faculty image HOME
KSU Faculty Member websites > محمد عبد الخالق محمد فضل > اختبارات اللغة في البرامج التقليدية والحديثة
Sign In
 

          اختبارات اللغة في البرامج التقليدية و الحديثة                                 

مقدمة:

يمكن القول إنه منذ منتصف القرن العشرين بدأ يشهد ميدان تعليم العربية للناطقين بلغات أخرى تطوراً ملحوظاً؛ وذلك بفتح المعاهد والمؤسسات المتخصصة سواءً في تعليم اللغة أو في إعداد معلمي اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى.

          وكان من المنطقي أن تكون البدايات في هذا المجال -كما هو في كل مجال- بدايات تتقدم في جوانب ويعتريها القصور في جوانب أخرى؛ فقد أصاب التطور المجالات النظرية (في علم اللغة) وطرق التدريس وإعداد المواد التعليمية إلى حد ما، لكن بقي القصور في جوانب أخرى كاستخدام الوسائل والتقنيات المعينة، ولعل أبرز جوانب القصور يكمن في قلة الأدوات، والاختبارات، والمقاييس والتقويم في جوانبه المتعددة (المادة التعليمية - تحصيل الطالب - المعلم - الطريقة).

          حدث تحول في عمليات التقييم والتقويم خلال السنوات القليلة الماضية؛ بحيث نلمس تركيزاً أكبر على أن تكون جزءاً متكاملاً من العملية المستمرة للتدريس وليست شيئاً يتم عمله عقب عملية التعليم لقياس ما قد تعلمه الطلاب فقط. ومن ثم أثريت المكتبة بمزيد من البحوث حول دور عملية التقييم في التدريس، وكذلك تغير مفهوم كثير من مدرسي اللغة عن مصطلحات مثل: دافعية الطلاب، والتعلم المعرفي، وصنع القرار ، وتغير كذلك مفهوم ما نعرفه عن أهمية عملية التقييم للتدريس الفعال. وعلى سبيل المثال توصلت البحوث إلى أن الماهرين من المدرسين يقيمون طلابهم باستمرار واضعين نصب أعينهم الأهداف التعليمية التي يتوخاها البرنامج، ويوجهون تدريسهم في ضوء هذه الأهداف. ومن النتائج المهمة الجديرة بالذكر، أنه قد وجد بأن عملية تقييم الطلاب لا توثق ما يعرفه الطلاب وما يمكن أن يؤدوه فحسب، لكنها أيضاً تؤثر في عملية التعلم وتوجهها. فالتقييم الذي يعزز التعلم، يكتسب أهمية مماثلة تماماً للتقييم الذي يوثق التعلم. وفي ضوء نتائج هذه البحوث ، طورت أغراض وطرق وأساليب (جديدة) لتقييم الطلاب.

          على الرغم من توافر الأبحاث والأعمال التي تتحدث عن نظريات القياس، وبناء الاختبارات، وتحليل بنود الاختبارات[1] (مثل  Anastasi, 1988أناستاسي) إلا أنه يندر وجود المعلومات التي تتناول التخطيط للاختبارات وتصميمها وحتى كتابة بنودها. ويقول بورمث Bormuth  أنه لاحظ بأن كثيراً من الذين يكتبون بنود الاختبارات، ليس لديهم إلا حدسهم كمهارة يعتمدون عليها في وضع بنودهم. وقد عهدنا كثيراً من المدرسين يضعون اختباراتهم كما عهدوها لدى أساتذتهم، وكأنها منزلة.

          يقول رشدي طعيمة في كتابه (نماذج من الاختبارات الموضوعية في اللغة العربية) "أثبتت الدراسات أن الثبات على الأساليب التقليدية في التقويم، والركون إلى الأنماط الشائعة من الاختبارات المقالية وحدها، والعجز عن وضع تصور متكامل لقياس مختلف أهداف منهج اللغة العربية عن الطلاب ... كل هذا كان كفيلاً بأن يحد من فعالية التقويم كبعد رئيسي من أبعاد المنهج، وكأداة رئيسة من أدوات التطوير".[2]

          وإن كان ذلك حال الاختبارات بصورة عامة، فإن ما يخص منها الاختبارات الموضوعية فمثير للدهشة، فقد استنتجت هالدينا وداوننج[3] بعد فحصهما الدقيق لـ 46 كتاباً من المكتبة المدرسية التي تعد حجة في الاختبارات، بأن المعرفة بالاختبارات الموضوعية، وخاصة الاختيار من متعدد، لا تبشر بالخير، ومع ذلك فإن استخدامها في اضطراد، مما يحتاج معه إلى مزيد من العناية أكثر مما هو معمول به حالياً. وإن ما كتب حالياً في هذه الكتب عن كيفية كتابة بنود الاختبار الفعالة لا يعدو أن يكون :"افعل ولا تفعل، وقل ولا تقل". لذا تجد أن كثيراً من عمل المدرسين في إعداد الاختبارات الموضوعية وبنائها يسير خبط عشواء ودون تخطيط لهذه البنود، ودون أن ترتبط في معظمها بالأهداف الموضوعة للمادة الدراسية، وبالتالي لا ترتبط عملية التقييم بالعملية التعليمية.

 

أولاً: الاختبارات في البرامج التقليدية

يؤكد ستريفنز على أن كثيراً من الاختبارات التقليدية "تُعد غير مناسبة وغير واقعية وغامضة وتفتقر كثيراً إلى الموضوعية؛ لأن كثيراً من مدرسي اللغات قد يقومون بتصميم اختباراتهم على نسق ما ورثوه من مدرسيهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتدقيق في مدى صلاحية ما تحت أيديهم من الاختبارات".[4]

وهناك عدة تساؤلات يجب على مدرس اللغة أن يجد الإجابة عنها قبل الشروع في إجراء الاختبار الذي يضعه حتى يصل إلى الهدف المنشود. وهذه الأسئلة هي[5]:

أ- ما الشيء المراد اختباره بالتحديد؟

ب- هل يقودني هذا الاختبار إلى ما أريد اختباره وقياسه؟

ج- هل يقيس هذا الاختبار ما درسه الدارسون حقيقة؟

د- هل أصل عن طريق هذا الاختبار إلى ما يعرفه الدارسون؟

هـ- كم من الوقت والجهد والمال والأشخاص يحتاج تطبيق هذا الاختبار؟

قد تبدو هذه الأسئلة سهلة في ظاهرها، إلا أن الإجابة عنها تستدعي على الأقل الإلمام بأيسر مبادئ القياس والتقييم والتقويم. ويجب على المدرس الذي يضع اختباراً صفياً أن يدرك دور الاختبار في العملية التعليمية ومساعدته للدارسين وذلك بتمكينهم من إبراز ما اكتسبوه من مهارات، أو تشخيص نقاط الضعف لديهم لعلاجها مستقبلاً. وهذا ما لم تكن تلبيه الاختبارات التقليدية المتمثلة في الإملاء التقليدي، والترجمة والتعبير الكتابي.

1- الإملاء

          كان اختبار الإملاء أكثر الأنواع استخداماً في البرامج التقليدية لقياس مدى إلمام الدارس باللغة الأجنبية؛ إذ كان بعض المدرسين يعدون اختبار الإملاء اختباراً صادقاً وشاملاً لقياس قدرة الدارس اللغوية العامة. ونحن لا نشكك في قيمة الإملاء، فهو أسلوب لا غبار عليه إذا استخدم بطريقة فعالة ولقياس عناصر معينة في اللغة ولكن ليس كل مهارات اللغة. فإذا قمنا بتحليل اختبار الإملاء، نجد أنه بالفعل صالح لأن يقيس بعض عناصر اللغة، ولكن من جهة أخرى نجد أنه يفتقر إلى أساس الصدق إذا ما طبق على اللغات التي توجد علاقة وثيقة بين نظامها الصوتي والكتابي. فمن السهل جداً على الدارس أن يكتب النص الإملائي بدقة متناهية دون أن يعير انتباهه إلى معنى العناصر التي تُملى عليه أو حتى المعنى العام للنص. أو قد يحدث العكس تماما؛ً إذ قد يفهم الدارس كل ما يُملى عليه لكن يصعب على ذاكرته أن تستوعب ما سمعته أو تحتفظ به لمدة طويلة حيث إن الذاكرة لها دور مهم في هذا الأمر. فبالملاحظة المتأنية للإملاء بشكله التقليدي يتضح لنا أنه يقيس جوانب قليلة جداً في اللغة؛ فهو أولاً ليس اختباراً للمفردات، لأن المفردات يقدمها المدرس الذي يملي. ثانياً إن الإملاء نادراً ما يختبر الإدراك السمعي للدارس، وبخاصة إذا كان من الممكن استنتاج بعض الأصوات أو مجموعة أصوات أو كلمات كاملة من السياق الكلي للجمل التي تُملى. ثالثاً فإنه لن يقيس قدرة الدارس على استيعاب الأصوات؛ لأنه لن يصعب عليه سماع الأصوات وإدراكها طالما أن الإملاء يُقرأ قراءة متأنية وبطيئة وهو أمر يُعد ضرورياً في الإملاء. صحيح أن التهجي وبعض الأمور المتعلقة بالجانب الآلي مثل علامات الترقيم والاختصار يمكن قياسها من خلال الإملاء، إلا أن عملية الإملاء المعقدة ليست وحدها المطلوبة لقياس التهجي والترقيم والاختصار؛ إذ توجد بلا شك أساليب أسهل يمكن أن تحل محل الإملاء بصورته التقليدية.

2- الترجمة

          كان للترجمة في البرامج التقليدية مكان الصدارة لقياس التحصيل العام للدارس في اللغة الأجنبية ولإعطاء الدرجات النهائية بعد الانتهاء من المقررات الدراسية. كما كانت تعد مقياساً للوصول إلى تحديد الكفاية اللغوية للدارس للانخراط في المعاهد والأقسام التي تعتمد الدراسة فيها على اللغات الأجنبية. ولا يزال الاعتماد عليها يجد عناية في البلدان التي لم تتقدم فيها علوم اللغة بعدُ. أما في البلدان التي تقدمت فيها علوم اللغة وأساليب القياس والتقويم ووسائلهما فإن القواعد والترجمة فقدا مواقعهما التقليدية من حيث الاعتماد عليهما بوصفهما وسيلتين شاملتين صادقتين للقياس والتقويم.

          والترجمة مقدرة تتطلب توافر مهارات خاصة وتخصصاً عالياً. وهي باعتبارها نشاطاً فهي لا تنمي مهارات أساسية مثل: الاستماع، والكلام، والقراءة، والكتابة. ولقد ذهب بعض علماء اللغة في آرائه مذهباً عد فيه الترجمة من المعوقات التي تقف عائقاً أمام تعلم اللغة الأجنبية تعلماً سليماً من منظور أن تعلم اللغات عند علماء اللغة المحدثين، يجب أن يُتحاشى فيه تأثير التداخل وتأثير لغة الدارس القومية في اللغة الهدف.

          واختبارات القواعد والترجمة بمفهومهما التقليدي غالباً ما يفتقدان الصدق؛ إذ إننا كثيراً ما نجد أن أشخاصاً يجيدون التحدث باللغة الأجنبية، لكنهم ليسوا بالضرورة أفضل من يعرف قواعد تلك اللغة نظرياً أو يجيد الترجمة منها أو إليها على الرغم من عدم إنكارنا بوجود ارتباط من نوع ما بين معرفة اللغة والقدرة على الترجمة. ومن ناحية أخرى يوجد أناس يحفظون قواعد اللغة ومتضلعون في الترجمة الكتابية، إلا أنهم ليسوا بالقدر نفسه من التضلع في التحدث باللغة الأجنبية. وفي كلتا الحالتين السابقتين نصل إلى حقيقة مهمة، هي أن حذق قواعد اللغة والقدرة على الترجمة، يختلفان اختلافاً بيناً عن القدرة على الكلام وكذلك العكس، فإن القدرة على الترجمة الشفوية لا تدل على حذق المترجم لمهارات القراءة والكتابة.

          وقد نجد أن بعض الأقسام في مراكز تعليم اللغات الأجنبية تضيف مقررات ذات مستوى عال ومتخصص في الترجمة، إلا أن النظرة إلى الترجمة في هذه الحالة تختلف عن النظرة السابقة، إذ إنهم في هذه الحالة ينظرون إلى الترجمة بمثابة نشاط إبداعي أو خلاق يعتمد في المقام الأول على معرفة أصول الترجمة بالإضافة إلى التمكن من اللغتين المصدر والهدف. ومن ثم فإننا نجد أن الاختبارات التي يجلس إليها الدارسون في هذه الأقسام اختبارات تحصيلية في الترجمة.

          واختبارات الترجمة، مثلها في ذلك مثل كثير من الاختبارات التقليدية، تخضع للذاتية عند تصحيحها. فليس من السهل على كثير من المصححين ضبط إعطاء الدرجات والتقييم؛ إذ كثيراً ما يواجه المصحح بأسئلة أساسية مثل: هل الترجمة الجيدة للنص هي التي يُراعى فيها الأسلوب ولب النص المترجم ومراعى في ذلك استخدام مصطلحات اللغة الأجنبية؟ أم أنها تلك الترجمة التي تكون قريبة من المعنى الحرفي للنص كلمة بكلمة؟

          ومن أجل ذلك فإن الدرجة التي تعطى للدارس في اختبار الترجمة تخضع -كثيراً- لمزاج المصحح وذوقه. ومن هنا يشير الكثيرون إلى أن اختبار الترجمة يتمتع بقدر كبير من عدم الثبات، وينشأ ذلك من جراء عدم ثبات الدرجات التي يعطيها المصححون، وبخاصة إذا استدعى الاختبار وجود عدد كبير من المصححين الذين يختلفون في تقديراتهم باختلاف خبراتهم ونظراتهم وأمزجتهم.

 

3- التعبير الكتابي (الإنشاء والمقال)

          إن تمكُّن الدارس من التعبير الكتابي باللغة الأجنبية، مهما كان ممتازاً، لا يعني بالضرورة أنه على الدرجة نفسها من التمكن من مهارات اللغة الأخرى والعكس صحيح. وإن كنا لا نتوقع من كل الناطقين بالعربية أن يعبروا بها كتابة تعبيراً جيداً خالياً من الأخطاء والعيوب، فإنه من الأولى ألا نتوقع ذلك من دارس العربية من غير أهلها، وإن كان قد أحرز تقدماً ملموساً في تحصيلها.

          إننا حين نستخدم التعبير وسيلة من وسائل القياس تواجهنا بعض الصعوبات، منها تحديد العناصر اللغوية التي يود واضع الاختبار قياسها في الكتابة الحرة؛ إذ إن الدارس يمكنه تحاشي كتابة ما يصعب عليه كتابته ويقوم بتسجيل أفكاره بعبارات يختارها هو بحيث لا يقع في الأخطاء التي يبحث عنها مدرس اللغة بهدف قياسها. وتواجهنا صعوبة أخرى وهي إيجاد طريقة لتقييم الأداء الحر للدارسين في الكتابة بطريقة تتصف بالثبات وسهولة التطبيق.

          من المعروف أن التعبير الكتابي صعب التصحيح ويستنفد وقتاً طويلاً، بالإضافة إلى افتقاره إلى عاملي الموضوعية والثبات. وللتدليل على ذلك يمكن عمل تجربة يسيرة، وذلك بتقديم بعض أوراق التعبير لعدد من المصححين دون أن يرى أي منهم الدرجة التي أعطاها الآخرون للموضوع نفسه، وستكون النتيجة أن نحصل على تقديرات مختلفة يكون المدى فيها واسعاً جداً. ومن هنا نقول إن أسئلة التعبير الكتابي (الإنشاء والمقال) لا تتصف بالثبات لأن تصحيحها يخضع للذاتية خضوعاً كبيراً. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا النوع من الأسئلة لا يزال شائعاً في الاختبارات الصفية بوصفه اختبارا للقدرات اللغوية لدى الدارسين بصورة عامة، مما يدل على أن كثيراً من المدرسين لم يتأثروا بالتيارات الجديدة لعلم اللغة ومعايير الاختبارات وبنقد رجالات التربية وضوابط القياس والتقويم. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه الاختبارات سهلة الإجراء ويمكن لمدرس الصف تفسير ما يصل إليه من نتائج بنفسه دون اللجوء إلى عمليات إحصائية معقدة كتلك التي تتطلبها الاختبارات الموضوعية.

 

 

          وقد وُجِّه للتعبير الكتابي المتخذ أسلوباً للاختبارات نقد كبير يمكن تلخيصه في الآتي:

أ) اختبار المقال يعطي الحرية للدارس في أن يقلل من التراكيب في جمله، وكذلك تقليل المسائل النحوية التي لا يحذقها. ولا يقف الحد عند التقليل، بل قد يتحاشاها ولا يستعمل سوى تلك الجمل والتراكيب التي يحذقها دون غيرها.

ب) تتصف بأنها مقاييس متأرجحة وأن تقديراتها ليست ثابتة؛ إذ كثيراً ما يختلف تقدير المصححين حول السؤال نفسه. وقد أجريت تجارب كثيرة على هذه الناحية، وخرج المجربون من كل هذه التجارب بحقيقة مفادها أن تصحيح التعبير الكتابي يعاني من تأثره الشديد بذاتية المصحح مما يقلل من موضوعيته وبالتالي يجعله وسيلة غير ثابتة للقياس.

ج) ويُعاب عليها أنها ليست اقتصادية من حيث إنها تستغرق وقتاً طويلاً في التصحيح وكذلك تحتاج إلى جهد أكبر، فهي -والحال هكذا- أكثر تكلفة في تصحيحها من الاختبارات الموضوعية المقننة؛ إذ إن الأخيرة زهيدة التكاليف لا يستغرق تصحيحها جهداً أو وقتاً طويلاً، وقد تتم عملية التصحيح إذا لزم الأمر عن طريق الآلة.

د) على نقيض أسئلة الاختبارات الموضوعية، نجد أن أسئلة المقال والإنشاء لا تغطي كل المقرر، وبذلك لا تتناول عينة واسعة ممثلة لموضوعات المنهج. فاختبار التعبير الكتابي يتكون من سؤال واحد تستغرق الإجابة عنه ساعة أو أكثر، أو ثلاثة أو أربعة أسئلة يختار منها الدارس سؤالين مثلا تستغرق الإجابة عنهما ساعتين أو أكثر، وفي ذلك قد تُحابي الأسئلة بعض الطلاب لأنهم استذكروها في حين لا يجيب عنها آخرون كانوا قد ركزوا على نقاط أخرى في المنهج وأتقنوها تماماً.

 

 

 

ثانياً: تطور الاختبارات 

يمكن تقسيم مراحل تطور الاختبارات منذ القدم إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى القديمة، والمرحلة الثانية هي المرحلة العلمية الأولى، والثالثة هي المرحلة العلمية الثانية التي يمثلها الاتجاه اللغوي النفسي والاجتماعي، والمرحلة الرابعة مرحلة التقويم البديل.

1- المرحلة القديمة

          في هذه المرحلة كانت الاختبارات تتسم بعدم الموضوعية، وعدم وضوح الرؤية وذلك لعدم تحديد الأهداف المرجوة من وراء الاختبار. وفي تلك المرحلة لم يكن هناك أي اهتمام يذكر بالعمليات الإحصائية في التصحيح والتقويم. كما كانت الاختبارات تفتقر إلى أهم ما يجعلها مقياساً صحيحاً؛ ونعني بذلك غياب بعض المفاهيم المهمة مثل الثبات، والصدق، والتمييز. فقد كانت اختبارات اللغة -على سبيل المثال- تُعنى في المقام الأول بأساليب الترجمة أو الكتابة الإنشائية أو السرد من الذاكرة (التسميع). وقد يختبر الدارسون في عناصر لا علاقة بين أجزائها؛ فعلى سبيل المثال، كان يطلب من الدارس الذي ينافس على وظائف الدولة في الصين القديمة أن يسجل على الورق كل الذي يعرفه من علوم وهو في حجرة مغلقة دون تحديد للزمن.

2- المرحلة العلمية الأولى

أما المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي أضفت على الاختبارات الصبغة العلمية؛ فقد دخل فيها إلى حقل تعليم اللغة خبراء في علم اللغة -خاصة التركيبيين- وخبراء في علم النفس وبتضافر جهود هؤلاء الخبراء أصبحت للاختبارات أطر معينة تصمم في ضوئها. كما قد أشار هؤلاء الخبراء إلى ضرورة تحديد الهدف والموضوع والزمن للمادة المراد اختبار الطلاب فيها. كل ذلك أدى إلى تطور ما يعرف الآن بالاختبارات الموضوعية، وقد كان للاختبارات التي تتكون بنودها من الاختيار من متعدد نصيب الأسد في الاختبارات الموضوعية. وكان أول من أدخل الطريقة الموضوعية بنتام عام 1872م لامتحان مرشحي الخدمة المدنية في الولايات المتحدة وليس رايس Rice الذي بدأ العمل بها عام 1895م.

لم يقف الحد عند ذلك بل أُدخلت أساليب إحصائية ومعادلات لقياس مدى ثبات الاختبارات وصدقها، كما استخدم التحليل التقابلي لتشخيص المشكلات التي تقابل دارس اللغة الهدف والتنبؤ بها على افتراض أن الصعوبات إنما تنشأ حينما يكون في اللغة الهدف ظواهر صوتية أو تركيبية ... إلخ لا توجد في لغة الدارس القومية، أو قد تكون موجودة إلا أن توزيعها يختلف بين اللغتين.

قد أثرى هذا الاتجاه حقل الاختبارات بمسميات محددة مثل: اختبارات الاستعداد، واختبارات التحصيل، واختبارات التشخيص، واختبارات الكفاية. وهذه الأنواع قد اصطلح على تسميتها باختبارات العناصر والمهارات المنفصلة. والاختبارات المقننة التي كان أول استخدام لها عام 1923م، تعد خير مثال لهذه الاختبارات.

3- المرحلة العلمية الثانية

          يمثل هذه المرحلة الاتجاه اللغوي النفسي والاجتماعي الذي يركز على شمولية الاختبار، كما يأخذ في الاعتبار اللغة بوصفها وسيلة للاتصال. فأصحاب علم اللغة النفسي يعتقدون بأن هناك ما يسمى بالكفاية اللغوية العامة؛ أي المقدرة اللغوية. ومن جانب آخر نجد أن أصحاب علم اللغة الاجتماعي يركزون على ما يسمى بالمقدرة الاتصالية. ولكي يعد مدرس اللغة اختباراً له قيمته يجب أن يضع في حسبانه كلا المفهومين السابقين للمقدرة اللغوية والمقدرة الاتصالية؛ فمن جانب يجب عليه أن يختبر -وبطريقة موضوعية- استيعاب طلابه للمفردات والأصوات والتراكيب في درس معين، وأن يحرص على اختبارهم ليعرف مدى تمكنهم ومقدرتهم من الاستفادة من هذه العناصر في عملية الاتصال. وفي هذه الحقبة ازدهرت الاختبارات معيارية المرجع بفضل التقدم التكنولوجي، تلتها في سبعينيات القرن العشرين الاختبارات محكية المرجع. ولما ظهر التأثير السلبي لهذه الاختبارات انبثق اتجاه جديد للتقييم والتقويم فيما يسمى بأساليب التقويم البديل.

4- التقويم البديل

          كان أول من أشار إلى الاختبارات محكية المرجع هو جليزر عام 1962م ، ولكنها ازدهرت في سبعينيات القرن العشرين، وانتشرت بسرعة كبيرة بين عامي 1975م و 1979م، وقد صممت هذه الاختبارات لقياس ما يسمى بالمهارات الأساسية في القراءة والفهم، والكتابة وتمت صياغتها صياغة سلوكية، وكانت تختلف اختلافاً بيناً عما يسمى بالاختبارات المقننة. لكن الانتشار الكبير لهذه الاختبارات أثر سلباً في توجه كثير من المؤسسات التعليمية؛ فقد بدأت تهتم بالحد الأدنى من الكفايات، وإغفال المهارات المعرفية العليا؛ مما حدا بالتربويين بمناداة هذه المؤسسات إلى تحديد وصياغة مستويات للتعلم Learning Standards وموازاة عمليتي التقييم والتقويم بهذه المستويات.

          ومع منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، ظهرت حركة تنادي بإصلاح المناهج، وكذلك بما سمي فيما بعد بالتقويم البديل. "ورأت هذه الحركة ضرورة تدريس وتقويم مهارات الكتابة، والتفكير الناقد، وتطبيق المعلومات، وحل المشكلات، وليس الاقتصار على معرفة الحقائق، واختزان المعلومات، ورأت كذلك ضرورة تقييم الأداء القائم على معايير Standards متفق عليها، بدلاً من الاستناد إلى معايير الجماعة التي يقارن فيها أداء الطالب بأداء زملائه".[6] وأصبحت كثير من المؤسسات التعليمية في الدول المتقدمة تتبنى عمليات التقويم البديل القائم على الأداء؛ مثل: ملفات الأعمال Portfolios في مهارات الكتابة وغيرها، وكذلك أوراق ملاحظة نمو المهارات اللغوية والسجلات التي يعدها المعلمون. ومجمل القول في هذا الشأن أن العمليات الاختبارية تعيش في مفترق الطرق بين الاختبارات التحصيلية المقننة والتقويم البديل الذي تعتمد سجلات التحصيل فيه على تحديد واضح للمستويات والأهداف التعليمية التي يتحمل الطالب جزءاً من المسؤولية في تحقيقها. وقد فصلنا القول عما أجمل هنا في (خامساً) تحت عنوان التقويم البديل.

 

ثالثاً: علاقة الاختبارات بالأهداف في برامج اللغة

          إذا كانت العملية التعليمية تسير وفق أهداف ينشد البرنامج تحقيقها، فإن معرفة ما إذا كانت هذه الأهداف قد تحققت كلياً أو جزئياً أو لم يتحقق منها شيء، فإن ذلك لا يتم إلا عبر أدوات القياس وعلى رأسها الاختبارات. وهذه الاختبارات لا يمكنها بحال أن تتحقق من بلوغ هذه الأهداف إلا إذا كانت هي نفسها قد خطط لها ووضعت أهداف البرنامج في حسبانها. ومن هذا المنظور يمكن أن نقول بأن العملية التعليمية تتضمن ثلاث خطوات أساسية[7]:

أ- تحديد ما سيتعلمه الطالب؛ وهذه الخطوة تمد كلا من المعلم والمتعلم بمعلومات عن السلوك الذي ينشدانه. هذه المعلومات هي التي تقود جهود المعلم في التعليم وتمده بالمعيار الذي من خلاله يستطيع أن يقرر ما إذا كان طلابه قد تعلموا التغيير المرغوب فيه.

ب- تنفيذ عملية التعليم الحقيقة؛ وهذه الخطوة تعتبر قلب العملية التعليمية ذاتها.

ج- تقييم السلوك المتعلَّم؛ فمعرفة ما إذا كان التعلم قد حدث فعلاً، يعد أمراً جوهرياً أساسياً؛ حيث من خلال هذا التقييم، يقف كل من المعلم والمتعلم على ما إذا كان التغيير المرغوب فيه قد حدث أم لا. وهذا ما نفهمه من معنى التقييم والتقويم فهو "تحديد قيمة معينة لشيء معين أو حدث معين. وهو عملية طبيعية وحيوية للأفراد والجماعات، ويهدف إلى الكشف عن الأساليب التي يمكن اتباعها لتوجيه خبراتهم نحو الأهداف"[8].

          وفي ضوء التعريف السابق، يتضح أن عملية التقويم عملية ليست بالسهلة، وهي تحتوي على الكثير من الخطوات التي ينبغي أن يمر عليها التقويم؛ وهي:

1-           تحديد الأهداف من عملية التقويم.

2-           الإعداد والتخطيط.

3-           تحديد المواقف التي تؤخذ منها معلومات تقريبية متصلة بالأهداف ووضع جدول بمواصفاتها.

4-           تحديد الكم من المعلومات التي يحتاج إليها.

5-           تصميم أدوات القياس، واقتراح أساليبها.

6-           تحديد شكل الاختبار وموضوعيته.

7-           كتابة بنود الاختبار وتعليماته.

8-           تطبيق الاختبار.

9-           تصحيح الاختبار.

10-      جمع البيانات التي حددت في رقم (3).

11-      تحليل البيانات بالطرق الإحصائية المعروفة.

12-      إصدار القرارات التي تُقَّوم فيها العملية التعليمية اعتماداً على النتائج التي تم التوصل إليها في رقم (11) أعلاه.

ما أهمية تحديد الأهداف؟

          يجمع أكثر الباحثين على أن أول خطوة في عملية التقويم تبدأ بتحديد الأهداف المنشودة من وراء تطبيق عملية التقويم، والهدف عند ميجرهو "إيصال ما نقصد إليه، وذلك بصياغة تصف التغير المطلوب لدى المتعلم؛ صياغةً تبين ما الذي سيكون عليه المتعلم حيث يكون قد أتم بنجاح خبرة التعليم. إنه وصف لنمط السلوك أو الأداء الذي نريد أن يقدر المتعلم على بيانه"[9]. وحيث إن "ما نقصد إليه" هو الأهداف، فينبغي الانطلاق منها إذ إن الانطلاق منها يخدم عدة أغراض؛ من بينها:

(أ) أن هذه الأهداف تجعل عمل مدرس اللغة أكثر يسراً، سواءً في أثناء تدريسه أو بعده، أو حين يكتب بنود اختباراته الموضوعية أو الذاتية. وتشير بعض الدراسات في مجال القياس والتقويم بأن "صياغة الأهداف بدقة، أمر بالغ التعقيد، وأن ذلك يستغرق وقتاً ليس بالقصير، ولكن الوقت المستغرق في التخطيط والتنظيم لها، سيوفر وقتاً أطول -فيما بعد- مما لو انطلق واضع الاختبار من لا شيء؛ ففي الحالة الأخيرة، سيجد نفسه يخبط خبط عشواء، وسيستغرق وقتاً أطول مما كان سيقضيه في عمليتي التخطيط والتنظيم. ووضع الأهداف التعليمية نصب أعيننا في أثناء كتابة اختباراتنا، يقلل من التخبط الذي سيعترينا في أثناء عمليتي التعليم والتقويم، ومن ثم يعرف كل منا إلى أين يتجه، ومتى سيصل إلى وجهته؛ وتكون النتيجة مزيداً من الفاعلية وكفاية في التدريس والتعلم"[10].

(ب) تساعد هذه الأهداف في توجيه العملية التعليمية؛ فإذا عدنا إلى الخطوات الثلاث التي أشار إليها نيتكو سابقاً؛ سنجد أن العملية التعليمية تسير في شكل دائري؛ فالمعلومات التي يُحصل عليه من الخطوة الثالثة، تستخدم لتحديد القدر الباقي مما يجب تعلمه في الخطوة الأولى، ومن ثم يتواصل العمل العلاجي أو التسديدي لما هو في الخطة الثانية.

(ج) تساعد المعلمين ومصممي المناهج على جعل أهدافهم التربوية واضحة.

(د) تعرف الطلاب، وأولياء الأمور، وبقية المعلمين، والإدارة المدرسية والجمهور بفحوى / أو الأغراض التعلمية.

(هـ) تمدنا بأسس قوية لتحليل ما نقوم بتدريسه وبناء السلوك التعليمي.

(و) تصف الأداءات المحددة التي يمكن أن يقيِّم المدرس مدى نجاح عملية التدريس من خلالها.

(ز) تنقل للطلاب أنواع السلوك المتوقع منهم تعلمه أو أداؤه.

(ح) تساعد المعلمين على تقييم كل من الخطوات والأهداف التعليمية ومراجعتهما.

(ط) توفر التغذية الراجعة لبرنامج تعليم اللغة سواء في أثناء التخطيط للمنهج أو تنفيذه، لتصحيح مسار عملية التعلم والتعليم أولاً بأول.

          مما سبق، نخلص إلى أن هناك علاقة نظامية بين التقويم والأهداف، وهي علاقة مستمرة ومتبادلة، يتضح منها أمران:

1-           الأهداف التعليمية تعدُّ المحددَ الرئيس لمجال التقويم وأنواعه وأساليبه.

2-          

أهداف متطورة

يؤثر التقويم ونتائجه في تحديد الأهداف التعليمية، كما يصور ذلك رشدي لبيب في الشكل التالي[11]:

تحديد الأساليب والوسائل

تحديد المحتوى

أهداف

تنفيذ المنهج مع التقويم المستمر

تقويم في نهاية المنهج

تغذية مرتجعة مستمرة لتصحيح المصادر

 

 

 

 

 

 


تغذية راجعة

شكل رقم (3) العلاقة بين التقويم والأهداف

لمعرفة ما إذا كانت بنود الاختبار تتماشى مع الأهداف الموضوعة في برنامج اللغة، فهناك قاعدة واحدة رئيسية ينبغي وضعها في الأذهان: يجب أن تتواءم نواتج التعلم وشروطه المحددة في سؤال الاختبار مع نواتج التعلم والشروط الواردة في الهدف.

          ولكن كيف يتسنى لمعلم اللغة أن يتحقق من مواءمة النتائج المرجوة من الاختبار مع نواتج التعلم؟ وضع كوبسزين قائمة من ثلاثة محاور للتحقق من الأهداف المصوغة كتابياً:

 

1- هل تتألف الأهداف من النواتج التعلمية فقط، وليس من الأنشطة التعلمية؟  

(أ) إذا كانت الإجابة بنعم، فانتقل إلى الخطوة رقم (2)

(ب) وإذا كانت الإجابة لا، استبعد الأنشطة التعلمية، أو استبدلها بنواتج تعلُّمية.                        

2- هل صيغت نواتج التعلم في مصطلحات واضحة يمكن ملاحظتها؟                                      

(أ) إذا كانت الإجابة بنعم، فانتقل إلى الخطوة رقم (3)

(ب) إذا كانت الإجابة لا، استبدل النواتج الغامضة بمؤشرات على النواتج؛ وهذا يحتاج إلى أهداف أكثر تحديداً.

3- الآن وقد صار لديك قائمة واضحة من أهداف التعلم سل نفسك:

هل هي أيسر الطرق وأكثرها مباشرة لقياس نواتج التعلم؟                                                   

(أ) إذا كانت الإجابة بنعم، يكون لديك بذلك قائمة بالأهداف التعليمية التي تكون بمثابة الأساس لاختبار صادق المحتوى.

(ب) إذا كانت الإجابة لا، أعد كتابة أساليب القياس غير المباشرة أو المعقدة لتكون في أيسر صورة ممكنة، وحالما تكون قد فعلت ذلك، يكون لديك الأساس المتين لاختبار صادق المحتوى.                       

نعم       لا

 

نعم       لا

 

 

نعم       لا

 

 

جدول رقم (2) كيف نتحقق من مواءمة الأهداف الموضوعة في الاختبار مع نواتج التَّعلُّم.[12]

 

يتضح من الجدول أعلاه، أن نواتج التعلم التي يقيسها الاختبار، ينبغي أن تعكس -بأمانة- الأهداف التعليمية. وهكذا فإن أول عمل ينبغي الاهتمام به هو تحديد هذه الأهداف التعليمية، ثم التحقق بأنها قد صيغت في عبارات يسهل فهمها ووضع البنود في ضوئها. إلا أن هذا الكلام سهل القول، صعب التنفيذ. ويكون الأمر أكثر صعوبة إذا لم تكن هناك أهداف تعليمية واضحة محددة المعالم منصوص عليها، وهذا ما تكون عليه الحال في أغلب الأحايين. ولعل أفضل ما يفيد ويعطي صورة متكاملة للتعرف على هذا الأمر هو الاطلاع على ما يسمى في أدبيات التربية "تصنيف الأهداف التربوية" ومثال على ذلك تصنيف بلوم وآخرين 1956م المتأثر بالنظرية السلوكية التي سادت في خمسينيات القرن الماضي. وقد قسمت فيها الأهداف إلى معرفية ووجدانية ونفس حركية.

          صنف بلوم الأهداف التربوية في ستة أقسام رئيسة هي: المعرفة (التذكر)، الفهم، التطبيق، التحليل، التركيب، التقويم. وقسم كلاًّ منها إلى أقسام فرعية.  وقد بينت الدراسات التربوية التحليلية التي بحثت في المستويات الهرمية لهذا التصنيف أنه يركز على الأهداف التي تنتمي إلى القسم الأدنى المتعلق بالمعرفة على الرغم من أن الأهداف التي تليه هي أكثر ضرورة لأنها أهداف عليا ينبغي تضمينها في تصميم المناهج وإعداد الاختبارات.

          في عام 2001 قام كراثول ومعاونوه بتعديل تصنيف بلوم في كتاب بعنوان "تصنيف للتعلم، والتدريس والتقويم: مراجعة". وأهم عناصر هذا التعديل يمكن تلخيصها فيما يلي:[13]

1-     تحويل التصنيف من بعد أحادي إلى بعدين؛ بحيث يشكل الاسم أساساً لبعد "المعرفة" Knowledge، ويشكل الفعل أساس بعد العملية المعرفية Cognitive Process بعد ما كان الاسم والفعل في تصنيف بلوم يعدان بعداً واحداً؛ فكانت عبارات الأهداف تبدأ بفعل يشير إلى العملية المعرفية، وجملة اسمية تشير إلى المحتوى التعليمي.

2-     توسيع أقسام بعد "المعرفة". فبعد أن كان تصنيف بلوم يحتوي على ثلاثة أقسام فرعية (أ) معرفة المصطلحات والحقائق النوعية، (ب) ومعرفة طرق وأساليب التعامل معها (ج) ومعرفة العموميات والتجريدات في مجال معين. وقد حدَّث كراثول وزملاؤه هذا البعد وفقاً للتطورات التي حدثت في علم النفس المعرفي، وأضافوا إليه قسماً رابعاً هو المعرفة الدينامية Dynamic Knowledge.

3-     إجراء بعض التعديلات في بعد "العملية المعرفية". وأجري بعض التعديلات على مسميات ثلاثة أقسام منها؛ فاستبدلت كلمة معرفة Knowledge بالفعل يتذكر remember، واستبدلت كلمة فهم (استيعاب) Comprehension بالفعل يفهم Understand، وكذلك استبدلت كلمات: التطبيق، والتحليل، والتقويم، والتركيب بالأفعال: يطبق، يحلل، يقوم، يبدع.

وتعديل كراثول وزملاؤه أحدث ثورة كبيرة في مجال التربية والتقويم؛ حيث إنه ينطلق من إطار مرجعه التطورات التي حدثت في علم النفس المعرفي. وما من شك فإن الثورة الجديدة الآن في التحول من ثقافة الاختبار إلى ثقافة التقويم البديل تنهل من التصنيف الجديد لكراثول خاصة في المجال السادس (الإبداع) الذي حل محل التركيب. والتصنيف بمستوياته الستة هرمي الترتيب أيضاً، ويركز على المستويات الفرعية للعمليات المعرفية، وأصبح عددها 19 عملية كما هو موضح في الشكل التالي:


 

                                                                           

                           بنية بُعد "العملية المعرفية"[14]

التذكر

Remember

الفهم

Understand

 

التقويم

Evaluate         

التحليل

Analyze

التطبيق

Apply

الإبداع

Create

 

 التعرف     الاستدعاء

 التنفيذ           الإجراء

 التحقق            النقد

 

 

 

 

 

 

 


                            

 التفسير         التمثيل    التصنيف

 التمييز          التنظيم         عزو الأسباب

    التوليد        التخطيط      الإنتاج

 التلخيص   الاستدلال    المقارنة      التوضيح

 

 

 

 

 

 

 


شكل (4) يوضح الأقسام الرئيسة والفرعية لبُعد العملية المعرفية

إعداد جداول المواصفات

          بعد أن تحدد نواتج التعلم، وتوصف محتويات المادة التي ستدرس في برنامج اللغة، ينبغي إعداد قائمة أو جدول بالمواصفات، وهذه القائمة تربط النواتج بالمحتوى وتشير إلى الوزن أو الثقل النسبي الذي يعطى لمختلف الجوانب في المادة. والهدف من هذه القائمة هو أن تزودنا بمزيد من التأكد بأن الاختبار سوف يقيس عينة من شأنها أن تكون ممثلة لنواتج التعلم وموضوعات المادة المقيسة.    وتأتي أهمية مثل هذا الجدول من أنه:

1-             يزودنا بحكم دقيق نسبياً على مدى صلاحية الاختبار.

2-             يزودنا بحكم دقيق نسبياً لمدى تحصيل الطلاب.

3-             يزودنا بدليل ومرشد واضح لقياس الأهداف المنشودة.

هذا الجدول ثنائي الأبعاد، يمثل البعد الأفقي منه موضوعات المحتوى التي يتناولها الاختبار، ويمثل البعد الرأسي الأهداف. ويقوم المعلم -معد الاختبار- بتقدير النسبة المئوية (الوزن الاعتباري) لكل موضوع في خانة المحتويات وفق الثقل الذي يمثله في المنهج المقرر. ويستفاد من هذه النسب من وجهين:

(أ) تحديد عدد بنود المحتوى المرتبطة بالصيغ السلوكية المخصصة لكل مستوى من مستويات الأهداف.

(ب) تحديد عدد البنود التي يجب أن تخصص لكل موضوع من موضوعات المحتوى في كل مستوى من مستويات الأهداف من بنود الاختبار ككل.

ولنضرب مثلاً ميسراً لمعلم في برنامج اللغة أراد أن يضع جدولاً للمواصفات ليساعده في اختبار القواعد، ورأى أن يقيس بعض الأهداف الموضحة من منظومة الأهداف: الفهم-التطبيق -التحليل، فقام بتوزيع الموضوعات في ست مجموعات في مجالي الأسماء والأفعال كالتالي:

1-             مجموعة الأسماء المبنية.

2-             مجموعة الأسماء المعربة.

3-             مجموعة الأسماء الممنوعة من الصرف.

4-             مجموعة الأفعال المبنية.

5-             مجموعة الأفعال المعربة.

6-             مجموعة الأفعال المعتلة.

    المحتوى

الهدف

الاسم المبني

الاسم المعرب

الممنوع من الصرف

الفعل المبني

الفعل المعرب

الفعل المعتل

المجموع

الفهم

6

4

4

2

2

4

22

التطبيق

6

8

6

4

8

6

38

التحليل

10

12

6

4

4

4

40

المجموع

22

24

16

10

14

14

100

جدول رقم (3) نموذج لقائمة بمواصفات اختبار في قواعد اللغة العربية

 

رابعاً: أنواع التقويم والاختبارات ووظائفهما في برامج تعليم اللغات

(1) أنواع التقويم

          تتنوع أشكال التقويم بتنوع الأطر الفكرية للتقويم التربوي. وقد أحصى خبراء القياس والتقويم عدة أنواع كل وفق المداخل المختلفة التي توجه السياسات والممارسات التربوية المنشودة. وكلها تنطلق من ثلاثة مداخل أساسية وردت في ثنايا هذه الدراسة وهي: المدخل السيكومتري (التقليدي)، والمدخل السياقي الذي جاء رد فعلٍ مناقض للمدخل السيكومتري، ثم المدخل التفريدي الذي هو امتداد للمدخل السياقي، والذي يكتسب أنصاراً يوماً بعد يوم منذ مطلع القرن الحالي.

          ولأن برامج تعليم اللغات متنوعة ولكل منها أهدافه وخصائصه، تنوعت كذلك أساليب التقييم والتقويم، وكثرت الأسماء التي أطلقت عليه بتعدد هذه الأهداف واختلاف المواقف. وقد أدى خبراء التقويم واجتهاداتهم إلى تداخل أنواع التقييم  والتقويم والاختبارات بعضها في بعض؛ فهناك من قسم أنواع التقييم والتقويم حسب وقت إجرائه، وهناك من نظر إليه من حيث شموله، أو المعلومات والبيانات التي ينشدها، أو بحسب معالجة هذه البيانات، أو بحسب المكان أو امتداده.

1- التقويم حسب وقت إجرائه: وينقسم إلى:

         ‌أ-        تقييم وتقويم تمهيدي (تحليلي)؛ يكون في بداية العام أو الفصل الدراسي، ويساعد القائمين على البرنامج في اتخاذ بعض القرارات عند بدء البرنامج الدراسي.

      ‌ب-      تقييم وتقويم تكويني وتشخيصي؛ ويكون في أثناء تنفيذ البرنامج، ويساعد القائمين على البرنامج في اتخاذ قرارات علاجية فورية خلال سير برنامج اللغة.

       ‌ج-      تقييم وتقويم تتبعي؛ وهو تقويم مستمر تتابع فيه المشاريع التي يكلَّف بها المتعلمون خلال مدة زمنية يحددها البرنامج.

        ‌د-        تقييم وتقويم تطويري؛ وهو تقويم ينفذ على فترات زمنية يحددها القائمون على برامج اللغة بهدف تطوير المناهج التي تتبناها هذه البرامج في ضوء التغذية الراجعة من نتائج الاختبارات.

2- التقويم حسب الشمول؛ فهناك التقويم الكلي أو المكبر، وهناك التقويم الجزئي أو المصغر؛ فالكلي تقويم يشمل جميع طلاب البرنامج اللغوي الواحد أو البرامج المتعددة ذات الأهداف والمناهج الموحدة. أما الجزئي فيكون تقويماً لفرع من فروع مادة ما في برنامج اللغة كالقراءة الموسعة أو التراكيب اللغوية على سبيل المثال.

3- التقييم والتقويم حسب المعلومات أو البيانات؛ فهناك تقويم كمي، وتقويم كيفي؛ فالتقويم الكمي يرصد من خلاله الجزء الذي أنجز من مقررات أو موضوعات المنهج، أما التقويم الكيفي فيرصد مظاهر الضعف والقوة لدى الدارسين في فروع اللغة العربية المختلفة لعلاجها فردياً أو جماعياً.

4- تقييم وتقويم بحسب معالجة البيانات؛ فهناك تقويم وصفي، وتقويم مقارن، وتقويم تحليلي.

5- تقييم وتقويم بحسب المكان؛ ويندرج تحته نوعان: فهناك تقويم داخلي يكون داخل المؤسسة التعليمية إعداداً وإجراءً وتنفيذاً، وهناك تقويم خارجي، يكون دور المؤسسة التعليمية فيه دوراً هامشياً.

6- وتقويم بحسب امتداد المكان؛ فهناك تقويم واسع global وتقويم محلي local.

7- وهناك تقويم بحسب الموقف من الأهداف؛ فهناك تقويم يعتمد على أهداف، وهناك تقويم متحرر من الأهداف، وتقويم تجريبي يستخدم لقياس مدى صلاحية منهج ما في برنامج تعليم اللغات.

8- وهناك تقويم بحسب الفلسفة؛ ويقسم إلى تقليدي وآخر متطور أو إجرائي.

9- تقويم بحسب اختلاف النظام المرجعي Reference System الذي يبنى عليه تفسير النتائج التي نحصل عليها باستخدام أدوات القياس المختلفة، وهي ثلاثة أقسام:

         ‌أ-        تقييم معياري المرجع؛ ووظيفته "تقدير مستوى الأداء العام للدارس مقارنة بأداء زملائه؛ فأداء الزملاء هو معيار المقارنة.

   ‌ب-   تقييم محكي المرجع؛ ووظيفته موازنة أداء الطالب بمستويات أداء (محكات) تمثل الحد الأدنى من الإتقان اللازم تحقيقه دون حاجة إلى موازنة أدائه بأداء زملائه الآخرين"[15].

   ‌ج-   "تقييم السمات الكامنة؛ وهو تقويم يهدف إلى تحديد العلاقة بين أداء الطالب في اختبار معين، وهو ما يمكن ملاحظته ملاحظة مباشرة، والسمات أو القدرات التي تكمن وراء هذا الأداء وتفسره".[16]

10- تقييم بحسب مشاركة الطلاب؛ وينقسم إلى نوعين:

         ‌أ-        تقييم ذاتي Self-Assessment، ويعتبر جزءاً من التقويم البديل، ويقوم فيه الطالب بنقد نفسه بنفسه.

   ‌ب-   تقييم الأقران أو الأنداد Peer Assessment وهو مثل التقييم الذاتي من أساليب التقويم البديل، ويتم من خلال قيام كل طالب بتقييم أعمال زملائه. والهدف من كلا النوعين تحقيق الأهداف التالية:[17]

1-           زيادة استقلالية الطالب.

2-           فهم الطالب للمادة الدراسية فهماً متعمقاً.

3-           تحويل الطالب من متلقٍّ سلبي إلى مقيِّم.

4-           جعل الطالب قادراً على نقد أعماله بنفسه.

5-           توضيح مفهوم الذاتية وإصدار الأحكام للطالب.

11- تقويم بحسب التخطيط، وينقسم إلى تقويم نظامي وتقييم غير نظامي، فالتقويم النظامي هو التقويم الذي يخطط له مسبقاً، ويكون لغرض محدد. أما التقييم غير النظامي فلا يخطط له، ويقوم على الملاحظة التلقائية لكيفية سلوك الطلاب في أثناء تنفيذ برنامج اللغة.

 

ثانياً: أنواع الاختبارات

          تعد الاختبارات الوسيلة الأشهر والأكثر شيوعاً من بين أساليب التقييم والتقويم، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة، ويمكن أن تتحقق هذه الاختبارات في إحدى صور أربع:

         ‌أ-        شفوية.

      ‌ب-      كتابية - قرطاسية (ورقة وقلم).

       ‌ج-      أدائية - عملية.

        ‌د-        اختبارات محوسبة.

"وللاختبارات أهمية خاصة في برامج تعليم اللغات الأجنبية، بما في ذلك برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، بل إن اختبارات اللغة هي الوسيلة الوحيدة لتقويم كفاية المتعلم وتحصيله في كثير من هذه البرامج"[18].

          واختبارات اللغة كثيرة متنوعة، وتختلف باختلاف الهدف من تطبيقها. وأهم هذه الأنواع يمكن تصنيفها في التالي:

1-           حسب الجهة التي تعد الاختبار، وتقسم إلى قسمين:

                                           ‌أ-        اختبارات مقننة؛ تعدها جهات متخصصة في القياس والتقويم ويكون بعضها تجارياً.

                                        ‌ب-      اختبارات المعلم؛ وهي اختبارات يعدها المعلمون وغالباً ما تمثلها الاختبارات الصفية ولا تتوافر فيها صفة التقنين.

2-           حسب نوعية المعايير المستخدمة في التحليل والتفسير، وتنقسم بدورها إلى قسمين:

                                           ‌أ-        اختبارات معايير المستوى النسبي أو المعدل العام؛ وتمثلها الاختبارات معيارية المرجع.

                                        ‌ب-      اختبارات معايير المستوى المطلق؛ وتمثلها الاختبارات محكية المرجع.

3-           حسب متطلبات تنفيذها والإجابة عنها، وتكون كما ألمحنا سابقاً: (أ) شفوية (ب) كتابية (ج) أدائية - عملية.

4-           حسب عدد المفحوصين؛ وتنقسم إلى قسمين:

                                           ‌أ-        اختبارات فردية؛ وهي تسمح بقدر أكبر من التفاعل بين المفحوص (الطالب) والفاحص (المدرس).

                ‌ب-   اختبارات جماعية؛ وتطبق على مجموعة كبيرة من المفحوصين لأسباب اقتصادية وغيرها؛ "ويمكن استخدام الاختبارات التي صممت للجماعة لتطبق على الأفراد، ومن النادر عمل العكس"[19].

5-           حسب الوقت أو المرحلة الزمنية التي يجرى فيها الاختبار، وتقسم إلى ثلاثة أقسام:

                                           ‌أ-        اختبارات قبل أو عند بدء برنامج اللغة؛ مثل: الاختبارات القبلية، واختبارات تحديد المستوى.

                                        ‌ب-      أثناء تنفيذ البرنامج؛ مثل الاختبارات التكوينية والتشخيصية.

                                         ‌ج-      عند الانتهاء من برنامج تعليم اللغة أو إحدى وحداته، وتسمى الاختبارات الختامية أو النهائية.

6-     حسب الأهداف المرجوة منها؛ وتنقسم بدورها إلى سبعة أنواع، ويدخل بعضها ضمن ما ذكرناه سابقاً مثل: تحديد المستوى، والتشخيص:

                                           ‌أ-        اختبارات تشخيصية، وتغذية راجعة.

                ‌ب-   اختبارات القوة، واختبارات السرعة. وفي كثير من الأحيان يجمع النوع الواحد بين القوة والسرعة، ومن ملاحظاتنا فإن كثيراً من الاختبارات تكون خليطاً بينهما في نظر الطالب حتى وإن كان هدف واضع الاختبار هو القوة.

                 ‌ج-   اختبارات التصفية والاختيار؛ وتجرى عندما يكون عدد المتقدمين للبرنامج أكثر مما هو مسموح به لاختيار الأفضل فالأفضل.

                 ‌د-   اختبارات الاستعداد اللغوي؛ وتصمم بهدف قياس الأداء المحتمل لدارس اللغة الأجنبية حتى قبل أن يشرع في تعلمها.

                 ‌ه-   اختبارات التحصيل؛ وتصمم بهدف قياس ما يكون قد درسه الطلاب في برنامج اللغة خلال فترة دراسية (قصيرة أو طويلة) فهي مرتبطة بالمقرر الذي يدرس.

                 ‌و-   اختبار الكفاية اللغوية، ويصمم بهدف قياس مهارات عامة في اللغة، وفق المواقف التي يحتمل أن يستخدم فيها الطالب اللغة مستقبلاً. وهو لا يرتبط بمنهج معين.

                                          ‌ز-        حسب طريقة ودقة التصحيح؛ وتنقسم إلى نوعين:

                                                          ‌أ-       ذاتية؛ تدخل فيها عوامل التقدير الذاتي للشخص الذي يصحح من قبيل: 1) خطأ الهالة 2) والخطأ الثابت.

                      ‌ب-  موضوعية؛ وهي على النقيض من الاختبارات الذاتية، ويتميز هذا النوع بارتفاع مستوى الصدق والثبات والتمييز. وله كثير من المزايا، وأيضاً كثير من العيوب، وسنتناول كل ذلك في الجزء الخاص بالاختبارات الموضوعية.

7-           حسب المدى الذي تغطيه؛ وتنقسم إلى قسمين:

                 ‌أ-    اختبارات العناصر والمهارات المنفصلة؛ مثل اختبارات المفردات، والتراكيب النحوية، والأصوات، وفهم المسموع، وفهم المقروء ... وغير ذلك.

                ‌ب-   الاختبارات التكاملية؛ وهي تمثل الاتجاه الجديد من التقويم البديل متعدد الأبعاد الذي يسهم في تكامل عمليتي التقويم والتعليم في برامج تعليم اللغات، وهذا ما نتحدث عنه في السطور التالية.

 

 

 

خامساً: التقويم البديل

          حدث تحول جذري في المداخل التي يستند إليها التقويم منذ أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، وأخذ مفهوم التقويم البديل يشق طريقه بقوة مستهدياً -فيما بعد- بما يسمى بالنموذج السياقي Contextual Paradigm وهو نموذج وضع كرد فعل للنموذج السيكومتري والاختبارات المقننة التي تستهدي به.

          يعود الفضل إلى هارولد بيرلاك H. Berlak في تبني هذا النموذج؛ فهو أول من قدم هذا النموذج عام 1992م ليكون بديلاً للنموذج السيكومتري مستنداً في ذلك إلى الإطار الفكري التالي[20]:

1-     إن فهم عملية التقويم يتطلب وضعها في سياق فهم عملية التعليم والتعلم، فالتقويم من هذا المنظور لا يعد جزءاً منفصلاً عن البرنامج التعليمي.

2-     عملية التقويم ليست مقننة، وإنما تكون ذات حساسية للمنهج والمحتوى الذي أتيحت للطالب فرصة كافية لتعلمه، ويكون له فائدة وظيفية في حياته خارج المدرسة أو المعهد.

3-     لا تقتصر العملية الاختبارية على صيغ بنود الاختيار من متعدد، وإنما يمكن أن تشتمل على أسئلة مفتوحة، ومشكلات، ومهام يتم تقييمها بطرق ذاتية.

4-     يختبر الطلاب في مواقف طبيعية مألوفة في صفوفهم المدرسية؛ حيث يكون سياق التعلم مماثلاً لسياق التقييم والعمليات الاختبارية.

5-           يشجَّع المعلمون على استخدام أحكامهم المهنية في تقييم جهود طلابهم.

6-           تمنح فرص كافية للطلبة لتقييم أنفسهم.

7-     تقدم نتائج التقييم والتقويم معلومات للمعلمين وغيرهم عما تعلمه الطلاب، كما تقدم معلومات تفيد في تخطيط المناهج.

ويمكننا القول إن التقويم البديل الذي يركز على تفكير المتعلم ومهاراته، أخذ يحل تدريجياً محل عمليات التقييم والتقويم القائم على الاختبارات التحصيلية التقليدية أو الاختبارات المقننة. ويستند هذا النوع من التقويم على ما استجد من طروحات في علم النفس المعرفي، وتقنية المعلومات؛ ذلك لأن أساليب تقييم وتقويم التحصيل الدراسي المعمول بها الآن، لم تعد تناسب الحاجات المتغيرة والرؤى المستقبلية للتعليم في عصر ما يسمى بعصر المعلومات، ويترتب على تبني هذه الأساليب الجديدة عدة تساؤلات من قبيل: ما موجهاتها وما متطلباتها وماذا سيترتب عليها من تحولات، وما صور هذا التقويم وأساليبه في برامج تعليم اللغات، وهذا ما ستجيب عنه السطور التالية:

1- ما موجهات التقويم البديل؟

          يسترشد التقويم البديل في أساليبه بما يسمى بمستويات التعلم Learning Standards أو مستويات النواتج Outcome Standards، ويعرف المستوى بأنه صيغة يتم الاتفاق عليها لتصبح نموذجاً أو مثالاً يحتذى، أو هو درجة جودة مناسبة من الأداء ينبغي أن يحققها الطالب ويبرزها، وهذا يؤدي إلى دمج المستويات مع التقييم والتقويم. وهناك أربعة أنواع من مستويات التعلم:

 

أولاً: مستويات المحتوى.

 

ثانياً: مستويات الأداء.

 

ثالثاً: مستويات فرص التعلم.

 

رابعاً: مستويات المنهج.

 

والمستويات الثلاثة الأولى هي التي تغذي النوع الرابع من المستويات من خلال (أ) النواتج (ب) التقييم والتقويم (ج) مصادر التعلم. ومستويات المنهج بدورها تتفرع إلى خمسة فروع هي:

 

         ‌أ-        إستراتيجيات التدريس.

      ‌ب-      أساليب التعليم.

       ‌ج-      الكتب المدرسية.

        ‌د-        التقنيات.

هـ- الأنشطة.

 

          ويمكن تمثيل مستويات التعلم في الشكل التالي كما جاء عن علام[21]:


 

أنواع مستويات التعلم

مستويات المحتوى

مستويات المنهج

مستويات الأداء

مستويات فرص التعلم

ماذا؟

إلى أي حد؟

كيف؟

(نواتج)

(تقييم وتقويم)

(مصادر تعلم)

توازي المنهج المتعلم

مع المنهج المستهدف

إستراتيجيات تدريس            

أساليب تعليم

كتب مدرسية

تقنيات

أنشطة

كفايات   أهداف      أدلة      توقعات

تقليدي            بديل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل (5) أنواع مستويات التعلُّم

 

وكما يتضح من هذا الشكل فإن:

مستويات المحتوى؛ هي عبارات وصفية تصوغ نواتج التعلم المنشودة التي يحددها برنامج اللغة. وتحدد في هذه العبارات المحتوى الذي يتعين تدريسه، وما يتوقع أن يتعلمه الطلاب في برنامج اللغة. ولتحديد ما إذا كانت مستويات المحتوى قد تحققت، يجب أن تكون هذه المستويات قابلة للقياس بأدوات مختلفة.

مستويات الأداء: وفيها تحدد مستويات التحصيل والأداء النابع من تحليل ما يجب أن يعرفه الطالب وما يستطيع أن يقوم به من مهام. ولا ينظر إلى أدائه النسبي مقارنة بزملائه في الصف كما هو الحال في الاختبارات معيارية المرجع.

 

مستويات فرص التعلم: وهذه المستويات عبارة عن مراقب يبحث فيما إذا كانت مصادر التعلم التي يحتاج إليها في برنامج اللغة متوافرة أم لا؛ وذلك من قبيل المنهج المناسب، والمعلم المؤهل، وتوافر التقنيات ليكون المنهج الذي ينفَّذ هو المنهج الذي حددته أهداف برامج اللغة.

 

مستويات المنهج: وهي العمليات التعليمية التي يفترض أن تتم داخل المؤسسة التعليمية؛ وهي  - كما يتضح من الشكل - تتعلق بإستراتيجيات التدريس، وطرائقه، والكتب الدراسية، وتقنيات التعليم بالإضافة إلى الأنشطة التي تساعد في تحقيق أهداف برامج اللغة.

 

       يتضح من عرض الموجهات السابقة، بأن مستويات التعلم أو النواتج، أصبحت هي محور التدريس والتعلم والتقويم، وأن مفهوم المستويات كما يقول علام "هو مفهوم وصفي Descriptive ، وتوصيفي Prescriptive على عكس مفهوم الأهداف Objective الذي كان يركز في الماضي على الجانب الوصفي فقط للحد الأدنى من الأداء. فالمستويات التربوية تؤكد النواتج المرتفعة للتحصيل التي تحددها مستويات المحتوى ... فالمستويات والتقويم يسترشدان بما أصبح يطلق عليه المنهج القائم على التفكير، الذي يتمحور حول المحتوى والعمليات، ويركز على تعليم الطلاب كيفية استخدام المعلومات وتوظيف المعارف السابقة، والاستدلال، وحل المشكلات؛ مما يتخطى الحدود الدنيا للأداء ... ويترتب على ذلك إحلال الاختبارات التقليدية التي تستخدم نتائجها في المقارنة بين الطلبة بتقويم بديل قائم على الأداء، وصحائف أو ملفات الأعمال Portfolios ... وبذلك يتحول الاهتمام الرئيس من تقويم التعلم إلى التقويم من أجل التعلم مما يسهم في تكامل عمليتي التعليم والتقويم"[22].

 

2- ما متطلبات التقويم البديل؟

          من أول متطلبات هذا التقويم وأهمها أن تستند -كما ذكرنا- إلى مستويات تعلم أو مستويات نواتج متميزة، يسعى الطلاب إلى تحقيقها وتتوازى معها المناهج بما فيها عمليتا التعليم والتقويم، وهذا لا يكون إلا من خلال ربط هذا التقويم بالأهداف والنواتج، وربطه بمنظور مستقبلي لتعلم الطلبة بوضوح.

          ومن متطلبات هذا التقويم أيضاً، العمل على إتاحة الفرصة للطلاب والمعلمين والآباء وكل المعنيين بالعملية التعليمية وتعريفهم بأغراض هذا التقويم البديل الجديد. ومن ذلك أيضاً جعل هذا التقويم واضحاً ومفيداً؛ فحيث إنه "يستند إلى الأداءات والنواتج المهمة، فإنه ينبغي التأكد من أن هذا التقويم يقدم معلومات واضحة عما تعلمه الطلبة ومجالات هذا التعلم"[23] ولأن التقويم البديل يختلف عن التقويم التقليدي في الزمن الذي يستغرقه، لذا على القائمين عليه مراعاة قضية التوقيت منذ بدء العام الدراسي وأثنائه وفي ختامه؛ لأنه يكون مستمراً طوال العام. ومن متطلباته تغيير الممارسات التقليدية لعملية التقييم والتقويم لدى المعلمين والمسؤولين وتدريبهم على الأنماط الجديدة للتقويم البديل، وأن يكون جزءاً لا يتجزأ من الخطة السنوية لبرنامج اللغة.

 

3- ماذا يترتب على الأخذ بأساليب التقويم البديل؟

          يرى بعض التربويين أن هذه الأساليب ستجعل برامج اللغة تتحول من أساليب التقييم والتقويم المعهودة فيها -والقائمة على الاختبارات التقليدية- إلى ما يسمى بالتقييم والتقويم المتعدد الذي يركز على أداء الطالب ومهاراته وفهمه. وهذا التحول من الاختبارات التقليدية إلى التقييم والتقويم المتعدد سوف يستغرق بعض الوقت.

          ومما يترتب على الأخذ بأساليب التقويم البديل، "التحول من ثقافة الامتحانات إلى ثقافة التقويم... وقد أدى هذا النظام التقويمي الذي يطلق عليه نظام الامتحانات، أو ثقافة الامتحانات إلى اعتبار عمليتي التعليم والتقويم منفصلتين؛ تقع مسؤولية العملية الأولى على المعلم، ومسؤولية الثانية على خبراء القياس والتقويم... أما المنظور الجديد للتقويم، أو ما يسمى بالتقويم البديل، فإنه يؤكد تكامل عمليتيْ التقويم والتعليم. وتتخذ عملية التقويم أشكالاً متعددة غير مقننة بالمفهوم السيكومتري تكون متضمنة في عملية التعليم ... وتتطلب توظيف مهارات التفكير، والاستدلال، وحل المشكلات"[24].

          من المتوقع أيضاً أن يحدث تحول من التقويم المنفصل إلى التقويم المتكامل؛ فإن تبني التقييم والتقويم متعدد الأبعاد بدلاً من التقييم والتقويم الأحادي الذي يجرى فيه اختبار واحد في نهاية البرنامج اللغوي، يسهم في تكامل التقييم والتقويم مع العملية التعليمية داخل صفوف تعليم اللغة.

          وقد لخص علام التحولات التي حدثت وتلك المتوقع حدوثها في "أن نظام التقويم البديل يتطلب إحداث تحولات في المنظومة التعليمية، والممارسات التربوية التقليدية والبحث التربوي، وقد لخصها في الجدول التالي[25]:

التحـــول

مـن

إلـى

·        الاستناد إلى مبادئ النظرية السلوكية في التعلم.

·        الممارسات الصفية التي تشجع الدور السلبي للطالب.

 

·        دور المعلم كناقل للمعرفة، وسلطة ضاغطة.

·    المناهج التقليدية، وعملية التعليم الإستاتيكية لمواد دراسية وحقائق منفصلة.

·        الاختبارات التقليدية التي تقيس التعلم السطحي.

·        التنظيم المدرسي الجامد، والمركزية الصارمة.

 

·        البحث التربوي الكمي الصارم لعوامل منفصلة.

 

·        الاختبارات المقننة، والامتحانات التقليدية.

  • النظريات البنائية والعمليات المعرفية النمائية.
  • الممارسات التي تؤكد أن الطالب كائن حي نشط، ومفكر، ومبدع، ويبني معارفه من مهام متنوعة ذات مغزى يقوم بتنفيذها.
  • ميسر، ومحكم، وموجه، وناصح مخلص.
  • التوجه نحو البحث Inquiry، ومسؤولية الطالب تجاه تعلمه، وتكامل المعرفة، والتعلم الجماعي التعاوني.

 

  • إنجاز مهام أصيلة تقيس التعلم المتعمق.
  • الإدارة المدرسية، والتنظيم القائم على الموقع Site-based، واللامركزية، ومسؤوليات مهنية أوسع للمعلمين.
  • البحث التربوي الموجَّه نحو الفهم الكيفي لظاهرة معقدة وصفية توصيفية.
  • التقويم السياقي الوصفي، والتقويم القائم على الأداء، والتحول التدريجي نحو التقويم الشخصي.

جدول رقم (4) يوضح التحوُّلات التي يتطلبها نظام التقويم البديل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



4- ما صور التقويم البديل وأساليبه في برامج تعليم اللغات؟

يؤدي التحول من صور التقويم التقليدية وأساليبه إلى صور التقويم البديل، إلى ابتكار صور جديدة وأساليب تقييم وتقويم متنوعة لقياس الكفاية اللغوية، ومن الصور التي قيد التطبيق الآن:

         ‌أ-        التقويم الواقعي الذي يناسب الطلاب؛ حيث تقدم لهم مشكلات وتعطى لهم مهام تؤخذ من البيئة التعليمية وتسمح بأكثر من إجابة صحيحة.

      ‌ب-      التقويم المستند إلى مستويات، وقد أشير إليه سابقاً.

       ‌ج-      مرونة التقويم؛ حيث يمكن أن يكون فردياً أو جماعياً من خلال أنشطة مشتركة.

        ‌د-        التقويم المتعدد الذي يستقي المعلومات من مصادر متنوعة، ولا يكتفي بمصدر واحد.

هـ- التقويم الفعال المستمر، حيث تكون هناك مشاركة فعالة من الطلاب في التخطيط حتى لعملية التقويم وتفسير نتائجه وتقييم أنفسهم ذاتياً.

أما أساليب التقويم البديل في برامج اللغة، فيمكن أن تتخذ الصور التالية:

         ‌أ-        أساليب تقويم الكتابة؛ وتستخدم فيها أسئلة المقال على وجه الخصوص.

      ‌ب-      المقابلة الشخصية (وجهاً لوجه) والمقابلة المسجلة لتقويم مهارة الكلام.

       ‌ج-      الاختبارات المحوسبة سواءً بتصميم الاختبارات أو إجرائها عبر الشبكة الدولية (الإنترنت).

        ‌د-        التقييم الذاتي، وتقييم الأقران.

هـ- ملفات الأعمال Portfolios التي تجمع فيها أعمال الطالب، لتبين جهوده وتقدمه وتحصيله في برنامج اللغة.

 


 

 



[1]  Anastsi, A. Psychological Testing, 6th ed., 1988.

[2] طعيمة، رشدي أحمد، نماذج من الاختبارات الموضوعية في اللغة العربية، دار الفكر العربي، القاهرة، 2003، ص 24.

[3] - Haladyna. T. M and Downing S . M ., " A Taxanomy of Multiple – choice item writing rules", Applied Measurement in Education , vol. 1 PP.37-50, 1989

[4] Strevens,P.1965. Papers in Language and Language Teaching. London, Oxford. P.P 89-90.

[5]Rivers. W. 1980. Teaching Foreign Language Skills, Chicago, P. 286.

[6] علام، صلاح الدين، التقويم التربوي البديل، دار الفكر العربي، القاهرة، 2004م، ص 16

[7] Nitko, A. Educational Tests and Measurement, 1983, P. 94

[8] الشعلان، محمد سليمان. الإدارة المدرسية والإشراف الفني، الأنجلو، القاهرة، 1986م، ص 18.

[9] جابر عبد الحميد، التعلم وتكنولوجيا التعليم، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982م، ص 158.

[10] Kubiszyn, T.& Borich.J Educational Testing and Measurement, 1987, p. 42

[11] لبيب، رشدي، التقويم وتطوير الأهداف التعليمية، مطبعة العاصمة، القاهرة،  1979م، ص 50.

[12] Kubiszyn. OP. Cit, P. 51.

[13] عن علام، صلاح الدين، مرجع سابق، ص 93.

[14] عن علام، صلاح الدين، مرجع سابق، ص 93.

[15] كاظم، مهدي. القياس والتقويم في التعلم والتعليم، دار الكندي للنشر والتوزيع، مسقط، 2001، ص 38.

[16] كاظم، مهدي. المرجع السابق ص 41.

[17] علام، صلاح الدين. مرجع سابق ص 213.

[18] العصيلي، أساسيات تعليم اللغة العربية، مرجع سابق، ص 419.

[19] Nitko. A. Educational tests,1983 OP.Cit, P. 22

[20] علام، صلاح الدين، مرجع سابق، ص 27.

[21] علام، صلاح الدين المرجع السابق ص 59.

[22] علام، صلاح الدين. مرجع سابق ص 63.

[23] علام، صلاح الدين. المرجع السابق ص 81.

[24] علام، صلاح الدين المرجع السابق ص 66-67.

[25] علام، صلاح الدين مرجع سابق ص 71.

 
King Saud University. All rights reserved, 2009| CiteSeerx