King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


الصفحة الرئيسية
السيرة الذاتية
المقررات الدراسية
المدخل إلى علم التاريخ
هجرة القبائل العربية
السيرة النبوية
الخلفاء الراشدين
تاريخ الدولة الأموية
التاريخ الاقتصادي في العصور الإسلامية
منهج البحث التاريخي
نصوص تاريخية
الجزيرة في كتب الرحالة
الجزيرة العربية من القرن 3 حتى العهد العثماني
الجزيرة العربية من القرن 3 حتى العهد العثماني
رسالة قصيرة
مقررات دراسية حالية
تاريخ الجزيرة العربية القديم
تاريخ الشرق الأقصى الحديث (موضوع خاص)
برنامج الماجستير
قاعة بحث
التاريخ الإسلامي
العصر الإسلامي الوسيط
موضوع خاص من تاريخ الحضارة الإسلامية
موضوع خاص من تاريخ الشرق الإسلامي
موضوع خاص من تاريخ جزيرة العرب الوسيط
برنامج الدكتوراه
دراسات في التاريخ الحضاري للجزيرة العربية
حلقة دراسية في التاريخ الإسلامي
دراسات في تاريخ الجزيرة العربية في العصر الإسلامي
دراسات في التاريخ الإسلامي
دراسات في التاريخ الحضاري الإسلامي
أسئلة
تاريخ الجزيرة العربية القديم 1
الخلفاء الراشدين
تاريخ الدولة الاموية
هجرة القبائل العربية
مقالات أكاديمية
أهمية تدوين التراث الشفاهي كمصدر تاريخي
التــاريخ الشـــعبي
اليد العاملة في الجزيرة العربية في العصر الوسيط
إدارة اليمامة في العصر العباسي
الأيدي العاملة في الجزيرة العربية
الجدل الديني في الأندلس
المدلول الأسطوري لدعوة مسيلمة بين حبيب الحنفي
المزيد
محاضرات عامة
كلمة في افتتاح ورشة العمل في تايوان
Alois Musil A cross-cultural understanding
الطائفية في الخليج لم تعرف ولن تعرف الحرب الطائفية
كلمة ألقيت في منتدى الفكر العربي في المغرب 2008
مقابلات
washington post questions
منتدى أمطار يحتفي بالدكتور عبد الله العسكر
تغيب الفلسفة
مقابلة مع مجلة روتانا
مشاركات ثقافية
Publications
Pictures Library
Courses
 

-   المرحلة الثالثة: وهي بحق المرحلة التاريخية الصرفة، حيث تجلى الزمن المطلق أساسًا للكتابة التاريخية، وفي هذه المرحلة برزت فلسفة التاريخ الإسلامي في أوضح صورها. فالوحدة التاريخية الإسلامية جاءت عبر الكتابات التي تؤرخ لديار الإسلام من منظور أوسع ([38]).

لقد ناقش شاكر مصطفى بشيء من الاستفاضة المحمودة تلك الأفكار السابقة. ومع ذلك لم يصل إلى نتيجة يراها الباحث حتمية من خلال السياق الذي رسمه المؤلف نفسه. تلك النتيجة هي أن المراحل الثلاث التي مر بها التدوين التاريخي الإسلامي، هي نفسها التي أصبحت حقبًا ثلاثًا للتاريخ الإسلامي مدة طويلة تبدأ من القرن الأول وتنتهي بنهاية القرن الثالث الهجري. وهكذا جاءت ميكانيكية تطور تدوين التاريخ التي مرت بثلاث مراحل لتصبغ فكرة تحقيب التاريخ الإسلامي، الذي بدوره أصبح يُقسم إلى ثلاث حقب، وهي:

1 - تاريخ الفترة النبوية: وتشمل بشكل موجز تاريخ مكة قبل البعثة، ثم البعثة والفترة المكية، ثم الهجرة والفترة المدنية وبناء الدولة حتى وفاة الرسول محمد
e.

2 - الحقبة التي تعالج تاريخ خلفاء الإسلام.

3 - الحقبة التي تبحث في تاريخ البشرية المعروف للمؤرخين العرب آنذاك وتمتاز المرحلة الثالثة بنضوج الترتيب الزمني الكرونولوجي للتاريخ، الذي أصبح على شكل حوليات.

صحيح أن الطبري (ت 310هـ) هو من رسّخ الكتابة بأسلوب الحوليات annuals بشكل مثير للدهشة والإعجاب، ولكن ليس صحيحًا أنه مخترع هذا الأسلوب، فكتابه الضخم المصمم بشيء من الإتقان لا يمكن أن يكون باكورة اتجاه جديد، لعل الهيثم بن عدي (ت 207هـ) الذي وضع فيما يبدو أول كتاب تاريخي على أساس السينين. هو أول من استعمل نظام الحوليات، وهو نظام قلب الفكر التدويني والتحقيبي، وقاده إلى مرحلة تتسم بالجرأة، وكذلك ينسب إلى الهيثم بن عدي هذا أنه أول من وضع كتابًا تاريخيًا على أساس الطبقات لتراجم الرجال. فإن صح هذا القول، عُدّ الهيثم بن عدي من الروّاد الذين قدّموا أشياء جديدة، لأن من أتي بعده من المؤرخين العرب الأوائل ساروا على نهجه لفترة طويلة، مثل خليفة بن خياط الليثي العصفري (ت 240هـ) الذي اتبع طريقة السنين وطريقة الطبقات.

ومهما يكن الأمر فإن منهج الحوليات الإسلامي لا يعرف أصله، وكيف وصل إلى العرب. فإن يستبعد فرانز روزنثال أي أثر فارسي لهذا المنهج لدى المؤرخين العرب، فإنه من جهة أخرى يقول بالأثر الأغريقي -السرياني ([39]). وربما كان هناك أساس ولو ضعيف للحوليات الإسلامية في التراث الأدبي المنسوب لحمير والغساسنة وأيام العرب في الجاهلية([40]). وصفوة القول إن العرب المسلمين طوّروا نظام الحوليات لدرجة مذهلة.

ومنهج الحوليات الذي خدم التاريخ الإسلامي مدة طويلة، وألفت على أساسه مئات الكتب التاريخية المهمة، لا يخلو من عيوب يأتي على رأسها أنه يمزق سياق الحديث التاريخي الطويل الذي يمتد عددًا من السنين، ومن ضمن المؤرخين الذين انتقدوا نظام الحوليات المؤرخين ابن الأثير (ت 630هـ) الذي نظر إلى التاريخ بنظرة فلسفية على أساس تقييم التطور التاريخي في ضوء الأسلوب المتبع والنتائج المتوخاة، ويعدّ كتابه (الكامل في التاريخ) من خير ما ألف عن التاريخ العالمي مطبقًا نظام الحوليات الذي عدله بأن جمع عناصر الحادثة التي تتوزع على عدد من السنين، ويصل بين أجزائها في سنة محددة، وفي موضوع واحد، مما يبرز القيمة الخبرية للحدث، كذلك انتقد نظام الحوليات شهاب الدين أحمد النويري (ت 732هـ)، في كتابه (نهاية الأرب في فنون الأدب)، وله جملة طريفة يصح أن يقال عنها إنها جامعة مانعة، حيث يقول ".. ولما رأيت غالب من أرخ في الملة الإسلامية وضع التاريخ على حكم السنين ومساقها، لا الدول واتساقها .. الخ" ([41]).

والملاحظ أنه طرأ تطور في كتابة التاريخ الإسلامي، المبني على أساس الحوليات، وذلك عندما أحس المؤرخون في تلك العصور إلى حاجتهم لترتيب إضافي للمادة التاريخية التي كانت تزيد يومًا بعد يوم، هذا الاتجاه نجده في التقسيمات الفرعية التي اتخذت الزمن قاعدة أساسية لها. وفيما يلي نماذج مختارة لتلك التقسيمات الفرعية، وهي تشكل في مجموعها أغلب التقسيمات التي صبغت التاريخ الإسلامي، وأدت فيما أدت إلى تحقيب جديد له.

 

2 - 2 التحقيب على أساس الأسر الحاكمة:

لعل هذا الأسلوب في التحقيب انتقل إلى العرب من فارس، فقد ورد أن كتاب الملوك (خداي نامة)، الذي إطلع عليه ابن المقفع (ت 142هـ). قد نقل إلى العربية قبل وفاته بوقت طويل. كما أن هذا الأسلوب نفسه كان متّبعًا في الكتابات التاريخية الأوربية في العصور الوسطى ([42]). ومهما يكن الأمر فإن الطبري قد استعمل هذا الأسلوب عند معالجته للفترة السابقة للإسلام، وخاصة عند الحديث عن تاريخ الدولة الساسانية؛ بل أن استعماله لهذا الأسلوب جاء متسقًا أشد الاتساق، فقد لاحظ هذا الأمر المؤرخ ابن الأثير الذي يقول: ".. لم يذكر أبو جعفر من أيام العرب في الجاهلية غير يوم ذي قار وجذيمة الأبرش والزباء وطسم وجديس، وما ذكر ذلك إلاّ حيث أنهم ملوك فأغفل ما سوى ذلك" ([43]). وهذا الأمر يثير الدهشة خاصة إذا لاحظنا أن الاهتمام بتقسيم التاريخ على أساس أسماء الأسر الحاكمة قد انتقل مع الطبري عندما بدأ يعالج الفترة الإسلامية، باستعمال نظام الحوليات، ولكن من منظور سلالة الحاكم، فهو مثلاً يقول ".. وفي هذه السنة فتح الخليفة .."، ولا يقول ".. وفي هذه السنة فتح المسلمون أو فتح الجيش الإسلامي"، إلا في تاريخ الفترة الراشدية فإنه يستعمل الصيغة الثانية، ومع أن التعبيرين ليسا بعيدين بعضهما عن بعض، وفيهما من التغليب شيء كثير، إلا أنهما حتمًا يعبران عن فلسفتين مختلفتين، ولا ريب أن هذا الاتجاه جاء نتيجة حتمية لاهتمام المؤرخين بالتاريخ السياسي وهو المرتبط باسم الحاكم أو باسم أسرته.

وعيب أسلوب التحقيب على أساس الأسر الحاكمة أن الانتباه ينصب على الأسرة نفسها، ويندر أن يشار إلى الشعب أو الأمة، وبذلك يظهر التاريخ الإسلامي سلسلة حقب متقطعة، لا ارتباط بينها، وإنما واقع الأمر أن التاريخ سلسلة لا تنفصم عراه، وإن سقطت أسرة حاكمة وقامت أخرى. وعيب آخر هو أنه طريق سهل لاعتماد تاريخ الأسرة ممثلاً لتاريخ الحقبة التاريخية بكاملها بما فيها من تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية. إن تغليب تاريخ أسرة ما على حساب تاريخ الأمة فيه إخلال كبير وتجاهل لحتمية التاريخ. وهذا مثلاً ما فعله الصفويون عندما دعوا الكتاب والمؤرخين لتأليف سلسلة من التواريخ الخاصة بأسرتهم الحاكمة. فظهر إلى الوجود التاريخ الرسمي، المعبر عن وجهة النظر الرسمية، ولقد كان من نتيجة الدعوة الصفوية أن كتب حسن روملو كتابه (أحسن التواريخ)، الذي أتمه في سنة 985 هجرية الموافقة لسنة 1577 ميلادية ([44]). وهو كتاب يعكس بوضوح واقع ذلك الاتجاه.

والحق أن أسلوب ذلك التحقيب أدى إلى أن تحول التاريخ السياسي للإسلام إلى تاريخ للأسرة الحاكمة، وذلك بعد أن تخلى العالم والمحدث -وهما اللذان يكتبان التاريخ- للموظف في بلاط الحاكم. واتجه الأولان إلى كتابة التراجم ومصنفات الطبقات، بينما تفرغ الثاني لكتابة التاريخ، حيث أصبح المؤرخ موظفًا يتقاضى راتبه من الحكومة. نتج عن هذا أن ترسخت أهمية أسلوب التحقيب على أساس أسماء الأسر الحاكمة، وهناك رأي طريف لأحد الكتاب المعاصرين حول عدّ أسماء الحكام أساسًا للتحقيب التاريخي، مفاده أن هذا الأسلوب يعدّ اتجاهًا ملوكيًا Dynastic Approach يعتمد في تقسيمه على الافتراض بالأثر المسبب The Causative بأهمية شخصية الحاكم أو الحكام وسياستهم بالنسبة في تلك الحقبة، وحتى من منظور اجتماعي، لا يرى علماء الاجتماع صلاحية اسم الأسرة لتكون علمًا على فترة تاريخية، لأنها لا تكون مرتبطة ارتباطًا أساسيًا بالأحداث كما هي في واقع الأمر([45]).

ومن هنا يتضح ضعف التاريخ عند اعتماده في تحقيبه على أساس أسماء الحكام. ومع أن التاريخ الإسلامي مليء بمثل هذا الاتجاه، بل إن معظمه لا يعرف إلا بأسماء السلالات الحاكمة وهو أسلوب اضطر لـه المؤرخون المسلمون، بعد أن أصبحت الخلافة تؤول بالوراثة لا بالاختيار- إلاّ أن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من منظور اجتماعي- ثقافي أو اقتصادي- سياسي، سيضطر المؤرخ إلى إعادة ترتيب الحقب بعيدًا عن الالتزام بأسماء السلالات الحاكمة، وهو ما سنراه عندما برزت تقسيمات فرعية أخرى.

2 - 3 التحقيب على أساس الدول:

وقد أدى إدخال أسماء السلالات الحاكمة كأداة لتحقيب التاريخ على استعمال اصطلاح (دولة) للدلالة على أهمية الأسرة الحاكمة، وأهمية المنطقة التي تسيطر عليها، وأخيرًا لتمييزها سياسيًا وقانونيًا عما سواها، سواء أكان ذلك سابقًا لها أم لاحقًا بعدها. وهذا الاستعمال هو نفسه أحد معاني كلمة (دولة) في الاصطلاح الذي يعني ببساطة فترة حكم أو حكم سلالة أو أسرة.

فكيف وصل المؤرخون المسلمون إلى هذا الاستعمال؟ ليس لدينا ما يثبت صراحة أن كلمة (دولة) -بمعنى مؤسسة سياسية كما هي في المصطلح الحديث، أو ما يقابل (state) في اللغة الإنجليزية- قد استعملت في أدبيات الجزيرة العربية قبل الإسلام، أو حتى في العصرين النبوي والراشدي، وجذر الكلمة (دول) ورد في اللغة الأكدية ويعني الدوران من غير هدف. وورد في اللغة السريانية بمعنى التحرك من مكان إلى آخر. أما المعنى الحرفي في اللغة العربية، فيعني التبدل أو التغير أو الاختيار. ووردت الكلمة في القرآن الكريم بمعنى تداول ملكية الأمر؛ أي الانتقال من شخص إلى آخر، أو نداول الأيام بمعنى نمررها ووردت الكلمة في الحديث الشريف لتعني أحقية المرء في تحصيل حقه أو دوره. ولقد وردت الكلمة في الشعر الجاهلي في وقت مبكر، وربما كانت تعني بداية الأمر([46]).

أما المعاني الكثيرة لكلمة (دولة) في اللغة العربية ومدلولاتها التاريخية السياسية، فالأمر كما يقول محرر مادة (دولة) في الموسوعة الإسلامية، يحتاج إلى كبير بحث، ولقد استعملت الكلمة للدلالة على الحكم السياسي بتوسع في العصر العباسي الأول. أما قبل ذلك فهناك إشارات متعددة ولكنها لا ترقي إلى حد اليقين بأنها تعني مدلولاً سياسيًا محددًا. مثل قول مسلم بن عقبة المري (ت 64هـ) قائد الجيش الأموي إبّان حصار المدينة المنورة في سنة 63 للهجرة مخاطبًا عمرو بن عثمان بن عفان، الذي فيما يبدو انسحب من الجيش ".. نحن نقاتل عن دولتكم وأنت تكيدها"([47]). فكلمة (دولتكم) قد تعني هنا دوركم أو حقكم مثلها مثل القول المنسوب لعائشة (ت 58هـ) ".. مات رسول الله e في سحري ونحري وفي دولتي .." ([48]).

أما أول إشارة صريحة لاستعمال كلمة (دولة) بمعنى شكل الحكم السياسي، فقد ورد في الوثائق العباسية الأولى، وبعضها ربما نقل بالمعنى الحرفي، مثل ورودها في سياق خطبة للسفاح (ت 136هـ) بعد مبايعته بالخلافة، يخاطب فيها الكوفيين. قال فيها ".. لقد أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا". ومثل النصيحة التي أسداها أبو جعفر المنصور (ت 158هـ) للسفاح بضرورة إعدام أبي مسلم الخرساني (ت 137هـ) ".. يا أمير المؤمنين إنما كان بدولتنا والله لو بعثت سنورا لقام مقامه. وبلغ ما بلغ في هذه الدولة"([49]). مثل هذه الإشارات تبدو صريحة في مدلولها السياسي، وهو ما يفسر بعدُ باستعمال المؤرخين كلمة (دولة) عنوانًا المؤلفات عديدة. ولعل أقدم كتاب تاريخي يحمل عنوان دولة هو (كتاب الدولة وأخبارها) وهو من تأليف أبو عبدالله محمد بن صالح بن مهران بن النطاح (ت 252هـ)([50]). وهكذا بدأت المؤلفات تحمل اسم الدولة على الكيانات السياسية، كبيرة كانت أم صغيرة، إقليمية كانت أم عائلية، وليصبح هذا التوجه أداة شائعة للتعبير عن التحقيب التاريخي، من مثل هذه المؤلفات (كتاب مغازي في البحر في دولة بني هاشم) الذي ألفه أبو جعفر أحمد بن الحارث بن المبارك (ت 258هـ)([51]).

وهكذا لم تحل نهاية القرن الثالث الهجري، إلا وكلمة (دولة) قد استقرت وانتشرت، وتحد المعنى الدقيق لها؛ حيث تعني دولة (State) بالمعنى السياسي الحديث. وكان من سعة انتشارها في القاموس السياسي العباسي وفي أنظمة الإدارة. أن أصبحت تقرن بألقاب التشريف، من مثل منح الوزير القاسم بن عبيد الله بن وهب (ت 291هـ) لقب (والي الدولة)، بل ظهرت هذه الكلمة على العملة التي ضربها المكتفي (ت 295هـ) في سنة 290 للهجرة. وهذا أول استعمال رسمي لهذه الكلمة منقوشًا على العملة. ومن كثرة استعمال كلمة دولة للدلالة على حقوق سياسية، أو إدارية أو إقطاعية، لم يجد أحد المتندرين -وهو أحد موسيقي الدولة البويهية وأدبائها- طريقًا للاستهزاء أو السخرية من كثرة استعمال لقب (دولة)، إلا أن يلقب نفسه باسم (جراب الدولة)([52]).

وفي القرن الثامن الهجري ظهرت كتابات تاريخية تحقب التاريخ الإسلامي على أساس الدول حيث استعملت كلمة دولة لتعني دولة سلالة Dynastic State، وفي زعم كاتب هذه السطور أن هذه أول بداية مكتوبة لتحقيب التاريخ الإسلامي على أساس أسماء الأسر الحاكمة، حيث كل سلالة تمثل دولة، من تلك الكتابات كتاب محمد بن علي بن طباطبا العلوي المعروف بابن الطقطقي (ت 709هـ) المسمى (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية).

ويلاحظ المرء أن الكتابة حسب المفهوم الأسري قوامها الأشخاص كالخلفاء أو الحكام أو السلاطين أو الأئمة، فالأشخاص هم معيار الكتابة التاريخية وهدفها؛ لأن المؤرخ المسلم يهتم بالمسائل الأخلاقية والإدارية، التي يمتاز بها شخص الحاكم. وهذا الاهتمام ينعكس فيما بعد على الدولة ككل. فإن كان رأس الحكومة في دولة ما صالحًا وإداريًا ناجحًا، قيل عنها إنها دولة عدل وصلاح وحزم. وهذا الاتجاه فيما يبدو أحد آثار المدرسة التاريخية الفارسية؛ فقد كان الفرس يحقبون تاريخهم حسب عهود حكامهم، وكانوا يرون أن أخلاقي الحاكم وإدارته السياسية هي أهم عناصر التاريخ([53]).

2 - 4 التحقيب على أساس الإقليم:

لعل هذا الأسلوب أروع تقدم استطاعت التاريخية الإسلامية بلوغه في زمانها وظروفها الثقافية. وكلمة (أروع) لا تصف إعجاب الباحث بالنزعة الإقليمية، بل بالمرونة التي اتصف بها المؤرخون لتطويع التاريخ ليلبي حاجات المثقف آنذاك، ولأن الوصول لهذا النوع من التحقيب يجعل المؤرخ يتجنب سلبيات أسلوب الحوليات. وكذلك يعطي المؤرخ الوقت الكافي ليغطي موضوعه من كافة جوانبه، ولا يهتم فقط بالتاريخ السياسي هذا من جهة. ومن جهة أخرى يحل مشكلة الأقاليم التي لها تاريخ قبل دخولها الإسلام، وهي مشكلة طالما واجهت المؤرخ المسلم، حيث الاتجاه الرسمي والشعبي آنذاك يقوم على اعتبار مجيء الإسلام حدًا فاصلاً بين التاريخ الحقيقي والتاريخ المبني على الأغلاط. فكان المتبع النظر إلى فترة ما قبل الإسلام أنها لا تشكل وحدة بذاتها بل هي في أحسن الأحوال مقدمة لفترة التاريخ الإسلامي. والطريف في الأمر أن أسلوب التاريخ الإقليمي كأساس للتحقيب جاء من دائرة الدين، وعلى الخصوص من المدرسة الفقهية ومدرسة الحديث؛ ولكنه بالتدريج خرج عن تلك الدائرة. ولقد لاحظ هذا التطور الباحث فرانز روزنثال، وهو ما جعله يميز بين نوعين من التواريخ المكتوبة بهذه الطريقة، أطلق على الأول (التاريخ المحلي الديني)، وسمي الثاني (التاريخ المحلي الدنيوي)([54]).

لعل البداية المتواضعة لهذا النوع من الكتابات هي ما عمله ابن سعد (ت
230هـ) في كتابه (الطبقات) حيث رتب أصحاب التراجم حسب الأمصار. أما الإنجاز الواضح في هذا الميدان، فهو تجربة الأزرقي (نحو ت 250هـ) في (أخبار مكة). ثم المحاولة الجريئة لعبدالرحمن ابن عبدالله بن عبدالحكم (ت 257هـ) في (تاريخ مصر)؛ الذي اعتمد على روايات أهل المدينة والروايات المحلية المصرية لكتابة تاريخ مصر الإسلامي. ثم نجد تاريخًا عن اليمن منسوبًا لعبدالملك بن حبيب (ت 238هـ)، وكذلك كتاب الأكليل للهمداني (ت 334هـ) الذي يعتبر موسوعة تاريخية لأقليم واحد وتطور هذا الأسلوب حتى وصل قمته مع الخطيب البغدادي (ت 463هـ) في (تاريخ بغداد)؛ الذي أرخ فيه للفاعليات السياسية والحضارية والثقافة والطبوغرافية من خلال مدينة بغداد. ولقد ظل أسلوب البغدادي أنموذجًا سار عليه من جاء بعده. وإن كانت القمة الثانية عند ابن عساكر (ت 571هـ) في (تاريخ دمشق) الذي فاق سلفه، وجاء مؤلفه على شكل بحوث مستقلة، كل منها يمثل كتابًا بذاته، يستغرق عددًا كبيرًا من موضوعات تاريخية مختلفة تتعلق بمدينة دمشق وما يمت إليها بصلة.

ولعل أقل ما يقال عن هذا الأسلوب، إنه تعبير أدبي عن شعور الجماعة التي تسكن في إقليم أو بلد واحد. وهو فوق هذا مجال ليعبر المؤرخ عن انطباعاته الشخصية. وكذلك لم ينظر إليه على أنه اتجاه ضد وحدة المسلمين؛ بل -كما ذكرنا سابقًا- قد عرف لدى علماء الفقه والحديث أصلاً. فالسلامي (ت 374هـ) في خرسان كان يعدّ قلة التواريخ المحلية عيبًا فاضحًا ونفس الشيء يراه ابن حزم (ت 456هـ). وقد أخذ أسلوب العمل والاهتمام بالتواريخ المحلية يزداد مع مرور الوقت، حتى أصبح ذلك الأسلوب من مستلزمات التاريخ القومي في وقتنا الحاضر.

ولقد استعمل المؤرخون المسلمون أساليب شتى لدعم فكرتهم التحقيبية للتاريخ (على أساس الأسر الحاكمة أو الدول أو الإقليم). وأضافوا تحسينات مستمرة، متطورة بتطور المجتمع والثقافة المتاحة. من ذلك مثلاً اختراعهم (نظام الطبقات) الذي يعتبر نظامًا إسلاميًا صرفًا، لا يقيم كبير وزن لحساب السنوات بل يعتمد الطبقة التي تضم عددًا كبيرًا من الرجال والنساء كمدخل لتاريخ البلد أو تاريخ الفكرة. وربما نشأ هذا النظام في أحضان علم الحديث كما هو الحال عند ابن سعد (ت 230هـ) ولعل أهم سلبية تواجه هذا الأسلوب، أنه لا يمكن تطبيقه لتقسيم التاريخ كله، بل يخدم غرضًا محددًا. ودليلنا على ذلك هو محاولة الذهبي (ت 748هـ) عندما كتب تاريخه (تاريخ الإسلام)، مستعملاً أسلوب الطبقات. فإن كان أسلوب الطبقات خدم بشكل ممتاز تاريخ المهن والتخصصات المحددة، فإنه بلا شك قد قصّر في الارتقاء بعلم التاريخ الإسلامي([55]).

2 - 5 تحقيب التاريخ الإسلامي، وجهة نظر إسلامية:

من خلال المناقشات السابقة نجد أن المؤرخ المسلم استطاع أن يقدم للمعرفة التاريخية الإسلامية منهجين متميزين، أحدهما المنهج الحولي الذي يقوم على تدوين الحوادث سنة بسنة. والآخر المنهج الموضوعي الذي يقوم على تسجيل التاريخ على أساس الدول أو السلالات الحاكمة، أو الأقليم والطبقة أو غيرها. ومن المؤرخين من جمع بين أكثر من منهج مثل المسعودي (ت 346هـ)، الذي دون حوادث كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، مستعملاً المنهج الحولي والمنهج الموضوعي. كذلك فقد التزم المؤرخ المسلم بالنظرة الدينية تجاه تحقيب التاريخ، فمثلاً وضع خطأ فاصلاً واضحًا في مجرى التاريخ بين تاريخ ما قبل البعثة النبوية وما بعدها. وقد التزم أغلب المؤرخون بهذا التوجه ما عدا فئة قليلة من مؤرخي الشيعة الإسماعيلية([56]). ولكن المؤرخ المسلم ما فتئ يبحث ويطور في أساليب التحقيب التاريخي. ولنكون على جلية من الأمر، فسنقوم باستعراض وجهات نظر خمسة عشر مؤرخًا وكاتبًا تراثيًا من المعنيين بالتاريخ الإسلامي من القرن الثاني للهجرة حتى القرن العاشر للهجرة. من خلال عمل كهذا يستطيع المرء أن يرصد وجهة النظر الإسلامية، التي عبر عنها أولئك النفر خلال تلك الفترة. وهي فترة طويلة وكافية،تجعل من السهولة الوصول إلى استنتاج مرض عن طبيعة التوجه وديناميكية التحقيب. وبداهة لا بد من الاعتراف أن هنالك تصورًا عامًا لهيكلية التحقيب لدى المؤرخين المسلمين. وهي بدرجات مختلفة من الوضوح، وهذا التصور يتوزعه العرب والفرس مع اختلافات ليست بالكبيرة، حيث ينقسم التاريخ إلى أربع حقب:

أ - من مفتتح القرن الهجري الأول إلى القرن الثالث الهجري.

ب - من القرن الثالث إلى القرن السادس الهجري.

ج - من نهاية القرن السادس إلى بداية القرن العاشر الهجري.

د -  من القرن العاشر إلى بداية القرن الثالث عشر الهجري([57]).

يبدو أن أول بداية مسجلة تصلنا هي محاولة ابن اسحاق (ت 151هـ) مؤسس أحد فروع التاريخ الإسلامي، وهو تاريخ السيرة، وإن كان ابن اسحاق قصر كلامه على تاريخ السيرة النبوية، فإنّا لا نعدم ملاحظة توجهه لترتيب ما عنده من مادة تاريخية. ولم يأت تقسيمه -كما يبدو اعتباطيًا- بل جاء نتيجة قناعة خاصة. فهو يعالج تاريخ العصر الجاهلي في جزيرة العرب كحقبة مستقلة ويسميها (المبتدأ). وهذه الحقبة التي يعدّها بعض المؤرخين المسلمين مقدمة للتاريخ الإسلامي، يعدّها آخرون نوعًا من العبث التاريخي. وعلى كل فمن المؤرخين من يمد فترة العصر الجاهلي إلى الوراء لتشمل تاريخ آدم والأنبياء والرسل كما وردت في العهدين القديم والجديد. ومنهم من يقصرها على التاريخ المعروف لمكة. أما الحقبة الثانية فيدعوها ابن اسحاق (المبعث)، حيث يتناول تاريخ سيرة النبي e من مولده إلى هجرته، أي الفترة المكية، وهي في نظره حقبة مستقلة. وتوجهه هذا فيه من الجدة والطرافة ما يستحق الإشادة به. فهي في نظره حقبة مستقلة لم يعترف بها المؤرخون الذين جاءوا من بعده، وطرافتها أن بعض المؤرخين في وقتنا الحاضر يعتقد بصحتها وبمدلولاتها التاريخية والاجتماعية ولكنهم لا يفردونها بحقبة مستقلة. أما الحقبة الثالثة فهي تاريخ السيرة في الفترة المدنية، ويدعوها ابن اسحاق (بالمغازي). وكلمة مغازي لا تثير أي معارضة باعتبارها أحد المرادفات التاريخية لكلمة تاريخ في عصر ابن اسحاق ([58]).

وبحلول القرن الثالث الهجري، يظهر تحقيب جديد يتبناه الكاتب الموسوعي الجاحظ (ت 255هـ)، الذي يستخدم مصطلح (الطبقة) للدلالة على الحقبة، وهو بلا شك أثر من نظام الطبقات الدينية السائدة في عصر الجاحظ. وقد قسم الجاحظ التاريخ الإسلامي إلى أربع حقب. أولها يدعوها (طبقة عصر النبي وأبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان). أنه فعلاً عنوان طويل، ولكن الجديد فيه الشجاعة التي يتحلى بها الجاحظ في نظرته للتاريخ. أنه يؤكد على الاستمرارية التاريخية عندما لا يستجد ما يجعلها تتوقف. وهو ما فعله من وصل الفترة النبوية مع أغلب الفترة الراشدية. ولكن عندما يرى حدثًا مميزًا يستحق تحقيب التاريخ فلا يتردد من الأخذ به بصرف النظر عن موقع الحدث في السياق الكرونولوجي أو الموضوعي. وهو ما فعله عندما جزأ خلافة عثمان بن عفان إلى جزأين. لأن الحدث الذي أثار الجاحظ ليس وفاة الخليفة، وليس هو حدث سياسي أو كرولونوجي عابر، بل هو أكبر من ذلك إنه التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثت طفرة في المجتمع الإسلامي، وأحدثت هزة، أدت فيما أدت إلى قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ت 35هـ).

أما الحقبة الثانية فهي (الفتنة)، وهي الفترة التي تشمل سنوات الحرب الأهلية والصراع على السلطة السياسية، تبدأ من مقتل الخليفة عثمان بن عفان حتى تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان سنة 41 للهجرة. ونظرة الجاحظ الجريئة والثاقبة لهذه الفترة/ الحدث لا تقل عن مثيلاتها السابقة، فهو يعتقد أن فترة الحرب الأهلية تستحق أن تكون حقبة مستقلة، لأهميتها ولعظم النتائج التي ترتبت عليها. ولعل أطراف ما في نظرته تلك أنه يدعو تلك الفترة (بالفتنة). وهو اصطلاح ديني/ سياسي، وظفه الجاحظ لدلالته التاريخية والاجتماعية. أما الفترة الثالثة فيدعوها (بالملك)، ويقصد بها تاريخ الدولة الأموية. أما الرابعة وينعتها (بالخلافة)، ويقصد بها تاريخ الدولة العباسية. ويبدو أثر التشيّع وراء قصره لقب الخلافة على الدولة العباسية، والاكتفاء بلقب دنيوي للدولة الأموية ([59]).

وعند حلول نهاية القرن الثالث الهجري، نجد التحقيب لتاريخ الإسلام يأخذ اتجاهًا عالميًا عند كل من الدينوري (ت 282هـ)، واليعقوبي (ت 284هـ). فالأول وزع التاريخ الإسلامي على حقبتين. الأولى تغطي التاريخ الراشدي والأموي، والخوارج. والثانية تشمل التاريخ العباسي. وكل هذا يأتي بعد حقبتين خص بأحدهما تاريخ الأنبياء وبالثانية تاريخ الفرس والروم([60]). أما اليعقوبي فقد وردت ملاحظاته في كتابه (التاريخ)؛ الذي يعدّ بحق أول تاريخ عالمي بمعنى العالمية. وقد اتبع اليعقوبي أسلوبًا فريدًا؛ إذ في نظره لا يستلزم تخصيص التاريخ الإسلامي بحقب خاصة به؛ بل يجب أن ينظر إليه من خلال منظور عالمي. ولقد بلغت العالمية في التاريخية الإسلامية قمتها عند العالم والمؤرخ الفارسي رشيد الدين الهمذاني (ت 716هـ)، الذي تمتع لمدة طويلة بالحماية والرعاية لدى الإمبراطور المغولي محمد خدابذه (ت 717هـ)، مما جعله يؤرخ لأماكن بعيدة عن مكان إقامته مثل الصين وإيرلندا. وفي تاريخه يسلك رشيد الدين في معالجة التاريخ الإسلامي منظورًا عالميًا/ حضاريًا([61]).

ومن هذا يتضح أن الدينوري ورشيد الدين بعملهما قد سبقا كل من أرنولد توينبي A. Toynbee ومنظمة اليونسكو في معالجتهم التواريخ العالمية من منظور عالمي Global Approach أما الطبري (ت 310هـ) في كتابه الضخم عن التاريخ فلا يوجد ما يشير إلى اهتمامه بأي نوع من التحقيب، اللهم إلا ما عمله في القسم الخاص بتاريخ ما قبل الإسلام حيث كتبه على الطريقة الموضوعية، وهو الشكل الذي يعرف بالأجنبية Chronicle، وهو خلاف ما عمله في الجزء الإسلامي حيث التزم الطريقة الحولية Annuals. وليس متوقعًا من الطبري أية نظرات فاحصة بخصوص التحقيب، لأنه أولاً يمثل نزعة المحافظة في العلم، وثانيًا أنه محسوب على الوسط الديني، الذي اعتاد على نظام الحوليات، إذ هو من كبار المفسرين والمحدثين والفقهاء. وثالثًا أن التحقيب قد يفسر بتأويلات سياسية أو دينية لا يرغب الطبري إقحام نفسه فيها.

وعند مسكويه (ت 421هـ) يبدأ التاريخ بالعودة إلى الحكمة. ويعدّ مسكويه من أقدر المؤرخين المسلمين وذلك أنه جمع بين الذكاء والإلمام بكثير من المعلومات الجيدة، وخاصة ما يتعلق بالأمور الإدارية والحربية، ويبدو أن هذا كان نتيجة لطبيعة العمل الذي يتقلده. ويلاحظ المرء أن مسكويه يؤمن بعالمية التحقيب التاريخي، ولكن في الوقت نفسه يفضل تحقيب التاريخ الإسلامي إلى ثلاث حقب هي: الفترة النبوية والراشدية، والثانية الأموية، والثالثة العباسية؛ ولكنه يشير إلى ضرورة جعل الفترة الأموية مقدمة للفترة العباسية. وليس هنالك من تفسير لهذا الاتجاه إلا كون مسكويه موظفًا في البلاط العباسي، فانعكس ذلك على نظرته للفترة العباسية وأهميتها([62]).

ثم نأتي إلى عصر بدأ الكتّاب فيه ينظرون إلى حقبة معينة، ويجعلونها مناط تفكيرهم، ويقللون من أهمية الحقب السابقة أو اللاحقة لها، فإن كانت الحقبة سابقة فهي بمثابة المقدمة لحقبتهم المختارة، وإن كانت الحقبة لاحقة فهي النتيجة لحقبتهم. ما عدا إفراد تاريخ السيرة النبوية لخصوصيتها الدينية. لا أجد تفسيرًا معقولاً لهذا العمل، سوى التحزب السياسي، أو التحيز الديني. من هؤلاء الثعالبي (ت 429هـ)، الذي يرى أهمية تاريخ الدولة العباسية، بل إنه يشير صراحة إلى سنة 132 للهجرة، وهي سنة سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، فيرى ضرورة إفرادها وإبرازها لتمثل بداية حقبة جديدة في التاريخ([63]). وكذلك ابن حزم (ت 456هـ)، الذي أفرد الفترة النبوية كحقبة مستقلة بذاتها. ونظر إليها نظرة هي دينية أكثر منها تاريخية. وقال إن دراسة تاريخ الرسول e فرض والخطأ فيه كفر. وهو يعطي مساحة كبيرة لهذه الفترة على حساب الفترات الأخرى. بل إنه لا يرى جمع الفترة النبوية مع فترة الخلفاء الراشدين، باعتبار أن الأولى فترة مقدسة والثانية فترة تاريخية، يجوز إفرادها أو ضمها مع غيرها ([64]). ومثل هذا التوجه نجده عند ابن الجوزي (ت 597هـ)، الذي رتب كتابه على أساس السنين، وفيه نظر إلى الفترة النبوية بشقيها المكي والمدني نظرة خاصة، ويستدل من معالجته لها أنه يفضل إفرادها كحقبة متميزة.

وبحلول القرن الثامن الذي شهد تطورًا ملموسًا في أسلوب تحقيب التاريخ الإسلامي. وخير م يمثله من المؤرخين محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي (ت 709هـ)، وهو مؤرخ وباحث دؤوب. خلف أباه في نقابة العلويين بالحلة والنجف وكربلاء. وفي كتابه الموسوم (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية). قدم معالجة جديدة تقوم على تحقيب جديد متطور، أزعم أنه مخترعه. وإن كانت البدايات المتواضعة قد سبقته، إلا أن الفضل يرجع إليه في تقسيم التاريخ الإسلامي إلى حقب متميزة متسقة ولا أظن أن هنالك مبالغة في القول إن ابن الطقطقي هو القائل بالحقب التاريخية التي تعتمدها اليوم في مدارسنا ومناهجنا التاريخية. لقد قسم التاريخ الإسلامي إلى أربع حقب هي:

1 -  دولة الأربعة (ويقصد بها فترة الخلفاء الراشدين).

2 -  الدولة الأموية.

3 -  الدولة العباسية.

4 -  تاريخ الدويلات التي عاصرت الدولة العباسية، كالدولة الفاطمية، ودولة بني بوبه، ودولة السلاجقة ([65]).

والجديد في نظرة ابن الطقطقي أنه قسم التاريخ الإسلامي إلى أربعة أقسام، تعتمد كلها على السلالات المالكة. وكذلك نعت الخلافة الراشدية بدولة الأربعة، ولعل لتشيعه أثرًا في تجنب استعمال لقب (الراشدون). ولقد التزم المؤرخون فيما بعد بتحقيب ابن الطقطقي مع تعديلات طفيفة. وأثر ابن الطقطقي نجده واضحًا مع تعديل بسيط لدى القلقشندي (721هـ)، الذي يرى أن الخلفاء الراشدين خمسة لا أربعة بعد إضافة الحسن بن علي بن أبي طالب (ت 50هـ)، كما يرى أهمية تقسيم الدولة العباسية إلى قسمين أحدهما العباسيون في العراق  والأخرى العباسيون في مصر. وليس في آراء القلقشندي جدة تستحق لفت الانتباه لها سوى قوله بإضافة الحسن بن علي لفترة الراشدين. وهذه ملاحظة جيدة تستحق العناية، وخاصة أن مدة حكم الحسن بلغت ستة أشهر ونصف. ولكن درج المحقبون على ترك هذه المدة؛ فلا هم أضافوها إلى الفترة الراشدية، ولا هي تصلح ضمن الدولة الأموية. أما الطرافة في رأي القلقشندي فهو استشهاده بآية: )لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ(([66]) واعتبار ألف شهر هي مدة سنوات حكم أسرة الأمويين. وبهذا يكون القرآن قد تنبأ بالواقع السياسي ([67]).

وهكذا يتأصل منهج ابن الطقطقي ويتسع، ويأخذ به المؤرخون والكتاب فهذا النويري (ت 723هـ) في كتابه (نهاية الأرب) يقسم التاريخ بالطريقة نفسها التي قال بها ابن الطقطقي ([68]).

لا ينتصف القرن الثامن حتى نجد التحقيب التاريخي السابق ذكره قد شهد بعض التحسينات، ولكنها تحسينات لم تمس جوهره، وهو ما نراه واضحًا لدى الذهبي (ت 748هـ)، الذي يدعو -فيما يبدو- الحقب بالفن وهو أمر له دلالته الفلسفية. والذهبي يطمح إلى تقسيم التاريخ الإسلامي إلى حقب فرعية كثيرة، والطرافة في آرائه إنه يميز يبن مدلول (الخلفاء)، ومدلول (الملوك)، لا على أساس طبيعة الحكم كما هو الحال عند أسلافه، ولكن على أساس التسمية اللفظية فقط. وهو يعطي أهمية للحوادث السياسية لغرض التحقيب. فهو مثلاً يقف طويلاً عند حوادث سنة 132 للهجرة، وطبيعة الأحداث السياسية، وفظاعة المجازر التي ارتكبت ضد الأهالي في دمشق وعنده أن هذه السنة تستحق أن تكون مميزة تحقيبًا، والذهبي مؤرخ موسوعي وله نظرات صائبة، وتطلعات طموحة، فعلى سبيل المثال درج على تقسيمات وحقبًا تاريخية قد يُفهم منها أنها تعالج المناحي الثقافية، والأدبية، والفكرية، والدينية، والاقتصادية، والعلمية، والمذهبية، والفنية، والطبقات الاجتماعية، والتجارية، والزراعية، والصناعية. وكل تلك المناحي يدعوها بالفنون. وهي أراء حاول تطبيقها في مؤلفه الضخم معتمدًا على (نظام الطبقات) الذي أضاف إليه نظامًا فرعيًا أسماه (بالعقود)، وهو ما لم يصادف قبولاً لدى المؤرخين فيما بعد نظرًا لصعوبة تطبيقه. ولو كان الذهبي يعيش بيننا الآن لسر لأن بعض أراءه وجدت طريقها للتطبيق: مثل التاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ المذهبي، كفروع شبه مستقلة، ولكننا حتما لم نصل بعد إلى ما يود الذهبي الوصول إليه، مثل التاريخ التجاري ([69]).

وأخيرًا نأتي إلى السخاوي (ت 902هـ)، الذي سبق أن أشرنا إلى بعض من توجهاته التاريخية. ويتميز العصر الذي عاش فيه السخاوي بالتحفظ والجمود في الدراسات التاريخية وغيراه، ومع هذا فقد جاءت أفكاره التحقيبية تحمل شيئًا من التحسين، فهو مثلاً يقترح إضافة الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان ( 60هـ) إلى عصر الخلفاء الراشدين. وفي نظره أنهما اختيرا من المسلمين، مثلهما مثل الخلفاء الأربعة، ولكنه من جهة أخرى يرفض إضافة ابن الزبير الذي اختير أيضًا بنفس الطريقة. وكذلك يقترح دراسة تاريخ الأمويين بالأندلس وتاريخ العبيدين في أفريقية والفاطميين بمصر في حقبتين منفصلتين([70]). وهي توصية لا تعدو أن تكون بسبب الشعور الإقليمي.

ومن استعراض وجهات النظر لعدد من المؤرخين المسلمين ومناقشتها، نخلص إلى أنهم لم يتفقوا على تحقيب معين. وحتى اقتراح ابن الطقطقي فقد تعرض لتحسينات مستمرة. التاريخ يتصف بالمرونة، وبتعدد المدارس الفكرية والفلسفية التي تعالجه، لذا سوف تظهر محاولات للتحقيب جديدة تنطلق من رؤى جديدة وهو ما سوف نراه لدى المستشرقين.

2 - 6 تحقيب التاريخ الإسلامي، وجهة نظر استشراقية:

لم يهتم أوائل المستشرقين الأوربيين بمسألة التحقيب؛ لأنهم شغلوا أنفسهم بأعمال وجدوها مثيرة، وداعية للتفرغ، كالبحث عن المخطوطات وفهرستها، ودراستها، وتحقيقها وترجمتها. ومنهم من تفرغ للدراسات التاريخية البحتة، أو الدراسات المقارنة. لقد انغمس أولئك النفر في التراث العربي الإسلامي، لدرجة أصيب بعضهم بالنزعة التاريخية Historicism؛ تلك النزعة التي تؤدي بصاحبها في بعض الأحيان إلى الشطط والمغالاة في الأحكام والنتائج.

وكان مما أُهمل كما أسلفنا مسألة التحقيب. والباحث يعزو سبب ذلك أن مسألة التحقيب لم تكن ذات بال لدى أوائل المستشرقين، أو لأنها لم تكن مسألة ملحة في ذلك الوقت، أو لأن الأسلوب السائد في كتب التراث لا يشكل عائقًا بحثيًا أو أكاديميًا أو حتى منهجيًا أمام المستشرقين. بل إن بعضهم معجب بأساليب التحقيب الإسلامي السائد في كتب التراث العربي. من هؤلاء الأمير الإيطالي كايتاني Leon Caetani (ت 1926م)، الذي كتب مؤلفه الضخم (الحوليات الإسلامية) Annals dell Islam بأسلوب الحوليات، حيث بدأه بتاريخ السيرة العطرة ووصل به إلى سنة 40 للهجرة. وبدون مبالغة، فقد سبق كايتاني في الإعجاب بنظام الحوليات الإسلامية، المستشرق الإنجليزي Sir William Muir (ت 1905م)، حيث يبدو ذلك واضحًا في كتابه (الخلافة صعودها وانحدارها وسقوطها The Caliphate, Its Rise, Decline and Fall) الذي غطى فيه فترة الخلافة الإسلامية منذ الرادين حتى نهارية العباسيين([71]).

لم يمنع عدم مباشرة أوائل المستشرق مسألة التحقيب أن تظهر لديهم إشارات ودلالات وتحليلات، يجد المتمعن فيها اتجاهًا لدى بعضهم إما في تفضل تقسيم معين، أو في عدم رضاهم بالأسلوب السائد، من حيث إهمال مناطق إسلامية وعدم تناولها تاريخيًا بالقدر الكافي على حساب مناطق أخرى. ويكفي أن بعض المستشرقين قد نبّه من خلال بحوثهم المستفيضة والرائدة إلى أهمية حقب تاريخية، أو مناطق جغرافية، كانت في منأى عن هيكلية التصور السائد آنذاك. وكان مما له الأثر في إعادة النظر إلى مكانتها ضمن سياق التاريخ الإسلامي. من مثل تلك الدراسات ما قام به المستشرق الروسي بارثولد Vasilii V. Barthold (ت 1930م). الذي نبّه بشكل مثير إلى أهمية تاريخ الشرق الإسلامي ومكانته في منظومة التاريخ الإسلامي كله. وليس بعيدًا أن بارثولد متأثر بأفكار سلفة المستشرق الإنجليزي هنري اليوت Sir Henry Elliot (ت 1853م) ودراساته، الذي يبدي إعجابًا خاصًا بتاريخ المسلمين في الهند في كتابه ذي الثمانية الأجزاء

(The History of India as Told by Its Own Historians, The Muhammadan Period).

أما في تاريخ الجزء الغربي، فقد لفت النظر إلى أهميته كتاريخ مكمل للتاريخ الإسلامي المستشرق الهولندي دوزي Reinhart Dozy (ت 1920م). الذي بحث في تاريخ الإسلام في أسبانيا. وكذلك خلفه المستشرق الفرنسي بروفنسال E. Levi- Provencal (ت 1956م) الذي اهتم بتاريخ المغرب والأندلس، وبيّن أنه لا مجال إطلاقًا للفصل بين تاريخ المغرب وأسبانيا([72]).

وهنالك بعض المستشرقين من نظر إلى فترات التاريخ الإسلامي من منظور لغوي صرف Languistic Prospect، من هؤلاء المستشرق الإنجليزي جب Hamilton E. Gibb (ت 1971م)، الذي أهمل المعطيات الحضارية الأخرى. ومنهم من غلب الجانب الحضاري البحث Cultural Approach في تحقيب التاريخ الإسلامي من خلال إبراز الحضارة الإسلامية كحقبة تطغى على التاريخ السياسي. مثل الدراسة التي قام بها المستشرق الألماني آدم متز Adam Mez (ت 1917م)، وتحمل عنوانًا حضاريًا هو (die renaissance des Islam) وقد ترجم إلى العربية باسم (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري)، ولقد عالج (متز) القرن الرابع الهجري على أساس أنه يناظر في ميدان الحضارة الإسلامية عصر النهضة Renaissance في ميدان الحضارة الأوربية([73]).

 

وبعضهم ألمح إلى اعتماد إحدى الدول الإسلامية لتمثل حقبة منفصلة، مستقلة عن سابقتها، مختلفة عن لاحقتها، أمثال المستشرق الألماني فلهوزن Julius Wellhausen (ت 1918م)، والمستشرق الفرنسي لامانس Henry Lammans (ت 1962م)، فقد نظرا للدولة الأموية نظرة عميقة، معجبة وربما رومانسية. أو أولئك الذين غلبوا الفترة العباسية أمثال المؤرخ الأمريكي كندي هو Kennedy Hugh، الذي يعدّ الدولة العباسية هي الممثل الصحيح لتاريخ الإسلام، ويرى أنها من الأهمية لتقسم إلى فترتين، إحداهما تبدأ من سنة 128 للهجرة أي قبل إعلان الدولة رسميًا، وتستمر حتى سنة 218 للهجرة وهي سنة وفاة الخليفة المأمون، حيث تبدأ الفترة الثانية وتستمر حتى سقوط بغداد على يد المغول سنة 656 للهجرة([74]).

ومنهم من نظر للتاريخ الإسلامي من خلال التطورات الدينية والمذهبية، وألمح إلى أهمية اعتماد الظواهر الدينية والمذهبية الكبيرة كعاملات تحقيبية، من أمثال ذلك المستشرق الهولندي فإن فلوتن Gerolf Van Volten (ت 1903م) الذي عني بالتشيع وأثره في السياسة الأموية. ولعل كتاباته هي التي دفعت المستشرق المجري جولد سهير Ignaz Goldziher (ت 1921م) إلى التخصص في الدراسات الدينية والمذهبية الإسلامية، حيث تعدّ دراساته بحق أعمق عمل استشراقي في هذا المجال، حتى الوقت الراهن([75]).

وكان أحد المؤرخين الأوربيين، الذين عنوا بتقسيم التاريخ العالمي إلى أربع حقب كبيرة، قد وضع كل التاريخ الإسلامي ضمن ما أسماه (بالعصر التقليدي 500- 1500م)، وهذا بالطبع نظرة ضيقة، ليس لأنها تحكم التاريخ الإسلامي فقط، ولكن لأنها تحجّم التاريخ العالمي. وهذا إن أمكن قبوله فيما يخص تاريخ العصور القديمة حيث قلة المعلومات والحقائق التاريخية، فإن ذلك التوجه لا يخدم العصور التي أصبحت المعلومات فيها توصف بالثورة لكثرتها وسرعة تجددها([76]).

ومن المستشرقين من يرتاح للتحقيب الذي وضعه المستشرق الفرنسي سورديل Dominique Sourdel الذي يقسم التاريخ الإسلامي إلى الحقب التالية:

1 -  الفترة النبوية.

2 -  الخلافة الراشدية والأموية.

3 -  الخلافة العباسية حتى القرن الثالث.

4 -  الخلافة العباسية في القرن الرابع، والخلافة الأموية في الأندلس.

5 -  الخلافة بعد سقوط الدولة العباسية([77]).

لكن تحقيب سورديل لا يخلو من سلبيات في نظر معاصريه، يأتي على رأسها أنه جعل الخلافة عنوانًا لكل حقبة، وهذا اتجاه رأيناه عند بعض المؤرخين المسلمين، الذين غلبوا أثر المؤسسة في التاريخ. ثم هنالك مشكلة جمع فترة الخلافة الراشدية مع فترة الخلافة الأموية، ومع الاعتراف بجرأة الفكرة وجدتها، فهي لا تفضل لاختلاف النظام السياسي في كل الفترتين.

ثم نأتي إلى اعتماد العالمية Global Approach أساسًا للنظر إلى التاريخ الإسلامي، ولقد رأينا فيما سبق محاولات من لدن المؤرخين المسلمين في هذا الخصوص؛ ولكنها لدى المغربيين أكثر قبولاً، وخاصة لدى المؤرخين الأمريكيين المغرمين بكل ما هو عالمي. فالفيلسوف المؤرخ توينبي Toynbee، وهو وإن كان بعيدًا عن تخصص الدراسات الإسلامية، إلا أن كتاباته تجد احترامًا وقبولاً لدى مختلف دوائر التواريخ الإقليمية. وينزع رأي توينبي إلى أن جزئيات التاريخ لا يمكن أن تؤخذ بمعزل عن جملة سياق التاريخ ككل، بل والتاريخ العالمي. ويقول أيضًا أنه لا يمكن أن يُفسر الحدث التاريخي الواحد نفسه بنفسه. بل هو لغز لا يمكن أن تفك عقدة إلا بربطه بالأحداث المتعاقبة في سياق التاريخ. ويوصي توينبي بضرورة انسجام التاريخ الإسلامي مع بقية تواريخ العالم. وينعت الفترات التاريخية (بالمجتمع)، وينظر إليها بمنظور حضاري([78]). وتجدر الإشارة إلى أن توينبي لم يقدم مقترحات مفصلة تخص التاريخ الإسلامي، ولكنه من جهة أخرى، قد أشار إلى أهمية جعل الهجرة النبوية حدًا فاصلاً بين حقبتين تاريخيتين([79]).

أما المؤرخ الأمريكي الموسوعي ديورانت William Durant (ت 1981م) فقد حرر بمساعدة زوجته Ariel (ت 1981م) موسوعة حضارية تاريخية من أحد عشر جزءًا تشمل الحضارة العالمية بدءًا من الموروث الشرقي القديم حتى عصر نابيلون. وبخصوص التاريخ الإسلامي. فقد اعتمد تقسيمًا جديدًا حيث يجمع فيه بين المفهوم الثقافي/ الاجتماعي ليصل إلى هيكلية تاريخية لا تغفل التطورات السياسية، بل تحتضنها بالمعالجة، والتقسيم والعنونة التي اعتمدها ديورانت جاءت على الوجه الآتي:

1 -  محمد e: وتشمل هذه الفترة تاريخ الجزيرة العربية قبل البعثة، والفترة المكية، وهجرة النبي محمد e إلى المدينة، وتأسيس الدولة والغزوات النبوية.

2 -  القرآن الكريم: وتدرس هذه الفترة التي تحمل اسم الكتاب المقدس، الدين الإسلامي في عمومياته، العقيدة، الإيمان والدين والدولة.

3 -  سيف الإسلام: وتشمل الخلافة الراشدية، الخلافة الأموية، الخلافة العباسية الأولى والثانية (التي يدعوها باسم أشهر خليفة فيها وهو هارون الرشيد
ت 193هـ). ثم سقوط الدولة العباسية.

4 -  الغرب الإسلامي: وتشمل هذه الفترة فتوح أفريقية والأندلس، الحضارة الإسلامية في كل منهما، الإسلام في البحر المتوسط وتاريخ الخلفاء والأمراء.

5 -  الانحدار والسقوط: ويعالج في هذه الفترة الشرق الإسلامي، وظهور المغول والإسلام والنصرانية.

ولم يغفل ديورانت المناحي الثقافية والدينية والفلسفية والتصوف، ونظام الحكم، والاقتصاد، وعادات الشعوب، والطب، والأدب، والفن، والموسيقى، حيث خصص لكل ذلك فترتين([80]). وتحقيب ديورانت متأثر بالنظرة الغربية النصرانية للإسلام وللمسلمين. والدليل العناوين التي جعلها تتصدر تحقيبه مثل (سيف الإسلام)، التي تشمل فترة طويلة وغنية، بل هي روح التاريخ الإسلامي. وتحجيمه لهذه الفترة الطويلة يوحي بالمفهوم الديموجي للدين الإسلامي وللمسلمين لديه. أما الجديد والجدير بالإشارة في تحقيب ديورانت فهو الجمع بين تاريخ السيرة النبوية وتاريخ مكة قبل الإسلام، وهو اتجاه يقبله كثيرًا المؤرخون المعاصرون. وأخرى عمله الدؤوب في استخدام آلاف الحقائق والمعلومات السياسية والاجتماعية والثقافية وتوظيفها في حقب تاريخية اختار لها عناوين فلسفية، وهو ما يبعد عمله عن دائرة علم التاريخ.

أما المؤرخ الأمريكي هدسون Marchal Hodgson (ت 1968م) صاحب كتاب (بزوغ الإسلام The Venture of Islam)، الذي قسم كتابه إلى قسمين، الأول ويدعوه بالحقبة الكلاسيكية للإسلام (The Classical Age of Islam)، والقسم الثاني ويسميه التوسع الإسلامي في الفترات الوسيطة The Expansion of Islam The Middle Periods. ولعل عمله يعدّ أكبر إنجاز استشراقي منهجي يعالج الحقب الإسلامية، بنظرة واسعة في دائرة حضارية عالمية. ويبرز في تحقيب هدسون التداخل بين علم التاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد والاجتماع، واللغة، والسكان، والثقافة، والمؤسسات السياسية. في منظومة رائعة، ولكنها ضيقة وبعيدة عن الاعتراف بالأنثروبولوجيا في صنع هذا الخليط. ولعل هدسون في عمله هذا متأثر بالمؤرخ الفرنسي المعاصر له بوسيان فيبفر Lucien Febvre (ت 1956م)، صاحب مدرسة تاريخ الظواهر والقضايا وتداخل العلوم في كتابه التاريخ ويقترح (هدسون) التقسيم التالي للتاريخ الإسلامي:

1 -  فترة التأسيس (589- 629م): ويتحدث في هذه الفترة عن الدولة الساسانية والخلافة الأولية، كما ينعتها. وهي فترة طويلة تضم تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، وعلاقاتها مع جارتها الإمبراطورية الساسانية، وتاريخ السيرة النبوية بشقيها المكي والمدني، وتاريخ الخلفاء الراشدين،ونصف تاريخ الدولة الأموية. وتتميز تلك الفترة بأن الفاعليات السياسية والاجتماعية معتمدة على العنصر العربي. وكانت الشرعية بدورها تعتمد على فكرة الجماعة ولقد اختار (هدسون) سنة مقتل عبدالله بن الزبير (ت 73هـ/ 692م) نهاية تلك الفترة. وهذا أمر له دلالته السياسية، حيث توطد الأمر للفرع المرواني.

2 -  فترة الخلافة العظيمة (692- 945م): وتشمل بقية سنوات خلافة بني أمية، والخلافة العباسية. وتنتهي هذه الفترة ببداية العصر العباسي الثالث؛ التي توافق بداية تسنم المستكفي بالله منصب الخلافة ثم وفاته (ت 333هـ/ 945م). وهذه الفترة طويلة وغنية من حيث الثقافة والمؤسسات السياسية والدينية، حيث ظهر أثر العصبة الفارسية Persian Kinship، الذي أثر في بناء الدولة وإدارتها، وخاصة في مجال البيروقراطية الإدارية ومؤسسات الجيش. وبروز قواعد وتنظيمات سياسية واجتماعية للمعارضة. واختيار (هدسون) لبداية تلك الفترة قد يجد من يقبله، وأما تاريخ نهايتها فيحتاج المرء إلى قدرة فائقة لاقناع المهتمين بالتاريخ الإسلامي لقبوله، لا أظن أن هدسون وفق في ذلك، سوى مجادلته في أن تلك الفترة تتميز ببروز سلطة الأمراء والأعيان وظهورها على مسرح التاريخ، كما برز خلال تلك الفترة فكرة عسكرة السلطة؛ وهي ظاهرة بدأت خلال فترة الخلافة المتسلطة. كما ظهر نظام الإقطاع وخاصة وسط دائرة الحكام العسكريين الأتراك.

3 -  فترة الحضارة العالمية (945- 1258م): وهذه الفترة تغطي بقية تاريخ الخلافة العباسية وما جاورها من دول وإمارات حتى سقوط الخلافة (656هـ/
1258م)، وهي فترة يدعوها أيضًا بالإسلام الوسيط.



([38])   بخصوص تجربة ثابت بن سنان (ت 365هـ) انظر المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 346هـ)، مروج الذهب ومعادن الجوهر (القاهرة: المطبعة البهية، 1946م)، ج1، ص7.

([39])   روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، ص106- 110، وأنظر أيضًا:

Rosenthal, F. The Technique and Approach of Muslim Scholarship, Pontificium Instiatum Biblicum (Rome, 1947). Passim.

([40])   المسعودي، التنبيه والأشراف، تحقيق de Goege (ليدن، بريل، 1961م)، ص202.

([41])   النويري، شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب (ت 733هـ)، نهاية الأرب في فنون الأدب (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1938م)، ج19، ص18.

([42])   هاملتون جب، علم التاريخ، ص68. الفرس أرخت بأربع طبقات من ملوكها، الأول بكيمورت والثاني يزدجر، والثالث أردشير بن بابك، والرابع أنو شروان، انظر: روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص515. بخصوص تحقيب التاريخ الأوربي في العصور الوسطى على نظام السلالات، أنظر:

Curtius, E. R., European Literature and the Latin Middle Ages (1933), p.29.

([43])   ابن الأثير، أبو الحسن عز الدين علي بن محمد بن أبي الكرم محمد (ت 630هـ)، الكامل في التاريخ، تحقيق عبدالوهاب النجار (القاهرة: 1939م)، ج2، ص502.

([44])   عبدالعزيز الدوري، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، ص5.

([45])   Morony, M. (Bay al- Fitnatayn) قارن بهذا الخصوص: عزيز العظمة، الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية (بيروت: دار الطليعة، 1983م)، ص76. وكذلك للمؤلف نفسه، السياسة واللاسياسة في الفكر العربي- الإسلامي، مجلة الفكر العربي، المجلد الثالث، عدد 3، 1981م، أما بخصوص رأي علماء الاجتماع، انظر: هيوج اتكن، دراسة التاريخ وعلاقته بالعلوم الاجتماعية، ترجمة محمود زايد (بيروت: دار العلم للملايين، 1963م)، ص76- 77.

([46])   Rosenthal, F. (Dawla) (Encyclopaedia of Islam) 2nd. edition E. J. Brill (Leiden, 1983). vol. II, p.177-178.

([47])   البلاذري، أحمد بن يحيى (ت 279هـ)، أنساب الأشراف، ب49، تحقيق Scholoessinger (القدس: الجامعة العربية، 1938م)، ج4، ص38.

([48])   ابن هشام، أبو محمد عبدالملك (ت 213هـ)، سيرة النبي، تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1937م)، ج4، ص334.

([49])   الطبري، محمد بن جرير (ت 310هـ)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار المعارف، 1970م)، ج3، ص80، ج7، ص469.

([50])   ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق (ت 285هـ)، الفهرست (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1948م)، ص156.

([51])   لمعرفة المزيد عن تلك التأليف التي تحمل عنوان "دولة"، أنظر: الدراسة المستفيضة لشاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص10- 211.

([52])   انظر التطور التاريخي والأدبي لمدلول كلمة "دولة" واستعمالها في:

Rosenthal, F. (Dawla) (Encyclopaedia of Islam) 2nd. ed E. J. Brill (Leiden, 1983).

([53])   روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص126.

([54])   نفسه، ص207.

([55])   لقد أحس المؤرخون في القرن السابع الهجري بحاجاتهم إلى ترتيب إضافي بجانب ما ألقوه لفهم وكتابة المادة التاريخية، التي تزداد يومًا بعد يوم، فاستعمل أبو عبدالله محمد أحمد الذهبي (ت 748هـ) في كتابه الكبير، دول الإسلام (حيدر أباد: نشر دائرة المعارف العثمانية، 1364هـ) تقسيمًا فرعيًا للحوادث، متبعًا نظام العقود، انظر: روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص121، وعن نظام الطبقات، انظر: الدراسة المستفيضة.

Hafsi, I. (Recherchers sur le genre Tabaqat) Studia Islamica, 23/3 ET 24/ET 2. (1976).

([56])   روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص40.

([57])   جب، علم التاريخ، ص45.

([58])   ابن هشام، السيرة النبوية، ص4.

([59])   الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (ت 255هـ)، رسالة بني أمية ضمن كتاب: المقريزي، تقي الدين أبو العباس، أحمد بن علي (ت 845هـ)، النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبنو هاشم، تحقيق محمود عرنوس (القاهرة: مكتبة الأهرام، 1937م).

([60])   الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود (ت 282هت)، الأخبار الطوال، تحقيق عبدالمنعم عامر (القاهرة: وزارة الثقافة، 1960م)، انظر: مناقشة الدينوري في: شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص249.

([61])   اليعقوبي، أحمد بن إسحاق بن جعفر (ت 292هـ)، تاريخ، تحقيق

M. T. Houtsama, E. J. Brill (Leiden, 1883).

وأنظر  رأي شاكر مصطفى في الموضوع نفسه في: التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص250- 252، وبخصوص تاريخ رشيد الدين، انظر: بيرلي سمال، المؤرخون في العصور الوسطى، ص53.

([62])   مسكويه، أبو علي الخازن أحمد بن محمد بن يعقوب (ت 421هـ)، تجارب الأمم (القاهرة: مطبعة شركة التمدن الصناعية، 1914م)، وانظر شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج2،
ص96.

([63])   الثعالبي، أبو منصور، عبدالملك بن محمد بن إسماعيل (ت 429هـ)، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم (القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة، 1965م)، ص155.

([64])   انظر مناقشة لرأي ابن حزم عند: طريف الخالدي، دراسات في تاريخ الفكر العربي الإسلامي (بيروت: دار الطليعة، 1977م)، ص87.

([65])   ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، ص13- 14.

([66])   سورة القدر الآية 1.

([67])   القلقشندي، أحمد بن عبدالله (ت 820هـ)، مآثر الأناقة في معالم الخلافة، تحقيق عبدالستار أحمد فراج (بيروت: عالم الكتب، 1964م)، ج1، ص167- 168، ص221، ج2، ص111،
ص223.

([68])   النويري، شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب (ت 733هـ)، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق أحمد كمال زكي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980م)، ص18- 55.

([69])   كتب الذهبي كتابه الموسوعي وترجم للشخصيات الإسلامية حسب نظام الطبقات والعقود وكلها يدعوها بالفنون. الذهبي، دول الإسلام، ج1، ص13- 17، فقد ذكر الذهبي في حوادث سنة 132هجرية أن عدد القتلى في دمشق وصل على 150 ألف من أفراد البيت الأموي والجند والأتباع، هذه المأساة ناقشها صلاح الدين المنجد في: مأساة سقوط دمشق ونهاية الأمويين (القاهرة: دار الكتاب الجديد، 1981م).

([70])   روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص544.

([71])   Margolioth, D. S. (Khalifa). S. V. (Encyclopead: a of Islam), Ist., ed., E. J. Brill, (Leiden, 1983).

([72])                                                                Dozy R., Histoire des Musulmans de L Espagne (1932);

       وانظر ليفي بروفنسال، تاريخ إسبانيا الإسلامية من الفتح إلى سقوط الخلافة القرطبية، ترجمة علي عبدالرؤوق البمبي وآخرون (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م).

([73])   علي أمين،

([74])   Kennedy Hugh, The Early Abbasid Caliphate a Political History, Croom Helm, (London, 1981).

([75])   الباحث بايراده عدد من كتابات المستشرقين يشير فقط إلى طبيعة العمل، لا إلى إحالات محددة في تلك الكتابات. لذا استبعد التنويه عنها هنا بالتفصيل.

([76])   Reily, Kevin, The West and the World: a Topical History of Civilization. 2 Vols, Harper and Row (N. Y. 1980).

       والكتاب نشر بالعربية ضمن سلسلة عالم المعرفة، عدد 90، ترجمة د. عبدالوهاب المسيري وآخرون (الكويت: وزارة الإعلام، 1980م).

([77])                           Sourdel, D. (Khalifah) S. V. (Encyclopaedia of Islam) (London, 1983).

([78])   محي الدين إسماعيل، توينبي، التاريخ وفلسفة التاريخ، ص34- 36.

([79])   أرنولد توينبي، مختصر دراسة التاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1964م)، ج3، ص103.

([80])   Durant. William. The Story of Civilization, Simon and Schuster, (N. Y, 1954) Vols. p.1-6, Passim.

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx