King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


الصفحة الرئيسية
السيرة الذاتية
المقررات الدراسية
المدخل إلى علم التاريخ
هجرة القبائل العربية
السيرة النبوية
الخلفاء الراشدين
تاريخ الدولة الأموية
التاريخ الاقتصادي في العصور الإسلامية
منهج البحث التاريخي
نصوص تاريخية
الجزيرة في كتب الرحالة
الجزيرة العربية من القرن 3 حتى العهد العثماني
الجزيرة العربية من القرن 3 حتى العهد العثماني
رسالة قصيرة
مقررات دراسية حالية
تاريخ الجزيرة العربية القديم
تاريخ الشرق الأقصى الحديث (موضوع خاص)
برنامج الماجستير
قاعة بحث
التاريخ الإسلامي
العصر الإسلامي الوسيط
موضوع خاص من تاريخ الحضارة الإسلامية
موضوع خاص من تاريخ الشرق الإسلامي
موضوع خاص من تاريخ جزيرة العرب الوسيط
برنامج الدكتوراه
دراسات في التاريخ الحضاري للجزيرة العربية
حلقة دراسية في التاريخ الإسلامي
دراسات في تاريخ الجزيرة العربية في العصر الإسلامي
دراسات في التاريخ الإسلامي
دراسات في التاريخ الحضاري الإسلامي
أسئلة
تاريخ الجزيرة العربية القديم 1
الخلفاء الراشدين
تاريخ الدولة الاموية
هجرة القبائل العربية
مقالات أكاديمية
أهمية تدوين التراث الشفاهي كمصدر تاريخي
التــاريخ الشـــعبي
اليد العاملة في الجزيرة العربية في العصر الوسيط
إدارة اليمامة في العصر العباسي
الأيدي العاملة في الجزيرة العربية
الجدل الديني في الأندلس
المدلول الأسطوري لدعوة مسيلمة بين حبيب الحنفي
المزيد
محاضرات عامة
كلمة في افتتاح ورشة العمل في تايوان
Alois Musil A cross-cultural understanding
الطائفية في الخليج لم تعرف ولن تعرف الحرب الطائفية
كلمة ألقيت في منتدى الفكر العربي في المغرب 2008
مقابلات
washington post questions
منتدى أمطار يحتفي بالدكتور عبد الله العسكر
تغيب الفلسفة
مقابلة مع مجلة روتانا
مشاركات ثقافية
Publications
Pictures Library
Courses

تَحقيب التّاريخ الإسلامي 

 

أ.د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

قسم التاريخ/ كلية الآداب

جامعة الملك سعود

 

 

 

 

1 - 1 تمهيد:

إن تكييف المعرفة التاريخية أصبح أمرًا ملحًا في وقتنا الحاضر. والتاريخ في عمومه -بفضل مادته السلسة المرنة-  قادر إذا ما أعطى الفرصة أن يتكيف المرة تلو المرة. والهدف من إعادة تكييف المعرفة التاريخية هو زيادة المعرفة بالتاريخ ودروسه. ولكن كيف يُكيف التاريخ؟ هذا سؤال جدير بالإجابة. هنالك طرق كثيرة ابتدعها المؤرخون والمهتمون بفلسفة التاريخ عند إعادة عرض التاريخ ومن ثم إعادة قراءته. من هذه الطرائق ما يدعوه المنظرون التاريخيون بالتحقيب التاريخي؛ بمعنى تقسيم التاريخ إلى فترات أو حقب. أو كما يعبر عنه في اللغة الإنجليزية Periodization of History.

إن دراسة الحقب التاريخية هي إحدى الأفكار الرائدة التي يحاول المؤرخون بها إعادة المرونة إلى التاريخ. ولعل فيكو الذي كيّف التاريخ في صورة دورات تاريخية تستند إلى أسس فكرية ابتدعها الرومان ومن قبلهم الإغريق، قد نبه إلى أهمية إيجاد أسس فكرية جديدة لدراسة التاريخ. ولم يأت من فراغ، ذلك النقاش، الذي احتدم حول تحقيب التاريخ في نهاية القرن السابع عشر الميلادي في فرنسا ثم في إنجلترا. وتعرف تلك المناقشات المثيرة التي دامت سنوات عديدة في إنجلترا باسم (معركة الكتب Battle of the Books)([1]).

لقد اهتم عدد من فلاسفة الغرب والشرق بفكرة تقسيم التاريخ إلى حقب أو فترات. من هؤلاء الكاتب الفليسوف الألماني كانت I. Kant (ت 1804م) الذي اقترح أن يحقب التاريخ من وجهة نظر عالمية. وأعقبه هيغل Hegel (ت 1830م) الذي
تابع فكرة (كانت). واستمر الأمر هكذا حتى جاء أرنولد توينبي
A. Toynbee
(ت 1975) الذي دعم فكرة عالمية التقسيم التاريخي
([2]). أما في الشرق الإسلامي فقد عرف المؤرخون أساليب وطرقًا متعددة لتقسيم التاريخ. بدءًا من معالجة تاريخ الأمم عالميًا إلى قصره على منطقة أو أقليم أو مدينة، أو حتى أسرة حيث تكون أساسًا في تقسيم مسيرة التاريخ الطويلة.

إن الفراغ الهائل الذي يشكله غياب دراسة تهتم بمعالجة هذا الموضوع في اللغة العربية، حدا بالباحث إلى التصدي له. ويأمل الباحث أن يكون قد أضاف إلى المعرفة التاريخية في العموم، وأن يكون قد شارك في إعادة النظر إلى التاريخ الإسلامي على الخصوص من منظور جديد، وذلك بدراسة تحقيب التاريخ الإسلامي.

ينقسم البحث إلى جزأين، سيكون الحديث في الجزء الأول عن النظرة التاريخية للحقب. ثم عن فكرة التحقيب، والتاريخ بمعنى الزمن، ثم التاريخ الإسلامي وفكرة التحقيب، وأخيرًا مشكلة التحقيب التاريخي، أما في الجزء الثاني فسيكون الحديث عن تحقيب التاريخ الإسلامي، والتحقيب على أساس الأسر الحاكمة، والتحقيب على أساس الدولة، ثم على أساس الطبقات والمدن. ثم تحقيب التاريخ من وجهة نظر إسلامية واستشراقية، ثم من وجهة نظر عربية معاصرة. ثم من وجهة نظر الإليسكو، وأخيرًا معيار جديد مقترح لتحقيب التاريخ الإسلامي، من وجهة نظر الباحث.

1 - 2 نظرة تاريخية على فكرة الحقب:

فكرة ابتداع نظرية أو نظريات تنتظم فروع التاريخ كلها فكرة تعتمد على أساسها على الطريقة الكيفية Qualitative Approach، بمعنى أن الفترات فيها تكون ذات طابع مميز وتشترك في مناح متشابهة تتعاقب الواحدة تلو الأخرى بالترتيب الزمني أو بالترتيب الموضوعي. ولكن متى بدأت تلك الفكرة؟.

ثمة اعتقاد أن تقسيم الزمن في جوهره فكرة رائدة خدمت الفكر الإنساني بتقديم أطر صالحة للكتابة التاريخية؛ ولكن ليس واضحًا بالتحديد البداية الفعلية لمنهج التحقيب. ففي العصور القديمة، لا التحليلات التاريخية ولا عدد السنوات المتراكمة قد قادت إلى أي نوع من أنواع التحقيب سوى ما هو معروف عن المصريين القدماء الذين انفردوا بشرف ابتكار ما يعدّ في جوهره تقويمًا شمسيًا لقياس الزمن، وهو عكس ما هو سائد عند الشعوب القديمة من اعتماد على التقويم القمري.

أما البابليون فإنهم لم يتعدوا مرحلة تمييز السنين ومعرفة ما وقع فيها من أحداث كبرى. وفي العصر الآشوري (حوالي سنة 1100 ق.م) ظهرت بعض الحوليات المتواضعة، التي كانت تتحدث عن أعمال بعض الملوك. وقد ازداد الترتيب الزمني عند الآشوريين دقة بتعيين موظف رسمي كل سنة ليقوم بأعمال التسجيل. وأطلق عليه اسم الليمو Limu وهكذا أمكن في أواخر العصر الآشوري التوصل إلى مفهوم (الحقب التاريخي) التي تؤرخ بعهد الملك نابو ناصر Nabonnassar (حوالي
740ق.م)
([3]).

أما في اليونان حيث نظر المؤرخ بواقعية وانفتاح فقد ركز في بحثه التاريخي على التحليل السياسي. واتجه أيضًا على نوع من النظرة الدولابية للتاريخ. تلك النظرة التي تطورت وانتشرت فيما بعد على يد مكيافيلي N. Machiavelli (ت 1527م). وهو المعروف عنه أنه كان فيلسوفًا وسياسيًا، لا يكن للتاريخ عاطفة معينة، ولا يهتم إلا بالقدر الذي يمكنه من استغلاله لصالح النظرية السياسية. أما الوقت التاريخي عند اليونانيين فقد قُسِّم إلى:

أ -   وقت قريب.

ب - وقت عملي أو واقعي.

ومثل هذا النوع من التقسيم لا يخضع لحساب السنوات من خلال تعاقب الحقب. ويذكر التاريخ أن أحد مواطني جزيرة لسبوس، واسمه هيلا نيكوس Hellenicus حاول في النصف الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد أن يضع ترتيبًا زمانيًا لتسلسل الأسر. لكنها محاولة متواضعة، لدرجة استمر الإغريق يعملون بحساب السنوات الأولمبية المتواضعة، التي أدخلها تيماوس حوالي سنة 300 ق.م. أما في روما حيث انتشرت فكرة (الحقبة الرسمية Official Era) وتبدأ من تأسيس الجمهورية سنة 510 ق.م. حتى القرن الثاني ق. م. كما انتشر في روما استعمال الحوليات (Ab urbe conita) فاستعملها المؤرخون أمثال ليفي T. Livy (ت 17م) وآخرون. وبهذا يكون الرومان أول من ابتكر نظامًا جيدًا لترتيب زمن يمكن الاعتماد عليه.

ولعل البداية المقننة حدثت عندما تخيل الكتّاب الكلاسيكيون الزمن على أساس دوري؛ بمعنى أن صيرورته تمضي في دورات متعاقبة، وكانت تلك الدورات تحسب بوسائل مختلفة. وهو ما يؤدي إلى أن تتعاقب الحوادث؛ فكل حدث قد يعود ثانية إذا ما عادت (السنة العظيمة)([4]). وهنالك رأي آخر في مضمار تحقيب التاريخ؛ إذ يرى بعض المؤرخون أن الزمن المطلق هو أساس تقسيم التاريخ، فهو يمضي قدمًا من الماضي إلى الحاضر صوب المستقبل، وكانت نظرة النصارى متسقة مع هذا التقسيم والتفسير، إلا أنهم يجعلون للزمن بداية وهو بدء الخليفة، ونهاية وهو عودة المسيح. والتاريخ لدى مؤرخي النصرانية ممتد بين لحظتين محددتين في أسلوب محكم رائع. مما يجعل الفرد النصراني الذي يتصفح صفحات التاريخ البشري ".. يبدي دهشته الفائقة من خطة الرب المحكمة التي غطت الماضي والحاضر والمستقبل. رغم أن أي حياة زائلة لا تغطي سوى جزء تافه من التاريخ العالمي ككل"([5]).

والملاحظ أن التاريخ في العصور الوسطى الأوربية كان لصيقًا بالكنيسة، وآباء الكنسية هم الذين اخترعوا فترات وحقب تشمل التاريخ الديني والدنيوي، إن جاز التعبير. ويرجع الفضل في انتشار التقسيم الكنسي للتاريخ في أوربا إلى القديس أوغسطين Aurlius Augustius (354- 430م) الذي روج لتقسيمه بكل ما لديه من قوة وسلطة ونفوذ. وقد قسم التاريخ إلى حقب أو فترات ست تماثل تمامًا المراحل الستَّ في عمر الإنسان من طفولته إلى شيخوخته، وهي كذلك تشابه الأيام الستة التي خلق فيها الرب السموات الست والأرضين الست([6])، وهذه الحقب هي:

الحقبة الأولى: وتبدأ من تاريخ آدم حتى تاريخ نوح.

الحقبة الثانية: من تاريخ نوح إلى تاريخ إبراهيم.

الحقبة الثالثة: من تاريخ إبراهيم إلى تاريخ داوود.

الحقبة الرابعة: من تاريخ داوود حتى الأسر البابلي لليهود.

الحقبة الخامسة: من تاريخ الأسر البابلي لليهود إلى تاريخ يوحنا المعمدان.

الحقبة السادسة: من تاريخ يوحنا المعمدان حتى تاريخ المسيح.

والتاريخ في نظر أوغسطين يجب أن يوافق بكامله مع هذا الترتيب؛ ولكن الملاحظ أن تقسيم أوغسطين للتاريخ لم يستمر طويلاً، إذ ظهر إلى الوجود الترتيب الزمني سياسيًا ودينيًا. وفيه أخذ مؤرخو العصور الوسطى قدرًا من الانفتاح على الأمور الدنيوية أكثر بكثير مما كان يعترف به أسلافهم. وليس ببعيد أن يكون أوغسطين قد استفاد من الكاتب النصراني سكتوس يوليوس الأفريقي (180- 250م). الذي حاول أن يوجد طريقة مناسبة لتسجيل ماضي البشرية، توافق مع العقيدة الدينية، ومفهوم النصرانية. فكتب مؤلفًا أسماه (قياس الزمن Chronographia) لخص فيه ماضي اليهود والوثنيين منذ بدء الخلقة حتى سنة 221م([7]).

كانت لليهود تقسيمهم الخاص بالتاريخ، وهو تقسيم في مجمله مشابه للتقسيم النصراني. فتقسيمهم يقوم أساسًا على نبوءة دانيال. ولقد ذاع ذلك التقسيم وانتشر بفضل أوروسيوس Paulus Orsius الذي قسم التاريخ البشري على أساس الممالك الأربع، وهو يطابق ويماثل قصة الوحوش الأربعة التي وردت في رؤيا دانيال. ومع أن أوروسيوس نصراني متعصب وتلميذ نجيب لأستاذه أوغسطين، فإنه في تقسيمه للتاريخ البشري الذي أنجزه في حدود سنة 417م وسماه (تاريخ العالم) نحا فيه نحو النظرة اليهودية للتاريخ. وكتابه بلا شك عمل عظيم في فترته تلك؛ وإن كان ما كتبه جاء بطلب من الكنيسة النصرانية ممثلة في مركزها هيبون Hippone (الاسم النصراني لعنّاية القديمة). والمتمعن فيه يجد أن الترتيب الزمني الذي يعبر عن الفكر العبراني، لم يتعد مرحلة تقدير الزمن بالأجيال. حيث يستمر كل جيل أربعين سنة([8]).

أما المؤرخون المسلمون فقد توسعوا بذكر أخبار الأرض من هبوط آدم، وقصص الأنبياء، وأحوال القيامة. ويلخصون تاريخ العالم بإيجاز أو إسهاب جاعلين كل هذا مقدمة لتاريخ الإسلام. وتنتشر لدى المؤرخين المعاصرين الفكرة القائلة بتأثر المؤرخ المسلم في تحقيبه للتاريخ ونظرته له بالكتاب المقدس، بل يذهب البعض إلى أن ثمة مكانًا خاصًا تحتله الآثار التوراتية- الإنجيلية في الفكر التاريخي الإسلامي. ومع هذا فقد تفوق المؤرخون المسلمون على زملائهم النصارى في العصور الوسطى في الإلمام بأساليب التقويم والترتيب الزمني للأحداث([9]).

ويبدو أن كلا النظرتين تحملان تطرقًا في الرأي. فالتاريخ الإسلامي شأنه شأن التواريخ القديمة متأثر بالكتب السماوية. فيما يخص النظرة والحوادث المشتركة والتي ذكرت في كل الكتب السماوية، ومنها طبعًا القرآن([10]). والإسلام لم يتنكر للأفكار النصرانية أو اليهودية، بل على العكس ذكر كل ذلك ضمن سياقه الأخباري، وكذلك فإن الإخباريين المسلمين الأوائل نقلوا أفكارا تاريخية عن علماء أهل الكتاب([11]).

ومع هذا يبقى الفكر الإسلامي متميزًا في نظرته للتحقيب التاريخي وفي نظرته لتواريخ الأمم الأخرى؛ فقد قدم الفكر الإسلامي تحقيبًا خاصًا بتاريخ الإسلام، أحسبه لم يسبق إليه، وذلك عندما أطر تواريخ الأمم جاعلاً المركز والقلب لهذه التواريخ قاطبة التاريخ العربي الإسلامي. واستعمل في آن واحد عدة أساليب للتحقيب، وخير مثال لذلك تاريخ ابن خلدون (ت 808هـ): (أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) فالعرب هنا هم أساس تنظيم تواريخ الشعوب المعاصرة لهم. وهذا النظام هم المحور المركزي الذي على أساسه يُتحدث عن تواريخ الأمم الأخرى، التي تسرد على هامش التاريخ العربي. وجملة القول أن المؤرخ المسلم ربما يعدّ أول مؤرخ كتب تاريخ العالم بأسره، وتصدى له بنظرة فاحصة متفتحة في حدود معرفته، وخير مثال لذلك المؤرخ رشيد الدين (ت 1318م) الذي ألف تاريخه العالمي، حيث ذكر فيه معلومات تاريخية قيمة لم يسبق إليها، وذكر عدة أماكن بعيدة عن ديار الإسلام مثل إيرلندا والصين([12]). والسؤال الذي يطرح نفسه بتلقائية هو: ما هو الأساس الذي اعتمد عليه المؤرخون الكلاسيكيون والنصارى ومن بعدهم المسلمون في تقسيمهم للتاريخ؟. هذا التساؤل يقودنا إلى البحث عن فكرة التحقيب.

1 - 3 فكرة التحقيب:

لعل من الإشارات السابقة تتضح حقيقة تجاهلها أغلب من تطرق إلى بحث فكرة التحقيب. فأصل تقسيم التاريخ إلى دورات قد يكون مستمدًا من الفكر الهندي القديم؛ الذي يذهب إلى أن دولاب الدورة الكونية يتم دورته وعندئذ يتفسخ العالم([13]). وفي زعمي أن الفكر الهندي بهذا المضمون يرى أن العالم يدور في دورات محددة ينتهي بعدها التاريخ. وعلى الرغم من وجاهة هذه الفكرة، فإنها لم تجد ما تستحق من عناية. وانتشر عوضًا عن ذلك ارتباط الحقب التاريخية بالكتب الدينية الأولى. فالتقسيمات المبكرة للفترات والحقب التاريخية كالحقب الست أو الأربع تقوم كما أسلفنا على أسس دينية وهي وإن كانت صالحة لكتابة تاريخ أوربا في العصور الوسطى وخاصة بين القرنين الخامس والثاني عشر الميلاديين، فإنها حتمًا تعبر عن فكر الفترة التي قيلت فيها، بكامل معطياتها الثقافية والحضارية. ثم أن الفترات والحقب التاريخية تتطلب معالجة متصلة دون تجزئة، لإبراز نواحي الاستمرار والنمو، أو كما لاحظ مؤرخ معاصر "... ان أي فصل بين أجزاء الحياة المتماسكة أو تقطيع خيوط التاريخ المستمرة، أو إقامة سد مصطنع في مجرى التاريخ المنساب، يقف دون فهمنا الصحيح للحياة البشرية وحكمنا الصادق لها أو عليها"([14]).

ولقد تطورت معالجة الحقب التاريخية، مما أدى إلى المزج بين الفكر الهندي القديم المعبر عن دورات التاريخ، وبين الاتجاه المعبر عن الطريق التاريخي الصاعد في خط مستقيم وليس على شكل دولاب، وهو أمر لاحظه الفيلسوفان فرانك مانويل وكلنجوود؛ إذ يعتقدان أن هناك استقاطبا سيكولوجيا لبعض النظريات في بعض العصور التاريخية وليس اختفاء كامل لنظرية محددة([15]). والباحث لا يجد صعوبة من معارضة ما ذهب إليه كل من فرانك مانويل وكلنجوود،فليس الأمر كما صوراه. بل هو ببساطة سيادة الفكر الديني النصراني ومن ثم الإسلامي على النظرة التاريخية. والسبب لا يحتاج إلى كبير أمر في أشغال الذهن، فرواد المشتغلين بالتاريخ كانوا إمّا من رجال الدين أو من المقربين إلى الدوائر الدينية. وهو ما جعل الأمر يحمل في بعض جوانبه تناقضا فكريا أدى ببعض الفلاسفة المعنيين بفكرة تقسيم التاريخ أمثال بنديتكو كروتشه Benedete Crocé (1866- 1952م) إلى القول ".. بأنه ليس هنالك فترات تاريخية، أو حقب تقسم التاريخ، بل هنالك مشكلات تاريخية فحسب"([16]). ورأي كروتشه إنّما يعبر عن المعاناة التي صادفها عند نظرة للتاريخ في أوربا في القرن الثاني عشر، وهو رأي لا يمكن تطبيقه عند دراسة تواريخ الأمم لأن قائله إنّما يهتم بالتاريخ السياسي، الذي هو فرع من التاريخ وليس كل التاريخ.

والملاحظ أن كل عصر أو حقبة أو فترة أساسية في التاريخ الإنساني لا بد أن يمثل وحدة مستقلة، وأن ملامح هذه الحقبة من سياسة أو اقتصاد أو اجتماع أو ثقافة كلها جوانب أو ملامح للمجموع الكلي Living Totality، ومنها جميعها يتكون تاريخ أمة من الأمم. ذهب هيغل في فلسفته إلى أن كل ".. فترة أساسية أو حقبة متميزة تنمّي فكرتها الرئيسية إلى الحد الأقصى، ثم يعقبها فترة أو حقبة متميزة" وإلا أصبحت الحقب والفترات لا معنى لها، وتصبح تقسيمها مدرسيًا يشوه معنى التاريخ وقيمته([17]). ويلاحظ المرء أن العامل المشترك في صياغة النظريات السابقة بخصوص تحقيب التاريخ، هو اعتمادها على الزمن المطلق، فالوقت جزء هام وفعّال في جعل الفلاسفة يقفون عنده طويلاً، فماذا عن الزمن وعلاقته بالتاريخ.

1 - 4 التاريخ بمعنى الزمن:

تُعرّف بعض معجمات اللغة التاريخ بالوقت، وحتى في الاصطلاح اللغوي فالتاريخ يعني تعيين وقت ينسب إليه زمان مطلق. والزمان المطلق هذا يشمل بالطبع الماضي والحاضر أو المستقبل. وهذا التعريف لم يرض تمامًا الكافيجي (ت 879هـ) الذي اشترط تقييد الزمن بحادثة تاريخية كبيرة كظهور ملة دينية، وبهذا التقييد يصبح الزمن بمعنى التاريخ([18]). لقد نظر السخاوي (ت 902هـ) وهو أحد فلاسفة التاريخ الإسلامي، إلى المعنى الاصطلاحي السابق والخاص بتعيين الوقت في التاريخ، فقال بوجوب تحديد الوقت وذلك بظهور خليفة جديد أو تعيين وزير، أو قيام دولة أو سقوطها([19]). ومن هنا يتضح أن الكافيجي يفضل تحقيب التاريخ على أسس سياسية/ دينية كبيرة كبزوغ ملة جديدة، بينما السخاوي لا يمانع من تحقيب التاريخ بحوادث صغيرة سياسية أو دينية أو غيرها مثل تعيين وزير. وهذا أمر له دلالته السياسية.

أما السيوطي (ت 911هـ) وهو مؤرخ إسلامي له نظرات دقيقة بخصوص الزمن وعلاقته بالتاريخ، يرى الربط الوثيق بين التاريخ والزمن. بل إنه يشير إلى أن المعمول به في تقليد أهل المدينة المنورة خلال حياة الرسول e، هو الربط الوثيق بين الحوادث والزمن. فتقوم الحادثة بالدلالة على السنة أو التاريخ. فيسمون السنة الأولى للهجرة بسنة الأذن بالرحيل، والسنة الثانية للهجرة بسنة الأمر بالقتال، والسنة الثالثة للهجرة بسنة التمحيص([20]).

هذا الارتباط الوثيق بين التاريخ والزمن يقود المرء إلى التفكير مليا في طبيعة هذا الارتباط ودلالاته الفلسفية. أما كون التاريخ مرتبط بالزمن فهذا مما لا شك فيه، بل إنه ارتباط قديم قدم التاريخ نفسه، وحتى كلمة (تاريخ) فإنها مشتقة من الكلمة السامية التي تعني القمر أو الشهر، والقمر كما هو معروف أحد الظواهر الطبيعية المميزة التي تدل على الزمن. والجواليقي (ت 540هـ) والسخاوي يريان أن كلمة (تاريخ) ذات أصل فارسي معرب أصلها (ماه روز)، حيث أن (ماه) تعني القمر و (روز) تعني اليوم، فيكون المعنى (يوم القمر). وهو يشابه إلى حد كبير ما ارتآه المستشرق البريطاني هاملتون جب Hamilton Gibb([21]).

من هذا يذهب الباحث، بشيء من الاطمئنان، إلى أن جوهر التاريخ عند الأقدمين هو السرد والرواية للحوادث والوقائع باختلاف أنواعها في قالب زمني، هذا هو المفهوم السائد للتاريخ في الزمن الماضي. ويلاحظ المرء غياب السببية التي لم يفطن لها مؤرخو الماضي، لأنها ببساطة لا تتناسب مع تعريفاتهم للتاريخ. وهو أمر لاحظه فيلسوف معاصر، حيث دعا هذا الاتجاه ".. بعبادة صنم الأصول". ويقصد بعبارته هذه سيطرة الزمن على كتابات المؤرخين القدامى، لدرجة أن الزمن أصبح كالصنم ذي الأصول الواجب الاعتقاد بها([22]).

والزمن في ارتباطه لـه أيضًا دلالات فلسفية. فكل المخلوقات بما فيها الإنسان. وكل الماديات تتلاشى أمام الزمن، والزمن يبقى. وهذه الظاهرة الفريدة هي وراء تشبث المؤرخين بالزمن كأداة لفهم التاريخ، وطرح ما سواه من فرضيات ومناقشات فلسفية قد تعالج فكرة الزمن والتاريخ وكيفية التحقيب([23]). ومع مرور الزمن استطاع المنظرون التاريخيون أن يتوصلوا إلى تسمية ثلاثة عناصر تكوّن التاريخ وهي: (التركيب، التوحيد، الحوادث)، أو كما عبر عن ذلك بروديل Fernard Braudel بالزمن الجغرافي، والزمن الاجتماعي، والزمن الفردي. وتعتبر بروديل تخريج ذكي، وذلك بإضافة كلمة الزمن إلى وحدة أو عنصر من العناصر الثلاثة التي يرى المؤرخون ضرورة وجودها لتشكيل مجتمعة ما ندعوه بالتاريخ. وفي رأي الباحث أن التاريخ ما زال كما كان في الماضي، يعبر ببساطة عن الحوادث، وإذا كان ثمة إضافة جديدة فهي إدخال عامل الجغرافيا (المكان)، وعامل الاجتماع (المجتمع)، جنبًا إلى جنب مع عامل الفرد (الحادثة).

وجملة القول إن المؤرخ ليس أمامه إلا أن ينصاع -كما يذهب جفري باراكلو- لأهمية الزمن الجغرافي والزمن الاجتماعي، لأنهما في نظره الهيكل الأساسي الذي تحدد فيه دورات الأحداث ويتحدد المسرح الذي يلعب عليه الفرد([24]). وبهذا المفهوم وحده أصبح بالإمكان إعادة النظر في تحقيب التاريخ الذي كان قائمًا في الماضي على صورة الزمن المطلق وحده. أما الآن فبإمكان المؤرخ أن يدخل صورًا جديدة لتحقيب التاريخ معتمدًا على بحوث الفلاسفة والمؤرخين الذين أضافوا أبعادًا مثل الزمن الجغرافي والزمن الاجتماعي([25]).

1 - 5 التاريخ الإسلامي وفكرة التحقيب:

لقد نظر المؤرخون المسلمون إلى التاريخ على أنه مظهر من مظاهر التدبير الإلهي، غايته حكم الجنس البشري، ويرون أن أهمية التاريخ -وخاصة تاريخ الإسلام- تتبع من أهمية الوحي الإلهي في القرآن الكريم وأقوال النبي محمد e وأفعاله في الحديث([26]). وهذه النظرة الدينية هي التي صبغت تفكير المؤرخين المسلمين ثمّ أثرت في اتخاذ معايير معينة لتحقيب التاريخ.

والتاريخ مر بفترات متعددة، ولعل أقدم بداية مقننة له ترجع إلى منتصف القرن الثالث الهجري، حيث كانت المؤلفات التاريخية الأولى تتوسع بذكر أخبار العالم المعروف، وقصص الأنبياء، وأحوال القيامة، وأغلب هذه المؤلفات العامة نجدها تحت عناوين مثل أخبار، سير، مغازي، ومعظمها يجنح إلى الترتيب الزمني البسيط، والذي يمثل إحدى الطرق القديمة المألوفة لتحقيب التاريخ، وهذا الترتيب الزمني هو الذي تطور على أيدي المؤرخين المسلمين وأصبح يعرف بنظام الحوليات.

هنالك دراسة قام بها المؤرخ ألبرت حوراني حول مفهوم التاريخ الإسلامي؛ وفيها خلص إلى أن بنية الأفكار التي تقوم حولها الكتابة التاريخية الإسلامية غير وافية لتحديد الزمن([27]). ولعل الذي أوصل ألبرت حوراني إلى هذه النتيجة كونه لم يفطن إلى أن عددًا من المصطلحات العلمية السائدة الآن بين أوساط المؤرخين تحتاج إلى إعادة نظر. مثال ذلك اصطلاح (التاريخ الإسلامي)، إذ إن هذا الاصطلاح لا يعني شيئًا بنفسه، خصوصًا إذا ورد في سياقات مختلفة. والسبب يكمن في أن لفظة (تاريخ) عند العرب لم تكن تطابق تمامًا المقابل الإنجليزي History. لأن القضايا الفلسفية المتصلة بفكرة التاريخ هي من التطورات الفلسفية الحديثة، وهي تطورات جديدة على الفكر العربي، وتختلف عن مفهوم التاريخ عند العرب. وبعيدًا عن المفهوم اللاتيني لفكرة (التاريخية) فقد طوّر العرب المسلمون التاريخ الإسلامي، لدرجة، كما يذهب أحمد أمين، أن التاريخ الإسلامي لم يتأثر بأي تنظيم أو تحسين يأتيه من الخارج([28])؛ ولكن عندما تدرس (التاريخية الإسلامية) من خلال المفهوم الغربي، فإن النتيجة غالبًا ما يعتريها بعض الخلل، وهذا أمر واضح لدى الدراسات الاستشراقية.

وصفوة القول أن أغلب الدراسات الغربية الحديثة التي كتبت حول (التاريخية الإسلامية) ومفهومها يشوبها شيء من القصور. ونعود نستشهد بالدراسة التي مر ذكرها، وهي دراسة ألبرت حوراني، تلك الدراسة التي حاول فيها مؤلفها استغراق موضوعه حول (الوضع الراهن للدراسات التاريخية الإسلامية)، فبالإضافة لما ذكر من خلل في المنهج، يجد المرء غيابًا واضحًا للكتابات الروسية والألمانية والإيرانية التي عالجت موضوع المؤلف. مثل هذا الأمر مدعاة للتساؤل، خصوصًا إذا عرفنا أن ألبرت حوراني مؤرخ معاصر، وحتمًا يعي أهمية الدراسات الألمانية والروسية على وجه الخصوص في المجال الذي تصدى له([29]).

وفي هذا السياق فإن نظرة على عدد من أهم المؤلفات الغربية التي تناولت التاريخية الإسلامية نجدها تعالج الموضوع من خلال منظورين: المنظور الثقافي -الديني أو المنظور السياسي- المؤسساتي. ويمثل المنظور الأول: توماس أرنولد T. Arnold، وجولدسهير Goldziher، وهامتلون جب H. Gibb، ويمثل المنظور الثاني: سوفاجيه Sauvaget، وبيكر Becker، وفون جرونبوم Von Grunebaum، وبسبب تباين المنهج جاءت الدراسات الغربية جديدة جادة خصوصًا ما يتعلق بالموضوع الذي نحن بصدده.

والتاريخ الإسلامي -كما هو معروف- ارتبط بالممالك الإسلامية وبالدين الإسلامي، هذه الازدواجية المقدسة عند المسلمين، هي التي شكلت النظرة التحقيبية للتاريخ الإسلامي الذي عادة ما يتحدث عن ظهور الإسلام (البعثة)، وعن قيام الدولة الإسلامية في المدينة ثم تاريخ الخلفاء حتى سقوط الدولة العباسية على يد التتار في القرن السابع الهجري. ومن المؤرخين من يجعل تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام بداية تاريخ الإسلامي، وينهيه عند بزوغ القرن العاشر الهجري. هذه الفترة الطويلة تتطلب معالجة تاريخية صعبة، لأن أمورًا كثيرة وتقلبات وتطورات عديدة حدثت خلال تلك القرون. فكان أن اعتُقد أن التاريخ السياسي استغرق معظم التاريخ الإسلامي، خلال تلك الفترة الطويلة. أما نصيب التاريخ الفكري؛ الذي يرصد حركات الفكر والمدارس التشريعية فإنه لم يحظ -مقارنة بالتاريخ السياسي- إلا باهتمام بسيط. وأقل من هذا يقال عن التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي، حتى لو استخدمنا أكثر الأساليب مرونة لهذين الاصطلاحين. في ضوء هذا الواقع والتشخيص القريب من الصحة إلى حد كبير، جاءت محاولات المؤرخين المسلمين لتحقيب التاريخ لتنسجم مع ذلك التشخيص.

من هنا كانت الحاجة ماسة إلى إعادة تحقيب التاريخ الإسلامي، ليسهل دراسته وتشريحه. وخاصة أن الكتابة التاريخية منذ نهاية القرن التاسع عشر لم تعد كتابة تقليدية، قادرة على إعطاء الإطار الذي يتيح للمسلمين الذين تلقوا التعليم الحديث من رؤية ماضيهم ويمكنهم من فهم تطور المجتمع الإسلامي وحضارته. ولا يغيب عن البال أن نظرة الإنسان لماضيه تتأثر إلى حد كبير بنوع تقديره لحاضره، وبالصورة التي يرسمها لمستقبله. فإذا كنا نخطط لحاضرنا ومستقبلنا تخطيطًا قد يكون دقيقًا، يتسم بالعناية بالزمن ضمن معطيات جديدة، ومتغيرة في كل زمان. فما الذي يمنعنا أن نعمل الشيء نفسه بالنسبة لماضينا، وهو ما يدعوه الباحث (بالتخطيط للماضي). ففي ذهن الإنسان الحي ونفسه يتجاذب الماضي والحاضر المستقبل تجاذبًا دائمًا، وتتفاعل جمعًا تفاعلاً مستمرًا. وهو أمر يدعو إلى الاستجابة والنظر وجعل التاريخي يلبي تلك المفاهيم.

وثمة أمر يجب ألا يغرب عن البال، وهو أثر الجغرافية المذهبية في صياغة النظرة للتاريخ الإسلامي، التي أوجدت تناقضًا واختلافًا في نظر المؤرخ المسلم لما يكتبه زميله في موقع جغرافي آخر. فلا ريب أن أغلب (إن لم يكن جميع) المؤرخين الإيرانيين المختصين في التاريخ الإسلامي، يعدّون كل ما كُتب عن التاريخ الإسلامي بواسطة العرب أو الأتراك معبّرًا عن الجزء الغربي (العربي/ التركي)، من العالم الإسلامي، وفي نظرهم أن الجزء الشرقي (الهندي/ الإيراني)، يحتاج إلى يفسر بلغة أخرى، بسبب الصيغ المختلفة التي طبعها الجغرافيا المذهبية، والبيئات الأكيولوجية المختلفة والروابط الجغرافية مع الهند وآسيا الداخلية([30]). وهكذا فليست المشكلة معاناة المؤرخ المسلم. بل المعاناة هي أن هنالك مسألة أسمها مشكلة التحقيب، وهي مشكلة ليست تواجه التاريخ الإسلامي فقط، بل تواجه علم التاريخ كله.

1 - 6 مشكلة التحقيب التاريخي:

يعاني المؤرخون من مشكلة التحقيب التاريخي، لأن هنالك عدة أمور متشابكة لا بد من وضعها في الحسبان، يأتي على رأس تلك الأمور المدروسة الفكرية التي يتبعها المؤرخ. فكل مدرسة تملي منهجا خاصًا لتقسيم التاريخ إلى حقب. والمشكلة تزداد بالطبع عند تقسيم التاريخ الإسلامي. فإذا نظرنا إلى الإسلام حسبما تمثل في عدد من الكيانات السياسية والاجتماعية والدينية المترابطة والمتباينة في الوقت نفسه، وجدناه مفهومًا يشمل منطقة مترامية الأطراف والسعة من حيث الزمان والمكان؛ حيث ظهرت للإسلام ملامح تختلف من زمن لآخر ومن مكان لآخر، وذلك بتأثير العوامل المحلية والجغرافية والاجتماعية والسياسية. وتزداد صعوبة الأمر عندما يلتزم المؤرخ بوحدة التاريخ الإسلامي التي هي مظهر من مظاهر الدين الإسلامي. وهذا الالتزام لا يعني للمؤرخ النصراني ومثل ذلك يُقال عن المؤرخ المسلم عندما ينظر إلى التاريخ النصراني أو تاريخ أوربا في العصور الوسطى، فكلاهما لا ينظر إلى ذلك التاريخ على أنه تاريخ مقدس، تلك النظرة التي ماتت بنهاية العصور الوسطى الأوربية.

ولقد انتبه المؤرخون إلى تلك المشكلة فوجدوا أن أوضح ترتيب للمعلومات التاريخية وأسهله هو الترتيب الزمني القائم على شكل مدونات متتابعة Chronicle، ذلك أن هذا الترتيب هو تقريبًا القاعدة الموضوعية الثابتة التي يركن إليها المؤرخ بعيدًا عن تقسيمات تعتمد على فكر مسبق أو مدرسة فكرية مسبقة، أو تعتمد على تقسيمات جغرافية أو سياسية. ويتميز الترتيب الزمني، الذي ارتضاه أوائل المؤرخين المسلمين، بأنه أسلوب في غالبه تحكمي.

والتحكمية في تقسيم التاريخ إلى حقب، تتبع من اضطرار بعض المؤرخين إلى إعطاء وصف لفترة تاريخية معينة، وخاصة عند تقسيم تاريخ الأفكار والحركات؛ لأنه نادرًا ما يخلو مؤلف تاريخي من اصطلاحات قد لا تكون دقيقة أو موفقة. فالعبارات الخادعة المضللة مثل (عصر الإيمان، فترة الاستنارة، الثورية الصناعية، قرن التقدم، عصر التدوين، مملكة الإسلام)، تلك الاصطلاحات التي وضعت للدلالة على حقب تاريخية محددة قد تؤدي أحيانًا إلى قدر كبير من الغموض، أو أنها تعطي معنى أكبر مما يقصده واضعوها. والواضح أن التحكمية في اتخاذ مثل تلك التسميات قد يؤدي إلى إيجاد انطباع لدى القارئ بأن التطور المميز أو المثالي لم يكن له وجود في أوقات أخرى بنسب واضحة المعالم. أو بأن العصور المميزة على هذه المشكلة لا يمكن أن يشار إليها بأي اسم آخر. فعندما نصف حقبة تاريخية أوربية بعصر الإيمان؛ قد يعني هذا أن الحقب السابقة واللاحقة لتلك الحقبة لا ترقي في إيمانها إلى حقبة الإيمان. ومثل اصطلاح (الراشدون) الذي يقصد به وصف فترة حكم الخلفاء الأربعة. قد يفهم أن ما بعدها من حقب لا يمكن أن توصف بالرشد. وحتى كلمة الرشد وهي الجذر للصفة الاصطلاحية تحمل معاني كثيرة قد لا تكون في إجمالها ما كان يقصد به عند إطلاق تلك الصفة على تلك الحقبة. وهو ما جعل مؤرخًا من القرن الثامن الهجري يطلق على فترة الخلفاء الراشدين اسم (دولة الأربعة)، وحتى عدد الخلفاء الراشدين يختلف من مؤرخ لآخر فهو مرة أربعة وأخرى خمسة أو ستة([31]).

والواقع أن دراسة التاريخ قد عرض لها خلل بهذا الاتجاه في وصف حقبة محددة في التاريخ بعناوين ليست شاملة شمولاً كاملاً، لا سيما ما جاء من تقسيم التاريخ إلى قديم ومتوسط وحديث؛ فتلك التسميات هي في المقام الأول تسميات غامضة حتى في التاريخ الأوربي التي ابتدعت لـه. وهي قلما تناسب الثقافات الأخرى، وثانيًا فإن تسميات مثل قديم ومتوسط تبدو كأنها حكم مسبق على البعد والسكون والقديم([32]). وثمة حالات جعلت من الأحداث التي كان تاريخها موضوع نزاع ولمّا تثبت بعد، أساسا لتحقيب العصور، مثال ذلك ميلاد المسيح، فحتى الآن لا يوجد دليل على أنه وُلد بالفعل في السنة الأولى من العصر المسيحي، والواقع أن هنالك شبه إجماع في أوساط المؤرخين المشتغلين بتاريخ النصرانية على أن تاريخ ولادة المسيح في السنة الرابعة قبل الميلاد. بل إن عبارة (العصر المسيحي) لم تتداول وتألفها الأسماع إلا منذ القرن السادس الميلادي.

إذن فنحن في حاجة  إلى أساليب أخرى للترتيب غير الترتيب الزمني الكرونولوجي، وهو أمر ممكن. ولا يخلو أي ترتيب من أن ينتابه النقص؛ حتى تقسيم التاريخ إلى موضوعات (التقسيم الموضوعي)، مثل: تاريخ سياسي، وتاريخ ثقافي، وتاريخ اجتماعي، وتاريخ ديني، وتاريخ اقتصادي. إن تقسيمًا مثل هذا، مع وجاهته وضرورته الملحة، لا يستند إلى أساس صلب، علاوة أنه تقسيم يضع الحواجز والعقبات بين الموضوعات التي يصعب فصل بعضها عن بعض؛ فالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية أوضاع متشابكة، بعضها نتائج بعض، ولا يمكن دراستها والبحث فيها منعزلة بعضها عن بعض، وإلا جاءت النتائج ناقصة مضللة([33]).

قد يكون التقسيم على أساس الجغرافيا تقسيمًا موضوعيًا، ولكن الجغرافيا نفسها ليست ثابتة، كما لا تصلح لبعض التواريخ، وبالنسبة للتاريخ الإسلامي فإن الجغرافيا السياسية ليست ذات شأن كبير. ويمكن أن يحقب التاريخ تبعًا للأشخاص أو مجموعات الأشخاص مثل الجماعات والأمم. أليس الشخص بصانع الحدث؟ والتاريخ مجموعة حوادث. وهو اتجاه يبدو فعالاً عند من ينظر إلى التاريخ على أساس أنه من صنع الفرد لا الشعب. وهذا الاتجاه كان هو السائد، وكان متأثرًا بأهمية شخصية النبي e في صنع التاريخ، وانسحب هذا التأثير على من بعده من خلفاء وسلاطين وأئمة.

وما يقال عن مشكلات التحقيب المذكورة آنفًا، يمكن أن يقلا عن التقسيم الماركسي للتاريخ؛ إذا اقتبس كارل ماركس نظرية هيغل لكي يخلق تفسيرًا ماديًا للتاريخ، وإذ صور العوامل التكنولوجية والاقتصادية بأنها العناصر الحاسمة في التطور البشري. فماركس يُغلب فترات الإنتاج ويجعلها علامات بارزة تميز الحقب التاريخية بعضها عن بعض. وقد قامت مناقشات ونشرت كتب ودراسات مختلفة حول التقسيم الماركسي للتاريخ، وهو ما أدى إلى تأخر الأخذ بها مع انتشار التقسيمات الدينية، التي عاقت انتشار التقسيم الماركسي، ولم ينتشر إلا في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوربا الشرقية. وكل ما تأثر به في ميادين التاريخ خارج الدائرة الشيوعية يكمن في مجال التفسير والتحليل، وهو ما يطلق عليه التفسير المادي للتاريخ.

وهكذا يصل المرء إلى قناعة مزدوجة، فالبحث والمحاولة في إعادة تحقيب التاريخ أمران ضروريان، وتزداد ضرورتهما بالنسبة للتاريخ الإسلامي. والقناعة الثانية أن أي تقسيم جديد للتاريخ سيواجه نقصًا أو خللاً وربما معارضة بعض المختصين بالدراسات الإنسانية والاجتماعية، والأمر الذي يجعل تحقيب التاريخ الإسلامي شيئًا ملحًا هو: أهمية إعادة دراسة التاريخ الإسلامي، وكتابته بطريقة متسقة مع التواريخ الإنسانية الأخرى. وهذا في حد ذاته مدعاة لقبول تلك الفكرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القسم الثاني

من 2 – 1 إلى 2 - 9

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2 - 1 تحقيب التاريخ الإسلامي:

التاريخ الإسلامي مثل بقية تواريخ الأمم نشأ صغيرًا ثم شب عن الطوق ويمتاز التاريخ الإسلامي بأنه بحر عظيم، يضم جواهر (حقائق) كثيرة متعددة، وكل جوهره (حقيقة) من تلك الجواهر (الحقائق) تبرز معالم مختلفة عن المكان والزمان في محيط التاريخ الإسلامي الواسع. وأسلوب التحقيب المعتاد للتاريخ الإسلامي ينبع من فكرة بسيطة وهي التركيز على التاريخ السياسي، وجعل كل حقبة سياسية ترتكز على اسم مؤسس تلك الحقبة.وهذا الاستنتاج قد لا يكون واضحًا جدًا في القرن الثاني الهجري، حيث بدايات المنهجية التاريخية، ولكنه يتضح أكثر فأكثر مع تعاقب القرون حتى القرن الثامن الهجري عندما تكتمل فكرة التحقيب التاريخي لدى المسلمين فالتاريخ يبدأ بحقبة النبوة، ثم حقبة الراشدين، ثم حقبة الأمويين فالعباسيين وهكذا مع اختلافات ليست كبيرة. هذا الأسلوب يعتمد على النظرة الملوكية، باعتبار أسماء الأسر الحاكمة المتعاقبة فأصلاً طبيعيًا بين كل حقبة وأخرى، وهو بالمقابل تقسيم يفترض أهمية شخص الحاكم وسياسته.

هذا الاتجاه وان كان ملائمًا وسهلاً لتقسيم بحر من الحقائق التاريخية، فإنه يعطي فرصة كبيرة للنظر إلى التاريخ من خلال شخصية الحاكم؛ فالأحداث السياسية والإجراءات الإدارية مثل تقليد المناصب، والرخاء الاقتصادي، حتى النكبات الطبيعية، كلها تفسر من خلال شخصية الحاكم، وكل شيء معارض يفسر من خلال رد الفعل لسياسة الحاكم. هذا الاتجاه غذته الصراعات السياسية في المجتمعات الإسلامية، وارتكز أيضًا على الأحكام التي أصدرها المسلمون المعاصرون لتلك الأحداث، والذين يسوغون أعمالهم وأفعالهم بالصفات الأخلاقية لبعض الحكام. يبدو أن هذا النوع من النظرة التاريخية نمت عند الخوارج والزيديين ولدى الدعاة العباسيين. ولقد تطرقت إليها الروايات السنية، والتي تقسم التاريخ الإسلامي إلى الحقب التالية:

- الفترة النبوية.

-   الخلافة الراشدية والتي استمرت ثلاثين سنة.

-   ملك بني أمية.

-   دولة بني العباس.

أما لماذا استعمل المؤرخ المسلم اصطلاحات مختلفة فلترات محددة مثل (خلافة، ملك، دولة) فقد لخص هذا الأمر ابن خلدون بأن هذا التقسيم يوحي بالبساطة المتمثلة في أسلوب حياة الأربعة الخلفاء الأوائل، ومقتهم للترف والفخر وحب الدنيا التي يطلبها الخلفاء الأمويون الذين أيدهم المسلمون في بداية الأمر من أجل تجنب ويلات الحرب الأهلية: ولكن منذ أن رغب الخلفاء الأمويون المتأخرون في المباهج الحسية أعطى المسلمون الخلافة للأسرة العباسية ([34]). وتعليل ابن خلدون يمتاز بالبراعة التي اشتهر بها: ولكن ليس الأمر فيما يبدو بهذه البساطة. هنالك من المؤرخين من لا يفضل مثلاً استعمال اصطلاحات مملكة؛ لأن الكلمة في نظره من معجم الفكر الغربي وهي علامة على دول الكفر لا دول الإسلام. وظاهر الأمر أن معجم المفردات السياسية مرتبط ارتباطًا شديدًا بتطور المجتمع الإسلامي وتعرفه على الثقافات المجاورة.

بقراءة متأنية للمؤلفات التاريخية الإسلامية، باستعراض عناوين المؤلفات التاريخية عند ابن النديم في فهرسته؛ التي وصل عددها نحو 381 كتابًا تشمل موضوعات متعددة في التاريخ السياسي والحضاري والاجتماعي نخلص إلى معرفة المادة التاريخية الضخمة وإلى بداية اهتمام المؤرخين العرب بتلك المادة وترتيبها الذي ربما يفسر الفلسفة وراء التحقيب الذي ارتضاه المؤرخون العرب الأوائل. وهي في مجملها تدور حول رؤوس الموضوعات التاريخية الآتية:

1 -  السيرة النبوية.

2 -  أحداث التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول e حتى عصر المؤرخ الذي يقوم بالكتابة.

3 -  تاريخ الجزيرة العربية الاجتماعي قبل الإسلام وخاصة الأنساب والأيام والأديان والأحلاف والمنافرات والأسواق.

4 -  تاريخ الجزيرة العربية السياسي قبل الإسلام، وخاصة في اليمن والحيرة.

5 -  تاريخ الأنبياء والأديان.

6 -  تاريخ الفرس وملوكهم وأخبارهم ونظمهم.

7 -  بعض تاريخ الروم والأمم الأخرى كالهند والصين والقبط ([35]).

لقد تناولت أقلام المؤرخين المسلمين تلك الموضوعات بترتيبات متقاربة، وأغلبها تدخل في دائرة التحقيب القائم على الزمن المطلق، الذي يتبع الترتيب التسلسلي. وهو الابتداء ببحث تاريخ الأقدمين ثم الانتقال إلى المتأخرين. ولم يشذ عن هذا الأسلوب إلاّ قلة قليلة. يأتي على رأسها ثابت بن سنان (ت 365هـ) الذي ألف تاريخًا استفتحه بأبحاث في الأخلاق والسياسة، ثم انتقل بالحديث عن الخليفة المعتضد بالله وهو معاصر للمؤلف، ثم أخذ في إيراد أخبار الخلفاء بعكس السلم الزمني، وهي تجربة فريدة لعل صاحبها يقصد من ورائها لفت أنظار معاصريه من الكتاب والمؤرخين إلى أهمية ابتداع منهج جديد للتحقيب التاريخي، ولكن للأسف لم تجد تلك الطريقة قبولاً، وماتت بموت سنات بن ثابت([36]).

أما أكثر الحقب التي لاقت اهتمام المؤرخين العرب، فهي بلا شك الحقبة التي تبدأ بالبحث المعمق في السيرة النبوية، وتعدّ تلك الحقبة المركز الذي تحيطه الموضوعات التاريخية الأخرى على شكل دوائر، ويقل اهتمام المؤرخ العربي بالموضوعات التاريخية كلما بعدت عن المركز المذكور. إلا في حالة واحدة وهي ذاتها جديرة بالذكر، تلك هي تاريخ ما قبل الإسلام لمكة المكرمة والمدينة المنورة والجزيرة العربية عمومًا. وليس هنالك سبب مقنع لعدم إهمال مؤرخي العرب تلك الفترة التي يطلقون عليها اسم (الجاهلية) سوى ما ورد من توجيه النبي e أن الإسلام يجب ما قبله، وقد فهم المعاصرون للنبي e ومن بعدهم المؤرخون أن هذا يعني ضرورة استئصال كل ما له صلة بالوثنية وتاريخها في الجزيرة العربية، ولكن هذا التوجيه يجب أن ينظر إليه كما نظر المؤرخون إلى ما يروى من توجيه النبي محمد e بعدم التعصب للنسب، إذ لا علاقة لـه بعلم الأنساب الذي اشتهر به المسلمون، ووجد لـه مكان خاص في التراث الإسلامي، فقد فهم ما ورد عن الرسول e حول الأنساب أنه محاولة جريئة لتمزيق قاعدة التفاخر بالأجداد المعتمدة أصلاً على الأنساب. ومع هذا تطور علم الأنساب في الإسلام أكثر مما قدر لـه في الفترات السابقة. أما تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام فقد جعله أكثر المؤرخين مقدمة لتاريخ السيرة النبوية، ولم ينظروا إلى أنه يستحق أن يفرد بحقبة مستقلة، وأحسب أن ذلك كان من باب التدين.

ولعل في استشراق المراحل التي مر بها تدوين التاريخ الإسلامي ما يُفسر الاتجاه لتحقيبه، إذ يرى باحث معاصر أن تدوين التاريخ الإسلامي مر بمراحل ثلاث:

-   المرحلة الأولى: وهي مرحلة تصل إلى مطلع القرن الثاني الهجري، وكانت الكتابات التاريخية فيها تنصب أساسًا على السيرة النبوية. وربما كان هذا الاتجاه نتيجة للشعور الديني الشامل لكل مناحي الحياة بما فيها الحياة الثقافية، من هذا تُعد كتابات عروة بن الزبير (ت 94هـ) وهو فقيه ومحدث، وهو مؤسس دراسة السيرة النبوية، وهو أول من ألف كتابًا في المغازي. ويأتي بعده شرحبيل بن سعد (ت 123هـ) الذي يعكس تطور النظرة الاجتماعية وكتابه (المبتدأ) يُعد([37]) أساسًا معبرًا عن هذه المرحلة.

-   المرحلة الثانية: فتشغل سنوات القرن الثاني الهجري بكامله، وفي هذه المرحلة تعدت الكتابة التاريخية ميدان السيرة النبوية إلى ميادين أكثر شمولاً واتساعًا.

 



([1])     عن معركة الكتب، أنظر :

Rene, W., Dictionary of the history of ideas, ed. Philip wiener, (Charles Scribner’s Sons N. Y 1973). III. p.481.

([2])     يعود الفضل في الاهتمام بالتقسيم العالمي للتاريخ في الغرب إلى جورج فردريك هيغل George Friedrich Hegel (1770- 1831م)، الذي طور هذا النمط من الدراسات التاريخية، وقد اشتهرت دراسته هذه ضمن أطر أوسع عرفت فيما بعد الهيغلية، وهي فلسفة مؤداها الطرح الديليكتيكي، وتهدف إلى تطويع المعرفة العلمية وجعلها في نهاية الأمر الحقيقة النهائية للدين. ويتميز دور أرنولد توينبي Arnold Joseph Toynbee (1889- 1975م)، في أنه أعطى فكرة هيغل الإطار التاريخي البحت، وقد شاعت فكرة عالمية التاريخ، وأن التاريخ يجب أن يقسم إلى فترات أو عصور من منظور عالمي، وذلك عندما أعلن توينبي نظريته المعروفة (بالتحدي والرد). لمزيد من التفاصيل، أنظر:

Colling. R. G., (The Idea of History) Oxford Univ. Press (N. Y. 1947).

وقد ترجم هذا الكتاب محمد بكير خليل، بعنوان "فكرة التاريخ"، ط2 (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر،  1968م)، ص454.

([3])     هنري عبوّد، معجم الحضارات السامية (طرابلس، لبنان، جروس برس، 1988م)، ص834.

([4])                          Berly Smalley, (Historian in the Middle Ages) Thomas and Hudson.

       وقد نقل إلى العربية بعنوان: المؤرخون في العصور الوسطى، ترجمة قاسم عبده، (القاهرة: دار المعارف، 1979م)، ص41. وأنظر أيضًا:

Gerhard Dietrich, (Periodization in History) in Dictionary of the History of Ideas vol. 3, p.481.

       وبخصوص التحقيب عند الإغريق، انظر: هادي إلمر بانز، تاريخ الكتابة التاريخية، ترجمة محمد عبدالرحمن فرح (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م)، ج1، ص31.

([5])     نفسه، ص14.

([6])     لكن الصحيح ما ورد في القرآن الكريم أن السموات والأرضين سبع وليست ست (سورة الطلاق، آية 12).

([7])     نفسه، ص45- 46. بخصوص تقسيم أوغسطين Aurlius Augustius (354- 430م) ذلك القس الذي ولد في شمال أفريقيا من أب وثني وأم نصرانية، فإنه في نظرته لتاريخ الكنيسة النصرانية، ولتاريخ الدول التي عرفها، قد تأثر بالتراث النصراني، وبالمعتقدات الوثنية التي مر بها في صغره، انظر:

Rand. T. K., “Founder of the Middle Ages” Harvard Univ. Press (Cambridge, Mass, 1928).

       وعن محاولة سكتوس، انظر: إلمر بارنز، تاريخ الكتابة التاريخية، ص31- 37.

([8])     بول أوروسيوس، تاريخ العالم، ترجمة د. عبدالرحمن البدوي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، 1982م).

([9])     Rosenthal. F. (The Influence of Biblical Tradition on Muslim Histography) in: Lewis, B. and Holt, P. M. (Historians of the Middle East) Oxford Univ. Press (London, 1962).

([10])   انظر آراء كل من جولدسهير Goldziher ودي سمرجي de Smorgyi مبثوثة في: فرانز روزنتال، عالم التاريخ عند المسلمين، ترجمة صالح العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1982م).

([11])   لمزيد من الإشارات حول تأثير المؤرخ المسلم بالقرآن والمصادر السماوية الأخرى، انظر هاملتونجب، علم التاريخ، ترجمة إبراهيم خورشيد ويونس عبدالحميد، (بيروت: دار الكتاب اللبناني،
1983م)، ص66- 67.

([12])   عزيز العظمة، الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية، ط1 (بيروت: دار الطليعة، 1983م)، ص56- 57 وبخصوص تاريخ رشيد الدين، انظر: بيرلي سمالي، المؤرخون في العصور الوسطى، ص53.

([13])   محي الدين إسماعيل، توينبي: منهج التاريخ وفلسفة التاريخ (بغداد: منشورات وزارة الإعلام، 1977م)، ص10.

([14])   قسطنطين زريق، نحن والتاريخ، ط2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1963م)، ص36

([15])   محي الدين إسماعيل، توينبي: منهج التاريخ وفلسفة التاريخ، ص10.

([16])   بيرلي سمالي، المؤرخون في العصور الوسطى، ص123، جدير بالذكر أن بندينو كروتشه Benedete Crocé (1866- 1952م)، عالم الجمال الإيطالي، من أشهر الفلاسفة الذين اهتموا بمسألة العلاقة بين الفلسفة والتاريخ، وهو مؤسس "مدرسة العقلانية في علم التاريخ" ومن أهم آرائه أنه ينكر فلسفة التاريخ على أساس أن التاريخ فلسفة، أو أن الفلسفة تاريخ، ويرى كروتشه أن المعاصر هي أساس الكتابة التاريخية، حيث أن الحوادث الماضية لا توجد إلا حينما يفكر فيها المؤرخ، وفي هذه اللحظة توجد وتصبح معاصرة بالنسبة للمؤرخ.

([17])   عبدالحميد صديقي، تفسير التاريخ، ترجمة كاظم الحواري (الكويت: الدار الكويتية، 1980م)، ص61- 62، ولقد قدم J. Sibree شرحًا وفيًا لنظرة هيغل في كتابه الموسوم: Hegel's Philosophy History

([18])   الكافيجي، محي الدين محمد بن سليمان (ت 879هـ)، المختصر في علم التاريخ، ضمن كتاب روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص326.

([19])   السخاوي، عبدالرحمن بن محمد (ت 902هـ)، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، ضمن كتاب روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، ص385.

([20])   الكافيجي، ص318- 332. انظر أيضًا السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر
(ت 911هـ)، الشماريخ في علم التاريخ، تحقيق محمد إبراهيم الشيباني، (الكويت: الدار السلفية للطباعة والنشر، 1399هـ)، ص18، حيث ذكر أن النبي
e استعمل تاريخ الهجرة، وذلك في كتاب لنصاري نجران، وأمر عليًا أن يكتب له كتب لخمس من الهجرة.

([21])   هاملتون جب، عمل التاريخ، ص18. هنالك اختلافات طفيفة بخصوص كلمة (تاريخ). فمصدر (أرخ) بلغة قيس، وهو اللفظ الشائع عند العرب، وهناك مصدر آخر هو (ورخ) بلغة تميم. وهو لفظ نادر الاستعمال، ويزعم قلة من الكتاب أن كلمة (تاريخ) العربية أصلها (يارنج) العبرية، وتعني القمر، أو (يرخ) بمعنى الشهر، وعلى أساس ما سلف يكون معنى لفظ (تاريخ) التوقيت، أي تحديد الشهر، هذا التحليل يبدو غير مقنع لروزنثال الذي يستبعد أيضًا؛ الأصل الأكدي (آرخو) للكلمة العربية، لزيد من التفاصيل، انظر: السيد عبدالعزيز سالم، التاريخ والمؤرخون العرب (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1981م)، ص17.

([22])   Bloch, Maerc, Apolobige pour L'histoire uo Metier d'historien Armand Colin (paris, 1949), p.4.

([23])   لمزيد من التفاصيل بخصوص تشبث المؤرخين بالزمن، انظر: جفري باراكلو، الاتجاهات العامة في الأبحاث التاريخية، ترجمة صالح العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984م)، ص68.

([24])   نفسه، ص68- 69.

([25])   الزمن المطلق والزمن الجغرافي والزمن الاجتماعي اصطلاحات ارتضاها الفلاسفة عند النظر إلى الزمن فالأولى يعني امتداد الزمن وعدم ارتباطه بأي مؤثر، والثاني أثر الموقع الجغرافي والبيئة الجغرافية في تحديد الزمن، والثالث أثر الإنسان وثقافته وحضارته في تحديد الزمن وتعريفه، نفسه، ص68 وما بعدها.

([26])   انظر: مناقشة مستفيضة لهذا الرأي في: هاملتون جب، علم التاريخ، ص65.

([27])   ألبرت حوراني، الوضع الراهن لكتابة التاريخ الإسلامي والشرق الأوسط، ترجمة خيرية قاسمية، مجلة الفكر العربي، العدد 28، السنة الرابعة (سبتمبر 1982م)، ص81.

([28])   أحمد أمين، ضحى الإسلام، ط7 (القاهرة: مكتبة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1964م)، ج1، ص359.

([29])   ألبرت حوراني، الوضع الراهن، ص91

([30])   نفسه، ص95.

([31])   ليست التحكمية في اختيار الحقب التاريخية سيئة دائمًا، فقد تكون ضرورية، والتحكمية قد تصبغ حقبة تاريخية لها ما يميزها ويبرزها بسهولة عما عداها من حقب، لمزيد من المناقشات حول تلك المشكلة انظر:

Gottschalk, Louis, Understanding History; A Primer of Historical Method, Alfred A. Knopf (N. Y. 1950).

       وقد ترجم الكتاب عائدة سليمان عارف، وأحمد مصطفى أبو حاكمة، بعنوان "كيف نفهم التاريخ: مداخله إلى تطبيق المنهج التاريخي"، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1966م)، بخصوص اصطلاح (دولة الأربعة)، انظر: مقدمة ابن الطقطقي (ابن طباطبا)، محمد بن علي (ت 709هـ)، الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية، (بيروت: دار صادر، 1966م). ويظهر أنه استعمل هذا الاصطلاح تحاشيًا للإحراج من إطلاق صفة الراشدين على الخلفاء الثلاثة الأول، وهي الشيعي الذي لا يرى لهم هذه الصفة.

([32])   لويس جوتشك، كيف نفهم التاريخ، ص233.

([33])   عبدالعزيز الدوري، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، ط2 (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1960م)، ص5.

([34])   ابن خلدون، عبدالرحمن بن محمد (ت 808هـ)، المقدمة، تحقيق علي عبدالرحمن وافي (القاهرة: لجنة البيان العربي، 1957م). ناقش ابن خلدون في مقدمته ذلك الاتجاه، ولمزيد من المناقشات النظرية انظر:

Morony, M. (Bayn al-Fitnatayn: Problems in the Periodization of Early Islamic History) IJMES 40 (1981), p.247.

([35])   شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون: دراسة في تطور علم التاريخ ومعرفة رجاله في الإسلام، ج1 (بيروت: دار العلم للملايين، 1979م)، ص101- 102، لقد نقل الباحث حرفيًا إلى حد كبير رؤوس الموضوعات التي أوردها شاكر مصطفى في كتابه، وهي في مجملها تشمل أغلب الموضوعات المنتشرة في أدبيات التاريخ الإسلامي.

([36])   نفسه، ص94- 98. لقد ناقش المؤلف بشيء من الاستفاضة تلك الأفكار، ومع وجاهة تطلعاته الفكرية، إلا أنه لم يصل إلى نتيجة يراها الباحث حتمية الاستنتاج من خلال السياق الذي رسمه المؤلف نفسه، تلك النتيجة هي أن المراحل الثلاث التي مر بها تدوين التاريخ الإسلامي، هي نفسها التي أصبحت حقبًا ثلاث للتاريخ الإسلامي مدة طويلة تبدأ من القرن الأول حتى نهاية القرن الثالث.

([37])   عبدالعزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب (العين، مركز زايد للتراث والتاريخ)، ص24- 26.

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx