faculty
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

"  من المركزية الغربية-الأمريكية إلى العالمية في المقاربة للمسألة الديمقراطية و الحقوقية   :نحو مشروع أممي لتحقيق و حماية و تعزيز الديمقراطية و حقوق الإنسان و الأقليات و المرأة في العالم "***

                           *** متروك الفالح

                             7-6-2009م

 

تابعت ، كما بالتأكيد تابع كثير غيري ، خطاب "أوباما"   في جامعة القاهرة ( 4-6-2009م ) ، ولكن  ما يهم الإشارة إليه و التعليق عليه  من هذا الخطاب هو ما يلي  :

أولا - مقاربته  للمسألة أو القضية الفلسطينية و الصراع العربي- الإسرائيلي .

ثانيا - مقاربته للمسألة الديمقراطية  و حقوق الإنسان و الأقليات و المرأة .

ساترك مناقشة  المقاربة الأمريكية ( مقاربة- أوباما ) لحل الصراع العربي الإسرائيلية ، و حل القضية الفلسطينية إلى مقالة منفصلة ، و اتجه لمناقشة المقاربة الأمريكية و" أوباما " للمسألة المهمة الأخرى : هي مسألة تحقيق و تعزيز الديمقراطية و حقوق الإنسان و المرأة  .

جميل أن يتكلم الرئيس "أوباما" عن الديمقراطية ، و متلازماتها من القضايا الحقوقية للشعوب العربية و الإسلامية عموما و لبعض فئاته خاصة . و لكن المشكلة لا تكمن في إطلاق الكلام ، كما هو في مقاربته للمسألة الفلسطينية ، و إنما في تناقضها مع الواقع المعاش ؛ فمن ناحية أولى ، الإدارة الأمريكية تدغدغ عواطف و أماني  شعوب عربية و أسلامية ، و ربما غيرهم  على شاكلتهم في مناطق أخرى من العالم ،   حكامهم هم في الوقت نفسه  حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها ،  و لكنهم  حكام  مستبدون قامعون لشعوبهم  مفرغون بلادهم حتى من  الحد الأدنى من الحقوق و الحريات ،  بل منتهكون لها على نطاق واسع  و على مسمع و مرأى من العالم اجمع ، و الولايات المتحدة ،  و إدارتها تحديدا ، تعلم تلك الحقيقة علم اليقين  . لذلك فالأمر فيه أو حوله  استفهام ؟؟؟ و تعجب !!!.

 من الناحية الأخرى ، إذا افترضنا حسن النية و أن الامر هو مجرد بداية ، كما شدد عليه اوباما شخصيا ، فالأمر يحتاج أيضا للإقناع و الشعور بالتفاؤل ، بان تتبنى الإدارة الأمريكية ، كما هي في القضية الفلسطينية ، سياسات عملية نحو الدفع بتلك المسألة الديمقراطية و الحقوقية  نحو التحقق و التعزيز و الحماية ، و إلا فلا فائدة من الأقوال من دون الأفعال : من ذلك مثلا ، كان على الرئيس "أوباما"  ، أو هكذا عليه أن يفعل في القادم من الأيام ، أن يربط تعاونه و تحسين و تطوير علاقات بلاده في كافة المجالات ( الثقافية و العلمية ، و التجارية و الاقتصادية، و المساعدات المالية و التعاون الأمني و العسكري ، و الدبلوماسية و السياسية ... الخ )  بكافة الدول عربية أو إسلامية كانت ، أو غيرها من العالم ،أسيوية أو أمريكية-لاتينية   ، بمسار و مدى ما يتحقق من خطوات  التقدم على مسطرة تلك القضايا الديمقراطية و الحقوقية ، التي تحققه هذه الدولة أو تلك .

لكي نتجاوز الحساسية من العقدة الأمريكية و المركزية الغربية عموما  في مقاربة  الديمقراطية و حقوق الإنسان ، بما في ذلك الأقليات  و تمكين المرأة ، أرى أن الامر و هذه المسائل لابد أن  تأخذ أبعاد أكثر عالمية ؛ من هنا فأنني  ، وكوني عضو في اللجنة العربية لحقوق الإنسان ( باريس ) ، أتوجه إلى اللجنة و زملائي بها ،  و إلى المنظمات الحقوقية المدنية المستقلة في كافة أنحاء العالم ، بتبني اقتراح محدد ، سبق و أن طرح فكرته الأولى ، على عجالة ،  الإعلامي الليبي محمود شمام**  ، و هو : أن يصاغ مشروع قرار أممي ( يصدر عن الأمم المتحدة )  في مسألة تحقيق و تعزيز  الديمقراطية و حماية حقوق الإنسان و الأقليات و المرأة ، و يقدم إلى الأمم المتحدة لاستصداره على شكل قرار و ينص فيما ينص على أن أية دولة عضو في الأمم المتحدة و قد التزمت بميثاقه(  وكثير منها  وقعت و وافقت على مواثيق حقوق الإنسان ،إقليمية و دولية ،  بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، و كذلك وثيقتي  الحقوق في  الشق المدني و الشق  الاقتصادي و الاجتماعي   ... الخ ) عليها أن تحرز تقدما سنويا ( أو تحافظ على المستوى من التقدم )  ، على  طريق الديمقراطية و حقوق الإنسان و الأقليات و المرأة ،  على أن تحصل الدولة ( أية دولة ) على نقاط لا تقل على 50%  ، أو لنقل تقدير " متوسط/ أو جيد " من مقياس مركب الديمقراطية ( مقياس الديمقراطية يمكن أن يتكون من  صفر إلى 100 نقطة  بحيث الحصول على  المائة نقطة  يمثل الحالة المثالية و العكس صحيح  .

 طبعا يمكن تطوير مقياس للديمقراطية من عدة عناصر، مثالا عليها    لا   حصرا لها هنا  : 1- و جود  و وقوع  انتخابات دورية نزيه لمجلس نيابي 2- المجلس النيابي المنتخب دوريا ، تمثيل للشعب و للأقليات و للمرأة ( المرأة لا تقل حصتها في المجلس عن 25%  ) ، و تكون له صلاحيات تشريعية و رقابية و محاسبة تجاه و على  الحكومة ( السلطة التنفيذية ) و سياساتها و مسئوليها 3-  و جود مدونة مفعلة للحقوق و الحريات ، بما في ذلك حق التعبير و الرأي و النقد و الكتابة و قانون لحرية الصحافة  ، وحق و حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني على نحو مستقل ، وكذلك وجود و عمل الأحزاب السياسية  4- و جود سلطة قضائية مستقلة بمعايير استقلال القضاء الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة ، بما في ذلك وجود محكمة عليا للبت في مشروعية و شرعية القوانين و الأنظمة ، فضلا  عن دورها في حماية الحقوق و الحريات و العدالة  للناس أفرادا أو جماعات  ، وكذلك أن تكون المحاكمات علنية عادلة  ، و إشراف قضائي مستقل على التحقيق و السجون و الانتخابات ... ، كذلك مدى احترام بعض  الدول في ظروف الاحتلال  لحقوق الإنسان و للاتفاقيات الدولية المتصلة بهذا الشأن ( و هذا ينطبق على دول مثلا و تحديدا  :  إسرائيل في تعاملها مع  الفلسطينيين  ، و أمريكا  في العراق  ، و في افغانسستان   الخ  .

هذه العناصر و ربما يضاف عليها غيرها يمكن أن تأخذ قيم ما بين: 1- لا يوجد ( أو ضعيف جدا ) و تأخذ قيمة # صفر 2- ضعيف و تأخذ قيمة # 1؛ 3- متوسط أو جيد، وتأخذ قيمة # 2؛ 4- قوي، و تأخذ قيمة # 3؛ 5- قوي جدا، وتأخذ قيمة # 4. هذه القيم يتم تقديرها من قبل خبراء في الحقوق و القانون و الفقه الدستوري و في الإحصاء و الدراسات الكمية في العلوم الاجتماعية و قياسات الرأي  ، ترشحهم المنظمات الحقوقية المدنية المستقلة في كل أنحاء العالم  ، و كذلك الجامعات و مراكز الأبحاث المشهود لها بالنزاهة ، و يختار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة 15 خبيرا منهم ، و  لمدة خمس سنوات على أن  يكون هناك  تمثيل للقارات بينهم بحيث لا يقل عن 2 من كل قارة من القارات ألأساسية ، و الباقي يمثلون المنظمات الحقوقية المدنية المستقلة . القيم الإجمالية( الكلية )  لكل دولة من خلال جمع مضاعفات قيم عناصرها ، ترتب في شكل جدول واضح  القيم ( رقميا و كميا ، أو نوعيا و كيفيا  )  تنازليا أو تصاعديا بما حصلت علية من قيمة أو كتقدير  من الأسوأ ديمقراطيا إلى الأكثر ديمقراطية و محافظة على حقوق الإنسان ، أو العكس .  

        طبعا هناك مقاييس للديمقراطية و الحريات و الشفافية ، كما هو مؤشر الشفافية العالمي من " دار الحرية - Freedom House " مثلا ، و لكن يمكن تطوير مؤشر أكثر موضوعية و بمشاركة عالمية قانونية و حقوقية  ( من كافة المنظمات الحقوقية و المدنية  المستقلة من جميع الدول و القارات  ) لكي نبعد الحساسية السياسية من بعض المؤشرات الصادرة عن بعض المؤسسات المعنية بالديمقراطية . طبعا الدول غير الديمقراطية عربية و إسلامية أو غيرها في هذا المقام   ، بما في ذلك دول كبرى كالصين مثلا ،  قد تعمل على عرقلة صدور مثل هذا القرار و هذا التوجه ، و لكن العمل الحثيث من قبل المنظمات الحقوقية و المدنية المستقلة و بدفع من الشعوب و الدول الحرة في الشرق و في الغرب في الشمال و في الجنوب ، سيصل في النهاية إلى هكذا قرار ،  تذعن له الدول جميعا .

في حال أن دولة ما ( أية دولة ) حصلت على 50% فاقل ، أو لنقل أقل من تقدير " متوسط أو جيد "  فإن الأمم المتحدة تصدر" بيان " ( و ليس قرار )   يوبخ الدولة تلك ، وكذلك تفعل المنظمات الحقوقية و المنية في مؤتمرات صحفية دورية و متتالية  متعاقبة على مدار السنة .  تعطى تلك الدولة  مهلة سنتين أو في حدودها   لتحسن وضعها ، فإن لم تحسن وضعها  يصار إلى إجراءات اشد ؛ مثل تخفيض تمثيلها في المؤسسات الدولية  ، و قد يصل الامر إلى منع سفر شخصيات دبلوماسية   في تلك الدولة .  إذا استمرت الدولة في تجاهلها لفترة أطول و خاصة بعد مرور سبع أو عشر سنوات مثلا ،  دون  أي تغيير، رغم تذكيرها  من وقت لآخر ،  في وضع الدولة على مسار الديمقراطية و حقوق الإنسان  يصار إلى  تعليق عضوية الدولة تماما من المؤسسات الدولية  بما في ذلك الأمم المتحدة نفسها ،  لأن تلك  الدولة أخلت بالتزاماتها تجاه ميثاق الأمم المتحدة ، فضلا عن الإخلال بذلك القرار و روحه  . فوق هذا ،  إن استمرت الدولة في وضعها ، لفترة تتجاوز عشر سنوات ،  يصار إلى توجيه تهما ، شريطة أن تكون مقرونة بدلائل و قرائن مؤكدة لا لبس فيها  ، لشخصيات بعينها بارتكاب  " جرائم ضد حقوق الإنسان " ،  و من ثم يصار إلى  إصدار مذكرة اعتقال و إحالة إلى محكمة دولة تنشأ لهذه الغاية( ضمن مشروع القرار الاممي ) .

 طبعا من الأهمية بمكان  ملاحظة  أن ليس في هذا القرار ما يتضمن أو يدعو  إلى  غزو أو تهديد بالغزو و لا بحصار للشعوب ذاتها ، و إنما التركيز على المسئولين فيها الذين تثبت الأدلة ضدهم  مع مهلة قد تصل إلى عشر سنوات ، و هو أمر قد يكون من  المستحيل حدوثه ، بمعنى  أنه من الصعب أن  تجد دولة تعاند ضد التقدم و الديمقراطية  على طول تلك الفترة في عالم متحول ، و مكوناته و قواه و أطرافه متفاعلة  و متقاربة  بشكل سريع .

الدول التي تأخذ قيمة إجمالية    فوق 50% أو لنقل تقدير  " متوسط / أو  جيد " فما فوق  من مقياس الديمقراطية  و لكنها لا تصل إلى 80% فما فوق أو اقل من تقدير " قوي "  ،  تطالب هي الأخرى بالتقدم و تعطى ثلاث فرص كل فرصة لمدة سنتين ، إلا أن تكون قد  تحسنت فكان بها ، و إن لم تتحسن يصار إلى عقوبات مناسبة يحددها القرار  ، وهكذا . على كافة الدول الأخرى أن تلتزم بهذا القرار و بما يترتب عليه من التعاضد في سبيل تحقيق غاياته أو تنفيذ عقوبات ترتبت أو سوف تترتب على دولة ما.

هذه فكرة قد تحتاج مزيد من المناقشة  و البلورة  باتجاه  إنضاجها  و تطويرها  من قبل الجمعيات و المنظمات الحقوقية و المدنية و الناشطين في القضايا الحقوقية و الديمقراطية  و المثقفين المعنيين بالأمر ، و كذلك من الشعوب و الدول الحرة ، أينما كانت ، فضلا على  أن على الأمم المتحدة ذاتها من خلال مجلس الحقوق التابع لها ، و من خلال أعضاءه و خاصة من الدول الحرة و المنظمات الحقوقية و المدنية المستقلة و المنظمة إلية ، أن تدعم هكذا مشروع أممي عالمي لتحقيق الديمقراطية و حماية حقوق الإنسان و الأقليات و المرأة في كل مكان من العالم و بدون أن تثار خصوصيات أو ثقافات بعينها ، و بدون أن تطلق طلقة واحدة و بدون حروب و غزوات  و احتلال تحت مزاعم تحقيق الديمقراطية و حماية حقوق الإنسان و الأقليات و المرأة . بل أن حتى الدول المحتلة بما في ذلك إسرائيل و الولايات المتحدة هي في موضع المسآءلة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان و الشعوب تحت الاحتلال ، و هي بالتأكيد يجب ألا تستثنى ، و إن كانتا ستعملان ما في وسعهما للإفلات من المسآءلة و المحاسبة و العقاب .

 انه مشروع أنساني عالمي يشارك فيه الجميع : الذين لا يشاركون فيه أو لا يرغبون به  أو يعارضونه هم أولئك الذين يخافون لأنهم ببساطة  ينتهكون حقوق الإنسان  ، هم الذين  يمارسون التلذذ  باستعباد الناس و مواصلة إذلالهم و الحط من كرامتهم البشرية ، تلك الكرامة  التي أكدها الله سبحانه و تعالى ، قبل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، حيث يقول ؛ " و لقد كرمنا بني أدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير من الخلق تفضيلا ( 70- الإسراء ) ، كما أكدها الخليفة عمر الخطاب حين التزم بما قال ؛ " متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "  ؛ هذه المقولة اشتهر بها  المفكر الفرنسي " جان جاك رسو"  حين قال في أطروحاته و العقد الاجتماعي : " الناس يولدون أحرارا ، ولكنهم في الأغلال و القيود في كل مكان " .  تلقفت تلك المقولة الثورة الفرنسية والأمريكية و ضمنتها دساتيرها و مواثيقها ، و تبنتها الأمم المتحدة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 10-12-1948م  .

 إن من يقف في طريق تحقق وتعزيز و حماية الكرامة الإنسانية ، أي كان ( أفراد أو جماعات أو دول أو سلطات ) ، إنما ،  فوق  انه عدو لنفسه و مجتمعه ،  فهو عدو للإنسانية جمعاء   ، و التاريخ بكل تأكيد لن يتوقف عند هؤلاء ،  إلا بقدر ما  يسجلها و يفضحها  كحالة مظلمة في تاريخ البشرية أو لبعض منها على الأقل  .  ذلك التاريخ البشري الذي لن يتوقف هو الذي يسلك طريق الانعتاق و الحرية و الكرامة فالتقدم و الإبداع و المنافسة . الذين لا ينخرطون و يساهمون في صناعة هذا التاريخ، تاريخ الحرية و الكرامة الإنسانية، إنما هم مسئولون عن وضع شعوبهم في هوامش التاريخ و مخلفاته.  أنهم ، على أية حال ،  لن يفلتوا من العقاب و سوف يحاسبون يوما ما مهما طال هذا اليوم أو قصر.

 

 

 

*** متروك الفالح – في الرياض: 7-6-2009م

** أدين للأستاذ محمود شمام،  بأساس الفكرة حيث لمح لها سريعا في برنامج أحدى القنوات الفضائية في عام 2005م. و لكنها لم تأخذ نصيبها من الدفع و التطوير ، وهو ما أقوم به هنا .