل من وفاة هيجل)، حيث أخلص الألمان لزعيمهم – تأثراً بأفكار فيلسوفهم – على الرغم من الطريق الوعر الذي سلكه بهم والخطوب الجسام التي حاقت بهم من جراء مشايعتهم له، فخاضوا معه غمار حرب ضروس أتت على الأخضر واليابس، وكل ذلك لا لشئ إلا إيماناً بألمانيا القوية التي رسمها "هيجل"، واقتناعاً بقداسة زعيمها الذي تعصمه الروح المطلق من الزلل وتحول بينه وبين الوقوع في الخطأ !!

        وعلى الرغم من تسلط الفلسفة الهيجلية المثالية المطلقة على الفكر الألماني طوال تلك الحقبة الزمنية، إلا أن هذا التسلط لم يحل دون إنقسام المدرسة الهيجلية – ذاتها – ما بين يمين ويسار، فثمة فريق من الهيجليين (اليمينيون) يؤمن أصحابه بفلسفة "هيجل" المثالية وما نتج عنها من فكر سياسي محافظ، وثمة فريق آخر من اليساريين – وفي طليعتهم "ماركس" راح أصحابه يرفضون فكرة الحقيقة الكامنة في عالم الروح وما نتج عنها من مثالية مطلقة، ليقدموا فكرة مغايرة قوامها أنه لا حقيقة إلا في عالم المادة (عالم المحسوس)(29).

        هذا غير أن "ماركس" ورفاقه قد ظلوا مع ذلك محتفظين من فلسفة "هيجل" بفكرته عن "الجدلية"، فراحوا يطبقونها على المادة كبديل لتطبيق "هيجل" لها على الفكرة، فكانت فلسفة ماركس القائمة على "المادية الجدلية"، وهو ما أعلنه ماركس صراحة في كتابه المعنون بـ "رأس المال"، إذ يقول: "إن منهجي الجدلي لا يقف في مخالفته لمنهج هيجل عند حد الاختلاف في الأساس، وإنما هو النقيض له تماماً، إن حركة الفكر – عندي – ليست إلا صدى لحركة الواقع (المحسوس) وقد تمثلت في أدمغة البشر، لقد أقام هيجل الجدلية على رأسها فأقمتها أنا على قدميها"(30).

        ومهما يكن من أمر الاختلاف بين فلسفة هيجل وفلسفة تلميذه ماركس، فليس من شك في أن فكرة الأستاذ عن "الجدلية" قد كانت بمثابة القلب النابض من فكر تلميذه، فارتباطاً بها جاءت نظرية ماركس بصدد تفسير المجتمعات مادية جدلية، تلك النظرية التي طبق صيتها الآفاق، وأحدثت آثاراً بالغة في تاريخ العالم المعاصر، وما إنطوى عليه من نظم سياسية واجتماعية واقتصادية. وذلكم كله كان بوحي من فكر "هيجل"، وعلى هدى من نبراس معرفته.

        هكذا إذاً نجيب بنعم عن السؤال الذي طرحناه في سطور سابقة، ذلك بأن قتال السوفيت والألمان في عام 1943 (ضمن معارك الحرب العالمية الثانية)، لم يكن إلا مجرد ثمرة من ثمار صدام الجناحين الأيمن والأيسر لفلسفة هيجل، حيث تمثل الجناح الأيمن في "ألمانيا" وشعبها الذي خاض غمار الحرب إيماناً بتلك الفلسفة. هذا بينما تمثل الجناح الأيسر في"السوفيت" (الماركسيون) الذين آمنوا بأفكار ماركس واعتنقوا فلسفته التي هي نقيض فلسفة أستاذه. فكأن تلك الحرب كانت كلها ثمرة لفكر هيجل ونتاجاً لمعرفته.

        وعلى أية حال فسواء اتفقنا مع "هيجل" في أفكاره أو إختلفنا حولها، فإننا لا نستطيع أن ننكر أنه بأفكاره تلك قد راح يعد – وبحق – علماً بارزاً من أعلام الفلسفة الميتافيزيقية، وفحلاً جليل الشأن ذائع الصيت ضمن فحولها، ورائداَ فذاَ يشار إليه بالبنان إن ذكر في العالمين روادها.


تعقيب

في شأن أبرز إسهامات "هيجل" في الفكر السياسي

 

          يتضح لنا من ثنايا كل ما تقدم أن إسهامات هيجل في مجال الفكر السياسي، قد راحت تجاوز عصره (القرن التاسع عشر)، لتؤثر في أفكار وأحداث القرن العشرين، وتتلخص أبرز تلك الإسهامات فيما يلي:

1 -     رؤيته لطبيعة "الروح المطلق": فعلى الرغم من ارتباطه بفكرة أفلاطون عن الحقيقة الكامنة في عالم الروح وحده دون سواه، نجده قد راح يختلف مع رؤية الفيلسوف الأغريقي لطبيعة عالم الروح، فبينما كان يراه "أفلاطون" عالماً ساكناً لا يتغير، رآه "هيجل" عالماً متحركاً متطوراً. بل وأضاف أن هذا التطور للروح المطلق، إنما يستتبع تطوراً مماثلاً في واجهاتها المادية المحسوسة المتمثلة في "الطبيعة والمجتمع".

2 -     فكرته عن "الجدلية": وتعد أبرز ما قدمه "هيجل" للفكر الإنساني، إذ قدم هيجل ما راح يُعرف بـ "الثالوث الهيجلي"، والذي يقوم على أن "الفكرة" (التي هي من شأن عالم الروح) تنطوي بالضرورة على نقيض لها، وأنها ونقيضها – وبعامل التناقض ذاته – تنتقل بالفكرة إلى وضع أكثر تقدماً وهكذا. ذلك هو "الثالوث الهيجلي" أو "الامتداد الجدلي" الذي على حسبه ترتقي الفكرة بدافع ذات متناقضاتها.

3 -     تفسيره لتطور المجتمعات: وهو تفسير يعتمد على فكرتيه لتطور الروح المطلق والجدلية، ووفقاً لهذا التفسير إرتأى هيجل أن "الأسرة" هي المؤسسة الاجتماعية الأولى من حيث الظهور التاريخي، ثم وبعاملي التطور والجدلية ظهرت الصورة الثانية والتي تمثلت في "المجتمع المدني"، ثم مالبث هذا الأخير أن تطور هو الآخر – بفعل الجدلية أيضاً – ليسفر لنا عن صورة "الدولة"، والتي تمثل – عند "هيجل" – الصورة النهائية لتطور الروح المطلق.

        وواضح من هذا التفسير أن تصور "هيجل" للنشأة الميتافيزيقية للمجتمع، إنما يمثل خروجاً على الفكر السياسي الشائع في عصره، والمتمثل في فكرة فلاسفة العقد السياسي عن نشأة المجتمع نشأة تعاقدية إرادية رضائية من خلق الإنسان ذاته.

4 -     فكرته عن "الدولة المقدسة": وهي فكرة ترتبط بتفسيره المتقدم، فما دامت "الدولة" هي التعبير عن المرحلة النهائية لتطور الروح المطلق، فلا بد وأن تكون مقدسة.

        وغني عن البيان أن هذه الفكرة قد لعبت دوراً مؤثراً في التاريخ الألماني المعاصر، ولعلنا لا ننسى هنا مدى التفاف الشعب الألماني خلف "هتلر"، وهو يخوض بها غمار الحرب العالمية الثانية، لا لشئ إلا إقتناعاً بالشعار الذي رفعه وراحوا يرددونه من ورائه، ألا وهو: "ألمانيا فوق الجميع".

5 -     فكرته عن "الزعيم المطلق": وتأتي هذه الفكرة متسقة مع السياق الهيجلي في ارتباطه بالحقائق الكامنة في الروح المطلق، فوفقاً لتصوره للدولة المقدسة، فإنه يرى أن "الزعيم" هو الذي يعبر عن إرادة الروح المطلق، وبالتالي فسلطته لابد وأن تكون مطلقة بغير قيد، إذ لا مجال – عند هيجل – للخوف من أن يتدلى الزعيم إلى الاستبداد، ذلك بأن حكمة الروح المطلق ستعصمه من الزلل وستحول بينه وبين الوقوع في الخطأ.

        بيد أن هذا لا يعني أن "هيجل" قد أراد أن يقدم سنداً للحكم المطلق، ذلك بأنه قد أشار إلى أن أساس الدولة – عنده – هو "القانون". إلا أننا لا نستطيع – في نفس الوقت – أن ننفي أن أفكاره تلك قد استخدمت كسند لتقديس "الألمان" لزعمائهم علىمدى عقود طويلة تلت وفاة فيلسوفهم الفذ.

        كانت هذه هي أبرز إسهامات "هيجل" على الصعيدين الفكري والواقعي. ولكن بقي علينا أن نتذكر أثر فكرته عن "الجدلية" في "الفلسفة الماركسية"، تلك الفكرة التي كانت – على نحو ما فصلنا – القلب النابض من فكر "ماركس"، فارتباطاً بها جاءت فلسفته "المادية الجدلية"، تلك الفلسفة التي طبقت شهرتها الآفاق، وأحدثت آثاراً بالغة في تاريخ العالم المعاصر، وما إنطوى عليه من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية. وذلكم كله بوحي من فكر "هيجل" وعلى هدى من نبراس معرفته.


الخاتمــــة

 

        استهدف هذا البحث التعريف بأبرز "الإسهامات الميتافيزيقية" في الفكر السياسي، وخاصة تلك التي قدمها أظهر أولئك الذين نهجوا منهجاً فلسفياً ذا مقدمات ميتافيزيقية تتصل بعالم ماوراء الطبيعة، إنهم المفكرون الذين نأوا بأنفسهم عن دنيا الواقع، وأبوا إلا الغوص في عالم الروح على عمق أغواره، ولا نهائية دهاليزه بحثاً عن الحقيقة واستلهاماً للمعرفة. واختزنا لذلك علمين من أعلام الفلسفة السياسية على مر العصور، هما "أفلاطون" و "هيجل"، فأولهما هو مؤسس "المنهج الفلسفي المثالي" ذاته، وثانيهما هو آخر البارزين ممن ارتبطوا بتلك المقدمات الميتافيزيقية ولننتهي من خلال استعراض اسهاماتهما تلك إلى التعرف على الدور الذي لعبته هذه الإسهامات في تطور الفكر السياسي، ولنجيب على تساؤلنا المطروح في عنوان هذا البحث ألا وهو: هل كان لذلك الفكر صداه في الواقع السياسي أم أنه قد كان مجرد فكر مثالي خيالي لا طائل يذكر من ورائه؟

        وارتباطاً بهذا الهدف لجأنا إلى استخدام "المنهج الاستنباطي" الذي يرتكز على سلسلة من عمليات التدليل العقلي التي تبدأ من أفكار هذين المفكرين في مجال السياسة، وذلك بغية الوصول إلى تحقيق الهدف من هذا البحث.

        وعلى ذلك فقد جاء تناولنا لمضمون بحثنا هذا من خلال مبحثين رئيسيين، عرضنا في كل منهما لواحد من مفكرينا في حياته وبيئته ومنهجه وفكره، حيث خلصنا في نهاية كل من هذين المبحثين إلى التعريف بأبرز الإسهامات التي قدمها كلُ منهما على الصعيدين الفكري والواقعي.

        ويتمثل أظهر ما انتهينا إليه من نتائج بصدد هدفنا من هذا البحث فيما يلي:

أولاً: أن أبرز الإسهامات التي قدمها "أفلاطون" للفكر الإنساني إنما تتمثل في ابتداعه للمنهج "الفلسفي المثالي"، والذي يعد أقدم مناهج المعرفة قاطبة، وبالتالي فهو أول من قدم معرفة سياسية منظة (ذات منهج) أظهرت فكره على ما قدموه سابقوه من فكر سياسي إتسم بالعشوائية وافتقر للمنهجية.

ذلك فضلاً عن أن هذا المنهج قد ظلت له الغلبة في مجال المعرفة السياسية تحديداً لقرون طويلة امتدت منذ ذيوعه على يد أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى بداية ارتباط الظواهر الاجتماعية – ومن بينها الظواهر السياسية – "بالمنهج العلمي التجريبي" في القرن الثامن عشر.

ثانياً: أن إسهامات "أفلاطون" لم تقتصر على الجانب الفكري المنهجي فحسب، وإنما راحت تجد صداها في الواقع، وذلك من خلال أفكاره العديدة والتي من بينها فكرته عن تقسيم العمل والتخصص الاقتصادي، وفكرته عن المعرفة السياسية التي تجعل صاحبها مؤهلاً للعمل بالسياسة وكأنه يشير إلى ضرورة وضع الحقائق العلمية في خدمة عملية الحكم حتى تكون رشيدة، وهو ما يتشابه مع ما نقول به الآن بصدد "العلم النفعي".

ذلك فضلاً عن فكرتيه الرائدتين عن فصل المؤسستين العسكرية والقضائية عن المؤسسة السياسية. وغني عن البيان أن التعامل مع المؤسسة العسكرية – تحديداً – باعتبارها مؤسسة فنية يتولاها فنيون لاحكاماً، إنما يمثل مصلاً واقياًُ من ظاهرة الحكومات العسكرية التي راحت تعاني منها العديد من دول العالم الثالث في عصرنا.

ثالثاً: أن فكرة "هيجل" عن "الجدلية" هي أبرز إسهاماته على المستوى الفكري، ذلك بأنها قد كانت من وراء تفسيره لتطور المجتمعات، ذلك التفسير الذي إنتهى بصاحبه إلى فكرتين من أظهر الأفكار السياسية أثراً في الفكر الألماني المعاصر بل وفي تشكيل وتوجيه التاريخ الحديث للشعب الألماني قاطبة، ألا وهما فكرتيه عن "الدولة المقدسة" و "الزعيم المطلق".

رابعاً: أن جدلية هيجل قد لعبت الدور الأعظم في صياغة الفكر الماركسي، ذلك الفكر الذي أحدث آثاراً بالغة التعقيد على الصعيدين الأيديولوجي والواقعي في تاريخ العالم المعاصر. وما انطوى عليه من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية. ولعلنا لا ننسى أن العالم كله وقد وقف على أطراف أصابعه – على مدى عدة عقود – إبان الصراع الأيديولوجي المحتدم بين المعسكرين "الليبرالي الغربي" و "الماركسي الشرقي"، وما صاحبه من هواجس نشوب حرب عالمية ثالثة، وذلك حتى إنهيار "الأتحاد السوفيتي السابق" في العقد الأخير من القرن الماضي.

        وجملة القول في شأن إسهامات أولئك الذين إرتبطوا بالمنهج "الفلسفي المثالي" بمقدمات ميت0افيزيقية، وعلى رأسهم أفلاطون وهيجل، أن هذا المنهج – رغم رفضه للواقع المادي المحسوس وارتباطه بعالم الروح غير المحسوس – لم يحل بين أصحابه وبين التأثير في الواقع، تأثيراً فاق في مداه كل حد، وجرى علىأقلام المفكرين من كل حدب وصوب. هذا فضلاً عن كونه قد أثرى الفكر الإنساني بأفكار ليست ككل الفكر، وبتصورات حار في تفسيرها البشر !!

 

 

 

هوامش المقدمة والمبحث الأول

 

1 -    راجع في شأن معيار التمييز في المعارف الاجتماعية بين المنهج العلمي والمنهج الفلسفي:

- محمد طه بدوي، النظرية السياسية (القاهرة: المكتب المصري الحديث، 1986)، ص 261-263.

2 -    المرجع السابق، ص 262-263.

3 -    كنا قد أشرنا إلى تباين مقدمات أصحاب المنهج الفلسفي ما بين مقدمات ميتافيزيقية وأخرى عقائدية وثالثة عقلية صرفة ... ألخ، بيد أننا قد ركزنا في تناولنا لمضمون هذا البحث على الأولى (المقدمات الميتافيزيقية: عالم ما وراء الطبيعة أو عالم الروح)، ذلك بأن "المقدمات العقائدية" تظل لها قدسيتها عند أصحابها وذلك ارتباطاً بالعقيدة ذاتها، أما "المقدمات العقلية" فقد ارتبطت بأفكار القرنين السابع عشر والثامن عشر والتي كانت من وراء ظهور مذهب الحقوق الطبيعية والإيديولوجية الليبرالية وما راح يعرف بالنظم النيابية، وهو ما أكسبها – هي الأخرى – أهمية خاصة.

4 -    كانت "دولة المدينة" ذات مساحة جغرافية محدودة لا تتعدى – في أغلب الأحيان – المائة كيلو متر مربع، وفي إطار كل دولة من تلك الدول الإغريقية كانت ثمة مدينة كبيرة يستمد منها إسم الدولة، كما كان لكل منها – عادة – ميناء ومنطقة ريفية، وكانت كل "مدينة دولة" تأوي عدداً محدوداُ من السكان يتركزون في المدينة العاصمة، أما الباقون فيعيشون في الريف ومنطقة الميناء. راجع في ذلك:

- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية (الإسكندرية: خوارزم، 2002)، ص 176.

5 -    راجع في شأن هذه الفئات:

- المرجع السابق، ص 176 – 177.

- إبراهيم أحمد شلبي، تطور الفكر السياسي: دراسة تأصيلية لفكرة الديمقراطية في الحضارات القديمة (بيروت: الدار الجامعية، 1985)، ص 78- 81.

6 -    تتعين الإشارة هنا إلى أن أبناء المدن الأغريقية وقتذاك كانوا قد درجوا على إزدراء من هم غير يونانيين، حيث كانوا يسمونهم "البربار" إشارة إلى أنهم غير متحضرين.

7 -    راجع في شأن نشأة "أفلاطون"، و "دولة المدينة" عند اليونان:

- جان جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي "من المدينة الدولة إلى الدولة القومية"، ترجمة: محمد عرب صاصيلا (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985)، ص 37-38.

    ، راجع أيضاً:

- Kraut, Richard, Ed. The Cambridge Companion to Plato (Cambridge: Cambridge University Press, 1992).

8 -    غني عن البيان أن لفظة "الديمقراطية" نفسها قد نحتت عند قدماء اليونان، لتشير إلى نفس المعنى الذي نستخدمه اليوم ألا وهو "حكم الشعب بالشعب"، وهو الأمر الذي جعلهم يربطون فكرة الحكم الأمثل بعدد القائمين على السلطة، فكلما كثر عددهم (القائمين على السلطة) كلما قل ميلهم إلى الاستبداد. ولمزيد من التفصيل حول هذا المعيار العددي عند اليونان" راجع:

- محمد طه بدوي، النظرية السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 94-97.

هذا غير أننا لا بد وأن نشير هنا إلى أن ما كان يسمى – في عصر أفلاطون – بالنظام الديمقراطي، هو - نفسه – ما يمكن أن نسميه الآن بالفوضوية أو الديماجوجية، لأنه أبعد ما يكون عن الديمقراطية الحقة، وهو الأمر الذي تيقن منه أفلاطون – على نحو ما سنرى – عندما قام ما يسمى بـ "النظام الديمقراطي" بإعدام أستاذه سقراط في عام 399 ق.م.

راجع في شأن هذا الرأي:

- إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية "دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي" (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد 183، الطبعة الثانية 1996)، ص 89- 91.

9 -    فؤاد محمد شبل، الفكر السياسي "دراسات مقارنة للمذاهب السياسية والاجتماعية"، الجزء الأول (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974)، ص 92.

10-   أنظر في هذا الشأن:

- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 179.

وأيضاً :

- إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية، مرجع سبق ذكره، ص 90.

11-   إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية، مرجع سبق ذكره، ص 92-93.

12-   "محاورات أفلاطون" هي التسمية التي أشتهرت بها كتب أفلاطون التي حملت أبرز أفكاره، بيد أنها عرفت بهذا الاسم لأنها جاءت في شكل حوارات متبادلة بين الأستاذ ومريديه وتلاميذه.

13-   راجع في ذلك:

- المرجع السابق، ص 93.

- حورية توفيق مجاهد، الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1992)، ص 48.

14-   كانت صقلية تشهد حينذاك حرباً طاحنة لم تمكن "ديونسيوس الثاني" من تثبيت أركان حكمه.

15-   إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية، مرجع سبق ذكره، ص 94-95.

16-   المرجع السابق، ص 95-97.

17-   راجع في مضمون هذه العبارة:

- جورج سباين، تطور الفكر السياسي "الجزء الأول"، ترجمة: حسن جلال العروسي (القاهرة: دار المعارف، 1971)، ص 44-45.

- أحمد محمد وهبان (وآخرون) ، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 179-180.

18-   أنظر في هذا المضمون:

- المرجع السابق، ص 180.

وفي نفس هذا المعنى:

- محمد طه بدوي، النظرية السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 271.

19-   راجع في ذلك:

- حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 46.

وأيضاً:

- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 181.

20-   فؤاد محمد شبل، مرجع سبق ذكره، ص 94.

21-   أنظر في تفصيل ذلك:

- جان جاك شوفالييه، مرجع سبق ذكره، ص 39.

22-   حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره،  ص 47.

23-   أنظر في هذا المضمون:

- بطرس بطرس غالي، محمود خيري عيسى، المدخل في علم السياسة (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1979)، ص 29-30.

24-   راجع في ذلك: حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 49-50.

ولمزيد من التفصيل حول فكرة "العدالة" عند أفلاطون، انظر:

- جان جاك شوفالييه، مرجع سبق ذكره، ص 39-42.

25-   من الواضح أن "العدالة" عند أفلاطون – وعلى نحو ما يتضح من هذا المثال – كانت تشير إلى كل القيم النبيلة، ومن ذلك ما يشير إليه مثاله باعتباره "العدالة"، بينما هو يتحدث عن قيمتي الصدق والأمانة.

26-   انظر في شأن هذا  المثال وغيره:

- حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 50.

27-   المرجع السابق، ص 51.

28-   غني عن البيان أن فكرة التخصص الاقتصادي قد صارت واحدة من أكثر الأفكار الاقتصادية المعاصرة شيوعاً، خاصة وقد أثبتت جدواها في تحقيق أفضل النتائج الاقتصادية. ولعلنا نتعجب إذا ما استعدنا عبارات أفلاطون التي قال فيها: "إن إنتاج جميع السلع يتحقق بكمية أوفر، وبطريقة أسهل وبقيمة أكبر إذا أختص كل فرد بالعمل الذي يتلاءم مع طبيعته وقدراته". انظر في هذا المضمون:

- بطرس بطرس غالي، محمود خيري عيسى، مرجع سبق ذكره، ص 30-31.

29-   راجع في شأن تقسيم الطبقات عند أفلاطون:

- حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 53.

- فؤاد محمد شبل، مرجع سبق ذكره، ص 98-99.

- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 182.

30-   المرجع السابق، ص 182-183.

31-   انظر في هذا المعنى:

- أميره حلمي مطر، الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 1999)، ص 18-19.

32-   محمد طه بدوي، النظرية السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 272.

         ، ولعله من الضرورة بمكان أن نشير في هذا السياق، إلى أن أستاذنا الدكتور/ محمد طه بدوي (رحمه الله) كان يعزي ارتباط أفلاطون بحكومة الفلاسفة إلى نوع من أنواع إرضاء الذات أو التعويض النفسي، إذ كان يأمل من وراء ذلك في تحقيق حلمه القديم بتولي الحكم أو المشاركة فيه.

33-   أنظر في هذا المضمون:

- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 183.

34-   المرجع السابق، ص 183-184.

35-   راجع تفصيل ذلك:

- بطرس بطرس غالي، محمود خيري عيسى، مرجع سبق ذكره، ص 34-35.

36-   أنظر في شأن "شيوعية افلاطون":

- جان جاك شوفالييه، مرجع سبق ذكره، ص 45-49.

- حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 61-64.

37-   يرى البعض أن أفكار أفلاطون عن الشيوعية هي ذاتها التي قدمتها الفلسفة الماركسية، بيد أن ثمة إختلافاً جوهرياً بين الرؤيتين، فشيوعية أفلاطون كانت تطبق على الطبقات العليا والتي تمثل قلة من الأفراد، بينما ظلت الأغلبية – عند أفلاطون – تتمتع بحق الملكية الخاصة. أما الأفكار الشيوعية التي حملتها الفلسفة الماركسية فكانت تسعى للقضاء على الملكية الخاصة في كل الطبقات، وتقدم الملكية العامة كبديل لملكية الأفراد. راجع في شأن هذا الرأي:

- المرجع السابق،  ص 63.

38-   جان جاك شوفالييه، مرجع سبق ذكره، ص 46.

39-   حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 71.

40-   راجع في شأن هذه التفسيرات:

- المرجع السابق، ص 68.

41 -  المرجع السابق، ص 68-69.

42-   محمد طه بدوي، النظرية السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 271.

         ، ويتضح من هذه الفكرة أن تعريف أفلاطون لفن السياسة لا يلتقي ومدلول "فن السياسة" المعاصر، والذي يشير إلى فن اختيار الوسائل (أو إبداعها) الأكثر استجابة لتحقيق الأهداف المحددة مقدماً، أو لنقل أنه: "مجموعة قواعد العمل التي لو اتبعت لجاءت سياسات الحكومات (في الداخل والخارج) أكثر قوة وفاعلية.

         راجع في شأن هذا الرأي:

- عادل فتحي ثابت، فن أصول الحكم عند أبن ظفر العربي الصقلي السابق على ميكافيللي الإيطالي (الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 1998)، ص 5-6.

43-   محمد طه بدوي، النظرية السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 271.

44-   المرجع السابق، ص 271-272.

45-   المرجع السابق، ص 272.

46-   حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 68-69.

47-   يتضح مبلغ التباين في رأي أفلاطون بصدد تراجعه عن مسألة حكم الفلاسفة المطلق (غير المقيد بأي قيد قانوني)، إذا ما استعدنا عباراته التي يقول فيها: "إن القانون بقواعده الجامدة يشبه طاغية عنيداً خاملاً لا يقبل البتة أن يغير رأيه حتى لو كان خاطئاً .. إن دولة القانون هي موطن الشقاء لا أرض السعادة، ذلك بأنها لا تطلق للفلسفة حريتها، ولا تعترف بالكفاءة ولا تجلس الحق فوق عرشه، وإن كان يحسب لها أنها تستطيع البقاء".

 

         انظر في هذا المضمون:

- أرنست باركر، النظرية السياسية عند اليونان "الجزء الثاني"، ترجمة: لويس إسكندر (القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1965)، ص 181-196.

48-   راجع في ذلك:

- المرجع السابق، ص 211-212.

- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 188.

49-   المرجع السابق، ص 188-189.

         ولمزيد من التفصيل حول هذا الرأي، راجع:

- جون باول، الفكر السياسي الغربي، ترجمة: محمد رشاد خميس (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985)، ص 49-50.

50-   أنظر عباراته المشار إليها في هامش رقم 47.


هوامش المبحث الثاني

 

1 -    راجع في ذلك:

- Harmon, M. Judo, Political Thought (New York: Mc. Graw-Hill Book Company, 1964), p. 342.

      ، ولمزيد من التفصيل حول الحالة الألمانية حينذاك، أنظر:

-        أحمد محمد وهبان، الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2001)، ص 35-38.

2 -     أنظر في تفصيل ذلك:

- Harmon, op.cit., pp. 343-344.

3 -  كان "هيجل" قد اضطر تحت ضغط الحاجة أن يعمل كمدرس خصوصي لدى أسرة "كارل فردريك شتيجر" وهو أحد أشراف مدينة برن. ورغم عدم ارتياحه لتلك الأسرة إلا أنه قد أضطر للعمل لديهم قرابة الأربع سنوات يعلم طفلاً عمره سبع سنوات إلى جانب طفلتين يصغرناه، وكان عزاء "هيجل" الوحيد هو استخدامه لمكتبة "شتيجر" الرائعة.

       راجع في ذلك:

- ليود سبنسر، أندرزجي كروز، هيجل، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة – المشروع القومي للترجمة، 2002)، ص 24.

4 -  أخرج "هيجل" خلال تلك الفترة أول دراسة مكتملة له تحت عنوان: "حياة يسوع"، يتناول فيها حياة السيد المسيح "عليه السلام"، بيد أنه حذف منها كل عمل معجز أو خارق للطبيعة. راجع في ذلك:

- المرجع السابق، ص 39.

5 -  حول تفاصيل تأثيرات هذا المشهد التاريخي على فكر "هيجل"، راجع:

- المرجع السابق، ص 57-59.

- أميرة حلمي مطر، مرجع سبق ذكره، ص 114.

6 -  ليود سبنسر، أندرزجي كروز، مرجع سبق ذكره، ص 51، ص 74-75.

7 -  المرجع السابق،  ص 78، ص 96-97.

8 -  أنظر في هذا المضمون:

- نور الدين حاطوم، حركة القومية الألمانية (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 1971)، ص 48.

9 -  محمد طه بدوي، محاضرات في مادة "تاريخ الفكر السياسي" (محاضرات غير منشورة ملقاة على طلبة السنة الرابعة – شعبة العلوم السياسية – كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، 1987).

10- المرجع السابق.

11- المرجع السابق.

12- يعد هذا الكتاب من أغرب الكتب التي كتبت على الإطلاق، ذلك بأن صفحاته قد ضمت معظم الأفكار التي راح "هيجل" يطورها في بقية حياته، وعلى مدى ما يربو على ربع قرن. راجع في ذلك:

       - ليود سبنسر، أندرزجي كروز، مرجع سبق ذكره، ص 60.

13- راجع في شأن هذه الصور الثلاث:

       _ أميرة حلمي مطر، مرجع سبق ذكره، ص 124 – 128.

14- يؤخذ على "هيجل" مناقضته لفكرته عن "الجدلية"، فبينما تشير جدليته إلى تصارع بين الفكرة ونقيضها ليفرزا فكرة أكثر تقدماً، لتفرز هذه الأخيرة فكرة أخرى فيتصارعا وهكذا. نجده قد راح يتحدث عن "الدولة" باعتبارها الصورة النهائية لتطور الروح المطلق، وهو ما يعني بالتبعية أن عملية التطور قد توقفت، الأمر الذي يتناقض وفكرة الجدلية ذاتها.

15- يمثل تصور "هيجل" للنشأة الميتافيزيقية للمجتمع خروجاً على الفكر السياسي الشائع في عصره، والمتمثل في فكرة فلاسفة العقد السياسي (هوبز، ولوك، وروسو) والتي قوامها أن المجتمع قد نشأ نشأة تعاقدية إرادية رضائية، أي أنه من خلق الإنسان وأثر لإرادته.

       راجع في ذلك:

-   محمد طه بدوي، محاضرات في مادة "تاريخ الفكر السياسي" ، مرجع سبق ذكره.

وأيضاً:

- Neuhouser, Frederick, Foundations of Hegel's Social Theory (Cambridge, Ma.: Harvard University Press, 2000).

16- راجع في ذلك:

- علي عبد المعطي محمد، الفكر السياسي الغربي (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1981)، ص 372-374.

17- أنظر في هذا المعنى:

       - المرجع السابق، ص 374 – 375.

       - أميره حلمي مطر، مرجع سبق ذكره، ص 127.

18- راجع في هذا المضمون:

- محمود إسماعيل، علم السياسة "الجزء الأول: في الدولة والفكر السياسي" (القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)، ص 165-166.

19- راجع في ذلك:

       - حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 455.

       ولمزيد من التفصيل حول هذه السلطات الثلاث، راجع:

-   علي عبد المعطي محمد، مرجع سبق ذكره، ص 377- 378.

20- محمد طه بدوي، محاضرات في مادة : "تاريخ الفكر السياسي"، مرجع سبق ذكره.

21- أحمد محمد وهبان (وآخرون)، مدخل العلوم السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 197-198.

22   راجع في تفصيل ذلك:

- ممدوح منصور، أحمد وهبان، التاريخ الدبلوماسي "العلاقات السياسية بين القوى الكبرى" (الإسكندرية: الدار الجامعية، 2003)، ص 69- 72، ص 109-155، ص 183-197.

23- راجع في هذا المضمون:

- جورج سباين، تطور الفكر السياسي "الجزء الخامس"، ترجمة: علي إبراهيم السيد (القاهرة: دار المعارف، 1971)، ص 854.

       ، ولمزيد من التفصيل حول دور "الملك" وفقاً للفلسفة الهيجلية، راجع:

- ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة: ربيع وهبه (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة – المشروع القومي للترجمة، 2003)، ص 394- 396.

24- يرى "هيجل" أن التاريخ قد قدم – على مر العصور – ثلاثة أشكال للدولة، حيث يعبر كل شكل منها عن درجة معينة من درجات تحقق الحرية لأفرادها. ويتمثل الشكل الأول في "الدولة الاستبدادية"، حيث لا تتوافر فيها الحرية إلا لفرد واحد هو الحاكم، أما بقية الناس فحسبهم أن يطيعوا بغير إرادة، وينسب "هيجل" هذا الشكل إلى دول الشرق القديم كمصر والهند والصين. أما الشكل الثاني فيتمثل في "دولة المدينة عند اليونان"، حيث اتسع نطاق الحرية لتشمل مجموعة من المواطنين، ألا وهم أبناء الطبقة الارستقراطية، بيد أنها تظل حرية للقلة دون الكثرة. وأخيراً نأتي للشكل الثالث والذي يتمثل – حسبما يرى "هيجل" – في "الدولة الملكية" ومثلها البارز هو "ألمانيا"، حيث أصبحت الحرية حقاً للجميع.

       راجع في ذلك:

-   حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 452.

-   أميره حلمي مطر، مرجع سبق ذكره، ص 130-131.

25- محمود إسماعيل، مرجع سبق ذكره، ص 162-163.

       وراجع أيضاًً:

- Patten, Alan Hegel's Ideal of Freedom (Oxford: Oxford University Press, 1999).

26- حورية توفيق مجاهد، مرجع سبق ذكره، ص 452-453.

27- راجع في شأن هذه الشروط وتفصيلاتها:

       - إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية، مرجع سبق ذكره، ص 288-289.

28- أنظر في شأن الآثار المختلفة لفلسفة "هيجل":

       - أميره حلمي مطر، مرجع سبق ذكره، ص 113.

29- محمد طه بدوي، أمهات الأفكار السياسية الحديثة وصداها في نظم الحكم (القاهرة: دار المعارف، 1958)، ص 133.

30- راجع في مضمون ذلك:

       - محمد طه بدوي، النظرية السياسية، مرجع سبق ذكره، ص 289-290.

       ، وفي تفصيل ذلك راجع:

       - ريوس، ماركس، "ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام" (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة – المشروع القومي للترجمة، 2001)، ص 73-83.

 

 

 



·  مدرس بقسم العلوم السياسية، كلية التجارة، جامعة الإسكندرية.

 

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx