King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


الصفحة الرئيسية
السيرة الذاتية
المقررات الدراسية
المدخل إلى علم التاريخ
هجرة القبائل العربية
السيرة النبوية
الخلفاء الراشدين
تاريخ الدولة الأموية
التاريخ الاقتصادي في العصور الإسلامية
منهج البحث التاريخي
نصوص تاريخية
الجزيرة في كتب الرحالة
الجزيرة العربية من القرن 3 حتى العهد العثماني
الجزيرة العربية من القرن 3 حتى العهد العثماني
رسالة قصيرة
مقررات دراسية حالية
تاريخ الجزيرة العربية القديم
تاريخ الشرق الأقصى الحديث (موضوع خاص)
برنامج الماجستير
قاعة بحث
التاريخ الإسلامي
العصر الإسلامي الوسيط
موضوع خاص من تاريخ الحضارة الإسلامية
موضوع خاص من تاريخ الشرق الإسلامي
موضوع خاص من تاريخ جزيرة العرب الوسيط
برنامج الدكتوراه
دراسات في التاريخ الحضاري للجزيرة العربية
حلقة دراسية في التاريخ الإسلامي
دراسات في تاريخ الجزيرة العربية في العصر الإسلامي
دراسات في التاريخ الإسلامي
دراسات في التاريخ الحضاري الإسلامي
أسئلة
تاريخ الجزيرة العربية القديم 1
الخلفاء الراشدين
تاريخ الدولة الاموية
هجرة القبائل العربية
مقالات أكاديمية
أهمية تدوين التراث الشفاهي كمصدر تاريخي
التــاريخ الشـــعبي
اليد العاملة في الجزيرة العربية في العصر الوسيط
إدارة اليمامة في العصر العباسي
الأيدي العاملة في الجزيرة العربية
الجدل الديني في الأندلس
المدلول الأسطوري لدعوة مسيلمة بين حبيب الحنفي
المزيد
محاضرات عامة
كلمة في افتتاح ورشة العمل في تايوان
Alois Musil A cross-cultural understanding
الطائفية في الخليج لم تعرف ولن تعرف الحرب الطائفية
كلمة ألقيت في منتدى الفكر العربي في المغرب 2008
مقابلات
washington post questions
منتدى أمطار يحتفي بالدكتور عبد الله العسكر
تغيب الفلسفة
مقابلة مع مجلة روتانا
مشاركات ثقافية
Publications
Pictures Library
Courses
 

4 -  الفترة الإسلامية المتأخرة (1258- 1503م): وتشمل الفترة المغولية، والمشكلات السياسية، والاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على الإسلام، ومحاولات التحديد.

5 -  عصر إمبراطورية البارود (1503- 1789م): وعنده أن التسمية لها دلالة تقنية واجتماعية مما قاد إلى تغيرات سياسية واجتماعية. في هذه الفترة بلغت الثقافة الفارسية أوسع درجات الرقي والانتشار، كما تعاظم أثر المؤسسات للدويلات الإسلامية.

6 -  العصر الحديث (1789م- الوقت الحاضر): ويدعوها أيضًا بالعصر التقني الحديث.

والملاحظ أن (هدسون) في تحقيبه المتناعم للتاريخ الإسلامي يتتبع إحلال الثقافة العربية الإسلامية، محل الثقافة السريانية/ الفارسية، ثم بروز المجتمع الدولي القائم على فصل السلطة عن المجتمع (حدث هذا من بداية الحقبة الثانية) وانتشار الصوفية. ثم انتشار اللغة الفارسية كلغة رسمية ثانية في المجتمع الإسلامي، الذي أدى إلى ظهور الناقش الفكري بين عدد من المفكرين. هذه الفترة في نظر (هدسون) تعدّ قمة الحضارة الإسلامية؛ حيث أصبح المجتمع الإسلامي مجتمعًا متعدد الثقافات. أما خلال الفترات الثالثة وحتى الفترة السادسة. فأهم ما تتميز به التأكيد على الفروقات الإقليمية، الذي أدى إلى ظهور إمبراطوريات جديدة ومنافسة مثل المغولية، والصفوية والعثمانية. هذه الإمبراطوريات تعبر عن التوازن الناتج عن الضعف السياسي واستجابة منطقية للجغرافيا السياسية، التي طالما بقيت في الظل.

ولعل من السابق للأوان الإشارة إلى أن التطور السياسي أدى إلى تخلف ديني/ مذهبي؛ تمثل في إغلاق باب الاجتهاد، فلا شيعية الصفويين المتحفزة، ولا سنية المغول والعثمانيين برهنت على قدرتها المذهبية. وبالمقارنة فإن نهج تاريخ العالم قد آذن ببروز الغرب، ونبه إلى بزوغ عصر التقنية الحديثة. وهذا قدر التاريخ والحضارة الإسلامية([81]).

وجملة القول أن هدسون عالج التاريخ الإسلامي بتحقيب مذهل يتسع للعموميات، ولا يغفل الخصوصيات؛ ولكن يؤخذ عليه أنه صالح للتطبيق خارج البلاد الإسلامية، كما يؤخذ عليه أنه وضع التاريخ الإسلامي بين عصرين كبيرين: دعا أحدهما بالعصر المحوري Axial Age ودعا الثاني بعصر التقنية Technicalistic Age. وهو عمل فيما يبدو هدفه السماح بالموروث الهندي والفارسي والهلستي والسرياني بالدخول إلى دائرة الإسلام. ولا أعتقد أن خلفية الإسلام تتعدى بداية القرن السادس الميلادي. هذا مع العلم أن استعمال مفهوم العصر المحوري Axial Age لا يتمشى مع فلسفة التاريخ الإسلامي القائم على الصراع بين المركز والأطراف. أما مفهوم العصر المحوري فهو جديد بالنسبة للدراسات التاريخية، فقد ظهر منذ ستين سنة فقط على يد الكاتب الأمريكي جاسبر Karl Jaspers (ت 1969م)، ولا يزال غامضًا([82]).

وهناك بعض الملاحظات التحقيبية للمؤرخين الأمريكيين المعاصرين أمثال المؤرخ روز دان Rose E. Dunn، الذي لاحظ أن التحقيب لدى المسلمين يقوم على العلاقة بين حوادث الماضي بعضها ببعض، وقلما يلتفت إلى خارج الدائرة الإسلامية. ويضيف أن كل أساليب تحقيب التاريخ، بما فيها الإسلامي، هي أساليب في مجملها متحيزة، توفيقية، وهمية ومضللة، ولكنها من جهة أخرى، عامل مهم في جعل التاريخ مفهومًا ومقبولاً. ولعل أهم ملاحظة قال بها (دان)  بخصوص تحقيب التاريخ الإسلامي هي عدم إغفال الحوادث الجليلة التي هزت -حسب تغبيره- نصف الكرة الأرضية Hemispher Shaking عند عمل الحقب، مثل الغزو المغولي للبلاد الإسلامية. أما ما عدا ذلك فإن تحقيب دان يعتمد في مجمله على النموذج العالمي الذي سبق أن رأيناه عند كل من توينبي وديورانت وحتى بشيء من التوسع عند (هدسون)([83]).

أما المؤرخة الأمريكية والدمان Marliyn R. Waldman (أستاذة التاريخ في جامعة أوهايو The Ohio State University) فقد وضعت تصورًا تحقيبيًا للتاريخ الإسلام بطلب من الموسوعة البريطانية Incyclopaedia Britanica. ولطبيعة الطلب فقد جاء عملها ضمن دائرة العالمية. ولقد أشارت إلى أن محاولتها جديدة، وأنها تركز على التماسك والترابط الداخلي للثقافة والمجتمع الإسلاميين من الضياع في منظومة الحضارة العالمية. علمًا أن تقسيمها للتاريخ الإسلامي احتفظ بروح أعمال كل من (هدسون) و (دان). ولكنها على العكس منهما تجنبت استعمال المؤسسات السياسية كالخلافة مدخلاً أو عنوانًا لعملها، الذي يأتي على هذه الشاكلة:

1 -  التاريخ القديم (3000 ق.م- 500م): ويشمل تاريخ الجزيرة العربية، وبالأخص تاريخ مكة والعلاقات العربية مع البلدان المجاورة. وهو عبارة عن مدخل للتاريخ الإسلامي.

2 -  التأسيس والتكّيف (500- 634م): ويشمل فترة التاريخ السياسي لقريش، والفترة المكية للسيرة، والهجرة، وتاريخ الرسول والدولة الإسلامية في المدينة حتى وفاة الرسول e.

3 -  التحول والتبلور (634- 870م): وهذه الفترة واسعة، وتبحث في تاريخ الخلفاء الراشدين، وتاريخ الخلافة الأموية، والعباسية، وفيها دراسة للتوسع العربي، وانتشار الإسلام لدى شعوب غير عربية. وتضع المؤلفة وفاة البخاري (ت 256هـ/ 870م) كنهاية محددة لهذه الفترة. ولقد درج عدد من المؤرخين الأمريكيين على متابعة هذا الأسلوب، وهو اختيار حدث غير سياسي معين لجعله بداية أو نهاية حقبة. أما اختيار المؤلفة لوفاة البخاري فللآثار الثقافية والدينية والسياسية التي أحدثها الإمام البخاري بكتابه (الجامع الصحيح)، ليس فقط في الوسط الرسمي بل في أوساط الشعب المتدين. ولا شك أن المؤلفة متأثرة بالدراسات الحديثة للتاريخ الإسلامي باستعمال أسلوب المنهج الكمي Quantitative Method، وخاصة الدراسات التي يقوم بها المؤرخ بيلوت Richard Bulliet.

4 -  التجرؤ والازدهار (870- 1041م): وفي هذه الفترة ظهرت الدول الإقليمية، نتيجة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وازدهار المراكز الحضرية.

5 -  الهجرة والتجديد (1041- 1405م): وهي فترة طويلة تبدأ منذ صعود السلاجقة والغزنويين حتى وفاة تيمور (ت 1405م)، حيث الأجناس المنصهرة في الإسلام، التي جاءت مهاجرة، مثل الأتراك والمغول، والبربر، التي كان لها أثر مميز.

6 -  السيطرة والتوسع (1405- 1683م): وتبدأ منذ وفاة تيمور، حتى آخر حصار عثماني لفينا Vienna، وتتميز هذه الفترة بانتقال السيطرة السياسية من المهاجرين إلى فئة المستقرين أو المقيمين. وشهدت هذه الفترة انتشار الإسلام في الصحراء الأفريقية، والبحر المتوسط والمحيط الهندي. وبهذا يكون الإسلام قد ربط الطريق التجاري البحري مع طريق القوافل البري المشهور([84]).

ذلك هو مجمل المقالة التي كتبتها المؤرخة مارلين والدمان عن التحقيب. وينطبق عليها ما سبق أن أشرنا إليه من أن أغلب الأفكار التحقيبية الأمريكية، قد كتبت بطريقة موسوعية. وآراء مارلين التي لا تصلح إلا للموسوعات. وأفضل ما في عملها أنها لفتت الانتباه إلى طريقة جيدة للتعامل مع التاريخ السياسي الإسلامي.

ثم نأتي لنوع آخر من المؤرخين الذين لا يقدمون تحقيبًا أو تصورًا كاملاً، بقدر ما يقدمون مقترحات، ويثيرون قضايا جديرة بالنقاش والاهتمام. من هؤلاء المؤرخ الأمريكي موروني Michael G. Morony، الذي كتب مقالة بعنوان (بين الفتنتين: مشكلات في تحقيب تاريخ صدر الإسلام، Bayn Al-Fitnatayn: Problems in the Periodization of Early Islamic History حيث يحاول موروني لفت انتباه المؤرخين إلى ضرورة إعادة تحقيب التاريخ الإسلامي. لأن مثل هذا العمل سيقود حتمًا إلى تفسيرات جديدة ومختلفة عن التفسيرات السائدة الآن، فعوضًا عن جعل الحكام والولاة مسؤولين عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فإنه من الممكن أن نعدّ ظهور الحكام والولاة أنفسهم كان نتيجة لتغيرات اقتصادية واجتماعية. وهذا لا يتأتى بالتحقيب القائم على السلالات الحاكمة فقط، ولكن لا بد من إدخال عناصر أخرى.

لقد لاحظ (موروني) أن النظرة التاريخية الإسلامية تجاه التحقيب تعتمد أساسًا على التاريخ السياسي وهي نظرة انعكست أيضًا على التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي. فأنتج ما أسماه بالنظرية الدينية الحضارية للثقافة Metropolitan Theory؛ التي انتشرت في المدينة أولاً ثم انتقلت إلى نواحي البلاد الإسلامية الأخرى. و(موروني) يشير إلى أن هنالك فترات تاريخية مهمة، وذات مغزي -بصرف النظر عن قصرها أو طولها زمنيًا- يجب ألا تهمل عند التحقيب. مثل التمييز بين فترة الخلفاء السفيانيين، وفترة الخلفاء المروانيين. لأن هنالك فعلاً فروقًا كبيرة بينهما، وخاصة في نطاق المركزية، والتطلعات التوسعية، والنظرة إلى الصفوة الاجتماعية Social
Elites
، التي ساعدت تلك الأنظمة. ويوصي باعتماد هيكلية تحقيبية متعددة الأغراض.

ويؤكد (موروني) على أهمية الحروب والصراعات الداخلية، التي يدعوها المسلمين بالفتن. ولقد عالج في مقالته تلك الفترة الواقعة بين فتنتين (41- 60هـ)، وهي فترة قصيرة، خلافة معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ)، على أساس أنها تشكل حقبة صغيرة تصح كمثال لمناقشاته، لقد عالج تلك الفترة من منظور سياسي، اجتماعي، اقتصادي. وهو ما يوصي به عند اعتماد تحقيب جديد. وفي هذا المضمار أشار (موروني) إلى أهمية طبيعة الحكم من حيث كونها مركزية أو لا مركزية. ففي نظره أن الفترة المركزية بدأت منذ خلافة عثمان بن عفان (23- 35هـ) واستمرت حتى خلافة الرشيد (170- 193هـ). ثم بدأت فترة اللامركزية مع تفجر الصراع الداخلي بين الأمين (193- 198هـ) وأخيه المأمون (198- 218هـ). والجدة في مقترحات موروني أنه لفت النظر إلى أهمية معالجة الفتن بطريقة تختلف عما عهدناه، مما يمكن توظيفها في تحقيب التاريخ الإسلامي([85]). وليس بعيدًا أن يكون (موروني) قد تأثر بأفكار استاذه المستشرق الألماني جوستاف فون جرونباوم Gustave Von Grunebaum
(1972م)، الذي نشر أفكاره التحقيبية في كتابه (الإسلام في العصور الوسطى
Medieval Islam) أما الاهتمام بالفتن والنكبات والحروب الأهلية وجعلها علامات بارزة في تحقيب التاريخ، فلأنها تحفز المرء على التفكير في الماضي وفي المصير. فهي فلسفة قديمة، ويرجع الفضل في نشرها في دوائر التاريخ للمفكر الروسي نقولاً بردايف([86]).

ونختم هذه الفقرة بملاحظات ومحاولات اثنين من المستغربين Occidentalists وهما فليب حتّى (ت 1978م)،والثاني ألبرت حوراني (ت 1993م)، وكلاهما من مهاجري الولايات المتحدة الأمريكية. أما الأول فقد جعل تحقيبه للتاريخ الإسلامي يقوم على انتخاب فرد عظيم ضمن فترة محددة وجعله عنوانًا ومرتكزًا لتلك الفترة، حيث اختار سبعة من عظماء التاريخ الإسلامي وهم:

1 -  النبي العربي محمد e (ت 11هـ): وتشمل هذه الفترة تاريخ السيرة النبوية في مكة والمدينة.

2 -  عمر بن الخطاب (ت 23هـ): وفيها يتحدث عن تاريخ الخلفاء الراشدين والتركيز هنا على بناء الدولة الإسلامية.

3 -  معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ): ويدعوه بمؤسس الدولة العربية، ويبحث في تاريخ الدولة الأموية.

4 -  عبدالرحمن الأول (ت 172هـ): ويدعوه بصانع التاريخ العربي في الأرض الأوربية، وهذه الفترة تدرس تاريخ المسلمين في أسبانيا.

5 -  المأمون (ت 218هـ): ويدعوه بالخليفة الثائر وباعت الفكر في الإسلام، وتشمل هذه الفترة جزءًا كبيرًا من تاريخ الدولة العباسية.

6 -  عبيد الله المهدي (ت 322هـ): مؤسس الدولة الفاطمية في أفريقية، وفي هذه الفترة يدرس الدولة الفاطمية في أفريقية ومصر.

7 -  صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ): بطل الحروب الصليبية، حيث يدرس فترة الحروب الصليبية، وعلاقة الغرب بالشرق والعكس([87]).

ومنهج (حتّى) منهج ذكي، واختيار موفق، يدل على سعة اطلاع. وكان بالإمكان تعميمه على معظم التاريخ الإسلامي، لولا أنه يقوم على فلسفة عبادة البطل، ذلك المنحى الذي انتشر مع (توماس كارليل) Thomas Carlyel
1881م)، عندما نشر كتابه الموسوم (الأبطال وعبادة البطل
Heroes and Hero- Worship) ولكن هذا الأسلوب حتمًا لا يصلح لكتابة التاريخ كعلم ويصلح لكتابة التاريخ كموضوع صحفي روائي.

أما (ألبرت حوراني)، فإنه يميل إلى تغليب الجانب السياسي عند تحقيب التاريخ، ولكن ليس بالشكل الذي سار عليه المؤرخون المسلمون الأوائل؛ إذ لا بد عنده من مراعاة الجوانب الاجتماعية، ويقترح الملاحظات التالية:

1 -  الفترة المبكرة التي حكمت فيها الصفوة المسلمة مجتمعًا ما زال غالبية السكان فيه غير مسلمة في الثقافة وقواعد السلوك، وفعلت ذلك داخل بنية سياسية موحدة.

2 -  فترة وسيطة تميزت بزوال البنية الموحدة، واتساع نوع جديد من العلاقة بين النخبة الحاكمة، وبين مجتمع أصبح أغلبه مسلمًا باعتناق الإسلام وبتوسع نطاق التشريع الإسلامي.

3 -  فترة الدول الخمس الكبرى المكونة للعالم الإسلامي، الأسرة العلوية العثمانية، الصفوية، الأوزبكية، والمغولية.

4 -  الفترة الحديثة وهي فترة زوال تلك الدول عدا واحدة، وسيطرة أوروبا وظهور الدول القومية. وفي هذه الفترة يفقد التاريخ الإسلامي بعضًا من قيمته كمبدأ لتفسير الأحداث([88]).

وملاحظات (حوراني) جيدة، ولا أظن أن المعنيين بتحقيب التاريخ الإسلامي في الوقت الراهن سوف يتجاوزونها. وصفوة القول إن وجهة النظر الاستشراقية على جدتها واقتراحها عددًا من الأساليب، واستعمالها عددًا من فكر المدارس الجديدة، فإن الأخذ بها تكتنفه عقبات. منها على سبيل المثال، وهو نفسه ضعف في المنهج الاستشراقي، أن أغلب المستشرقين يؤمنون بعالمية التاريخ. وعلى وجاهة امنطلق، فإن هذا العمل سوف يحجّم التاريخ الإسلامي. وإلى هذا هم يصممون هيكلية التحقيب للقارئ الغربي، أو لقارئ الموسوعات أو للكتب الفلسفية، وفي هذا تجنٍ كبير على التاريخ الإسلامي وإضاعة لخصوصيته. وأخيرًا يكتبون التاريخ من وجهة نظر علمانية بحتة، ويغفلون العامل والأثر الدينيين، اللذين قد يفسر بهما جزء من التاريخ الإسلامي. وقد تأثر بأساليبهم بعض المؤرخين العرب المعاصرين.

 

2 - 7 تحقيب التاريخ الإسلامي، وجهة نظر عربية معاصرة:

ألف محمد بن عفيفي الخضري بك (ت 1927م) كتبه التاريخية، التي قصد بها التيسير، وأن تكون في متناول أيدي طلبته في الجامعة المصرية، حيث يدرس التاريخ الإسلامي وهي (نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، وإتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، ومحاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية). وقد جاءت كتبه من الناحية المنهجية في شكل لم يعهده طلاب مصر آنذاك. من تلك أنه اعتبر تاريخ العرب قبل الإسلام جزءًا من السيرة التي ضمها إلى تاريخ الخلفاء الراشدين الخمسة.

والشيء الجديد في تحقيب الخضري أنه جمع الموروث مع لمحات تجديدية، تتخلص في أنه اتخذ مسمى الخلفاء الراشدين الخمسة، وذلك بإضافة الحسن ابن علي. كما أنه لم يطلق على تلك الفترة اسم (الدولة) بل قصر هذا الاسم على الخلافة الأموية. وبدأ بحثها بنبذة عن تاريخ أسرة أمية ابن عبدشمس (كان موجودًا إلى قبل الوجود الفارسي في اليمن) جد الأسرة الأموية. وقسم فترة الخلفاء الراشدين إلى فترتين. إحداهما دعاها تاريخ أبي بكر وعمر وست سنوات من خلافة عثمان. والثانية سماها عصر الاختلاف والفتن. وتشمل فترة أواخر خلافة عثمان بن عفان وخلافة علي بن أبي طالب والحسن بن علي([89]).

وأحسبني أعدّ الخضري أول مؤرخ في العصر الحديث كتب منهجًا تحقيبيًا جديدًا للتاريخ الإسلامي، من ذلك عدّ الخلفاء الراشدين خمسة لا أربعة وأنه ما دعا فترتهم بالدولة، كما أنه قسم الفترة الراشدة إلى قسمين. ما قام به الخضري لم يكن مستبعدًا، خاصة إذا عرفنا أنه تتلمذ للشيخ محمد عبده (ت 1905م) وللشيخ محمد رشيد رضا صاحب المنار (ت 1935م). أما الشيخ محمد عبده الذي ربما نظر في تاريخ المسلمين كما كتبه الفرنسيون إبان زيارته لفرنسا، فأثر أفكاره التاريخية، ونظراته المتفتحة على تراث الشعوب الأخرى. واضحة وجلية في تحليلات الخضري. ويبدو أن التجديد الذي أدخله الشيخ الخضري، وطرق التحليل التي ارتآها لم ترق لمعاصريه ومن جاء بعده، الذين عدّوا عمله خروجًا عن المألوف، فألف الشيخ محمد العربي التباني (ت
1390هـ)، أحد أساتذة الحرم المكي الشريف ومدرسة الفلاح بجدة، كتابيه (تحذير العبقري من محاضرات الخضري، والنصيحة والاستدراكات على كتاب المحاضرات). وفيهما شن هجومًا لاذعًا متعقبًا أفكار الخضري وآراءه، مفندًا تحليلاته متهما إياه بالتبعية للافرنج وللشيخ محمد عبده وصاحب المنار([90]). ومهما يكن الأمر فقد ترسخ وانتشر أسلوب الخضري التحقيبي ما زال في مناهجنا حتى يوم الناس هذا.

ثم جاء عبدالوهاب النجار (ت 1941م)، وهو أيضًا أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية فألف (تاريخ الإسلام، وتاريخ الخلفاء الراشدين)، حيث تابع منهج الخضري، ولكن مع استعمال الأسلوب الكرونولوجي. ولا يستبعد أنه متأثر في هذا بأسلوب المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي (ت 1822م)، الذي كان سائدًا لدى أوساط المتعلمين في مصر آنذاك، وخاصة المعممين منهم.

وقد لاحظ مؤرخ معاصر تأثر المؤرخين العرب بتيار التجديد. إذ أخذ عدد منهم يهتم بالعوامل الاجتماعية، والاقتصادية عند كتابة التاريخ الإسلامي. ولقد سلك أكثرهم في اتجاهين: الاتجاه القومي، والاتجاه الديني المحافظ. فأصحاب الاتجاه الأول يعدّون الدولة الأموية حقبة قائمة بذاتها، متميزة عن غيرها، ويجب أن تبقى كذلك. الفئة الثانية ينظرون إلى فترة الخلفاء الراشدين بشيؤ من التقوى والآكبار، ويعدّوها حقبة مثالية، ويجب أن تفرد عند عمل تحقيب للتاريخ([91]).

لم تتطور الكتابات العربية في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي تجاه التحقيب كما بدأت في العشرينات، فعبدالرحمن العبادي (ت 1956م) الذي تأثر تأثيرًا كثيرًا بأفكار المستشرق بأفكار المستشرق بروفنسال، وحسن إبراهيم حسن (ت 1958م)، الذي يعدّ من أوائل المبتعثين المصريين إلى إنجلترا لدراسة التاريخ الإسلامي، حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن سنة 1939م، وعاد أستاذًا في الجامعة المصرية، لم يسهما أي منهم بقدر معلوم في منهجية التاريخ الإسلامي. أمّا حسن إبراهيم في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي)، الذي وجد رواجًا عظيمًا وترجم إلى الأردية، بسبب أنه أول كتاب يجمع عددًا كبيرًا من الحقائق المتناثرة في مئات الكتب والمصادر، فإن تقسيمه لم يقدم مقترحات تحقيبية جديدة، فهو يسير على منهج الخضري والنجار اللذين لم يتح لهما ما أتيح للمؤلف من اطلاع على الأساليب الحديثة، ومع هذا لم يسلم من النقد الشديد، حيث كتب عبدالحميد العبادي معارضة قاسية لهذا الكتاب في مجلة الرسالة، تحت اسم مستعار، لاعتبارات الزمالة والمعاصرة وتفادي الإحراج وما حدث في خمسينيات هذا القرن. وجدناه في ستينياته، فعندما كتب محب الدين الخطيب (ت 1969م) من سوريا، مقالة عن (أقسام التاريخ)، وجدناه يبتعد عن الخوض في مسألة التحقيب، وعوضًا عن ذلك شغل أغلب ورقات مقاله بالحديث عن فروع التاريخ كعلم([92]). وأمر آخر يثير التساؤل، ذلك أن طه حسين (ت 1974م) من مصر، وعلي الوردي (ت 1995م) من العراق بحثاً في التاريخ الإسلامي المبكر، ووقفا طويلاً عند حادثة واحدة، وهي مقتل الخليفة الثالث ليصلا إلى استنتاج مؤداه أن الفترة الراشدية لا تصلح أن تكون حقبة قائمة بذاتها، ولكنهما لم يقدما اقتراحاً محدداً بهذا الخصوص([93]).

أما المؤرخ قسطنطين زريق فإنه يعيب على المؤرخين العرب إغفالهم تواريخ إقليمية، واقتصادية، واجتماعية في جزيرة العرب قبل الإسلام، وفي مناطق متعددة بعد ظهور الإسلام، وكذلك إعمالهم تواريخ الأمم المجاورة للعرب "... فيعزلون بذلك التاريخ العربي عن المجالات التي انصبت فيه وتلك التي انصب فيها، ويخلون بوحدة الحياة الكبرى التي يؤلف هذا التاريخ جزءً منها"([94])، ولكنه مثل من سبقه،فأغلب المؤرخين المعاصرين من العرب يؤمنون بفكرة استحداث تحقيب للتاريخ الإسلامي والعربي، ولكن لا يقدمون مقترحات محددة، أو يساهمون في تقديم هيكلة جديدة.

ولعل من الأفكار الواضحة في هذا السياق، ما يراه عبدالعزيز الدوري، وهو أحد المهتمين بموضوع تحقيب التاريخ الإسلامي، فهو أولاً: لا يؤيد تقسيم التاريخ إلى الأقسام المعروفة في الأوساط العلمية من تاريخ سياسي، وآخر ثقافي، وتاريخ اجتماعي، وتاريخ ديني، وتاريخ اقتصادي، إنه كما يقول تقسيم لا يستند إلى أساس متين، ومخاطره كثيرة. فكل الأوضاع مترابطة متداخلة. أما رأيه بتحقيب التاريخ الإسلامي، فإنه يعارض فصل فترة الدولة الأموية عن فترة الدولة العباسية، بل يشير إلى أن الدولة الأموية مقدمة للعباسية، والأخيرة امتداد طبيعي للأولى، والدوري يضرب مثلاً واقعياً وصريحاً وهو موضوع الموالي، الذي يعدّ لدى كثيرين أكبر ما يميز التاريخ العباسي عن التاريخ الأموي، فماذا يقول: "... إننا نميز العباسيين مثلاً بأنهم قربوا الموالي، وأشركوهم في الحكم، ولكن أهمية الموالي ظهرت قوية بتكاثر عددهم، وبتركيز مبادئ الإسلام منذ العصر الأموي، حتى لنجد بينهم القادة والفقهاء والكتاب، ونجد منهم المقربين عند الخلفاء، كما نرى من وضع سالم مولى هشام وعبدالحميد الكاتب مولى مروان، بل ونجد منهم الأئمة المرموقين كأبي حنيفة، الذي كان نتيجة البيئة الأموية، ولما وصلت قوة الموالي إلى مرتبة عالية جعلتهم يقومون بعمل أساسي في قلب الخلافة الأموية، كان من الطبيعي أن تظهر هذه القوة في مجال السياسة العلني في العصر العباسي"([95]). وأحسب أن الدوري أول مؤرخ معاصر يقول بهذا الرأي الفريد.

أما صالح العلي، وهو من المعنيين بتحقيب التاريخ الإسلامي، فيري أن يحقب التاريخ الإسلامي بحيث تصبح (الدولة العربية قبل الإسلام)، (هكذا يدعوها) شاملة النظم البدوية، حياة الرسول، والدعوة الإسلامية في مكة، ثم حقبة أخرى باسم (دولة الرسول). وتعالج الفترة النبوية في المدينة، وتاريخ الخلفاء الراشدين، ثم تأتي فترة ثالثة ويدعوها (الخلافة وتوسيع الدولة)، وهي فيما يبدو تغطي الفترة الأموية، ثم فترة باسم (العباسيون يتسلمون الخلافة)، وهناك فترات قائمة بذاتها خصصها العلي للتنظيمات الإدارية، وأخرى للحركة الفكرية. ولعل محاولة العلي هي إحدى المحاولات العربية المعاصرة التي تتسم بالشمولية؛ إذ لم يكتف فقط بالتاريخ الإسلامي المبكر، أو بمجرد تسجيل ملاحظات تحقيبية عامة، بل قدم تصوراً شاملاً يشمل التاريخ الإسلامي منذ باكورته حتى القرن السابع الهجري وقصور محاولة العلي تكمن في كونها تقف بالتاريخ الإسلامي عند القرن السابع، وأنها جاءت بطلب من منظمة عالمية، فاليونسكو تشترط شروطاً عامة لينسجم التاريخ الإسلامي مع المنظومة العالمية([96]).

والحق أن محاولات التحقيب في وقتنا المعاصر تسير نحو إدخال تعديلات، ولكن ببطء، وربما في بعض الفترات تشهد رجوعاً إلى الماضي، وإلى أساليب التحقيب السابقة، فالمؤرخ محمد مبروك نافع، والمؤرخ شاكر مصطفى يشددان على أهمية فصل الفترة السابقة للإسلام عن التاريخ الإسلامي، ويعتبران البعثة النبوية حوالي سنة
(610م) هي الحد الفاصل بين الفترتين([97]). وهذا اتجاه كما رأينا فيما سبق يكاد يكون سائداً لدى المؤرخين الأوائل ولكن انعكس الأمر بعد ذلك، فوجدنا كثيراً من المستشرقين والمؤرخين العرب المعاصرين يرون فترة الجاهلية إنما مقدمة لتاريخ السيرة النبوية في مكة. 

أما الكاتب الإسلامي أنور الجندي، فإن لـه رأيًا جديرًا بالذكر، فهو يحقب التاريخ الإسلامي من منطلق حركي كما يأتي:

1 -  بناء الجماعة الإسلامية (630-653م).

2 -  توسيع الإسلام وامتداده (653 - 741م).

3 -  رحلة بناء الفكر الإسلامي (741 - 1096م).

4 -  مرحلة أزمة الإسلام والغزو الخارجي (1096 - 1300م).

5 -  مرحلة الوحدات الثلاث في العالم الإسلامي (1300 - 1840م).

6 -  مرحلة اليقظة العربية الإسلامية (1840م - الوقت الحاضر)([98]).

وتقسيم الجندي، وإن كان يتسم بالجدة، فإنه يحاول تكسير الفترات لخدمة غرض محدد، وهو لا يصلح للتاريخ الإسلامي كعلم، وهو مثل أحمد شلبي، الذي اعتمد الأسلوب الكرنولوجي خلال القرون التي شملت تاريخ المسلمين منذ البعثة حتى سقوط بغداد، بعد ذلك التجأ إلى أسلوب التقسيم الجغرافي، باعتبار أن العالم الإسلامي انقسم إلى عدد من الدويلات والكيانات الإقليمية([99]).

من الاستعراض السابق يجد المرء محاولات عديدة للوصول لتحقيب يتسق مع بعض المعطيات الحضارية والإنسانية التي تسود عالم اليوم، وفي ظني أنه من السهل لدرجة خطرة أن ننسق الحقائق لتنسجم مع النظرية، بدلاً من استخدام الحقائق لفحص النظرية، وهو ما ساد محاولات المؤرخين الذين مروا بنا.

2 - 8 تحقيب التاريخ الإسلامي، وجهة نظر الإليسكو:

في شهر ديسمبر 1989م أقر المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الإليسكو" التابعة لجامعة الدول العربية، وضع كتاب مرجع في تاريخ الأمة العربية، وقد شكلت لجنة من المؤرخين العرب. ورأت تلك اللجنة أن يُحقب التاريخ الإسلامي إلى حُقب خمس. على أن يُراعى الإقلال من الركون إلى التغيرات السياسية. وعوضاً عن ذلك لا بد من الاهتمام بالمقومات البشرية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

والملاحظ على التحقيب المقترح متانة الصلة بين التحولات والتطورات الكبرى في حياة المجتمعات الإسلامية. كما أن بداية التاريخ الإسلامي ونهايته يتسقان مع البداية والنهاية التي يرتضيها كاتب هذه السطور وسترد في التحقيب الذي يقترحه. ويغلب على مقترح جامعة الدول العربية تغليب التوجهات القومية العربية وقد جاءت تلك الحقب الخمس على الشكل التالي:

1 - حقبة الجزيرة العربية قبل الإسلام:

وتشمل الحديث عن الجغرافية التاريخية للجزيرة العربية والتجمعات الحضرية في جنوب الجزيرة العربية وشمالها. وكذلك وضع الجزيرة في القرن السادس الميلادي. والثقافة العربية مثل اللغة والأدب والخط. وكل هذا كإرهاصات مهمة لبداية الدعوة الإسلامية في مكة.

2 - حقبة الرسالة:

وتغطي دراسة مصادر السيرة النبوية، وبيئة الدعوة ونشأة الرسول e، ثم الدعوة في مكة والمقاومة القرشية, ثم الهجرة إلى المدينة وتنظيم الأمة الإسلامية.

3 - حقبة الدولة العربية الإسلامية/ صدر الإسلام:

تنقسم هذه الحقبة إلى فترتين: تشمل الأولى دراسة مصادر تاريخ الخلفاء الراشدين، ونشأة الخلافة، والفتوح والردة وتوحيد الجزيرة العربية. ثم انتشار العرب وتنظيمهم وتحضير البلدان وتأسيس الديوان. ثم أزمة الخلافة المعروفة بالفتنة الكبرى.

أما الفترة الثانية فتشمل العصر الأموي من حيث التطورات السياسية، وكذلك الفتوح والتطور الإداري والمالي، وإدارة الولايات وتعريب الدواوين، وإصلاح النقد وتطور نظام الضرائب. وتأسيس الجيش والأسطول. والأحزاب السياسية، والدعوة العباسية.

4 - حقبة تطور الدولة العربية الإسلامية:

تغطي هذه الحقبة التاريخ الإسلامي من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الخامس الهجريين وتنقسم إلى ثلاث فترات.

تشمل الفترة الأولى الخلافة والتطور السياسي والحركات الداخلية مثل الثورات الفارسية والحركات الحربية والزندقة، والتطور الإداري والمالي مثل بناء بغداد، والوزارة والدواوين ونظام الضرائب ونظام القضاء والحسبة. ثم العلاقات الخارجية.

وتغطي الفترة الثانية أزمة الدولة، واستخدام الأتراك وإنشاء سامراء، واعتماد نظام أمير الأمراء. ثم قيام الإمارات المستقلة في المشرق الإسلامي ومغربه. وكذلك التطور الاجتماعي والاقتصادي مثل نمو المدن وتوسيع الملكيات والإقطاع والنشاط التجاري والصيرفي، ونمو المؤسسات الإدارية والضرائبية. وانتشار الحركات الاجتماعية السياسية مثل ثورة الزنج والإسماعيلية والقرامطة، ثم الحياة الثقافية حتى القرن الرابع الهجري.

أما الفترة الثالثة فتركز على الأمة العربية وتعدد الدول. وسيطرة البويهيين على الحكم والإدارة والجيش والإقطاع العسكري من 334- 447هـ وأثر هذه السيطرة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للدولة الإسلامية. وتشمل هذه الفترة أيضاً الخلافة الفاطمية (297- 567هـ) من بداية الدعوة الفاطمية في المغرب، ثم تبوئهم السلطة في مصر والشام، وكذلك الإمامة والمؤسسات، ثم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والعلاقات الخارجية، وتشمل هذه الفترة الخلافة الأموية في الأندلس (317- 422هـ) من حيث وضع الخلافة والتطور السياسي، والمؤسسات والإدارة، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والعلاقات الخارجية والحياة الثقافية. وتشمل هذه الفترة أيضًا تاريخ الإمارات المستقلة في العراق والجزيرة الفراتية والشام والجزيرة العربية.

5 - حقبة الأمة العربية بين الضعف والتحدي:

وهذه الحقبة تشمل الفترة الواقعة بين القرن الخامس حتى القرن التاسع الهجريين. وتنقسم إلى فارتين: الأولى وتمتد من منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن السابع الهجريين، وتشمل الاجتياح السلجوقي في العراق والشام، ووضع الخلافة العباسية (447-656هـ). وتاريخ السلاجقة في الشام، ثم غزو الإفرنج للمشرق. وحركة الجهاد الإسلامي. ثم الوضع في مصر والشام بعد سيطرة الأيوبيين عليهما، وكذلك الوضع في الأندلس، حيث برزت التجزئة. والغزو الأسباني، وهجرة بني هلال وسُليم إلى المغرب وآثارها، ثم الغزو المغولي وسقوط العاصمة (بغداد).

أما في الفترة الثانية التي تشمل التاريخ الإسلامي من أواسط القرن السابع إلى القرن العاشر الهجريين، فتشمل تاريخ المماليك في مصر والشام والرد الإسلامي على المغول، ونهاية الإمارات الصليبية والوضع المؤسساتي في ديار الإسلام مثل الجيش والإقطاع والإدارة. كذلك الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتجارة الدولية، وكذلك سيطرة القوات الأجنبية على العراق. واستمرار الغزو الأسباني للمغرب والأندلس، ثم أثر الثقافة العربية في أوروبا، ثم تاريخ الإمارات المستقلة في الجزيرة العربية([100]).

2 - 9 معيار جديد لحقب التاريخ الإسلامي:

وهنالك أساسيات يجب ألا تغفل عن بال من يتصدى لمثل هذا العمل، يأتي على رأسها مراعاة التسلسل الزمني، فالزمن عامل مهم في فحص النظرية، لأن التعريف الحديث للماضي ليس سلسلة من الأحداث فقط، بل هو نظرية للمعرفة تلقي ضوءً على حقيقة هذه الأحداث. الثاني مراعاة الأهم من الحوادث، وأن تختار من الفواصل (التي تفصل بين الحقب التاريخية) ما شمل أكثر من جانب من جوانب الحياة الإنسانية، وأن نعترف أن التاريخ ليس هو التاريخ السياسي فقط، بل هنالك جوانب اقتصادية واجتماعية وثقافية ساعدت في تشكيل التاريخ السياسي. علينا أيضًا أن نقدر تجارب الأمم الأخرى، من حيث نظرتها إلى تواريخها المحلية وطريقة تحقيبها. وأن نسعى جاهدين لجعل الحقب التاريخية في منطقتنا ليست بمعزل عن تاريخ الإنسانية وحضارتها، لا يعني ذلك إذابة الخصوصية للدين الإسلامي وللمنطقة العربية والتراث الاجتماعي/ الثقافي.

لا يواجه المرء كبير عناء في تحديد بداية التاريخ الإسلامي، فأغلب الاقتراحات التي قدمت بهذا الصدد تجعل بداية التاريخ الإسلامي إما تاريخ البعثة النبوية حدود
(610م)، أو تاريخ هجرة النبي
e إلى المدينة (622م)، وكلا الاقتراحين لا يعالجان حقيقة تاريخ الإسلام المبكر بإهمالهما تاريخ مكة قبل الإسلام، ومن المؤرخين من يمد بداية التاريخ الإسلامي ليصل إلى القرن الخامس الميلادي، وهذه أيضًا نظرة فيها شيء من التوسع المخل. فتاريخ الفترة المكية القريب من الإسلام مهم لفهم حياة الرسول محمد e، ومهم لدراسة تاريخ الإسلام كله. فأحوال الحجاز والجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي مهمة لاستكمال الصورة التاريخية، والباحث يقترح سنة مولد الرسول e حدود (570م)، المعروفة عند المكيين بعام الفيل بداية معقولة ومقننة للتاريخ الإسلامي، ففي النصف الثاني من القرن السادس الميلادي شهدت الحجاز والجزيرة العربية والبلاد المجاورة بداية تحولاً كبيراً في السياسة والاقتصاد والدين. ولا شك أن دراسة مثل هذا التحول يخدم كثيرًا المفاهيم التي ينادي بها الرسول e. والظروف السائدة تفسر بعض أوجه الحوادث السياسية التي عاصرها الرسول e بنفسه في مكة.

وعند استعراض أهم حوادث التاريخ السياسي، نجد أنه في حدود سنة (476م) (أي قبل مولد الرسول e بأربع وتسعين سنة) سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية، وقبيل هذا التاريخ انقسمت الإمبراطورية إلى شرقية عُرفت الإمبراطورية الرومانية الشرقية حوالي (395م). وفي نهاية القرن السادس الميلادي أصبحت الممالك والإمارات العربية على أطراف شبه الجزيرة تحت النفوذ الأجنبي. في حين أصبحت اليمن تحت سيطرة الحبشة حوالي (525م)، ثم الفارسية سنة (575م). بل إن فارس سيطرت على مجريات الأمور في الشام في حدود سنة (614م). أما في وسط الجزيرة، فقد زالت دولة كندة الوحيدة سنة (529م).

أما التاريخ الديني، فقد نشب صراع نصراني/ يهودي في جنوب جزيرة العرب وصل في بعض مراحله إلى حد الإبادة الجماعية لبعض الفئات الدينية، هذه الحوادث العظيمة لا شك طبعت بصماتها بنسب مختلفة على الحياة السياسية والاقتصادية في مكة، وفي الجزيرة العربية، بل إن بعض السكان في مكة كانوا يتعاطفون مع بعض القوى السياسية الكبرى، مما يدل على وعي سياسي.

تلك الفترة التي يسميها النبي e بالجاهلية، وهو تعبير سياسي/ ديني/ اجتماعي، خدم الفكر السائد آنذاك مدة طويلة. ولقد اختلف العرب المسلمون والمستشرقون في تحديد معنى دقيق له. فهمه المسلمون الأوائل على أنع كل ما يمت لفترة ما قبل الإسلام من قيم وعادات ومعارف ولكن فهمه المؤرخون العرب المحدثون على أنه يعني فقط الجهل بالدين، أما المستشرقون فاختلفوا كذلك، فجولدسهير
 
I. Goldziher يعدّ فترة الجاهلية فترة الهمجية Epoque de la Barbari. وترجمتها بلاشير R. Blachere بالوثنية Gentilite وفسرها كامزرميرسكي Kamsimirski بالجهل Ignorance وبالوثنية Paganisim. أما المؤرخ الياباني تشيهيكو Toshihiko Lzutzu فإنه يعدّ مفهوم الجاهلية نقيضًا لمفهوم الحلم([101]).

أما على نطاق مكة، فإن مصطلح الجاهلية يأخذ أبعادًا مهمة لارتباطها الوثيق بحياة الرسول e. ففي تلك الفترة تعرضت مكة لهجوم حبشي استهدف الأماكن المقدسة فيها حوالي (570م)، وهي السنة التي شهدت ميلاد الرسول e. وصعود نجم عبدالمطلب بن هاشم (ت 579م) كقائد وزعيم لقريش. وإعادة حفر بئر زمزم حوالي (540م)، وما نتج عن هذا العمل من إبعاد شبح شح المياه عن مكة المكرمة. وكذلك إعادة توزيع الوظائف الدينية في مكة. والأحلاف والمعاهدات التي وقعها بعض سادة قريش. كلها حوادث وقعت في الفترة المسماة بالجاهلية، جاءت كمقدمات لبناء مؤسسة حاكمة في مكة.

تلك الحوادث السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، التي شهد الرسول e بعض فعالياتها، هي بلا شك جزء متمم للتاريخ الإسلامي، وجملة القول إن اتخاذ سنة (570م) بداية لتاريخ الإسلام، ينسجم أيضاً مع ما رآه المؤرخون الأوروبيون من عدّ سنة (476م) بداية لفترة العصور الأوروبية الوسطى مع الفارق طبعاً في المفهوم الديني والحضاري والثقافي بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية.

أما نهاية حقبة التاريخ الإسلامي وبداية حقبة التاريخ الحديث، فمازالت مدار البحث والدراسة بين العرب، وفي الدوائر الإستشراقية، وهي مشكلة لا يختص بها التاريخ الإسلامي، بل يعاني منها دارس التاريخ الأوروبي والتواريخ العالمية. فبعض الأوروبيين يعتبر سقوط العاصمة البيزنطية بيد  العثمانيين عام (1453م) نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة. ومنهم من يجعل اكتشاف أمريكا سنة (1492م) هو التاريخ المقبول، لما تبع ذلك من انقلاب عظيم في أوجه الحياة في أوروبا والعالم أجمع. ومنهم من يقترح سنوات أخرى، ويظهر أن أغلب التواريخ المقترحة تقع كلها في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي (بداية العاشر الهجري).

والحق أم منتصف القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر يتصف بمميزات تجعله قمينًا بقبولـه بداية لحقبة جديدة، ليس فقط للتاريخ الأوروبي، بل للتاريخ الإسلامي، فقد شهد نشاطًا كبيراً للملاحة البحرية أدى إلى قيام علاقات تجارية واسعة بين دول العالم، وضعفت سلطة الدين في أماكن مختلفة من العالم، وظهرت النزعة القومية، وبرزت الحركة الإنسانية،وسيادة الحياة المدنية، هذا في أوروبا. ولكن هل ينطبق السياق السابق على العالم الإسلامي؟ الباحث يزعم أن هذا القرن يصلح لنهاية حقبة التاريخ الإسلامي، وبداية الحقبة الحديثة في تاريخ العرب والمسلمين، فلا مشاحة في اعتبار منتصف القرن العاشر حدود (950 للهجرة/ 1543للميلاد) نهاية مقبولة لفترة التاريخ الإسلامي، ففي ذلك القرن صعد نجم العثمانيين بقوة. وذلك باستيلائهم على الشام ومصر، وسقطت دولة المماليك، وبدأت حركة الاستعمار والهيمنة الأوروبية؛ إذ وصل البرتغاليون إلى السواحل الهندية، والسواحل الشرقية الإسلامية في حدود سنة 1498م. مع ما تبع ذلك من انتشار الفكر الغربي. وسقط نهائياً رمز الخلافة العربية الإسلامية. وذلك بوفاة آخر خليفة عباسي، المتوكل على الله (ت 950هـ/1534م)، فانتهز السلطان العثماني سليمان القانوني (ت 1566م) الفرصة وأعلن أن الخليفة العباسي المتوفي قد تنازل لـه عن الخلافة. وبهذا العمل تكون الخلافة الإسلامية قد خرجت لأول مرة عن العرب، وهو أمر لـه دلالته السياسية، وواقع الأمر أن المؤرخين المصريين المعاصرين للفتح العثماني، حيث عاش الخليفة العباسي ومات -لا يذكرون شيئاً عن تنازل الخليفة المتوكل للسلطان العثماني عن الخلافة، بل إن أول من ذكر ذلك هو المؤرخ الرماني دوسون D'ohsson في كتابه الذي وضعه باللغة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر (1788م) تحت عنوان: Ottmean Tebleau General L'empire، وهو خبر لا يعتقد الباحث بصحته لتأخر دوسون عن زمن الحادثة([102]).

وهنالك من المؤرخين والكتاب أمثال أحمد شلبي والكاتب أنور الجندي من يرى أن حقبة التاريخ الإسلامي تمتد إلى يومنا هذا([103])، وهذه نظرة عاطفية، لأنه ليس المقصود بأن الحقب الحديثة أو المعاصرة، التي لا تحمل صفة إسلامية،ليست إسلامية. وأمر آخر فإن الحماسة الدينية لدى بعض المؤرخين هو الذي يجعلهم يدخلون فترة الدولة العثمانية ضمن التاريخ الإسلامي، ويخرجونها من حقبة التاريخ الحديث. وهذا في حد ذاته تغليب لا داعي له؛ لأنهم بعلمهم هذا يجزؤون مرة أخرى التاريخ العالمي الإنساني، الذي يتجه إلى التوافق والانسجام، نتيجة للأحداث المشتركة، وقانون التأثر والتأثير.

من السياق السابق، فإن الباحث يقترح معياراً جديدًا لتحقيب التاريخ الإسلامي التي يعدّها أهم اختراع سياسي/ ديني توصل له المسلمون وبين المعطيات الاجتماعية، والفكرية والاقتصادية، وكلها من نتائج المدارس التاريخية الحديثة. والمعيار المقترح يشمل أربعة حقب، وهي كالتالي:

الحقبة الأولى: دولة الإسلام (  -40هـ/570-660م):

وتبدأ في العام الذي ولد فيه الرسول e، وتنتهي بقيام حكم الأسرة الأموية، وهي اختيار له دلالته السياسية والفكرية، وتشمل هذه الحقبة جزءً من فترة (الجاهلية) التي هي الخلفية التاريخية الأساسية للتاريخ الإسلامي، وهي الأحوال السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية في مكة المكرمة قبيل البعثة، مثل التوجه نحو الاقتصاد التكاملي، والاكتمال اللغوي بوجود اللغة الموحدة التي يمثلها الشعر الجاهلي، ثم نزل بها القرآن الكريم والبعثة النبوية (610م)، والدعوة في مكة وما جاورها من مدن وأسواق. ثم الهجرة إلى المدينة (622م)، وما تبعها من وضع أسس الدولة الإسلامية الشورية، وغزوات الرسول e، وفترة حكم خلفائه الخمسة([104])، وحركة الارتداد في الجزيرة، وجمع القرآن والفتوحات الإسلامية، وإقرار النظم الإدارية، وبداية الحرب الأهلية (الفتنة)، وانتقال العاصمة إلى خارج الجزيرة العربية لأول مرة، وأثر ذلك، ومن رؤوس الموضوعات السابقة، نلمح مدى الانسجام والتناغم، مما يستوجب عدّها حقبة تتميز عما بعدها.

الحقبة الثانية: عصر الخليفة الواحد (40-297هـ/660-909م):

وتبدأ من تسلم معاوية بن أبي سفيان السلطة السياسية، وتأسيس حكم الأسرة الأموية، وتنتهي في فترة حكم الخليفة العباسي المقتدر بالله (295- 320هـ/ 908-932م) الذي شهد وقته ظاهرة تعدد الخلفاء لأول مرة في تاريخ الإسلام. وتشمل هذه الفترة كل التاريخ السياسي الأموي، ومعظم التاريخ العباسي. هذه الحقبة تتميز بعالمية الإسلام مع التنوع الحضاري والثقافي. وسيادة الوحدة الدينية والاقتصادية والعلمية، هذا التنوع مع سعته لم يصل إلى درجة الانفصال عن الخلافة الإسلامية الوحيدة في بغداد. مع أن الخريطة الجغرافية/السياسية واسعة بسبب الفتوحات التي انطلقت عبر الجهات الأربع، كما ترسخ مبدأ اللامركزية في الإدارة، حيث برزت ظاهرة الدويلات الإسلامية المستقلة وشبه المستقلة، لكن الدويلات احتفظت باعترافها بشرعية الخلافة في بغداد، من هذا استحقت هذه الحقبة صفة عصر الخليفة الواحد مع تعدد الدول.

تتميز هذه الحقبة بظهور الحركات السياسية/ الدينية مثل الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والمعتزلة. وظهرت أيضاً الحركات الاجتماعية/ السياسية مثل الرواندية المقنّعة والخرمية، وثورة الزنج، أما في مجال الحضارة، فقد ازدهرت في كافة مناحيها، فالدراسات الدينية عرفت ازدهارًا كبيرًا، وتفوق المذهب السني، وازدادت البحوث الفقهية، والتفسير. كما ازداد الاهتمام بعلم الكلام والتصوف، وارتقى الشعر العربي لدرجة مذهلة، وكذلك النثر، ونشأت العلوم اللغوية، وازدهرت المؤلفات التاريخية والجغرافية، وتطورت حركة الترجمة والنقل. أما في مجال العلوم التطبيقية، فقد انتشرت الدراسات الفلكية والرياضيات، وهكذا تعدّ هذه الحقبة بحق حقبة الازدهار والتوسع ليس في مجال الجيويولتك فقط، بل في مجالات حضارية وثقافية متعددة، في داخل بلدان الخلافة، وفي مجال علاقاتها الخارجية.

الحقبة الثالثة: عصر تعدد الخلفاء (297-565هـ/909-1258م):

تبدأ هذه الحقبة بظهور ثنائية الخلافة في العالم الإسلامي، وهو حدث سياسي/ ديني لم يسبق له مثيل، وترتب عليه آثار سلبية كثيرة منها: الاستخفاف بهذا اللقب العظيم حتى آل الأمر به إلى اغتصابه، ثم إلغائه، لقد شهدت هذه الحقبة خمسة خلفاء في آن واحد، فإلى جانب الخليفة الشرعي في بغداد أعلنت الدولة الفاطمية في تونس تسمية حاكمها بالخليفة في سنة (297هـ/ 909م)، ثم أعقبتها الدولة الأموية في الأندلس في سنة (316هـ/ 929م)، ثم الخلافة الخارجية في سجلماسة في سنة
(343هـ/ 954م)، وأخيرا ًيتجرأ شريف مكة، وهو حاكم لا تتعدى سلطته مكة المكرمة على إعلان الخلافة وهو أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد (ت 430هـ/ 1030م) الذي نصب نفسه خليفة في الرملة بفلسطين في سنة (400هـ/ 1008م).

تتميز هذه الحقبة بزيادة عدد الثورات الاجتماعية/ السياسية. كما ظهرت مذاهب دينية جديدة يأتي على رأسها المذهب الدرزي، بتعضيد من الخليفة الفاطمي الحاكم (990هـ/ 1021م)، ولعل أهم تطور سياسي شهدته هذه الحقبة هو سقوط الخلافة الأموية في الأندلس في زمن الخليفة هشام الثالث (1027هـ/ 1031م)، وتبعتها الخلافة الفاطمية التي سقطت على يد صلاح الدين الأيوبي في سنة 1171م. كما ظهرت للوجود إمارات في إفريقية والأندلس،مما مهد الطريق لترسيخ ظاهرة ملوك الطوائف، وكذلك بذور الدول الإقليمية في شمال إفريقيا، ولعل أهم حدث تاريخي هو وفاة جنكيزخان (ت 1227م) والنتائج المترتبة على ذلك.

الحقبة الرابعة: عصر الانحطاط السياسي والحضاري (656-930هـ/ 1258-1532م):

تبدأ هذه الحقبة باحتلال هولاكو عاصمة الخلافة الإسلامية (بغداد) وبقتل الخليفة المستعصم، وزوال الخلافة التي عاش في ظلها العالم الإسلامي زهاء خمسة قرون، ولقد كانت الميزة المستمرة في هذه الحقبة التدهور السياسي والحضاري، ما عدا فترات قصيرة شهدت انتعاشاً فكرياً أو مذهبياً مثل الانتعاش السني في الشرق الذي جاء على أيدي السلاجقة، ولكن فترات الصحوة تثبت القاعدة ولا تنفيها. حتى حركة التأليف في بعض التخصصات ينقصها الإبداع، فقد جاءت في أغلبها عملاً موسوعياً/ تجميعياً.

وفي هذه الحقبة استشرت حركة الاسترداد النصراني في المغرب الإسلامي، وترسخت ظاهرة الإقطاع العسكري، وبرزت كذلك ظاهرة المذهب القومي، مثل ما حدث في إيران على أيدي الصوفيين الشيعة، فعندما توّج إسماعيل الصفوي شاهاً على إيران (907/ 1502م) بدأ عهده بفرض المذهب الشيعي بالقوة في إيران والعراق، ولهذا دخل السلطان العثماني في صراع مذهبي/ سياسي أدى إلى هزيمته في معركة جاليران المشهورة سنة (1514م).

ولعل من أهم الأحداث السياسية/ الاقتصادية التي عرفتها تلك الحقبة اكتشاف البحار فاسكو دي جاما البرتغالي Vasco de Gama طريق رأس الرجـاء الصالح سنـة (904هـ/1548م)، وما نتج عن ذلك الإنجاز من آثار سلبية على اقتصاديات العالم الإسلامي، وأخيراً تأتي وفاة آخر خليفة عباسي (ت 950هـ/1543م) خاتمة لهذه الحقبة من التاريخ الإسلامي العظيم.

  

 الفهرس

الموضوع

الصفحة

تمهيد

1

نظرة تاريخية إلى فكرة الحقب

3

فكرة التحقيب

9

التاريخ بمعنى الزمن

12

التاريخ الإسلامي وفكرة التحقيب

15

مشكلة التحقيب التاريخي

19

تحقيب التاريخ الإسلامي

25

التحقيب على أساس الأسر الحاكمة

33

التحقيب على أساس الدول

35

التحقيب على أساس الإقليم

39

تحقيب التاريخ الإسلامي - وجهة نظر إسلامية

42

تحقيب التاريخ الإسلامي - وجهة نظر استشراقية

51

تحقيب التاريخ الإسلامي - وجهة نظر عربية معاصرة

69

تحقيب التاريخ الإسلامي - وجهة نظر الإليسكو

76

معيار جديد لحقب التاريخ الإسلامي

79

 



([81])   Hodgson, Marchal, The Venture of Islam, the Univ. of Chicago press (Chicago, 1979), 2vols P. Passim.

([82])   Waldman, Marilyn (Periodization of Medieval Islamic History in the context of world History) unpublished paper, submited to MESA 89. Toronto. P.4.

([83])   Ibid., ps 3. Also see Rose E. Dunn (Peridizaktion and Chronological Coverage in a World Historical Survey) in (What American Should Know: Western Civilization or World History) ed. Josef Konvitz. 1985.

([84])                                                                                                                          Waldman, Marilyn, op. cit. Passim.

([85])                                                                  Morony, M. (Bayn al- Fitnatyn), p.247- 251.

([86])   فيليب حتى، صانعوا التاريخ العربي، ترجمة د. أنيس فريحة (بيروت: دار الثقافة، 1980م).

([87])   قسطنطين زريق، نحم والتاريخ، ص20.

([88])   ألبرت حوراني، الوضع الراهن، ص54.

([89])   محمد الحضري بك، إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء (القاهرة: دار الاتحاد العربي للطباعة، د. ت). محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية، جزءان، (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1969م). نور اليقين في سيرة سيد المرسلين (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1948م).

([90])   محمد العربي التباني، تحذير العبقري من محاضرات الخضري، جزءان (القاهرة: دار الأنوار،
1955م)، وكذلك كتابه الآخر: النصيحة والاستدراكات على كتاب المحاضرات (القاهرة: مطبعة الشرق، 1958م).

([91])   نبيه فارس، تطور كتابة التاريخ عند العرب المحدثين كما تبدو في معالجتهم قضية النزاع بين علي ومعاوية، مجلة الأبحاث، السنة 16، ج2 (حزيران، 1963م)، ص177- 178.

([92])   محب الدين الخطيب، أقسام التاريخ، مجلة المقتبس، 3، ج7 (1980م)، ص451- 455.

([93])   نبيه فارس، تطور كتابة التاريخ، ص 177- 178.

([94])   قسطنطين زريق، نحن والتاريخ، ص36.

([95])   عبدالعزيز الدوري، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، ص5، لقد تحدث الباحث إلى الدوري أكثر من مرة، وعرض عليه شفوياً مخطط بحثه هذا، وتبادل وإياه عدداً من الأفكار المفيدة، والباحث يشكر الدوري مساعدته في عرض آراءه الصائبة التي لا شك أنها أغنت البحث.

([96])   ليس لدى الباحث تصور دقيق وشامل لما كتبه صالح العلي من اقتراحات بطلب من اليونسكو، بخصوص تحقيب التاريخ الإسلامي،ولم يستطيع الباحث رغم مراسلته العلي من الحصول على نسخة من مقترحاته التي قدمت في ندوة عقدت في الكويت لمعالجة جوانب القصور في مشكلات التحقيب.

([97])   محمد مبروك نافع، تاريخ العرب: عصر ما قبل الإسلام (القاهرة: مطبعة السعادة، 1952م) ص9.؛ انظر أيضاً: شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج1، ص 59.

([98])   أنور الجندي،الإسلام وحركة التاريخ: رؤيا جديدة في فلسفة تاريخ الإسلام (القاهرة: دار الكتاب المصري، 1980م).

([99])   أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، ط10 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1981م).

([100]) لمزيد من التفاصيل عن مشروع جامعة الدول العربية والتحقيب المقترح من قبلها انظر الكتيب الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم: مشروع كتاب مرجع في تاريخ الأمة العربية، خاصة الصفحات 8- 17.

([101]) Encyclopaedia of Islam (Djahiliyya) 2nd. ed Vol. II, p.383.

([102])                    Dohsson, Ignace de Ottmean Tebleau General L'empire Pavis, 1787.        

([103]) أحمد شلبي، مصدر سابق؛ أنور الجندي، مصدر سابق.

([104]) الخليفة الخامس هو الحسن بن علي حتى تنازله عن الخلافة لصالح معاوية ابن أبي سفيان.

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx