King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

              " الحروف المشبهة بالفعل "  دراسة تداولية

                                                     د . منصور علي عبد السميع

                                                     أستاذ مساعد – آداب حلوان

تصـديـر :

      " وجملة الأمر أن الخبر وجميع معاني الكلام معانٍ ينشئها الإنسان في نفسه ، ويصرفها في فكره ، ويناجي بها قلبه ، ويراجع فيها عقله ، وتوصف بأنها مقاصد وأغراض " .

    دلائل الإعجاز ، ص 543 ، وكذلك 528 ، 545 .

مقدمـــة :

      هذه الدراسة تنطلق من مفهوم عبد القاهر الجرجاني ومن سبقه من علماء العربية ، خاصة سيبويه ، من أنّ الكلام – في كل صوره وأشكاله وتراكيبه ونماذجه – تعبير عن معانٍ ، وأن الإعراب داخلٌ في جملة أدوات التعبير عن هذه المعاني ، إذ " أن العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثرة حسية .... إنما هي أمارات ودلالات ، فالأمارة والدلالة تكون بعدم شيء كما تكون بوجود شيء " (1) ، وهو ما يعني إدراكهم الجيد الدقيق أن هذه الحروف المشبهة بالفعل " إنّ وأخواتها " ليست عوامل حقيقية إنما هي أمارات ودلالات – كما قيل – للعامل الحقيقي ، " وإنما قال النحويون عامل لفظي وعامل معنوي ليروك أن بعض العمل يأتي مسببا عن لفظ يصحبه ، كمررت بزيد ، وليت عمرا قائم ، وبعضه يأتي عاريا من مصاحبة لفظ يتعلق به .... فأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل مع الرفع والنصب والجزم إنما هو للمتكلم نفسه ، لا لشيء غيره ، وإنما قالوا لفظي ومعنوي لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ " (2).

        ومن هذا الفهم تحاول تلك الدراسة اختبار فرضية أنّ نصب اسم هذه الحروف مرجعه معنى غير ثابت أو مستقر في نفس المتكلم – أو المخاطَب – لظنٍّ عرض له أو شك أو توهم وقع فيه وما شابه ذلك .

       وكانت هذه الحروف أمارة ودلالة على هذا الظن أو التوهم والشك الذي عرض للمتكلم أو المخاطب .

       وإنْ كانت تلك الدراسة قد عرضت لمعاني الحروف ؛ فإنّ ذلك لم يكن بقصد مناقشتها تفصيلا بقدر بيان دلالاتها على ما عرض للمتكلم أو المخاطَب من ظن أو شك أو توهم ، مما جعل الأمر عندهما غير متحقق أو غير ثابت أو مستقر .

         ولذا فإنها لم تتوقـف عنـد النحاة أو تكتف بما أوردوه في إطار هذه الحروف ، إنما حاولت الجمع بين كلامهم وكلام البلاغيين وغيـرهم ، واسـتعانت بما ارتـأته كافيا في هذا الإطار . 

        بذلك تحاول هذه الدراسة في مجملها الإجابة على سؤالين مهمين ، كلاهما مكمل للآخر ، أو يستتبع الثاني ، وهما :

-       كيف صح لـ " إنّ " وأخواتها أن تعمل عملا واحدا رغم توزعها بين الواجب وغير الواجب ؟

-   ثم لِمَ نصبت الاسم بعدها ولم ترفعه كما جاء الأمر في " كان " وأخواتها ؟ هل كان ذلك لمجرد المخالفة ؟ أم لعلة أخرى ؟

-       ويستتبع ذلك بالضرورة السؤال عن مجيء الخبر مرفوعا دون النصب أو غيره .

 

كل ذلك تحاوله الدراسة منطلِقة من مفهوم الواجب وغير الواجب من جهة ، ومن جهة أخرى تعمل على تطبيق مفهوم سيرل للتداولية على مثل هذه التراكيب التي بُدِئت بالحروف المشبهة بالفعل " إنّ وأخواتها " .  توسلا إلى التواصل مع النظريات اللغوية الحديثة حتى لا تنقطع عن الجديد والمعاصر ، للتأكيد على أن النحو العربي لم يحترق بعدُ ، بل يظل ما قدّمه علماؤنا الأوائل من إشارات ولمحات متواصلا مع جديـد عصرنا بصورة من الصور ، إنْ لم يكن متراسلا معه ؛ إلا أنه يحتاج إلى إبراز ذلك منه ، وتوسـعة ذلك المجال ليصبح طريقا لاحبا ، يتسع للعربية كما اتسع لغيرها .

        وكانت التداولية هي ذلك الرابط البارز في ذلك الطريق ، وإن جاءت في صورة عجلى وإشـارات لا توسّع فيها بحيث تطغى على العربية ، بل جعلت المجال الأفسح للعربية .

 

 

 

 

 

 

 

 

توطــئة :   

     أشار سيبويه إلى أن هذه الحروف بمنزلة الأفعال فيما بعدها وليست بأفعال (3) ، وقد عبّـر النحاة من بعده عن هذا المفهوم وتلك النظرة بقولهم " الحروف المشبهة بالفعل " (4) ، وهم مع إشارتهم المقتضبة المركزة لم يتركوا الأمر غُفلا من البيان والتوضيح ، إذ بينوا وجه المشابهة للفعل ، ودرجة هذه المشابهة ، أما وجه المشابهة فيتمثل في :

1-  المشابهة الشكلية (5) : وجعلوا منها :

أ – أن هذه الحروف مبنية على ثلاثة أحرف فصاعدا .

ب- أن أواخرها مبنية على الفتح كآخر الفعل الماضي .

جـ- لا تدخل إلا على الأسماء .

د – تتصل بها ضمائر النصب على حد اتصالها بالأفعال .

هـ - تدخلها نون الوقاية كالأفعال .

2-  المشابهة المعنوية (6) :

    إذ معانيها معاني الأفعال ، فـ " إنّ " و " أنّ " معناهما : أكدت ، و " لكنّ " معناها : استدركت ، و " كأنّ " معناها : شبهت ، و " ليت " معناها : تمنيت ، و " لعل " معناها : ترجيت .

3-  المشابهة في العمل (7) :

      إذ تقتضي مرفوعا ومنصوبا ؛ كالفعل المتعدي ، إلا أنهم نصبوا اسمها وشبهوه بالمفعول ، ورفعوا خبرها وشبهوه بالفاعل . ومن جهة أخرى فإنها تلغى كما تلغى الأفعال فلا تؤثر في معموليها وتبقى بلا عمل (8) .

    وقد حاولوا تعليل هذه المشابهة بعدة أمور منها :

1- أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يعمل بحق الأصل وما يعمل لشبه ، فكرهوا أن يقدموا مرفوعها على منصوبها فيُـتوهم أنها أفعال (9) .

2- أن هذه الحروف أدنى درجة في باب العمل من الأفعال ؛ لأن الأفعال تقتضي متصلات تتعلق بها نحو : الفاعل ، والمفعول ، والمصدر ، وظروف الزمـان والمكان ؛ فلذلك قويت في باب العمل ، إذ تعمل على جميع مقتضياتها ، بخلاف الحروف فإنها تقتضي شيئا واحدا تدخل ليظهر معناه ، فلذلك ضعفت في بـاب العمل ، والقياس فيها ألا تعمل إلا في شيء واحد (10) ، إذ العامل غير متصرف ، فشُـبّه بفعلٍ مفعولُه واجب التقديم على الفاعل (11) .

3- أن المنصوب ( المشبه بالمفعول ) قُـدِّم على المرفوع ( المشبه بالفاعل ) تنبيها بفرعية العمل على فرعية العامل (12) .

4- أن خبر هذه الحروف يكون جملة ، وهو فاعلها ، والفعل لا يكون جملة ؛ لأنه قد يُـضمر ، والمضمرات كلها معارف ، والجمل لا تكون إلا نكرات (13) .

       وإن كانت تعليلات النحاة وتبريراتهم السابقة تحاول جاهدة بيان سبب نصب الاسم ورفع الخبر مع هذه الحروف ، إلا أنها – في الحقيقة – لا تفي بالغرض ، أو إن صح القول ، ليست مقنعة تماما ، إذ نجد في مقابلها – فيما يخص العمل –  " كان وأخواتها " التي يُـرفع الاسـم بعدها وينصب الخبر ، فهل كان ذلك على سبيل المخالفة ؟ كما يقولون . وهو أمر تبقى النفس معه في حيرة وعدم اطمئنان .

     وقد حاول بعض الدارسين تفسير ذلك بربطه بمثيلاتها في اللغات السامية الأخرى .

فقد رأى بروكلمان أنّ " إنّ " في العربية تقابل hēn  في اللغة المهرية ، و hen  في الآرامية ، و en  في السريانية ، و hinnē  ( بإمالة طويلة ) في العبرية (14) .

      وهي تلتقي في أصل استعمالها على معنى واحد ، إذ استخدمت هذه الأداة في كثير من اللغات السامية بمعنى الفعل المتعدي " انظر " (15) . وهو معنى متطور عن المعنى الإشاري " هذا " أو " ذلك " (16) .

      وذلك المعنى الفعلي هو السبب في أن hinnē ( هنّي ) قد تنصب الاسم أو الضمير بعدها على المفعولية (17) .

       ويقول في موضع آخر : " يصح لنا أن نستنتج أن الأداة العبرية كانت تستعمل في أول الأمر مع المفـرد ، فتنصـبه على المفعوليـة بمـا فيـها من معنى الفعل المتعدي ( انظر ) ؛ ثم صارت تستعمل أيضا مع الجملة الاسمية ناصبة المبتدأ فيها ، وفي هذه الحالة يكون هذا المبتدأ مفعولا به ويكون الخبر خبرا لمبتدأ محذوف " (18) .

       وقد انتهى بعض الباحثين إلى أنّ " إنّ " بناء على ذلك تمثل " قعقعة صوتية لاستفتاح الكلام ولتنبيه السامع إلى أن هناك جملة ستبدأ فيركز انتباهه وحواسه لما يقال ، وحتى لا يفوته شـيء من عناصر الجملة بعد هـذه القعقعة الصوتيـة ، فهي في هذه الحالة مثـل من يقول لك " انظر .. بص .. شوف "  وهو نفس معناها في البابلية والعبرية " (19) ، وأكد وجهة نظره تلك بدخولها على النكرة وعلى حرف مثلها وهو كأن في قول الشاعر :

         إني كأني أرى من لا حياء له          ولا أمانة وسط الناس عريانا(20)

 

       تلك المحاولات والاجتهادات على وجاهتها ، وبحثها خارج اللغة العربية ، بربطها بأخواتها الساميات ، وهي أقرب إلى البحث التاريخي منه إلى البحث في اللغة ذاتها ، قد يوفق في أشياء ويخفق في أشياء ، وذلك لا يقلل أبدا من قيمته ، فالاستعانة بلغات أخرى أو نظريات جديدة لا شك يثري البحث العلمي ، بمحاولاته فك تشفير اللغة وإزالة غموضٍ أو إبهام يحيط بها من بعض جوانبها ؛ إلا أن التساؤل السابق ما زال قائما يبحث عن إجابة أو تفسير لعمل " إنّ " وأخواتها .

 

بين الوجوب وعدم الوجوب :

       تقوم النظرية اللغوية – في جانب كبير منها – عند سيبويه على مفهومي الواجب وغير الواجب ، إذ ينظر إلى الكلام – في غالب صوره وتراكيبه – مصنفا إياه إلى واحد من هذين القسمين : واجب وغير واجب .

       ومفهوم " الواجب " – عنده – يدل على ما هو ثابت واقع مستقر لدى المتكلم ؛ سواء في تصوره أم في اعتقاده . و " غير الواجب " – على ذلك – مرتبط بغير الثابت أو غير الواقع أو ما ليس مستقرا لدى المتكلم – في حال حديثه – سواء كان ذلك في اعتقاده أو تصوره (21) .

     ويشمل " غير الواجب " عند سيبويه النفي والاستفهام والجزاء والأمر والنهي ، وغير ذلك . يتضح ذلك المفهوم في الباب الذي عقده بعنوان

    " هذا باب حروف أُجريت مُـجرى حروف الاستفهام وحروف الأمر والنهي " (22)

وقد عرض فيه لحروف النفي التي " شبهوها بحروف الاستفهام حيث قُـدّم الاسمُ قبل الفعل ، لأنهن غير واجبات ، كما أن الألف وحروف الجزاء غير واجبة ، وكما أن الأمر والنهي غير واجبين . وسهُل تقديم الأسماء فيها لأنها نفيٌ لواجب ، وليست كحروف الاستفهام والجزاء ، وإنما هي مضارعة ، وإنما تجيء لخلاف قوله : قد كان " (23)

      ويبين سيبويه مفهومه لـ " غير الواجب " بقوله : " وإنما فعلوا ذلك بالاستفهام لأنه كالأمر في أنه غير واجب ، وأنه يريد به من المخاطب أمرا لم يستقر عند السائل "(24) ، فمفهوم " غير الواجب " كما سبقت الإشارة هو ما لم يستقر أو يثبت في الاعتقاد أو التصور أو الواقع سواء عند المتكلم أو المخاطب .

     والسؤال الآن عن موقع " إنّ وأخواتها " في منظومة الواجب وغير الواجب ؟!

    الغريب في الأمر أن سيبويه لم يجعل " إن وأخواتها " مجتمعة داخلة تحت باب الواجب وحده ، بل توزعت بين الوجوب وعدمه ، إذ نراه يسلك ثلاثة منها في غير الواجب بقوله : " ولم تكن ليت واجبة ولا لعل ولا كأن " (25) ، وقد نقل ابن السراج – في أصوله – كلام سيبويه بنصه تقريبا (26) .

   أما " إن " و " لكن " فهما واجبتان عند سيبويه ، يقول : " إلا أن معنى إنّ ولكن لأنهما واجبتان كمعنى هذا عبدُ الله منطلقا " (27) ، ولا نستطيع أن نغفل أن " أنّ " المفتوحة الهمزة داخلة معهما في الوجوب ، إذ يجعلها سيبويه – دون إشارة صريحة – صورة متولدة عن " إنّ " مكسورة الهمزة ، ويشير في كتابه إلى أنها خمسة أحرف (28) ، أما من جاء بعده من النحاة فقد عدوها ستة .

   وغرابة الأمر لا تكمن – في الحقيقة – في مجرد توزّع " إنّ " وأخواتها بين الواجب وغير الواجب ، لتكون ثلاثة منها  - كما سبقت الإشارة – مندرجة تحت غير الواجب ، والأُخر تقع في إطار الواجب ، إنما مرجع ذلك إلى كونها تعمل عملا واحدا ، وهو نصب اسمها ، رغم توزعها هذا ، واختلافها فيما بين الثبوت والتحقق وعدمه .

       وتأكيد ذلك بالرجوع إلى ما قرره سيبويه – ومن جاء من بعده – من كون الواجب مرتبطا بدلالة ما ثبت واستقر لدى المتكلم ، وهذا الأخير موسوم – في العربية – بعلامة الرفع .

      ذلك ما أثبته سيبويه في سؤاله الخليل عن قول الأعشى :

       لقد كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ            تُقَضَّى لُبَاناتٌ ويَسْأمُ سَائِمُ  

فرفعه وقال : لا أعرف فيه غيره ، لأن أول الكلام خبر وهو واجب " (29)

   يؤكد هذا الكلام ويبينه قول الجرجاني : " فالبحتري في قوله :

                       وبدرٌ أضاء الأرض

قد بنى كلامه على أن كون الممدوح بدرا ، أمر قد استقر وثبت ، وإنما يعمل في إثبات الصفة الغريبة ، والحالة التي هي موضع التعجب ، وكما يمتنع دخول الكاف في هذا النحو ، كذلك يمتنع دخول كأن وتحسب وتخال . فلو قلت : كأنه بدر أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رحلي منه مظلم ، كان خَلْفاً من القول " (30) .

     أما " غير الواجب " عنده فمقترن بالنصب والجزم ، يؤكد ذلك قوله : " واعلم أن الفعل إذا كان غير واجب لم يكن إلا النصب " (31) ، ولا يكون النصب في الواجب إلا في اضطرار الشعر (32) ، أما الجزم  وإن كان سيبويه قد جعله من غير الواجب ؛ فهو يمثل في حقيقة الأمر صورة من صور الإمكان بدرجاته ، وقد جعله سيبويه كذلك لاتباعه القسمة الثنائية ، على حين نجد فئة أخرى من العلماء جعلت القسمة ثلاثية ؛ وهي : الواجب والممكن والممتنع . فجعلت الواجب مرفوعا ، والممكن مجزوما ، والممتنع منصوبا (33) .

         وإنْ كان " غير الواجب " مرتبطا في غالبه بأساليب إنشائية كالاستفهام والأمر والنهي وغيرها ؛ فإنّ جُل اهتمام النظرية التداولية كان منصبا على التراكيب الإنشائية خاصة ، مما يستدعي إلقاء الضوء علي أبرز عناصرها وملامحها في صورة موجزة .

 

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx