ملحوظة : صدر نظام القضاء و ديوان المظالم كما  قدم لمجلس الشورى دون تعديل -- لذلك تبقى ملاحظاتنا عليه هي كما وردت في دراستنا أدناه

===============

بسم الله الرحمن الرحيم

لا قضاء عادل بدون سلطة قضائية مستقلة

قراءة في

مشروعي قانون( نظام ) القضاء و ديوان المظالم

المعروضين على مجلس الشورى للمناقشة***

                                           *** متروك الفالح

تفاجأت الأوساط المعنية بالشأن العام و الإصلاحات في السعودية بخبر ورد في صحيفة " الوطن "، في عددها ليوم 18-04-2007م يشير إلى أن مجلس الشورى سوف يستكمل يوم الاثنين 22-4-2007م مناقشة مشروعي قانون( نظام ) للقضاء لديوان المظالم، و أوردت الصحيفة ما قالت عنه انه ابرز ملامح المشروعين.

 لم نتمكن من الاطلاع، كغيرنا من المعنيين بالأمر من الحقوقيين و المحامين و الإصلاحيين، و ربما معظم القضاة أنفسهم، على نسخة كاملة للمشروعين، و لكن أن كانت الملامح المعروضة للمشروعين تتضمن بالفعل أهم ابرز مواد القانونين (النظامين ) و بما يعني ألا تكون هناك مواد مهمة تم إخفاءها، فانه يمكننا أن ننطلق بقدر من الاطمئنان و نقدم قراءة نقدية للمشروعين.

نقول بداية إن القراءة النقدية التي نقدمها هي قراءة سياسية و إصلاحية تنطلق من مرجعية العلوم السياسية و مشاريع و استراتجيات و عناصر و تجارب الإصلاح على تنوعها، بما في ذلك ما يتعلق بمتطلبات استقلال السلطة القضائية   والمعايير الدولية لتحققها و المتوافقة مع الشريعة الإسلامية و تحقيقا لمقاصدها في ضمان و تحقيق العدالة و حماية الحقوق و الكرامة الإنسانية، فضلا عن القيام بالرقابة و المحاسبة تجاه السلطة التنفيذية و قواها و مسئوليها منعا للجور و الظلم و الطغيان و الاستبداد.

 

تتكون القراءة من العناصر التالية:

أولا:  ملاحظات أولية:

1- يمثل هذان المشروعان للقضاء و للمظالم، إضافة إلى مشروع قانون (نظام ) الجمعيات الأهلية، وكذلك مشروعي قانون ( نظام ) التعليم العالي و قانون( نظام ) الجامعات أخطر و أهم القوانين ( الأنظمة ) و التي سوف تتحكم، في الغالب،   في مفاصل الحياة العامة للمجتمع ( أفرادا و جماعات و قوى ) لما لا يقل عن عقد قادم، إن لم يكن للعقدين القادمين. من هنا سيكون على القوى المعنية بالإصلاح من المثقفين و المحامين و الإصلاحيين عموما،  و حتى العلماء و القضاة وخاصة من جيل الشباب التواق للإصلاح، وكذلك الأعضاء الخيرين من مجلس الشورى بذل جهودا غير قليلة في محاولة التأثير في صياغاتها النهائية.

2-  يلاحظ أن مشروعي قانون ( نظام ) القضاء و ديوان المظالم، و على نحو مماثل لقانوني ( لنظامي ) التعليم العالي و الجامعات، وعلى عكس قانون( نظام ) الجمعيات ألأهلية، لم يتلق اهتمامات و نقاشات عامة من و بين أوساط المهتمين المثقفين، و المهتمين بالشأن العام، فضلا عن المحامين، بل حتى الفقهاء و العلماء و القضاة أنفسهم. بل لعله من اللافت للنظر، أنه إذا ما استثنينا إشارات سريعة في الانترنت، فإن وسائل الأعلام، وخاصة الصحف و الإذاعة، لم تتطرق أليه،  لا بل أغفلته !! و هذا يدل على ما يلي:

أ- عدم الشفافية من قبل الدولة في إتاحة مثل هذه القوانين (الأنظمة ) للرأي العام و المهتمين بالشأن العام، من أجل إثراءه و تطويره من خلال تقديم رؤيتهم و رؤاهم.

ب- غياب الاهتمام عند المعنيين بالقضاء مباشرة، ونخض بالذكر المحامين و الفقهاء و العلماء، فضلا عن القضاة أنفسهم.

ج- كذلك فان مجلس الشورى و أعضاءه عموما، و المعنيين منهم بالإصلاح خصوصا،   لم يقوموا أنفسهم،  بما يمليه عليهم الضمير و الواجب تجاه إصلاح الشأن العام، بإتاحة تلك القوانين للرأي العام لتلمس الآراء حولها. في هذا السياق، فان القناة السعودية الأولى، قامت في يوم الخميس 9-4-1428 ، بعد الساعة الواحدة ظهرا  ، و بعد بداية النظر في الأمر ، ببث مقاطع مسجلة متقطعة ( غير كاملة ) للجلسة الأولى ( ليوم الأحد 5-4-1428ه )  لبعض من مداولات و مناقشات و مداخلات بعض أعضاء مجلس الشورى حول مواد مشروعي قانون ( نظام ) القضاء و ديوان المظالم .

ثانيا: ملخص هيكلي لقانون ( نظام ) القضاء و قانون ( نظام ) ديوان المظالم:

(1 )

هيكل قانون ( نظام ) القضاء

الملك

                                

المجلس الأعلى للقضاء(م.أ.ق )

     

المحاكم

محاكم الدرجة الأولى

في المناطق و المحافظات و المراكز

مجاكم الاستئناف

في كل منطقة

المحكمة العليا

الرياض

هيئة عامة-رئيس المحكمة وجميع قضاتها

 

 

دوائر متخصصة

            في كل دائرة 3- قضاة أو 5-قضاة (الحدود)

رئيسها وجميع قضاتها بدرجة رئيس محكمة استئناف

يعينون بأمر ملكي بترشيح من (م.أ.ق)

_____________________   ______________          

        محاكم الاستئناف                      محاكم الاستئناف

 


دوائر              دوائر                 دوائر        دوائر      دوائر

حقوقية            جزائية   أحوال شخصية      تجارية      عمالية

_____________________  ____________________

  محاكم الدرجة ألأولى              محاكم الدرجة الأولى

محاكم            محاكم      محاكم            محاكم         محاكم

 عامة          جزائية     أحوال شخصية        تجارية         عمالية

( دوائر )                 دائرة أو أكثر      (دوائر )       (دوائر )

متخصصة                                  متخصصة      متخصصة

وتنفيذ و

 إثبات نهائي                         

حوادث السير

 و المرور                    

     دوائر           متخصصة

 


دوائر قضايا القصاص       دوائر القضايا             دوائر قضايا

و الحدود                      التعزيرية         الإحداث و الفتيات

 

 

 

 

 

 

(2)

هيكل قانون ( نظام )ديوان المظالم

الملك

 


                       رئيس ديوان المظالم

                      مجلس القضاء الإداري

محاكم ديوان المظالم

المحاكم الإدارية

محاكم الاستئناف

المحكمة الإدارية العليا

الرياض

هيئة عامة

رئيسالمحكمةو جميع قضاتها

     

دوائر متخصصة                             دوائر متخصصة

دوائر المحكمة الإدارية العليا              دوائر محاكم الاستئناف

 

 

 

 

ثالثا: الملاحظات النقدية على المشروعين:

1-   الايجابيات: يلاحظ أن هناك بعض الإضافات الهيكلية الجديدة، على عمل قانون ( نظام ) القضاء و ديوان المظالم، ونخص بالذكر:

أ- فيما يتعلق بقانون ( نظام ) القضاء، هناك هيكلية جديدة تتمثل في " المحكمة العليا " ذات دوائر متخصصة، ولكن صلاحياتها و اختصاصاتها فيها نظر، فهي غير بعيدة عن اختصاصات محكمة التمييز ( في النظام المعمول به حاليا ).

ب- فيما يخص نظام المظالم: هناك محكمة إدارية عليا، ولكن اختصاصاتها وصلاحيتها فيها نظر, وسوف نتحدث عن ذلك لاحقا.

ج- هناك إدماج بمحاكم بكافة أنواعها وتحت مظلة القضاء...وهذا يتعلق في المحاكم التجارية والعمالية كمثال.

د-هناك بعض الايجابيات وان كانت محدودة وفيها أيضا نظر, وتتعلق بذكر أو بإدخال بعض معايير استقلال القضاء مثل القول : القضاة مستقلون لا سلطان عليهم ... وعدم العزل ... وعدم النقل، إلا برضاهم أو لترقية... وعدم مخاصمتهم.

هـ-تقليص سلطات وصلاحيات وزارة العدل تجاه القضاء.

2-   الملاحظات السلبية: قصور المشروعين عن الإيفاء بمتطلبات استقلال القضاء و المعايير الدولية لاستقلال القضاء.

      ورغم بعض الايجابيات الواردة في مشروعي القوانين ( نظام القضاء ونظام المظالم), إلا إن هناك عيوبا أساسية،  إما تضمناها أو افتقداها، وشكلت خللا أساسيا في استقلال القضاء, ومن أهم تلك العيوب:

أولا: أهم عنصر أساسي مفقود هو خلو المشروعين من المعايير والضمانات الجوهرية وذات الطابع العالمي والإسلامي لتحقيق و ضمان استقلال القضاء:

- عليهم في قضاهم لغير إحكام الشريعة والأنظمة المرعية, وليس لأحد التدخل في القضاء ". ".لقول في مادة أخرى: " "مع عدم الإخلال بما للقضاء من حياد و استقلال... " . و كذلك بالنسبة إلى مشروع قانون ( نظام ) ديوان المظالم، القول: " ديوان المظالم هئية قضاء إداري مستقلة... "

- العبارة والمادة والنص جميل, ولكن أولا فهي بذاتها ليست كافية ولا تمثل العناصر الضامنة لاستقلال القضاء, وكذلك هناك قصور في المفاهيم ألوارده في العبارة ذاتها:

-الإشارة هي أولا إلى استقلال " القضاة " وهذا يشير إلى الاستقلال الشخصي وليس إلى الاستقلال المؤسسي (استقلال السلطة القضائية). المفترض أن تنص المادة على التالي: إن السلطة القضائية بما فيها القضاة وعملها, سلطة مستقلة...الخ. على أن تضمن تلك الاستقلالية للسلطة القضائية من خلال الالتزام بالمعايير الدولية لاستقلال القضاء، كما هو مبين في الفقرة التالية.

ثانيا: هذا الاستقلال المشار إليه في المادة ( المواد ) أنفة الذكر (في مشروع نظام القضاء و كذلك في مشروع نظام المظالم ) يفتقر إلى المعايير والآليات الدولية والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية و الضامنة لاستقلال القضاء:

1-  أهم معيار من معايير استقلال القضاء هو إلية فصل السلطات المنبثقة عن دستور بمرجعية إسلامية ( بمعنى و بنص عدم جواز صدور أي نظام أو قانون ( تشريع ) مخالف لأدلة أحكام الشريعة الإسلامية ذات القطعية الدلالة )،   مصوت عليه شعبيا... وهذه لا إشارة لها في مشروع النظام ، بل أن المواد تشير إلى  الربط المباشر بين السلطة التنفيذية ( الملك ) و كذلك كل من القضاء و المظالم ، فضلا عن أن أي من مواد النظامين لا يشيران إلى أن  القضاء أو ديوان المظالم  هو أو هما سلطات قضائية مستقلة . لاحظ أن الإشارة إلى ديوان المظالم هو على أنه " هيئة قضائية... " و ليس سلطة قضائية   . إن الخلل هنا ينطلق من نظرة و نظرية ترى أن القضاة في كل من النظامين ما هم إلا  وكلاء للحاكم ( وهو ذو سلطات مطلقة شمولية ) ، و بالتالي هو يعينهم و يقيلهم متى شاء ، ويصدر الأنظمة جميعا ، بما في ذلك ما يخص القضاء و المظالم ،  دون حق الاعتراض عليها من قبل أي جهة قضائية أو غيرها  ، فضلا عن عدم المساَءلة  .  أما الصحيح فهو أن القضاة و السلطة القضائية و كذلك كل السلطات، وخاصة السلطة التشريعية، إنما هي نابعة وتمثل المجتمع ( الشعب، أو الأمة، باعتبارها هي مصدر السلطات و هي صاحبة الولاية على نفسها، وهي الحافظة لشرع ( كما يقول ابن تيمية )، وان من في السلطة، أي سلطة كانت، ماهم إلا هم وكلاء و / أو ممثلين لها،  وليس عليها.

2-  معايير استقلال القضاء الدولية تستلزم أشراف القضاء على السجون والتحقيق مع المتهمين والموقوفين والمعتقلين في السجون مهما كانت أنواع السجون بما في ذلك سجون المباحث... وهنا لا إشارة إلى هذا الإشراف القضائي. أيضا ليس هناك إشارة إلى الإشراف القضائي على العمليات الانتخابية و سيرها و النظر في التظلم أو الشكاوى المصاحبة أو اللاحقة، خاصة وان هناك عملية انتخابات بلدية و تجارية جرت وسوف تجري لاحقة، فضلا عن احتمال حدوث غيرها في مجلات أخرى. لاحظ انه في مصر، فان جزء من مطالب الإصلاح و مطالب القضاة أنفسهم هو توليهم الإشراف القضائي على الانتخابات، باعتبارها احد أهم معايير ضمان استقلال و القضاء في مصر، كما معظم البلدان شرقا وغربا و جنوبا.

3-  معايير استقلال القضاء تستلزم الاعتراف بمدونة معلنة محددة للحقوق والحريات العامة، وهذه تمثل واحد من أهم مواد وبنود الدستور المصوت عليه شعبيا،  وهذه لا إشارة لها بالنسبة لمشروع نظام القضاء تحت النقاش حاليا، علما أن محاكم استئناف القضاء تشير إلى محاكم دوائر حقوقية، و أن المحكمة الإدارية العليا في ديوان المظالم، يفترض فيها أن تعالج انتهاكات حقوق الإنسان وحرياته تجاه أجهزة الدولة.  

4-      معايير استقلال القضاء تتطلب وجود مدونة (مسطرة) أو قانون للجرائم والعقوبات (القواعد والأحكام الموازية لها, في حدودها الدنيا والعليا وان تكون معلنة وملزمة للقضاة...وهذا يتعلق بأحكام التعزير والتي لا إشارة لها هنا في النظام،  علما أن النظام يشير إلى محاكم جزائية من محلكم الاستئناف، و محاكم ذات صلة بالتعزير تندرج تحت المحاكم الجزائية من محاكم الدرجة الأولى.

5-      المحكمة العليا... رغم أنها إضافة هيكلية جديدة إلا أنها, في سياق اختصاصاتها كما وردت في مشروع نظام القضاء لا تقترب من مفهوم وعمل واختصاص المحكمة الدستورية العليا والتي بذاتها تعتبر احد أهم معايير استقلال القضاء الدولية. فالمحكمة العليا في نظام القضاء المشار إليه تختص بشكل جوهري بمراجعة الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف من حيث " سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وما يصدره ولي الأمر من أنظمة..." وما يتصل بالاعتراض على شكلية المحاكم أو عدم اختصاصها أو الخطأ في تتكيف الواقعة.

إذا لا دور للمحكمة العليا, كما تقوم به المحكمة العليا الدستورية, في مراقبة حقوق الإنسان وحرياته (أفرادا وجماعات ), وكذلك لا دور لها في مشروعية وشرعية القوانين (الأنظمة ) التي تصدرها الدولة (السلطة التنفيذية حتى وان مرت عن طريق مجلس الشورى ). الخ.لاحظ غياب الرقابة من قبل السلطة القضائية ممثلة بالمحكمة العليا كما وردت في المشروع, والقيام بواجب مراقبة السلطة التنفيذية والتشريعية, هذا فضلا عن عدم اختصاصها ،  في محاكمة كبار المسؤلين وموظفي الدولة, على انتهاكات حقوق الإنسان أو الإخلال في تصرفات مؤذية للدولة والمجتمع ، والفساد المالي, هدر المال العام...الخ .

وحتى المحكمة الإدارية العليا والتي تتبع نظام ديوان المظالم ليس في اختصاصها ذلك ... هذا فضلا عن أن الفصل بين هيكلية ديوان المظالم (المحكمة الإدارية العليا ) وهيكلية نظام القضاء (المحكمة العليا )  ، رغم انه موجود في بعض الأنظمة القضائية لبعض الدول ، فانه  فصلا لا ضرورة له ،  وكان من الأجدى أن يكون هناك نظام قضائي أو هيكل نظام قضائي واحد أو موحد ،  بحيث تكون المحكمة العليا الموازية للمحكمة العليا الدستورية كما هي في كثير من البلدان من اختصاصها القيام بمهام المحكمة الإدارية والمحكمة العليا الواردتين في مشروعي النظامين . وان تكون المحكمة العليا هي أعلى سلطة قضائية في النظام القضائي الموحد ولا ضرورة لوجود لا المجلس الأعلى للقضاء و لا لمجلس القضاء الإداري.

6-      يلاحظ أيضا فيما يتعلق باختصاالمحكمة الإدارية العليا- في  في مشروع نظام ديوان المظالم, أن اختصاصاتها مشابهة لما ورد في اختصاصات المحكمة العليا للقضاء, من حيث التركيز فقط على الاعتراض على الاحكام التي تصدرها محاكم الاستئناف الإدارية, في حالة مخالفته (الشريعة/ الأنظمة / الخطأ في التطبيق أو التأويل, أو عدم الاختصاص, أو صدوره من محكمة غير مشكلة وفقا للنظام, والخطأ في التكييف, وفصلها في نزاع خلاف لحكم أخر سابق..., وتنازع الاختصاص بين محاكم الديوان .

ولكن ، فوق هذا وذاك و على غاية من الأهمية ، يلاحظ ، أيضا ،  أن هناك قيود غير محددة ومبهمة على ممارسة المحكمة الإدارية لاختصاصاتها ؛ فمثلا تنص المادة التالية على ما يأتي : " لا يجوز لمحاكم ديوان المظالم النظر في الدعاوى  المتعلقة بأعمال السيادة أو النظر في الاعتراضات فيما تصدره المحاكم – غير الخاضعة لهذا النظام- من أحكام داخلة في ولايتها , أو ما يصدره المجلس الأعلى للقضاء ومجلس القضاء الإداري من قرارات " .

لاحظ أن القيود على محاكم ديوان المظالم، بما فيها المحكمة الإدارية العليا تشمل:

1- أعمال السيادة، و هذه لم تحدد؛  فما هي أعمال السيادة ؟  حسب معلومات و تجارب معروفة ، فان أعمال السيادة هذه تطال و تشمل حتى حقوق الإنسان الأساسية للأفراد ، مثل " حق و حرية التنقل و السفر " و بالتالي فان محاكم ديوان المظالم ، بما في ذلك  المحكمة الإدارية العليا لا يحق لها النظر في " المنع من السفر و التي دأبت وزارة الداخلية على ممارسته ضد المئات من أبناء البلد من مثقفين و نشطا  ... الخ ( هناك حالة معروفة، تتعلق بالأستاذ المحامي / عبد الرحمن اللاحم، حيث رفض ديوان المظالم في ( 2004 – 2005 ) النظر في شكواه ضد وزارة الداخلية حول منع الأخيرة له من السفر، تحت ذريعة أن " السفر " ليس من اختصاص الديوان باعتباره من أعمال السيادة. إن حقوق الإنسان ، بما في ذلك حق السفر ، هي حقوق أساسية  يجب إلا تخضع للمصادرة ، ويجب على القضاء حمايتها و الدفاع عنها بدلا من تركها لانتهاكات الدولة و أجهزتها و مسئوليها . الحقوق يمكن تعليقها فقط من القضاء فقط و في حال وجود دعاوى قضائية قائمة ( محاكمة تجري أو بصدد القيام بها )   ويمكن تتم لشخص أو  لأشخاص لازالت قضيتهم منظورة قضائيا .

 أعمال السيدة تتعلق بالتنازل عن الأراضي و ممتلكات الدولة و حدودها و الاتفاقات الدولية ( من أحلاف أو قواعد عسكرية أو أمنية ) و تضع قيود على قدرة الدولة في التصرف. و الحقيقة أن هذه هي الامورالتي يجب أن تكون محل نظر من السلطة القضائية كما هي من السلطة التشريعية للرقابة على تصرفات الحكومة و مسئوليها .

2-عدم النظر في الاعتراضات على ما تصدره المحاكم – غير الخاضعة لهذا النظام – من أحكام داخلة في ولايتها. لاحظ أن هذه المحاكم غير محددة و غير معرفة، وربما تكون فيها إشارات إلى محاكم أمنية أو عسكرية. و هذه العبارة  و صياغاتها ، على ما يبدو ، تحمل  بصمات الأجهزة الأمنية و وزارة الداخلية .

3- عدم النظر في ما يصدره المجلس الأعلى للقضاء و مجلس القضاء الإداري من قرارات.

النتيجة من هذه المادة فقط ، أن وزارة الداخلية ، باعتبارها هي التي تحدد أعمال السيادة ، و كذلك محاكمها الأمنية أو العسكرية ، وكذلك قرارات مجلس الأعلى للقضاء و مجلس القضاء الإداري ، تقدم هنا في المشروعين على أنها  مقدسة ،  لا احد يستطيع مساءلتها أو محاكمتها ، و بالتالي فهي فوق الشريعة الإسلامية و أحكامها ، و بالتالي فهي تنسف القول "  القضاة مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية ...... " .

يبقى السؤال بالغ الأهمية و المشروع هو:  هل العدالة و الشريعة الإسلامية و أحكامها هي المقدمة و لها الأولوية، أم هي أعمال السيادة ووزارة الداخلية و قرارات مجلس القضاء الإداري و المجلس الأعلى للقضاء ؟؟

 7ـ عدم التأكيد على علنية المحاكمات العامة، واقتصار السرية فقد للقضايا الأخلاقية والأسرية والعائلية أو باتفاق الطريفين المتخاصمين. ورغم أن هذه قد يكون مشار إليها  في نظام المرافعات ونظام الإجراءات الجزائية ،  إلا أن الإشارة هناك هي للجواز و هناك صلاحية معطاة للقاضي بالتراجع عنها . من هنا  لابد من الإشارة إلى مادة محددة  كافية تنص في المشروعين  على ضرورة  علنية المحاكمات المتصلة بالشأن العام ، أي كان نوعها  ، و الالتزام بها ،  وتوفير الإجراءات  و الضمانات القضائية لكافة لإطرافها .

8ـ خلوا النظامين حق القضاة في تشكيل جمعية أهلية للقضاة للدفاع عن مصالحهم وتنميتها ومساهمة للتدريب ، وكذلك المساهمة في تقديم مرشحين للقضاة للمحاكم ودوائرها وخاصة لقضاة المحكمة العليا والمحكمة العليا الإدارية ، وكذلك المساهمة في تقديم الشهادات أو سحبها  ( رخص إجازات مزاولة المهنة القضائية من جمعية القضاة ) .

9ـ في المشروعين ، هناك  غياب فكرة التأهيل المعرفي المتعدد والمتنوع للقضاة وخاصة في مايتعلق بدراسة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية والأديان المقارنة ، وكذلك ما يتصل  بالإلمام بالجوانب ألأساسية من الفقه الدستوري وعلم السياسة والاجتماع والاقتصاد والقوانين الإسثمارية ومواثيقها الدولية وغيرها من العلوم الإنسانية .  إن القضاة عليهم الإلمام بتلك العلوم جنباً إلى جنب دراسة الشريعة الإسلامية ( الفقه وأصوله ).

ثالثاً : يلاحظ في المشرعين هيمنة السلطة التنفيذية على القضاة من خلال الربط المباشر بين السلطة التنفيذية ممثلاً بالملك ومجلس القضاة الأعلى ممثلاً برئيسة ويلاحظ هيمنة الأخير ( مجلس الأعلى القضاة على المحاكم والقضاة ، إشرافاً وفي ترشيح التعيينات ، وخاصة للمحكمة العليا  ومسائل تتعلق بالترقية ، ، و التفتيش القضائي ،  والتأديب ، والتوقيف لبعض القضاة في ظروف معينة  ، كما هو أيضا على قضاة ديوان المظالم ، من خلال رئيس الديوان و  مجلس القضاء الداري ، و بالذات قضاة المحكمة الإدارية العليا .

ويلاحظ في هذا السياق أيضاً عدم خضوع مجلس القضاة الأعلى وقراراته لاختصاص المحكمة العليا أو المحكمة الإدارية العليا .

ويلاحظ أيضاً هيمنة مجلس القضاة الأعلى في عملية اختيار القاضي وتعيينه وخاصةً من الشهادات و التخصصات  الجامعية من غير حملة الشريعة الإسلامية ( الفقه وأصوله ) ، وشرط اجتياز امتحان من قبلة هو يحدده ،  لأولئك من الراغبين بالالتحاق بالسك القضائي من ذوي التخصصات الاخرى مثل القانون  ، من كليات من غير كليات الشريعة والجامعات الإسلامية .

وحتى في مايختص في الفصل في تنازع الاختصاص بين المحكمة العليا للقضاء من جهة ،  وبين المحكمة الإدارية العليا لديوان المظالم ، هناك دورا  مركزي للمجلس الأعلى للقضاة في عملية اختيار لجنة الفصل .

إن هيمنة مجلس الأعلى للقضاة على المحاكم والقضاة ، وكذلك مجلس القضاء الإداري بموازاته  في ديوان المظالم ،  ثم ربط كل منهما  بالسلطة التنفيذية مباشراً مع غياب المعايير الجوهرية والدولية لاستقلال القضاء ( السلطة القضائية) يعني انتفاء ، بل نسف ،  مسألة استقلالية القضاء في المشروعين ،  محاكم وقضاة وعملية قضائية مؤسسية .

الخاتمة

 لا قضاء عادل بدون سلطة قضائية مستقلة

 ، و لا سلطة قضائية مستقلة بدون دستور و حكومة دستورية

لكي نكون أمام نظام قضاء عادل و فعال، لابد من توفير ضمانات قيام سلطة قضائية مستقلة. عليه فإن المطلوب هو بتصحيح الخلل في مشروعي النظامين للقضاء و وديوان المظالم  ، و ذلك بإدخال تعديلات على المشروعين ( النظامين ) و الالتزام التام بممارستها عمليا، و ذلك على النحو التالي:

1ـ تبني المعايير الدولية لاستقلال القضاء جميعها ، و التي في جلها ، إن لم يكن كلها ،  متوافقة مع الشريعة الإسلامية ، بل أن بعض من التطبيقات الإسلامية ما سبق المعايير الدولية نفسها ( مثل علنية المحاكمات ، حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم يقضون أمام الناس في المساجد ، و الناس شهود الله في أرضه  )  وتضمينها مشروعي النظامين كمواد محددة ومنصوص عليها وملتزماً بالتقيد بها واحترامها  ، ومن أهم تلك المعايير مايلي :

أ ـ تبني مشروع فكرة المحكمة الدستورية العليا بكافة متطلباتها وعملها واختصاصاتها ضمن مشروع سلطة قضائية مستقلة ، وأن تقوم بوظيفة مراقبة وحماية حقوق الإنسان وحرياته ( أفراداً وجماعات ) ، وكذلك النظر في مشروعية وشرعية الأنظمة ( القوانين) الصادرة من الدولة (سلطة تنفيذية أو تشريعية ) ، فضلاً عن وظائفها في مراجعات الأحكام القضائية و الاعتراضات عليها  في شكلها النهائي . ومن هنا فأن الأمر يحتاج إلى دمج كل من المحكمة الإدارية العليا بديوان المظالم في المحكمة العليا بالقضاء ،  ويصبح لدينا هيكل قضائي موحد أعلى سلطاته هي المحكمة العليا ( الدستورية ) وأن تقوم هذه المحكمة بالاختصاصات المنوط بها في سياق فكرة وعمل ووظيفة المحكمة الدستورية العليا كما أشرنا إليها في أكثر من مكان .

ب ـ أن يصدر هذا المشروع لنظام القضاء من مجلس نيابي منتخب يمثل المجتمع( الشعب ).... ويعرض على الرأي العام والنخب المعنيين بالأمر ( قضاة/ محامين/ أساتذة ومثقفين ومهتمين بالشأن العام ).

ج ـ أن يتضمن مشروع نظام القضاء بصيغته النهائية لمادة تنص على خضوع أي إنسان،  مهما كان موقعة و وظيفته في الدولة،  لإمكانية حقيقية للمسائلة القضائية.

د ـ أن تكون المحكمة العليا ( الدستورية العليا هي السلطة القضائية العليات بالبلد وأن تكون ترشيحات أعضائها ورئيسها تأتي من عدة مؤسسات قضائية أو جامعات أو مؤسسات تعليمية قانونية وكذلك للمؤسسات للمجتمع الأهلي المدني وخاصة من جمعيات القضاة أنفسهم وكذلك جمعية المحامين  في البلد . وبذلك فلا ضرورة لوجود للمجلس الأعلى للقضاة ولا لمجلس القضاة الإداري. وأن تكون ترشيحات القضاة وخاصةً فيما يتعلق بالمحكمة الدستورية ، أن تأتي  من جهات متعددة وممثلةً لكافة الطوائف والمذاهب الإسلامية وخاصة فيما يتعلق  بقضاة المحكمة العليا وكذلك قضاة المحاكم ذات الصلة بالأحوال الشخصية .

هـ تقدم تلك الجهات والمؤسسات والجمعيات الأهلية والمدنية والمحاكم والجامعات أعداداً من القضاة المرشحين ضمن شروطاً محددة ومقبولة ،  بما ذلك النزاهة ، والخبرة  ، والتأهيل المعرفي القضائي المتعدد والمتنوع ، بما ذلك الدراسات الشرعية والقانونية ، والأديان المقارنة ، وحقوق الإنسان ومواثيقها،  والمواثيق الدولية والمعاهدات ( القانون الدولي ) ، والسياسة والفقه الدستوري والعلوم الإنسان والاقتصادية ،  وما يتصل بالأعمال والإسثمارات وقوانينها الدولية ، بما في ذلك أحكام واتفاقيات منظمة التجارة العالمية ، وخاصة لأولئك من القضاة المعنيين باختصاصات محاكم محددة ( في المحاكم التجارية العمالية وما يتعلق بالحقوق ) .

زـ  تقدم الترشيحات أعلاه وخاصة فيما يتعلق بقضاة المحكمة العليا ( الدستورية ) إلى مجلس النواب المنتخب ، والذي عليه التدقيق فيها والمصادقة عليها  ، بعد التأكد من استيفاء الشروط  و انطباقها ، و قد يتطلب الأمر جلسات استماع ، لمن تنطبق الشروط عليهم  .

ح ـ ترفع تلك الترشيحات المدققة من مجلس النواب و لجانه القضائية المتخصصة ، إلى  رئيس الدولة ( الملك )  لإصدار أمر تعيين قضاة المحكمة العليا ورئيسها ،  في سياق  فترات زمنية معينة ( محددة) ، قابلة للتجديد مرة أو أكثر،  في ظل تواصل الصلاحية و الأهلية  ،  وبشرط ألا يتجاوز عمر القاضي في المحكمة العليا أكثر من (75) سنة ........ وفي حالة خلو مقاعد المحكمة العليا ،  بسبب الوفاة ،  أو الاستقالة ،  أو الإقالة ، أو لعدم الصلاحية ،  يعوض البديل بالطريقة نفسها ،  بدءا  بالترشيحات ومروراً بالتصديق من مجلس النواب وانتهاء  بصدور الأمر الملكي بالتعيين.  

ط ـ أن يتضمن مشروع  قانون ( نظام ) القضاء مادة تلزم القضاة وأبنائهم وأسرهم بالإفصاح المالي عن أرصدتهم المالية وثرواتهم وممتلكاتهم وتقديم وثائق موثقة عنها مع التعيين،  وفي كل سنة طالما بقي القاضي على رأس العمل.

يبقى أن نقول أن الأساس السليم و الركائز الجوهرية لإصلاح حقيقي للنظام القضائي، أو غيرة من المجالات من مثل التعليم و الجامعات، و معالجات ضبط المال العام، ومحاربة   الفساد المالي و الإداري، و البطالة و الفقر و الجنوح نحو العنف و المخدرات و الجريمة المنظمة... و غيرها  ، يتطلب إصلاح هيكلي سياسي  دستوري في المقام الأول  . و هذا الإصلاح الهيكلي السياسي الدستوري ، يتطلب و  يستند إلى تبني و إصدار الدولة  لدستور مصوت عليه شعبيا  ، مؤصل على الشريعة و مرجعيتها ، و الالتزام به ممارسة  . أن الدستور هو العقد و التعاقد الاجتماعي بين المجتمع و السلطة، و يتضمن الوسائل و الآليات الحديثة لإدارة الدولة الحديثة، من اجل تحقيق العدالة و ضمان حماية الحقوق و الحريات و الكرامة الإنسانية، و ضمان توزيع الثروة و التنمية بشكل متكافئ بين كافة أبناء البلد إفرادا و جماعات و فئات و مناطق. إن الدستور و هو يتضمن آليات إقامة و تحقيق العدالة يتضمن فيما يتضمنه من و سائل و آليات و هياكل : آلية الفصل بين السلطات و صولا إلى حكومة دستورية ( بسلطة غير مطلقة ) بحيث يكون عليها ، سياسات و مسئولين ،  رقابة و محاسبة من سلطة  تشريعية ( النيابية ) منتخبة على نحو حر تمثل المجتمع ، و سلطة قضائية  مستقلة بتبني ، دستوريا و في قانون (نظام ) القضاء للمعايير الدولية لاستقال القضاء و الالتزام بها .  إن الدستور ، كذلك ،  يتضمن مدونة الحقوق و الحريات  و التي  على القضاء المستقل الالتزام بها ،  حماية و دفاعا ،  تجاه أي انتهاكات من أي جهة أو شخص مهما كان أو يكن  ، و ما يتضمنه ذلك من حق المواطنين من تشكيل  و عمل الجمعيات الأهلية  ( مؤسسات  المجتمع  الأهلي المدني  ) ، إذ هي في عملها و أداءها لوظائفها في الاحتساب على السلطات أو فيما بينها ( القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الشأن العام )  ، لا تحقق التوازن و الاستقرار في المجتمع فقط ، بل هي ، فوق ذلك و معه ،  داعم حقيقي  للقضاء  و استقلاله  و القضاة  و استقلالهم .

نخلص إلى القول ، إلى أن لا عدالة بدون سلطة قضائية مستقلة ، و لا سلطة قضائية  مستقلة بدون دستور مصوت عليه شعبيا ، ملتزم به في الممارسة ،  و متضمنا تلك الاليات و الوسائل و الهياكل و المعايير  الضامنة  لعمل و وجود تلك السلطة القضائية  الحقيقية المستقلة .

والله ولي التوفيق   

-------------------------------------------  *** متروك الفالح -كلية الانظمة و الغلوم السياسية-جامعة الملك سعود – الرياض ،،،، حرر بالرياض 28/4/2007م